Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V21/P042–V21/P043

المسألة السادسة : في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية . الحجة الأولى : قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن . الحجة الثانية : قوله تعالى : { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام : 93 ) وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه . الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 12 ، 13 ) إلى قوله : { فكسونا العظام لحما } ( المؤمنون : 14 ) ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وكلمة من للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة . الحجة الرابعة : قوله : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله : { من روحى } دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد . الحجة الخامسة : قوله تعالى : { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس : 7 ، 8 ) وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك حقا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك ، وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضا بالإدراك والتحريك وموصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفا بكل هذه الأمور . / الحجة السادسة : قوله تعالى : { ءان خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) فهذا تصريح بأن الإنسان شيء واحد وذلك الشيء هو المبتلي بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية وهو الموصوف بالسمع والبصر ومجموع البدن ليس كذلك وليس عضوا من أعضاء البدن كذلك فالنفس شيء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه الصفات . واعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير هذا الجسد ، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يعرف الروح وهذا من العجائب والله أعلم .

قسم V21/P043

المسألة السابعة : في دلالة الآية التي نحن في تفسيرها على صحة ما ذكرناه أن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحا مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال : { إنه من أمر ربي } بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له : { كن فيكون } ( البقرة : 117 ) دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد واعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب الرياضيات وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال الواسطي : خلق الله الأرواح من بين الجمال والبهاء فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر ، وأما بيان أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى جملة الأعضاء فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء : 193 ، 194 ) واحتج المنكرون بوجوه . الأول : لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية وذلك محال . الثاني : قوله تعالى : { قتل الإنسان ما أكفره من أى شىء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 17 22 ) وهذا تصريح بأن الإنسان شيء مخلوق من النطفة ، وأنه يموت ويدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه من القبر ، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة . الثالث : قوله : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله } إلى قوله : { يرزقون فرحين } ( آل عمران : 169 ، 170 ) وهذا يدل على أن الروح جسم لأن الأرزاق والفرح من صفات الأجسام . الجواب عن الأول : أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفة سلبية والمساواة في الصفة السلبية لا توجب المماثلة واعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلا للإله أو جزءا للإله وذلك جهل فاحش وغلط قبيح وتحقيقه ما ذكرناه من أن المساواة في السلوب / لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات وأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا في سلب كل ما عداهما ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة فإنها مغلطة عظيمة للجهال ، والجواب عن الثاني : أنه لما كان الإنسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان في العرف ، والجواب عن الثالث : أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم ويكمل كمالهم وهو معرفة الله ومحبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا يدل على أن الروح غير البدن وليكن هذا آخر كلامنا في هذا الباب ولنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وعلى قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين ، أما المفسرون فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا ؟

قسم V21/P043–V21/P044

فقال عليه الصلاة والسلام : ( بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا ) فقالوا ما أعجب شأنك يا محمد ساعة تقول : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) وساعة تقول هذا . فنزل قوله : { ولو أن ما فى الارض من شجرة أقلام } ( لقمان : 27 ) إلى آخره وما ذكروه ليس بلازم لأن الشيء قد يكون قليلا بالنسبة إلى شيء كثيرا بالنسبة إلى شيء آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جدا بالنسبة إلى علم الله وبالنسبة إلى حقائق الأشياء ولكنها كثيرة بالنسبة إلى الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية .

قسم V21/P044–V21/P045

! 7 < { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا } > 7 < الإسراء : ( 86 - 87 ) ولئن شئنا لنذهبن . . . . . > > المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه ما آتاهم { من العلم إلا قليلا } بين في هذه الآية أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضا لقدر عليه وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن كان أمرا مخالفا للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه . المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال والذي يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديما بل يجب أن يكون محدثا . وهذا الاستدلال بعيد لأن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب وإزالة النقوش الدالة عليه عن المصحف وذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم المدلول محدثا وقوله : { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } أي لا تجد من تتوكل عليه في رد شيء منه ثم قال : { إلا رحمة من ربك } أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به وهذا امتنان من الله / ببقاء القرآن على أنه تعالى من على جميع العلماء بنوعين من المنة . أحدهما : تسهيل ذلك العلم عليه . الثاني : إبقاء حفظه عليه وقوله : { إن فضله كان عليك كبيرا } فيه قولان : الأول : المراد أن فضله كان عليك كبيرا بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك . الثاني : المراد أن فضله كان عليك كبيرا بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود فلما كان كذلك لا جرم أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم والقرآن عليك . ( 88 ) ! 7 < { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } > 7 ! < < الإسراء : ( 88 ) قل لئن اجتمعت . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) بالغنا في بيان إعجاز القرآن ، وللناس فيه قولان منهم من قال : القرآن معجز في نفسه ، ومنهم من قال إنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول القرآن في نفسه إما أن يكون معجزا أو لا يكون فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب ، وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع . وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجبا لازما فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضا للعادة فيكون معجزا فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب .

قسم V21/P045–V21/P046

المسألة الثانية : لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف عرفتم عجز الجن عن معارضته ؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعي في إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم أن محمدا صادق في قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من كلام الله تعالى فحينئذ يلزم الدور وليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي مع الجن ، وإنما يحسن هذا التحدي لو كانوا فصحاء بلغاء ، ومتى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور قائما . أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزا وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه وعلى أنه تعالى قد أجاب عن هذا / السؤال بالأجوبة الشافية الكافية في آخر سورة الشعراء في قوله : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } ( الشعراء : 221 ، 222 ) وقد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة في الإعادة . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة الآية دالة على أن القرآن مخلوق لأن التحدي بالقديم وهذه المسألة قد ذكرناها أيضا بالاستقصاء في سورة البقرة فلا فائدة في الإعادة . ! 7 < { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا } > 7 ! < < الإسراء : ( 89 ) ولقد صرفنا للناس . . . . . > > وهذا الكلام يحتمل وجوها . أحدها : أنه وقع التحدي بكل القرآن كما في هذه الآية ، ووقع التحدي أيضا بعشر سور منه كما في قوله تعالى : { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } ( هود : 13 ) ووقع التحدي بالسورة الواحدة كما في قوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } ووقع التحدي بكلام من سورة واحدة كما في قوله : { فليأتوا بحديث مثله } ( الطور : 34 ) فقوله : { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل } يحتمل أن يكون المراد منه التحدي كما شرحناه ، ثم أنهم مع ظهور عجزهم في جميع هذه المراتب بقوا مصرين على كفرهم . وثانيها : أن يكون المراد من قوله : { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل } أنا أخبرناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح وعاد وثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء وشرحنا هذه الطريقة مرارا وأطوارا ثم إن هؤلاء الأقوام يعني أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على الكفر . وثالثها : أن يكون المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد ونفي الشركاء والأضداد في هذا القرآن مرارا كثيرة ، وذكر شبهات منكري النبوة والمعاد مرارا وأطوارا ، وأجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة والمعاد ، ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها بل بقوا مصرين على الشرك وإنكار النبوة . يريد ( أبى ) أكثر أهل مكة { إلا كفورا } أي جحودا للحق ، وذلك أنهم أنكروا ما لا حاجة إلى إظهاره ، فإن قيل كيف جاز : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ولا يجوز أن يقال ضربت إلا زيدا ، قلنا لفظ أبى يفيد النفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا .

قسم V21/P046–V21/P047

! 7 < { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الا رض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الا نهار خلالها تفجيرا أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } > 7 < الإسراء : ( 90 - 93 ) وقالوا لن نؤمن . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبيا صادقا لأنا نقول إن محمدا ادعى النبوة وظهر المعجزة على وفق دعواه وكل من كان كذلك فهو نبي صادق ، فهذا يدل على أن محمدالله صلى الله عليه وسلم صادق وليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزا آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزا التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما حكى عن ابن عباس ( أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها وفجر لنا فيها ينبوعا أي نهرا وعيونا نزرع فيها فقال لا أقدر عليه ، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا فقال لا أقدر عليه ، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه ، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك فقال لا أستطيع ، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا بالعذاب وقوله كما زعمت إشارة إلى قوله : { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) ، { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لاا ) فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس . المسألة الثانية : اعلم أنهم اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا من المعجزات أولها : قولهم / { حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } قرأ عاصم وحمزة والكسائي تفجر بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة واختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار ، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجرا وفجرته تفجيرا ، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان واحدا فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله وإن كان الفاعل واحدا ومن خفف فلأن الينبوع واحد ، وقوله ينبوعا ، يعني : عينا ينبع الماء منه ، تقول نبع الماء ينبع نبعا ونبوعا ونبعا ذكره الفراء ، قال القوم أزل عنا جبال مكة ، وفجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة والحراثة . وثانيها : قولهم : { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا } والتقدير كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك . وثالثها : قولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } وفيه مسائل :

قسم V21/P047–V21/P048

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر كسفا بفتح السين ها هنا وفي سائر القرآن بسكونها ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ها هنا ، وفي الروم بفتح السين ، وفي باقي القرآن بسكونها ؛ وقرأ حفص في سائر القرآن بالفتح إلا في الروم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي في الروم بفتح السين ، وفي سائر القرآن بسكون السين ، قال الواحدي رحمه الله كسفا ، فيه وجهان من القراءة سكون السين وفتحها ، قال أبو زيد يقال : كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعا ، وقال الليث : الكسف ، قطع العرقوب ، والكسفة : القطعة ، وقال الفراء : سمعت أعرابيا يقول لبزاز : أعطني كسفة : يريد قطعة ، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوها ، أحدها : قال الفراء أن يكون جمع كسفة مثل : دمنة ودمن وسدرة وسدر . وثانيها : قال أبو علي : إذا كان المصدر الكسف ، فالكسف الشيء المقطوع كما تقول في الطحن والطبخ السقي ، ويؤكد هذا قوله : { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا } ( الطور : 44 ) . وثالثها : قال الزجاج : من قرأ : كسفا كأنه قال أو يسقطها طبقا علينا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته ، وأما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة وقطع وسدرة وسدر ، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعا كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة . المسألة الثانية : قوله : { كما زعمت } فيه وجوه . الأول : قال عكرمة كما زعمت يا محمد أنك نبي فأسقط السماء علينا . والثاني : قال آخرون كما زعمت أن ربك إن شاء فعل . الثالث : يمكن أن يكون المراد ما ذكره الله تعالى في هذه السورة في قوله : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا } ( الإسراء : 68 ) فقيل اجعل السماء قطعا متفرقة كالحاصب وأسقطها علينا . ورابعها : قولهم : { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } وفي لفظ القبيل وجوه . الأول : القبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى المعاشر ، وهذا القول منهم يدل على جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة ويقرب منه قوله : { وحشرنا عليهم كل شىء قبلا } ( الأنعام : 111 ) . والقول الثاني : ما قاله ابن عباس يريد فوجا / بعد فوج . قال الليث وكل جند من الجن والإنس قبيل وذكرنا ذلك في قوله : { إنه يراكم هو وقبيله } . القول الثالث : إن قوله قبيلا معناه ها هنا ضامنا وكفيلا ، قال الزجاج : يقال قبلت به أقبل كقولك كفلت به أكفل ، وعلى هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله تعالى : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) . والقول الرابع : قال أبو علي معناه المعاينة والدليل عليه قوله تعالى : { لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) . وخامسها : قولهم : { أو يكون لك بيت من زخرف } قال مجاهد : كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله : { أو يكون لك بيت من ذهب } قال الزجاج : الزخرف الزينة يدل عليه قوله تعالى : { حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت } ( يونس : 24 ) أي أخذت كمال زينتها ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب . وسادسها : قولهم : { أو ترقى فى السماء } قال الفراء : يقال رقيت وأنا أرقى رقي ورقيا وأنشد : أنت الذي كلفتني رقي الدرج على الكلال والمشيب والعرج

قسم V21/P048–V21/P049

وقوله في السماء أي في معارج السماء فحذف المضاف ، يقال رقي السلم ورقي الدرجة ثم قالوا : { ولن نؤمن لرقيك } أي لن نؤمن لأجل رقيك : { حتى تنزل علينا كتابا من السماء } فيه تصديقك قال عبد الله بن أمية : { لن نؤمن } حتى نصنع على السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول . ولما حكى الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } وفيه مباحث : المبحث الأول : أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى قوله : { قل سبحان ربى } وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك الكلمات وبين سائر آيات القرآن تفاوتا في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا . والجواب : أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة والبلاغة فزال هذا السؤال . البحث الثاني : هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجيء والذهاب على الله محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي ، وقوله سبحان ربي تنزيه لله تعالى عن شيء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ذكره شيء لا يليق بالله إلا قولهم أو تأتي بالله فدل هذا على أن قوله : { سبحان ربى } تنزيه لله عن الإتيان والمجيء وذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن الله تعالى يجيء ويذهب ، فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء ؟ قلنا القوم لم يتحكموا على الله ، وإنما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا صادقا فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول وما تحكموا على الله فلا يليق حمل قوله : { سبحان ربى } على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله . / البحث الثالث : تقرير هذا الجواب أن يقال : إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء أو طلبتم مني أن أطلب من الله تعالى إظهارها على يدي لتدل على كوني رسولا حقا من عند الله . والأول باطل لأني بشر والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء والثاني أيضا باطل لأني قد أتيتكم بمعجزة واحدة وهي القرآن والدلالة على كونها معجزة فطلب هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه ولا ضرورة فكأن طلبها يجري مجرى التعنت والتحكم وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله فسقط هذا السؤال فثبت أن قوله : { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } جواب كاف في هذا الباب ، وحاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله : { سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } كونهم على الضلال في الإلهيات ، وفي النبوات . أما في الإلهيات فيدل على ضلالهم قوله سبحان ربي أي سبحانه عن أن يكون له إتيان ومجيء وذهاب وأما في النبوات فيدل على ضلالهم قوله : { هل كنت إلا بشرا رسولا } وتقريره ما ذكرناه . ! 7 < { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان فى الا رض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } > 7 < الإسراء : ( 94 - 96 ) وما منع الناس . . . . . > >

قسم V21/P049–V21/P050

اعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة وأجاب عنها حكى عنهم شبهة أخرى وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من البشر بل اعتقدوا أن الله تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه . الأول : قوله : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } وتقرير هذا الجواب أن بتقدير أن يبعث الله ملكا رسولا إلى الخلق فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند الله لأجل قيام المعجز الدال على صدقه وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة ذلك الملك في إدعاء رسالة الله تعالى فالمراد من قوله تعالى : { إذ جاءهم الهدى } هو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر على يد الملك أو على يد البشر وجب الإقرار برسالته فثبت أن يكون قولهم بأن الرسول لا بد وأن يكون / من الملائكة تحكما فاسدا وتعنتا باطلا . الوجه الثاني : من الأجوبة التي ذكرها الله في هذه الآية عن هذه الشبهة هو أن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأن الجنس إلى الجنس أميل أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر وهو المراد من قوله : { لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } . الوجه الثالث : من الأجوبة المذكورة في هذه الآية قوله : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } وتقريره أن الله تعالى لما أظهر المعجزة على وفق دعواي كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقا ومن شهد الله على صدقه فهو صادق فبعد ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا لا إنسانا تحكم فاسد لا يلتفت إليه ولما ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة أردفها بما يجري مجرى التهديد والوعيد فقال : { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعني يعلم ظواهرهم وبواطنهم ويعلم من قلوبهم أنهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف من الانقياد للحق . ! 7 < { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بأاياتنا وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } > 7 < الإسراء : ( 97 - 98 ) ومن يهد الله . . . . . > >

قسم V21/P050

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الإجمالي وهو قوله : { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل ، أما قوله : { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مرارا فلا فائدة في الإعادة ، أما قوله تعالى : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب من وجهين : الأول : إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى : { يوم يسحبون فى النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) . الثاني : روى أبو هريرة قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : إن الذي / يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ، قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم ، وأما قوله : { عميا وبكما وصما } فاعلم أن واحدا قال لابن عباس رضي الله عنه : أليس أنه تعالى يقول : { ورأى المجرمون النار } ( الكهف : 53 ) وقال : { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ( الفرقان : 12 ) وقال : { دعوا هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) وقال : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها } ( النحل : 111 ) وقال حكاية عن الكفار : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال ههنا : { عميا وبكما وصما } أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه . الأول : قال ابن عباس عميا لا يرون شيئا يسرهم صما لا يسمعون شيئا يسرهم بكما لا ينطقون بحجة . الثاني : قال في رواية عطاء عميا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه بكما عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين صما عن ثناء الله تعالى على أوليائه . الثالث : قال مقاتل إنه حين يقال لهم : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) يصيرون عميا بكما صما ، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون . الرابع : أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عميا وبكما وصما . والجواب : أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون ، أما قوله تعالى : { مأواهم جهنم } فظاهر ، وأما قوله : { كلما خبت زدناهم سعيرا } ففيه مباحث : البحث الأول : قال الواحدي الخبو سكون النار ، يقال : خبت النار تخبوا إذا سكن لهبها ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال في مصدره الخبو وأخبأها المخبىء إخباء أي أخمدها ثم قال : { زدناهم سعيرا } قال ابن قتيبة زدناهم سعيرا أي تلهبا .

قسم V21/P050–V21/P052

البحث الثاني : لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله : { كلما خبت } يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون لهب النار ، أما لا يدل هذا على أنه يخف العذاب في ذلك الوقت . البحث الثالث : قوله : { كلما خبت زدناهم سعيرا } ظاهره يقتضي وجوب أن تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفا . والجواب : الزيادة حصلت في الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديدا ويحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال { ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا } والباء في قوله : بأنهم كفروا باء السببية وهو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء والله أعلم . ! 7 < { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والا رض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } > 7 < الإسراء : ( 99 ) أولم يروا أن . . . . . > > / قوله تعالى : { وقالوا وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } . اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكري النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكري الحشر والنشر ليجيب عنها وتلك الشبهة هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتا ورميما يبعد أن يعود هو بعينه وأجاب الله تعالى عنه بأن من قدر على خلق السموات والأرض لم يبعد أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم وفي قوله : { قادر على أن يخلق مثلهم } قولان : الأول : المعنى قادر على أن يخلقهم ثانيا فعبر عن خلقهم ثانيا بلفظ المثل كما يقول المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء . القول الثاني : المراد قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا التفسير فهو كقوله تعالى : { ويأت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) وقوله : { ويستبدل قوما غيركم } ( التوبة : 39 ) قال الواحدي والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله ولما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمر ممكن الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتا معلوما عند الله وهو قوله : { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه } ( الإسراء : 99 ) ثم قال تعالى : { فأبى الظالمون إلا كفورا } أي بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والنفور والجحود . ! 7 < { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } > 7 < الإسراء : ( 100 ) قل لو أنتم . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أن الكفار لما قالوا ؛ { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) طلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه فهذا هو الكلام في وجه النظم والله أعلم .

قسم V21/P052–V21/P053

المسألة الثانية : قوله : { لو أنتم } فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان ، أما البحث النحوي : فهو أن كلمة { لو } من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء / لانتفاء غيره والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو الأحوال والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة { لو } مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس : لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي نصبت لهم فوق العرانين مأتما والمعنى لو أراد غير أخوالي وأما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله : { أنتم تملكون } دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل . المسألة الثالثة : خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء ثم قال تعالى : { وكان الإنسان قتورا } أي بخيلا يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقتر تقتيرا إذا قصر في الانفاق فإن قيل فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه . الأول : أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل . الثاني : أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل . الثالث : إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق : { وهم الذين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) . ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات فاسأل بنى إسراءيل إذ جآءهم فقال له فرعون إنى لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت مآ أنزل هاؤلاء إلا رب السماوات والا رض بصآئر وإنى لأظنك يافرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الا رض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبنى إسراءيل اسكنوا الا رض فإذا جآء وعد الا خرة جئنا بكم لفيفا } > 7 < الإسراء : ( 101 - 104 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضا الجواب عن قولهم : { لن نؤمن لك } / حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى : { أنا موسى الكتاب } معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها وأعظم فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها في زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة في فعلها .

قسم V21/P053–V21/P054

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام . أحدها : أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحا . وثانيها : إنقلاب العصا حية . وثالثها : تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها . ورابعها : اليد البيضاء وخمسة أخر وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . والعاشر : شق البحر وهو قوله : { وإذ فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) والحادي عشر : الحجر وهو قوله : { أن اضرب بعصاك الحجر } ( الأعراف : 160 ) . الثاني عشر : إظلال الجبل وهو قوله تعالى : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } . والثالث عشر : إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه . والرابع عشر والخامس عشر : قوله تعالى : { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات } ( الأعراف : 130 ) . والسادس عشر : الطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير ، روى ابن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله : { تسع ءايات بينات } فذكر محمد بن كعب في مسألة التسع حل عقدة اللسان والطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال : يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفول وحمص وعدس كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه الآية : { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات } وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول : أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما ولما لم تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلا عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك الروايات ، وفي تفسير قوله تعالى : { تسع ءايات بينات } أقوال أجودها ما روى صفوان بن عسال أنه قال : إن يهوديا قال لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عنها فاقل : هن أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن تعدلوا في السبت فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك نبي ولولا نخاف القتل وإلا اتبعناك . المسألة الثالثة : قوله : { فاسأل بنى إسراءيل إذ جاءهم } فيه مباحث : البحث الأول : فيه وجوه : الوجه الأول : أنه اعتراض دخل في الكلام والتقدير : { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات } إذ جاء بني إسرائيل فاسألهم وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من / سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد . والوجه الثاني : أن يكون قوله فاسأل بني إسرائيل أي سلهم عن فرعون . وقل له أرسل معي بني إسرائيل . والوجه الثالث : سل بني إسرائيل أي سلهم أن يوافقوك والتمس منهم الإيمان الصالح . وعلى هذا التأويل فالتقدير فقلنا له سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك .

قسم V21/P054

البحث الثاني : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسأل بني إسرائيل معناه الذين كانوا موجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والذين جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان موسى حسنت هذه الكناية . ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى : { إنى لاظنك ياموسى موسى مسحورا } ( الإسراء : 45 ) وفي لفظ المسحور وجوه . الأول : قال الفراء : إنه بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون وذكرنا هذا في قوله : { حجابا مستورا } أنه مفعول من السحر أي أن الناس سحروك وخبلوك فتقول هذه الكلمات لهذا السبب . الثالث : قال محمد بن جرير الطبري معناه أعطيت علم السحر ، فهذه العجائب التي تأتي بها من ذلك السحر ثم أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بقوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ الكسائي علمت بضم التاء أي علمت أنها من علم الله فإن علمت وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة علي وفتحها قراءة ابن عباس وكان علي رضي الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فاحتج بقوله : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } ( النمل : 14 ) على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود في القراءة الفتح لأن علم فرعون بأنها آيات نازلة من عند الله أوكد في الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه . وأجاب الناصرون لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله : : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } يدل على أنهم استيقنوا شيئا ما فأما أنهم استيقنوا كون هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه ، وأجابوا عن الوجه الثاني بأن فرعون { قال إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) قال موسى : { لقد علمت } فكأنه نفي ذلك وقال لقد علمت صحة ما أتيت به علما صحيحا علم العقلاء . واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك . البحث الثاني : التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله : والعيش بعد أولئك الأقوام .

قسم V21/P054–V21/P055

وقوله بصائر أي حججا بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة / بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالا خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله / وكذا القول في فرق البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السموات . الصفة الثانية : أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة ، وهذا هو المراد من قوله : { ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض } حال كونها بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهرا في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون : { إنى لاظنك ياموسى فرعون مثبورا } ( الإسراء : 103 ) واعلم أن فرعون قال لموسى : { وإنى لاظنك يافرعون موسى مسحورا } فعارضه موسى وقال له : { وإنى لاظنك يافرعون فرعون مثبورا } قال الفراء : المثبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك ، وقال أبو زيد : يقال ثبرت فلانا عن الشيء أثبره أي رددته عنه ، وقال مجاهد وقتادة هالكا ، وقال الزجاج : يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك ، والثبور الهلاك ، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله ، وقال تعالى : { دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } ( الفرقان : 13 ، 14 ) واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحورا أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة ، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور . ثم قال تعالى : { فأراد أن يستفزهم من الارض } يعني أراد فرعون أن يخرجهم يعني موسى وقومه بني إسرائيل ، ومعنى تفسير الاستفزاز تقدم في هذه السورة من الأرض يعني أرض مصر ، قال الزجاج : لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منهم بالقتل أو بالتنحية ثم قال : { فأغرقناه ومن معه جميعا } المعنى ما ذكره الله تعالى في قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ) أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتخلص له تلك البلاد والله تعالى أهلك فرعون وجعل ملك مصر خالصة لموسى ولقومه وقال : { لبنى إسراءيل اسكنوا الارض } خالصة لكم خالية من عدوكم قال تعالى : { فإذا جاء وعد الاخرة } يريد القيامة { جئنا بكم لفيفا } من ها هنا وها هنا ، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف . وكل شيء خلطته بشيء آخر فقد لففته ، ومنه قيل لففت الجيوش إذا ضربت بعضها ببعض وقوله التفت الزحوف ومنه ، التفت الساق بالساق ، والمعنى جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطا يعني جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر . ! 7 < { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للا ذقان سجدا ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا } > 7 <

قسم V21/P055–V21/P056

الإسراء : ( 105 - 109 ) وبالحق أنزلناه وبالحق . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ( الإسراء : 88 ) ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات ، ثم أجاب الله بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة ، منها أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم الله فكذا ها هنا ، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير مؤمنا ، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه الآية فوائد . الفائدة الأولى : أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب ، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضا على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف ، وأيضا فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) فكان هذا الكتاب حقا من كل الوجوه . الفائدة الثانية : أن قوله : { وبالحق أنزلناه } يفيد الحصر / ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله . الفائدة الثالثة : قوله : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } يدل على أن الإنزال غير النزول ، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم . الفائدة الرابعة : قال أبو علي الفارسي الباء في قوله : { وبالحق أنزلناه } بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه ، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله : { وبالحق نزل } فيه احتمالان ، أحدهما : أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل به أي عليه . الثاني : أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله : { وبالحق أنزلناه } ثم قال تعالى : { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشرا للمطيعين ونذيرا للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء . ثم قال : { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } وفيه مباحث : البحث الأول : أن القوم قالوا : هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقا شبهة في أنه يتفكر في فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب الله عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل .

قسم V21/P056–V21/P057

البحث الثاني : قال سعيد بن جيبر نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى ، ثم فصل في السنين التي نزل فيها ، قال قتادة : كان بين أوله وآخره عشرون سنة والمعنى قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ننزله جملة لتقرأه على الناس على مكث بالفتح والضم على مهل وتؤدة أي لا على فورة . قال الفراء : يقال مكث ومكث يمكث ، والفتح قراءة عاصم في قوله : { فمكث غير بعيد } ( النمل : 22 ) . البحث الثالثة : الاختيار عند الأئمة فرقناه بالتخفيف وفسره أبو عمرو بيناه قال أبو عبيد : التخفيف أعجب إلي لأن تفسيره بيناه ومن قرأ بالتشديد لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقا فالفرق يتضمن التبيين ويؤكده ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) ولم يقل يفترقا والتفرق مطاوع التفريق والافتراق مطاوع الفرق ثم قال : { ونزلناه تنزيلا } أي على الحد المذكور والصفة المذكورة ثم قال : { قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا } يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على وجه التهديد والإنكار أي أنه تعالى أوضح البينات والدلائل وأزاح الأعذار فاختاروا ما تريدون ثم قال تعالى : { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي من قبل نزول القرآن قال مجاهد : هم ناس من أهل / الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خروا سجدا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام ثم قال : { يخرون للاذقان سجدا } وفيه أقوال : القول الأول : قال الزجاج : الذقن مجمع اللحيين وكلما يبتدىء الإنسان بالخرور إلى السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذقن . والقول الثاني : أن الأذقان كناية عن اللحى والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخضوع والخشوع ربما مسح لحيته على التراب فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان بالتراب فقد أتى بغاية التعظيم . والقول الثالث : أن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه ومتى كان الأمر كذلك كان خروره على الذقن في موضع السجود فقوله : { يخرون للاذقان } كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته ثم بقي في الآية سؤالان . السؤال الأول : لم قال : { يخرون للاذقان سجدا } ولم يقل يسجدون ؟ والجواب المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى أنهم يسقطون . السؤال الثاني : لم قال : { يخرون للاذقان } ولم يقل على الأذقان والجواب العرب تقول إذا خر الرجل فوقع على وجهه خر للذقن والله أعلم . ثم قال تعالى : { ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا } والمعنى أنهم يقولون في سجودهم : { سبحان ربنا } أي ينزهونه ويعظمونه : { إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي بإنزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم قال : { ويخرون للاذقان يبكون } والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ويدل عليه قوله : { ويزيدهم خشوعا } ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم وقوله : { يبكون } معناه الحال : { ويزيدهم خشوعا } أي تواضعا واعلم أن المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه وأنهم وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم .

قسم V21/P057–V21/P058

! 7 < { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الا سمآء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا } > 7 < الإسراء : ( 110 - 111 ) قل ادعوا الله . . . . . > > قال صاحب ( الكشاف ) المراد بهما الاسم لا المسمى والواو للتخيير بمعنى : { ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في { أيا } عوض عن المضاف إليه و { ما } صلة للإبهام المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم { فله الاسماء الحسنى } والضمير في قوله : { فله } ليس براجع إلى أحد الإسمين المذكورين ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى : { أيا ما تدعوا } فهو حسن فوضع موضعه قوله : { فله الاسماء الحسنى } لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله : { ولله الاسماء الحسنى } فادعوه بها واحتج الجبائي بهذه الآية فقال : لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة . والجواب : أنا لا نسلم أنه لو كان خالقا لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقا للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا ، ثم قال تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } وفيه مباحث : البحث الأول : قوله : { ولا تجهر بصلاتك } فيه أقوال . الأول : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه : { ولا تجهر بصلاتك } فيسمع المشركون فيسبوا الله عدوا بغير علم : { ولا تخافت بها } فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا . القول الثاني : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة ، وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته ، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم تخفي صوتك ؟ فقال أناجي ربي ، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك ؟ فقال أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا وعمر أن يخفض صوته قليلا . القول الثالث : معناه : { ولا تجهر بصلاتك } كلها { ولا تخافت بها } كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل / وتخافت بصلاة النهار . والقول الرابع : أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها هي في الدعاء وروى هذا مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه . والقول الخامس : قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا تسىء بسريتها .

قسم V21/P058–V21/P059

البحث الثاني : الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض الصوت ، فالمراد ههنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء .

قسم V21/P059

البحث الثالث : يقال خفت صوته يخفت خفتا وخفوتا إذا ضعف وسكن وصوت خفيت أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وقال في مدح المؤمنين : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الفرقان : 67 ) وأمر الله رسوله فقال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( الإسراء : 29 ) فكذا ههنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط بينهما فقال : { وابتغ بين ذالك سبيلا } ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال : { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل } فذكر ههنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات . النوع الأول : من الصفات أنه لم يتخذ ولدا والسبب فيه وجوه . الأول : أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد . الثاني : أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده . الثالث : أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضيا ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق . والنوع الثاني : من الصفات السلبية قوله : { ولم يكن له شريك فى الملك } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ لا يعرف كونه مستحقا للحمد والشكر . والنوع الثالث : قوله : { ولم يكن له ولى من الذل } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله / على ذلك الإنعام أو منعه منه ، أما إذا كان منزها عن الولد وعن الشريك وكان منزها عن أن يكون له ولي يلي أمره كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى : { وكبره تكبيرا } ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقرونا بالتكبير ويحتمل أنواعا من المعاني . أولها : تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل ما سواه . وثانيها : تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة أوجه . أولها : أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص . وثالثها : أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات . ورابعها : أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال .

الأسئلة