Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الأول : أن المراد كل عباد الله من المكلفين ، وهذا قول أبي علي الجبائي ، قال والدليل عليه أن الله تعالى إستثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله : { إلا من اتبعك } ( الحجر : 42 ) ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة وأكد ذلك بقوله تعالى : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } ( إبراهيم : 22 ) . وأيضا فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل وأهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم . ثم قال وإنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف فيحدث ذلك المرض . والقول الثاني : أن المراد بقوله : { إن عبادى } أهل الفضل والعلم والإيمان لما بينا فيما تقدم / أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان ، والدليل عليه أنه قال في آية أخرى : { إنما سلطانه على الذين يتولونه } ( النحل : 100 ) . ثم قال : { وكفى بربك وكيلا } وفيه بحثان : البحث الأول : أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة ، وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال : { وكفى بربك وكيلا } ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه . البحث الثاني : هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة ، لأنه لو كان الإقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال : وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان ، فلما لم يقل ذلك بل قال : { وكفى بربك } علمنا أن الكل من الله ، ولهذا قال المحققون : لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : أن إبليس هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله : { واستفزز من استطعت منهم } هو إله العالم أو لم يعلم ذلك ؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال : { فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعا له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة ؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال : { قال أرءيتك هاذا الذى كرمت } . والجواب : لعله كان شاكا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن . والسؤال الثاني : ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة ؟ والحكيم إذا أراد أمرا وعلم أن شيئا من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع . والجواب : أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب ، وأما المعتزلة فلهم قولان : قال الجبائي : علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس ، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة ، وقال أبو هاشم : لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة ، إلا أنه تعالى أبقاه تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب ، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر ، وبالغنا في الكشف عنهما ، والله أعلم .
! 7 < { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } > 7 < الإسراء : ( 66 - 69 ) ربكم الذي يزجي . . . . . > > اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته ، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد ، والمذكور ههنا الوجوه المستنبطة من الانعامات في أحوال ركوب البحر . فالنوع الأول : كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله : { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر } والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله : { ببضاعة مزجاة } والمعنى : ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيما ، والخطاب في قوله : { ربكم } وفي قوله : { إنه كان بكم } عام في حق الكل ، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها . والنوع الثاني : قوله : { وإذا مسكم الضر فى البحر } والمراد من الضر ، الخوف الشديد كخوف الغرق : { ضل من تدعون إلا إياه } والمراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك . وإنما يتضرع إلى الله تعالى ، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص { وكان الإنسان كفورا } لنعم الله بسبب أن عند الشدة / يتمسك بفضله ورحمته ، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره . والنوع الثالث : قوله : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر } قال الليث : الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء . يقال : عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس ، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء ، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر . فقوله : { ءان يخسف بكم جانب البر } أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض ، وإنما قال { جانب البر } لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب ، والبر جانب ، خبر الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضا على أن يغيبهم في الأرض ، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب ، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر ، فلما نجاهم منه آمنوا ، فقال : هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هو البر ؟ فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق ، أما من جانب التحت فبالخسف . وأما من جانب الفوق فبامطار الحجارة عليهم ، وهو المراد من قوله : { أو نرسل عليكم حاصبا } فكما لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى عند ركوب البحر ، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال . ومعنى الحصب في اللغة : الرمي . يقال : حصبت أحصب حصبا إذا رميت والحصب المرمي . ومنه قوله تعالى : { حصب جهنم } أي يلقون فيها / ومعنى قوله : { حاصبا } أي عذابا يحصبهم ، أي يرميهم بحجارة ، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب ، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصبا لأنه يرمي بهما رميا . وقال الزجاج : الحاصب التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر وقوله : { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } يعني لا تجدوا ناصرا ينصركم ويصونكم من عذاب الله ، ثم قال : { أم أمنتم أن نعيدكم فيه } أي في البحر تارة أخرى وقوله : { فيرسل عليكم قاصفا } من الريح القاصف الكاسر يقال : قصف الشيء يقصفه قصفا إذا كسره بشدة ، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر ، وأراد ههنا ريحا شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله : { فيغرقكم بما كفرتم } أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا . قال الزجاج : أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم ، وتبيع بمعنى تابع .
واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة : وهي قوله : { ءان نخسف أو نرسل أو نعيدكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون ، والباقون بالياء ، فمن قرأ بالياء ، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو قوله : { من تدعون إلا إياه فلما نجاكم } ( الإسراء : 67 ) ومن قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام ، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد . ألا ترى أنه قد جاء { وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا } فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك ههنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب ، والمعنى واحد والكل جائز والله أعلم . ! 7 < { ولقد كرمنا بنىءادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } > 7 ! < < الإسراء : ( 70 ) ولقد كرمنا بني . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله تعالى على الإنسان وهي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أربعة أنواع : النوع الأول : قوله : { ولقد كرمنا بنىءادم } واعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس ، والبدن ، فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي ، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي . وتقرير هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث . وهي الأغتذاء والنمو والتوليد ، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة ، والحركة بالاختيار ، فهذه القوى الخمسة أعني الاغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة للنفس الإنسانية ، ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي . وهي التي يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح والأجسام كما هي وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح المجردة الإلهية ، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى النباتية والحيوانية ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ونقصانات القوى الجسمية ، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله تعالى : { الله نور السماوات والارض } ( النور : 35 ) فإنا ذكرنا هناك عشرين وجها في بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة في الإعادة ، وأما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم ، فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } هذا النوع من الفضائل وذكروا أشياء ، أحدها : روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولقد كرمنا بنىءادم } قال : كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه . وقيل : إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء في / التفسير عن جدك في قوله تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه . وثانيها : قال الضحاك : بالنطق والتمييز وتحقيق الكلام أن من عرف شيئا ، فأما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشيء أو يقدر على هذا التعريف . أما القسم الأول : فهو حال جملة الحيوانات سوى الإنسان ، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما وافيا .
وأما القسم الثاني : فهو الإنسان ، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا ، وبهذا البيان ظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف ، لأنه وإن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان ، فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة وبطريقة الكتابة وغيرهما ولا يدخل فيه الببغاء ، لأنه وإن قدر على تعريفات قليلة ، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام . وثالثها : قال عطاء : بامتداد القامة . واعلم أن هذا الكلام غير تام لأن الأشجار أطور من قامة الإنسان بل ينبغي أن يشترط فيه شرط / وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية ، والقوى الحسية والحركية . ورابعها : قال بيان بحسن الصورة ، والدليل عليه قوله تعالى : { وصوركم فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) لما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان قال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } وقال : { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } ( البقرة : 138 ) وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان وهو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر ، وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب . وخامسها : قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط . وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلا . أما إذا استنبط الإنسان علما وأودعه في الكتاب ، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب ، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون ، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات ، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتبة ، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى : { اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } . وسادسها : أن أجسام هذا العالم إما بسائط وإما مركبات ، أما البسائط فهي الأرض والماء / والهواء والنار . والإنسان ينتفع بكل هذه الأربع ، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة . قال تعالى : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ( طه : 55 ) وقد سماها الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا ، وهي الفراش والمهد ، والمهاد ، وأما الماء فانتفاعنا به في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر ، وأيضا سخر البحر لنأكل منه لحما طريا ، ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر فيه ، وأما الهواء فهو مادة حياتنا ، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة ، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة ونضجها ، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة ، وهي الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر : ومن يرد في الشتاء فاكهة فإن نار الشتاء فاكهته
وأما المركبات فهي إما الآثار العلوية ، وإما المعادن والنبات ، وأما الحيوان والإنسان كالمستولي على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ومصالحها مضروفة إلى الإنسان فيه كالرئيس المخدوم ، والملك المطاع وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد ، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل والله أعلم . وسابعها : أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة ، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الإنسان ، ولا شك أن الإنسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية المحضة ، وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن السبعية ، ولا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات . بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر ؟ والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين ؟ وذلك بحث آخر . وثامنها : الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا معا وهو الله سبحانه وتعالى ، وإما أن يكون ولا أزليا لا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان ، وهذا أخس الأقسام ، وإما أن يكون أزليا لا أبديا وهو الممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وإما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا ، وهو الإنسان والملك ، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات الله تعالى . وتاسعها : العالم العلوي أشرف من العالم السفلي ، وروح الإنسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس في موجودات / العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي . وعاشرها : أشرف الموجودات هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله تعالى أتم ، وجب أن يكون أشرف ، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان ، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ومن تمام كرامته على الله تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال : { اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم } ( العلق : 1 4 ) ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال : { ولقد كرمنا بنىءادم } ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ( الإنفطار : 6 ) وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان والله أعلم . والوجه الحادي عشر : قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون . ومن كان مخلوقا بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل ، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل والله أعلم .
النوع الثاني : من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله : { وحملناهم فى البر والبحر } قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفن ، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا ، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه ، وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم ، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له . النوع الثالث : من المدائح قوله : { ورزقناهم من الطيبات } وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان . النوع الرابع : قوله : { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } وههنا بحثان : البحث الأول : أنه قال في أول الآية : { ولقد كرمنا بنىءادم } وقال في آخرها : { وفضلناهم } / ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار ، والأقرب أن يقال : إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل . البحث الثاني : أنه تعالى لم يقل : وفضلناهم على الكل بل قال : { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلا عليه ، وكل من أثبت هذا القسم قال : إنه هو الملائكة . فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان ، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين : البحث الأول : أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة ؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم } ( البقرة : 34 ) . والبحث الثاني : أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل ؟ منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة . واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال : قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة ، فقال : وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له { كن } فكان . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده . هكذا أورده الواحدي في ( البسيط ) ، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية ، وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال : إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد ، وذلك تمسك بدليل الخطاب والله أعلم . ! 7 < { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه بيمينه فأولائك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الا خرة أعمى وأضل سبيلا } > 7 < الإسراء : ( 71 - 72 ) يوم ندعوا كل . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته في الآخرة في هذه الآية وفيها مسائل :
المسألة الأولى : قرىء يدعو بالياء والنون ويدعى كل أناس على البناء للمفعول وقرأ الحسن يدعو كل أناس قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجها لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ يدعى بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوي أنه قرأ يدعو . المسألة الثانية : قوله يوم ندعو نصب بإضمار اذكر ولا يجوز أن يقال العامل فيه قوله وفضلناهم لأنه فعل ماض ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب .
المسألة الثالثة : قوله : { بإمامهم } الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته ، والخليفة إمام رعيته ، والقرآن إمام المسلمين وإمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة وذكروا في تفسير الإمام ههنا أقوال ، القول الأول : إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادي يا أتباع فرعون يا أتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر وعلى هذا القول فالباء في قوله بإمامهم فيه وجهان . الأول : أن يكون التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعا وشيعة لأمامهم كما تقول ادعوك باسمك . والثاني : أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده . والقول الثاني : وهو قول الضحاك وابن زيد بإمامهم أي بكتابهم الذي أنزل عليهم وعلى هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل . والقول الثالث : قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبي العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماما قوله تعالى : { وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين } ( يس : 12 ) فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماما ، وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك ادفعه إليه برمته أي ومعه رمته . القول الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب ( الكشاف ) وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته . والقول الخامس : أقول في اللفظ احتمال آخر وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولي على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفي جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو / الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك المطاع والرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بمراده ثم قال تعالى : { فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا } قال صاحب ( الكشاف ) إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع والفتيل القشرة التي في شق النواة وسمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه انفتل وهذا يضرب مثلا للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير في ضرب المثل به والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله : { ولا يظلمون شيئا } ( مريم : 60 ) ، { فلا يخاف ظلما ولا هضما } ( طه : 112 ) وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الفتيل هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضا قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازي الشديدة فيستولي الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارىء لأهل الحشر : { هاؤم اقرؤا كتابيه } ( الحاقه : 19 ) فظهر الفرق والله أعلم ثم قال تعالى : { ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى وأضل سبيلا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائي ومن كان في هذه أعمى بالامالة والكسر فهو في الآخرة أعمى بالفتح وقرأ بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية بالامالة فيهما ، قال أبو علي الفارسي الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الامالة وأما في الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة والحاصل أن إدخال الأمالة في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها في الثانية يدل على أن المراد منها أفعل التفضيل والله أعلم . المسألة الثانية : لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى : { ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى } عمى البصر بل المراد منه عمى القلب ، أما قوله فهو في الآخرة أعمى ففيه قولان : القول الأول : أن المراد منه أيضا عمى القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه . الأول : قال عكرمة : جاء نفر من أهل / اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال : اقرأ ما قبلها فقرأ { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر } ( الإسراء : 66 ) إلى قوله { تفضيلا } ( الإسراء : 66 70 ) قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا وعلى هذا الوجه فقوله في هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة . وثانيا : روى أبو ورق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلا وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه فقوله فمن كان في هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا . وثالثها : قال الحسن من كان في الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته وفي الدنيا يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك البتة . ورابعها : أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة . وخامسها : أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم بلذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد في الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شيء من أنوار معرفة الله تعالى فيبقون في ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى . القول الثاني : أن يحمل العمى الثاني على عمى العين والبصر فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر كما قال : { ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذالك أتتك اياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى } ( طه : 124 126 ) وقال : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } وهذا العمى زيادة في عقوبتهم والله أعلم .
! 7 < { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينآ إليك لتفترى علينا غيره وإذا لآتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } > 7 < الإسراء : ( 73 - 75 ) وإن كادوا ليفتنونك . . . . . > > /إعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر والتلبي فقال : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا ، وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس ، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم ، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا ، فقل : الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع ، فصاح عليهم عمر وقال : أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه ؟ فأنزل الله هذه الآية ، وروى صاحب ( الكشاف ) أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون ، فقالوا ولا يجبون ، فسكت رسول الله ، ثم قالوا للكاتب : اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه ، وقال : أسعرتم قلب نبينا يا معشر قريش ، أسعر الله قلوبكم نارا . فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا ، فنزلت هذه الآية واعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية . وروى أن قريشا قالوا له : اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة ، حتى نؤمن بك . فنزلت هذه الآية وقال الحسن : الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا : كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقا كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك فوقع في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن شتم آلهتهم . وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية ، وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لا ندعك حتى تستلم آلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتأكيد وإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والمعنى إن الشأن ( أنهم ) قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ( و ) أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذابه / لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشيء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } أي يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن ، والمعنى عن حكمة وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن ، وقوله : { لتفترى علينا غيره } أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم : قل الله أمرني بذلك { وإذا لآتخذوك خليلا } أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم وراض بشركهم ثم قال : { ولولا أن ثبتناك } أي على الحق بعصمتنا إياك { لقد كدت تركن إليهم } أي تميل إليهم شيئا قليلا وقوله : { شيئا } عبارة عن المصدر أي ركونا قليلا ، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم . قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) ثم توعده في ذلك أشد التوعد فقال : { إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات } أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله فإن الرجل إذا قال لوكيله أعط فلانا شيئا فأعطاه درهما فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك الدرهم مثله إذا عرفت هذا فنقول : إنا حسن إضمار العذاب في قوله : { ضعف الحيواة وضعف الممات } لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله : { ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا فى النار } ( ص : 61 ) وقال : { لكل ضعف ولاكن لا تعلمون } ( الأعراف : 38 ) وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى : { عظيما يانساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) فإن قيل قال عليه السلام : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضي بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل أحد من أولئك الكفار وعلى هذا التقدير يكون عقابه زائدا على الضعف قلنا إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب وهو حجة ضعيفة ثم قال تعالى : { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يعني إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحدا يخلصك من عذابنا وعقابنا والله أعلم .
المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه . الأول : أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على الله ، والفرية على الله من أعظم الذنوب . والثاني : أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم ويميل إلى مذهبهم . والثالث : أنه لولا سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول : أن / كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة ، وهذا القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلانا لا يفهم منه أنه ضربه ، والجواب عن الثاني : أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ، تقول لولا علي لهلك عمر ، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر ، فكذلك ههنا قوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم } معناه أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعا من حصول ذلك الركون ، والجواب عن الثالث : أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها والدليل عليه آيات منها قوله : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين } ( الحاقة : 44 46 ) ومنها قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ومنها قوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) والله أعلم . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى بقوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت الله تعالى له لمال إلى طريقة الكفار ولا شك أن محمد صلى الله عليه وسلم كان أقوى من غيره في قوة الدين وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوما عن الكفر والضلال لم يحصل إلا باعانة الله تعالى وإغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى . قالت المعتزلة : المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهي ما خطر بباله من ذكر وعده ووعيده ، ومن ذكر أن كونه نبيا من عند الله تعالى يمنع من ذلك ، والجواب : لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله الله يمنع الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور ، فنقول : لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذا المانع الذي فعله الله منع ذلك المقتضى من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل ، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل ونحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى والله أعلم .
المسألة الخامسة : قال القفال رحمه الله : قد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية الوجوه المذكورة ، ويمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها فيه لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه ، فتارة كانوا يقولون : إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك ، فأنزل الله تعالى : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ( الكافرون : 1 ، 2 ) وقوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فأنزل الله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ( طه : 131 ) ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل الله تعالى قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب / وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه ، فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم والمنهج المستقيم ، وعلى هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيء من تلك الروايات . والله أعلم . ! 7 < { وإن كادوا ليستفزونك من الا رض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا } > 7 < الإسراء : ( 76 - 77 ) وإن كادوا ليستفزونك . . . . . > > في هذه الآية قولان : الأول : قال قتادة : هم أهل مكة هموا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ، ولكن الله منعهم من اخراجه ، حتى أمره الله بالخروج ، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر وهذا قول مجاهد . والقول الثاني : قال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا : يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم . فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة قيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت هذه الآية فرجع . فالقول الأول اختيار الزجاج وهو الوجه لأن السورة مكية فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية ، والأرض في قوله : { ليستفزونك من الارض } على القول الأول مكة وعلى القول الثاني المدينة وكثر في التنزيل ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله : { أو ينفوا من الارض } ( المائدة : 33 ) يعني من مواضعهم وقوله : { فلن أبرح الارض } ( يوسف : 80 ) يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة ، فإن قيل قال الله تعالى : { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك } ( محمد : 13 ) يعني مكة والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه وقال في هذه الآية : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها } فكيف ( يمكن ) الجمع بينهما على قول من قال الأرض في هذه الآية مكة ؟ قلنا : إنهم هموا بإخراجه وهو عليه السلام ما خرج بسبب إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى ، فزال التناقض . ثم قال تعالى : { وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عن عاصم خلفك بفتح الخاء وسكون اللام / والباقون خلافك زعم الأخفش أن خلافك في معنى خلفك وروى ذلك يونس عن عيسى وهذا كقوله : { بمقعدهم خلاف رسول الله } ( التوبة : 81 ) وقال الشاعر : عفت الديار خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصير قال صاحب ( الكشاف ) قرىء لا يلبثون وفي قراءة أبي لا يلبثوا على إعمال إذن ، فإن قيل : ما وجه القراءتين ؟ قلنا : أما السابقة فقد عطف فيها الفعل على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد والفعل في خير كاد واقع موقع الاسم وأما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها التي هي قوله : { إذا لابتغوا يلبثون } عطف على جملة قوله : { وإن كادوا ليستفزونك } ثم قال تعالى : { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } يعني أن كل قوم أخرجوا نبيهم من ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم فقوله : { سنة } نصب على المصدر المؤكد أي سننا ذلك سنة فيمن قد أرسلنا قبلك ثم قال : { ولا تجد لسنتنا تحويلا } والمعنى أن ما أجرى الله تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة وتمام الكلام في هذا الباب أن اختصاص كل حادث بوقته المعين وصفته المعينة ليس أمرا ثابتا له لذاته وإلا لزم أن يدوم أبدا على تلك الحالة وأن لا يتميز الشيء عما يماثله في تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص وذلك التخصيص هو أنه تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت ثم يتعلق علمه بحصوله في ذلك الوقت ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التي هي المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر ولزم التسلل وهو محال وإن كانت قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ولما كان التغير على تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعا كان التغير في تلك الأشياء المقدرة ممتنعا فثبت بهذا البرهان صحة قوله تعالى : { ولا تجد لسنتنا تحويلا } . ! 7 < { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } > 7 < الإسراء : ( 78 - 81 ) أقم الصلاة لدلوك . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها . الثاني : أنه تعالى لما قال : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض } أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالبا على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناء اليل فسبح وأطراف النهار لعلك } ( طه : 130 ) وقال : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 97 99 ) والوجه الثالث : في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطانا نصيرا في تقرير دينك وإظهار شرعك والله أعلم . المسألة الثانية : اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين . أحدهما : أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة ، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال : دلوك الشمس غروبها . وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال : دلوك الشمس غروبها ، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين . والقول الثاني : أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه . الحجة الأولى : روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال : ( طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس ) . الحجة الثانية : روى صاحب ( الكشاف ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر ) . الحجة الثالثة : قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة ، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة . هكذا قاله الأزهري وقال القفال : أصل الدلوك الميل ، يقال : مالت الشمس للزوال ، ويقال : مالت للغروب ، إذا عرفت هذا / فنقول : وجب أن يكون المراد من الدلوك ههنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك / والدلوك عبارة عن الميل والزوال ، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة : أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال والله أعلم . الحجة الرابعة : قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار ، والمعنى { أقم الصلواة } أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : { أقم الصلواة } فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية ، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال ، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر :
هذا مقام قدمي رباح وقفت حتى دلكت براح وبراح اسم الشمس أي حتى غابت ، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة : مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم ولا أفلاكهن الدوالك واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضا على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها ، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها ( و ) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه ، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب . والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الواحدي : اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس . المسألة الرابعة : قوله : { أقم الصلواة لدلوك } غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي : غسق الليل غسوقا ، والغسق : الاسم ، بفتح السين . وقال النضر بن شميل : غسق الليل دخول أوله ، وأتيته حين غسق الليل ، أي حين يختلط ويسد المناظر ، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال : غسقت العين تغسق . وهو هملان العين بالماء ، والغاسق السائل ، ومن هذا يقال لما يسيل من / أهل النار : الغساق ، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه ، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم ، وأما قول المفسرين ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما غسق الليل ؟ قال أوله حين يدخل . وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق : قال دخول الليل بظلمته ، وقال الأزهري : غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها ، يقال : غسقت العين إذا امتلأت دمعا ، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دما ، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى / واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره ، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر والله أعلم .
المسألة الخامسة : قوله وقرآن الفجر أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد . الأولى : أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة . الفائدة الثانية : أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجرا لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل ، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير والله أعلم . الفائدة الثالثة : أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله وقرآن الفجر الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل / على كونه أكمل من غيره . الفائدة الرابعة : أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهودا . قال الجمهور : معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم . وأقول هذا أيضا دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى : { إنه كان مشهودا } دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى : { إنه كان مشهودا } احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الإستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم / فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم ، والضوء مناسب للحياة والوجود . وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود .
وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهودا عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحا وراحة ومزيدا في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده . وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهودا بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد / لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونورا وراحة . الفائدة الخامسة : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهودا هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها ، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة . فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة ، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة ، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها . إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس . وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر / إلا أن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه . إذا عرفت هذا فنقول : مرض حب الدنيا مستول على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس ، وقل من يقبله وينقاد له . لا جرم ( أن ) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعا والله أعلم بأسرار كلامه .
أما قوله تعالى : { ومن اليل فتهجد به نافلة لك } فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث : البحث الأول : التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله فتهجد به أي بالقرآن كما قال : { قم اليل إلا قليلا } ( المزمل : 2 ) إلى قوله : { ورتل القرءان ترتيلا } ( المزمل : 4 ) . البحث الثاني : قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في الشعر يقال : / أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد : هجدنا فقد طال السرى كأنه قال : نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجدا لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لألقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم . ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج والإثم والحوب عن نفسه . وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلبا لذلك الهجود فسمي تهجدا لهذا السبب . وفيه وجه ثالث : وهو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال : أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجودا ورقادا فلا يبعد أنه سمي تهجدا لهذا السبب . البحث الثالث : قوله : { من } في قوله : { ومن اليل } لا بد له من متعلق والفاء في قوله : { فتهجد } لا بد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به وقوله : { به } أي بالقرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن .
البحث الرابع : معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى : { يسألونك عن الانفال } ( الأنفال : 1 ) ومعناها أيضا في هذه الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة ، أي تطوعا وزيادة على الفرائض ، وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها ( نافلة ) وجها حسنا قالا إنه تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب البتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة / فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال : { نافلة لك } يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك وتقريره ما ذكرناه . وأما الذين قالوا : إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد / أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجبا فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائدا على وجوب الصلوات الخمس والله أعلم . البحث الخامس : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر } وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصا بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلا والله أعلم . ثم قال تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه كان عارا والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شيء ثم لا يعطيه ذلك . وقوله : { مقاما محمودا } فيه بحثان : البحث الأول : في انتصاب قوله محمودا وجهان . الأول : أن يكون انتصابه على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محمودا . والثاني : أن يكون نعتا للمقام وهو ظاهر .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟