Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V22/P032–V22/P033

الوجه الخامس : في فضل الدعاء قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وفيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم الله تفضيلا عظيما فقال في حقهم : { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ) وقال أيضا : { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة } ( المائدة : 20 ) ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام : { ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } ( البقرة : 68 ) وأن الحواريين مع جلالتهم في قولهم : { نحن أنصار الله } ( آل عمران : 52 ) سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه وتعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطبا لهم من غير واسطة : { ادعونى أستجب لكم } وقال : { واسألوا الله من فضله } ( النساء : 32 ) فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه السلام قد عرفها لا جرم فقال : ( اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال : { رب اشرح لى صدرى } واعلم أنه تعالى قال : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام : أحدها : عبد العصمة : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد العصمة : { واصطنعتك لنفسى } ( طه : 41 ) فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وثانيها : عبد الصفوة : { وسلام على عباده الذين اصطفى } ( النمل : 59 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد الصفوة : { قال ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ( الأعراف : 144 ) فلا جرم أراد مزيد الصفوة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وثالثها : عبد البشارة : { فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 17 ، 18 ) وكان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك : { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) فأراد مزيد البشارة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . ورابعها : عبد الكرامة : { المتقين ياعباد لا خوف عليكم } ( الزخرف : 68 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك : { لا تخافا إننى معكما } ( طه : 46 ) فأراد الزيادة عليها فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وخامسها : عبد المغفرة : { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } ( الحجر : 49 ) ، وكان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك : { رب اغفر لى } ( ص : 35 ) فغفر له فأراد الزيادة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وسادسها : عبد الخدمة : { اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك : { واصطنعتك لنفسى } فطلب الزيادة فيها فقال : { اشرح لى صدرى } . وسابعها : عبد القربة : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ( البقرة : 186 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بالقرب : { وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) فأراد كمال القرب فقال : { رب اشرح لى صدرى } .

قسم V22/P033–V22/P034

الفصل الثالث : في قوله : { رب اشرح لى صدرى } وفيه وجوه : أحدها : أنه تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة ( التي ) أحدها : معرفة التوحيد : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا } ( طه : 14 ) ، وثانيها : أمره بالعبادة والصلاة : { إننى أنا الله لا } ( طه : 14 ) ، وثالثها : معرفة الآخرة : { إن الساعة ءاتية } ( طه : 15 ) / ورابعها : حكمة أفعاله في الدنيا : { وما تلك بيمينك ياموسى موسى } ( طه : 17 ) ، وخامسها : عرض المعجزات الباهرة عليه : { لنريك من ءاياتنا الكبرى } ( طه : 23 ) ، وسادسها : إرساله إلى أعظم الناس كفرا وعتوا فكانت هذه التكاليف الشاقة سببا للقهر فأراد موسى عليه السلام جبر هذا القهر بالمعجز فعرفه أن كل من سأله قرب منه فقال : { رب اشرح لى صدرى } فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف بالقرب منه فقال : { رب اشرح لى صدرى } أو يقال خاف شياطين الإنس والجن فدعا ليصل بسبب الدعاء إلى مقام القرب فيصير مأمونا من غوائل شياطين الجن والإنس . وثانيها : أن المراد أنه أراد الذهاب إلى فرعون وقومه فأراد أن يقطع طمع الخلق عن نفسه بالكلية فعرف أن من دعا ربه قربه له وقربه لديه فحينئذ تنقطع الأطماع بالكلية فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وثالثها : الوجود كالنور والعدم كالظلمة وكل ما سوى الله تعالى فهو عدم محض فكل شيء هالك إلا وجهه فالكل كأنهم في ظلمات العدم وإظلال عالم الأجسام والإمكان فقال : { رب اشرح لى صدرى } حتى يجلس قلبي في بهي ضوء المعرفة وسادة شرح الصدر والجالس في الضوء لا يرى من كان جالسا في الظلمة فحين جلس في ضوء شرح الصدر لا يرى أحدا في الوجود فلهذا عقبه بقوله : { ويسر لى أمرى } فإن العبد في مقام الاستغراق لا يتفرغ لشيء من المهمات . ورابعها : رب اشرح لي صدري فإن عين العين ضعيفة فأطلع يا إلهي شمس التوفيق حتى أرى كل شيء كما هو ، وهذا في معنى قول محمد صلى الله عليه وسلم : ( أرنا الأشياء كما هي ) واعلم أن شرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب والاستماع مقدمة الفهم الحاصل من سماع الكلا فالله تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية وهي فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى فقال : { رب اشرح لى صدرى } ولما آل الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم قيل له : { وقل رب زدنى علما } ( طه : 114 ) والعلم هو المقصود ، فلما كان موسى عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم أعطى المقدمة ، ولما كان محمد كالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ما أدق حكمته في كل شيء . وسادسها : الداعي له صفتان : إحداهما : أن يكون عبدا للرب : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) . وثانيتهما : أن يكون الرب له : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) أضاف نفسه إلينا وما أضافنا إلى نفسه والمشتغل بالدعاء قد صار كاملا من هذين الوجهين فأراد موسى عليه السلام أن يرتع في هذا البستان فقال : { رب اشرح لى صدرى } .

قسم V22/P034–V22/P035

وسابعها : أن موسى عليه السلام شرفه الله تعالى بقوله : { وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) فكأن موسى عليه السلام قال إلهي لما قلت : { وقربناه نجيا } صرت قريبا منك ولكن أريد قربك مني فقال يا موسى أما سمعت قولي : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } فأشتغل بالدعاء حتى أصير قريبا منك فعند ذلك : { قال رب اشرح لى صدرى } . وثامنها : قال موسى عليه السلام : { رب اشرح لى صدرى } وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) ثم إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة بل قال : { وسراجا منيرا } ( الأحزاب : 46 ) فانظر إلى التفاوت فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر / قابلا للنور والسراج المنير هو أن يعطي النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم كالتفاوت بين الآخذ والمعطي ثم نقول إلهنا إن ديننا وهي كلمة لا إله إلا الله نور ، والوضوء نور ، والصلاة نور ، والقبر نور ، والجنة نور ، فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تحرمنا أنوار فضلك وإحسانك يوم القيامة . الفصل الرابع : في قوله : { رب اشرح لى صدرى } سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال : نور يقذف في القلب ، فقيل : وما أمارته فقال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل النزول ، ويدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( الزمر : 22 ) واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور ، أحدها : وصف ذاته بالنور : { الله نور السماوات والارض } ( النور : 35 ) . وثانيها : الرسول : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) . وثالثها : القرآن : { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ( الأعراف : 157 ) . ورابعها : الإيمان : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) . وخامسها : عدل الله : { وأشرقت الارض بنور ربها } ( الزمر : 69 ) . وسادسها : ضياء القمر : { وجعل القمر فيهن نورا } ( نوح : 16 ) ، وسابعها : النهار : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) . وثامنها : البينات : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) . وتاسعها : الأنبياء : { نور على نور } ( النور : 35 ) . وعاشرها : المعرفة : { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } ( النور : 35 ) إذا ثبت هذا فنقول كأن موسى عليه السلام قال : { رب اشرح لى صدرى } بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك . وثانيها : رب اشرح لي صدري ، بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك . وثالثها : رب اشرح لي صدري ، باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك . ورابعها : رب اشرح لي صدري ، بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك . وخامسها : رب اشرح صدري بالإطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك . وسادسها : رب اشرح لي صدري بالإنتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من الكوكب والقمر والشمس إلى حضرة العزة . وسابعها : رب اشرح لي صدري من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك . وثامنها : رب اشرح لي صدري بالإطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمواتك .

قسم V22/P035

وتاسعها : رب اشرح لي صدري في أن أكون خلف صور الأنبياء المتقدمين ومتشبها بهم في الإنقياد لحكم رب العالمين . وعاشرها : رب اشرح لي صدري بأن تجعل سراج الإيمان في قلبي كالمشكاة التي فيها المصباح ، واعلم أن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج وذلك النور كالنار ، ومعلوم أن من أراد أن يستوقد سراجا احتاج إلى سبعة أشياء : زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن . فالعبد إذا طلب النور الذي هو شرح الصدر افتقر إلى هذه السبعة . فأولها : لا بد من زند المجاهدة : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) . وثانيها : حجر التضرع : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) . وثالثها : حراق منع الهوى : { ونهى النفس عن الهوى } ( النازعات : 40 ) . ورابعها : كبريت الإنابة : { وأنيبوا إلى ربكم } الزمر : 54 ) ملطخا رؤوس تلك / الخشبات بكبريت توبوا إلى الله . وخامسها : مسرجة الصبر : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) . وسادسها : فتيلة الشكر : { لئن شكرتم لازيدنكم } ( إبراهيم : 7 ) . وسابعها : دهن الرضا : { واصبر لحكم ربك } ( الطور : 48 ) أي ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } ( فاطر : 2 ) ثم اطلبها بالخشوع والخضوع : { وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا } ( طه : 108 ) فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول : { رب اشرح لى صدرى } فهنالك تسمع ؛ { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } ( طه : 36 ) ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه : أحدها : الشمس تحجبها غمامة وشمس المعرفة لا يحجبها السموات السبع : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) . وثانيها : الشمس تغيب ليلا وتعود نهارا قال إبراهيم عليه السلام : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا : { إن ناشئة اليل هى أشد } ( المزمل : 6 ) { والمنفقين والمستغفرين بالاسحار } ( آل عمران : 17 ) بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) . وثالثها : الشمس تفنى : { إذا الشمس كورت } ( التكوير : 1 ) وشمس المعرفة لا تفنى : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . ورابعها : الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما ههنا فشمس المعرفة وهي معرفة أشهد أن لا إله إلا الله ما لم يقابلها قمر أشهد أن محمدا رسول الله لم يصل نوره إلى عالم الجوارح . وخامسها : الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيضها : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ( آل عمران : 106 ) . وسادسها : الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الحرق ، جزيا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي . وسابعها : الشمس تصدع والمعرفة تصعد : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) . وثامنها : الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في العقبى : { والباقيات الصالحات خير } ( الكهف : 46 ) . وتاسعها : الشمس في السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة في الأرض زينة لأهل السماء .

قسم V22/P035–V22/P036

وعاشرها : الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى وذلك يدل على الحسد مع التكبر ، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى ، وذلك يدل على التواضع مع الشرف . وحادي عشرها : الشمس تعرف أحوال الخلق وبالمعرفة يصل القلب إلى الخالق . وثاني عشرها : الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال موسى : { رب اشرح لى صدرى } وأما النكت : فإحداها : الشمس سراج استوقدها الله تعالى للفناء : { كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) والمعرفة استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق : { شهابا رصدا } ( الجن : 9 ) والمعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان : { رب اشرح لى صدرى } . وثانيتها : استوقد الله الشمس في السماء وإنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك ، وأوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك . وثالثتها : من استوقد سراجا فإنه لا يزال يتعهده ويمده والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان } ( الحجرات : 7 ) أفلا يمده وهو معنى قوله : { رب اشرح لى صدرى } . ورابعتها : اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه والله قد أوقد سراج المعرفة في / قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال : { رب اشرح لى صدرى } . وخامستها : المجوس أوقدوا نارا فلا يريدون إطفاءها والملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه ، واعلم أنه سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات ، أحدها : الحياة : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة الروحانية قال : { رب اشرح لى صدرى } ثم النكتة أنه عليه السلام قال من أحيا أرضا ميتة فهي له فالعبد لما أحيا أرضا فهي له فالرب لما خلق القلب وأحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب : { قل الله ثم ذرهم } ( الأنعام : 91 ) وكما أن الإيمان حياة القلب بالكفر موته : { أموات غير أحياء وما يشعرون } ( النحل : 21 ) . وثانيها : الشفاء : { ويشف صدور قوم مؤمنين } ( التوبة : 14 ) فلما رغب موسى في الشفاء رفع الأيدي قال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء في العسل بقي شفاء أبدا فههنا لما وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبدا . وثالثها : الطهارة : { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ( الحجرات : 3 ) فلما رغب موسى عليه السلام في تحصيل طهارة التقوى قال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله في النار فههنا لما امتحن الله قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانيا ولكن الله يدخل في النار قلب الكافر : { ليميز الله الخبيث من الطيب } ( الأنفال : 37 ) .

قسم V22/P036–V22/P037

ورابعها : الهداية ومن يؤمن بالله يهد قلبه فرغب موسى عليه السلام في طلب زوائد الهداية فقال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن الرسول يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم تارة تحصل وأخرى لا تحصل : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) وهداية الروح لما كانت من القرآن فتارة تحصل وأخرى لا تحصل : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) أما هداية القلب فلما كانت من الله تعالى فإنها لا تزول لأن الهادي لا يزول : { ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ) . وخامسها : الكتابة : { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) فلما رغب موسى عليه السلام في تلك الكتابة قال : { رب اشرح لى صدرى } وفيه نكت : الأولى : أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم وإذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات الله تعالى وصفاته فكيف يليق بالكريم إحراقه . الثانية : بشر الحافي أكرم كاغدا فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين فإكرام قلب فيه معرفة الله تعالى أولى بذلك . والثالثة : كاغد ليس فيه خط إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى أنه لا يجوز للجنب والحائض أن يمسه بل قال الشافعي رحمه الله تعالى ليس له أن يمس جلد المصحف ، وقال الله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : 79 ) فالقلب الذي فيه أكرم المخلوقات : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه والله أعلم . وسادسها : السكينة : { هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين } ( الفتح : 4 ) فلما رغب موسى عليه السلام في طلب السكينة قال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن أبا بكر رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خائفا فلما نزلت السكينة عليه قال : لا تحزن فلما نزلت سكينة / الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب : { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ) وأيضا لما نزلت السكينة صار من الخلفاء : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض } ( النور : 55 ) أي أن يصيروا خلفاء الله في أرضه . وسابعها : المحبة والزينة : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان وزينة في قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) والنكتة أن من ألقى حبة في أرض فإنه لا يفسدها ولا يحرقها فهو سبحانه وتعالى ألقى حبة المحبة في أرض القلب فكيف يحرقها . وثامنها : { وألف بين قلوبكم } ( الأنفال : 63 ) والنكتة أن محمدا صلى الله عليه وسلم ألف بين قلوب أصحابه ثم إنه ما تركهم ( في ) غيبة ولا حضور : ( سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) فالرحيم كيف يتركهم . وتاسعها : الطمأنينة : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وموسى طلب الطمأنينة فقال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطى كل ما في العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن حاجته غير متناهية والأجسام متناهية والمتناهي لا يصير مقابلا لغير المتناهي بل الذي يكفي في الحاجة الغير المتناهية الكمال الذي لا نهاية له وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى فلهذا قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ولما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه : أحدها : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم .

قسم V22/P037–V22/P038

وثانيها : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم . وثالثها : في قلوبهم مرض . ورابعها : جعلنا قلوبهم قاسية . وخامسها : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . وسادسها : ختم الله على قلوبهم . وسابعها : أم على قلوب أقفالها . وثامنها : كلا بل ران على قلوبهم . وتاسعها : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم . إلهنا وسيدنا بفضلك وإحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا واجبرنا بإحسانك وافتح لنا تلك الأبواب التسعة من إحسانك بفضلك ورحمتك إنك على ما تشاء قدير . الفصل الخامس : في حقيقة شرح الصدر ، ذكر العلماء فيه وجهين : الأول : أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة أما الرغبة فهي أن يكون متعلق القلب بالأهل والولد وبتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم ، وأما الرهبة فهي أن يكون خائفا من الأعداء والمنازعين فإذا شرح الله صدره صغر كل ما يتعلق بالدنيا في عين همته ، فيصير كالذباب والبق والبعوض لا تدعوه رغبة إليها ولا تمنعه رهبة عنها ، فيصير الكل عنده كالعدم وحينئذ يقبل القلب بالكلية نحو طلب مرضاة الله تعالى ، فإن القلب في المثال كينبوع من الماء والقوة البشرية لضعفها كالينبوع الصغير فإذا فرقت ماء العين الواحدة على الجداول الكثيرة ضعفت الكل فأما إذا انصب الكل في موضع واحد قوي فسأل موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره بأن يوفقه على معايب الدنيا وقبح صفاتها حتى يصير قلبه نفورا عنها فإذا حصلت النفرة توجه إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات بالكلية . الثاني : أن موسى عليه السلام لما نصب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة منها ضبط الوحي والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى ومنها إصلاح العالم الجسداني فكأنه صار مكلفا بتدبير العالمين والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر ، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير / ممنوعا عن السماع والمشتغل بالسماع يصير ممنوعا عن الإبصار والخيال ، فهذه القوى متجاذبة متنازعة وأن موسى عليه السلام كان محتاجا إلى الكل ومن استأنس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالا من القوة لتكون قوته وافية بضبط العالمين فهذا هو المراد من شرح الصدر . وذكر العلماء لهذا المعنى أمثلة . المثال الأول : اعلم أن البدن بالكلية كالمملكة والصدر كالقلعة والفؤاد كالقصر والقلب كالتخت والروح كالملك والعقل كالوزير والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة والغضب كالاسفهسالار الذي يشتغل بالضرب والتأديب أبدا والحواس كالجواسيس وسائر القوى كالخدم والعملة والصناع ثم إن الشيطان خصم لهذه البلدة ولهذه القلعة ولهذا الملك فالشيطان هو الملك والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده فأول ما أخرج الروح وزيره وهو العقل فكذا الشيطان أخرج في مقابلته الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى يدعو إلى الشيطان ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الشيطان في مقابلة الفطنة الشهوة ، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا والشهوة تحركك إلى لذات الدنيا ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتقوي الفطنة بالفكرة فتقف على الحاضر والغائب من المعائب على ما قال عليه السلام : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحا والقبيح حسنا والحلم يوقف العقل على قبح الدنيا فأخرج الشيطان في مقابلته العجلة والسرعة فلهذا قال عليه السلام : ( ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا الخرق في شيء إلا شانه ) ولهذا خلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصنفين ، وقلبك وصدرك هو القلعة .

قسم V22/P038–V22/P039

ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقا وهو الزهد في الدنيا وعدم الرغبة فيها وله سور وهو الرغبة الآخرة ومحبة الله تعالى فإن كان الخندق عظيما والسور قويا عجز عسكر الشيطان عن تخريبه فرجعوا وراءهم وتركوا القلعة كما كانت وإن كان خندق الزهد غير عميق وسور حب الآخرة غير قوي قدر الخصم على استفتاح قلعة الصدر فيدخلها ويبيت فيها جنوده من الهوى والعجب والكبر والبخل وسوء الظن بالله تعالى والنميمة والغيبة فينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه فإذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح الأمر وانشرح الصدر وخرجت ظلمات الشيطان ودخلت أنوار هداية رب العالمين وذلك هو المراد بقوله : { رب اشرح لى صدرى } . المثال الثاني : اعلم أن معدن النور هو القلب واشتغال الإنسان بالزوجة والولد والرغبة في مصاحبة الناس والخوف من الأعداء هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه ولا شك في أنهم من حيث هم عدم محض على ما قال تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) فلا يزال العبد يتأمل فيما سوى الله تعالى إلى أن يشاهد أنهم عدم محض فعند ذلك يزول / الحجاب بين قلبه وبين أنوار جلال الله تعالى وإذا زال الحجاب امتلأ القلب من النور فذلك هو انشراح الصدر .

قسم V22/P039–V22/P040

الفصل السادس : في الصدر علم أنه يجيء والمراد منه القلب : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) ، { رب اشرح لى صدرى } ، { وحصل ما فى الصدور } ( العاديات : 10 ) ، { يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور } ( غافر : 19 ) وقد يجيء والمراد الفضاء الذي فيه الصدر : { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) واختلف الناس في أن محل العقل هل هو القلب أو الدماغ وجمهور المتكلمين على أنه القلب ، وقد شرحنا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وقال بعضهم المواد أربعة : الصدر والقلب والفؤاد واللب فالصدر مقر الإسلام : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) والقلب مقر الإيمان : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان وزينة في قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) والفؤاد مقر المعرفة : { ما كذب الفؤاد ما رأى } ( النجم : 11 ) ، { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولا } ( الإسراء : 36 ) واللب مقر التوحيد : { إنما يتذكر أولو الالباب } ( الرعد : 19 ) واعلم أن القلب أول ما بعث إلى هذا العالم بعث خاليا عن النقوش كاللوح الساذج وهو في عالم البدن كاللوح المحفوظ ، ثم إنه تعالى يكتب فيه بقلم الرحمة والعظمة كل ما يتعلق بعالم العقل من نقوش الموجودات وصور الماهيات وذلك يكون كالسطر الواحد إلى آخر قيام القيامة لهذا العالم الأصغر وذلك هو الصورة المجردة والحالة المطهرة ، ثم إن العقل يركب سفينة التوفيق ويلقيها في بحار أمواج المعقولات وعوالم الروحانيات فيحصل من مهاب رياح العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الإدبار أخرى ، فربما وصلت سفينة النظر إلى جانب مشرق الجلال فتسطع عليه أنوار الإلهية ويتخلص العقل عن ظلمات الضلالات ، وربما توغلت السفينة في جنوب الجهالات فتنكسر وتغرق فحيثما تكون السفينة في ملتطم أمواج العزة يحتاج حافظ السفينة إلى التماس الأنوار والهدايات فيقول هناك : { رب اشرح لى صدرى } واعلم أن العقل إذا أخذ في الترقي من سفل الإمكان إلى علو الوجوب كثر اشتغاله بمطالعة الماهيات ومقارفة المجردات والمفارقات ، ومعلوم أن كل ماهية فهي إما هي معه أو هي له ، فإن كانت هي معه امتلأت البصيرة من أنوار جلال العزة الإلهية فلا يبقى هناك مستطلعا لمطالعة سائر الأنوار فيضمحل كل ما سواه من بصر وبصيرة ، وإن وقعت المطالعة لما هو له حصلت هناك حالة عجيبة ، وهي أنه لو وضعت كرة صافية من البلور فوقع عليها شعاع الشمس فينعكس ذلك الشعاع إلى موضع معين فذلك الموضع الذي إليه تنعكس الشعاعات يحترق فجميع الماهيات الممكنة كالبلور الصافي الموضوع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال ، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت للقلب نسبة إليها بأسرها فينعكس شعاع كبرياء الإلهية عن كل واحد منها إلى القلب فيحترق القلب ، ومعلوم أنه كلما كان المحرق أكثر ، كان الإحتراق أتم فقال : { رب اشرح لى صدرى } حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات فأصل إلى / مقام الاحتراق بأنوار الجلال ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( أرنا الأشياء كما هي ) فلما شاهد احتراقها بأنوار الجلال قال : ( لا أحصى ثناء عليك ) .

قسم V22/P040

الفصل السابع : في بقية الأبحاث إنما قال : { رب اشرح لى صدرى } ولم يقل رب اشرح صدري ليظهر أن منفعة ذلك الشرح عائدة إلى موسى عليه السلام لا إلى الله ، وأما كيفية شرح صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفاضلة بينه وبين شرح صدر موسى عليه السلام فنذكره إن شاء الله في تفسير قوله : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) والله أعلم بالصواب . المطلوب الثاني : قوله : { ويسر لى أمرى } والمراد منه عند أهل السنة خلقها وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة ، فإن قيل : كل ما أمكن من اللطف فقد فعله الله تعالى فأي فائدة في هذا السؤال ، قلنا يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال ففائدة السؤال حسن فعل تلك الألطاف . المطلوب الثالث : قوله : { واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولي } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن النطق فضيلة عظيمة ويدل عليه وجوه . أحدها : قوله تعالى : { خلق الإنسان علمه البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) ولم يقل وعلمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرا له ، أما إذا ترك الحرف العاطف صار قوله : { علمه البيان } كالتفسير لقوله : { خلق الإنسان } كأنه إنما يكون خالقا للإنسان إذا علمه البيان ، وذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أن ماهية الإنسان هي الحيوان الناطق . وثانيها : اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان ، قال زهير : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

قسم V22/P040–V22/P041

وقال علي : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة . والمعنى أنا لو أزلنا الإدراك الذهني والنطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم ، وقالوا : المرء بأصغريه قلبه ولسانه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( المرء مخبوء تحت لسانه ) . وثالثها : أن في مناظرة آدم مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال : { قال ياءادم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض } ( البقرة : 33 ) . ورابعها : أن الإنسان جوهر مركب من الروح والقالب وروحه من عالم الملائكة فهو يستفيد أبدا صور المغيبات من عالم الملائكة ثم بعد تلك الاستفادة يفيضها على عالم الأجسام وواسطته في تلك الاستفادة هي الفكر الذهني وواسطته في هذه الإفادة هي النطق اللساني فكما أن تلك الواسطة أعظم العبادات حتى قيل : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) فكذلك الواسطة في الإفادة يجب أن تكون أشرف الإعضاء فقوله : { رب اشرح لى صدرى } إشارة إلى طلب النور الواقع في الروح ، وقوله : { ويسر لى أمرى } إشارة إلى تحصيل ذلك وتسهيل ذلك التحصيل ، وعند ذلك يحصل الكمال في تلك الاستفادة الروحانية فلا يبقى بعد هذا إلا المقام البياني وهو إفاضة ذلك الكمال على الغير وذلك لا يكون / إلا باللسان . فلهذا قال : { واحلل عقدة من لسانى } . وخامسها : وهو أن العلم أفضل المخلوقات على ما ثبت والجود والإعطاء أفضل الطاعات ، وليس في الأعضاء أفضل من اليد ، فاليد لما كانت آلة في العطية الجسمانية قيل : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) فالعلم الذي هو خير من المال لما كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء ، ولا شك أن اللسان هو الآلة في إعطاء المعارف فوجب أن يكون أشرف الأعضاء ، ومن الناس من مدح الصمت لوجوه ، أحدها : قوله عليه السلام : ( الصمت حكمة وقليل فاعله ) ويروى أن الإنسان تفكر أعضاؤه اللسان ويقلن اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا . وثانيها : أن الكلام على أربعة أقسام منه ما ضرره خالص أو راجح ، ومنه ما يستوي الضرر والنفع فيه ومنه ما نفعه راجح ومنه ما هو خالص النفع ، أما الذي ضرره خالص أو راجح فواجب الترك ، والذي يستوي الأمران فيه فهو عيب ، فبقي القسمان الأخيران وتخليصهما عن زيادة الضرر عسر ، فالأولى ترك الكلام . وثالثها : أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي ، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق أو باطل ، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء ، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان ، والصور والآذان لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف ، واليد لا تصل إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له نهاية ولا حد فله في الخير مجال رحب وله في الشر بحر سحب ، وإنه خفيف المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصي فإنه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا يتيسر تحصيلها في الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام . ورابعها : قالوا : ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة ، فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال : مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والانصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى : { فاستمعوا له وأنصتوا } ( الأعراف : 204 ) والإصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد .

قسم V22/P041

واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه بل النطق في نفسه فضيلة والرذيلة في محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك في قوله تعالى : { واحلل عقدة من لسانى } .

قسم V22/P041–V22/P042

المسألة الثانية : اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه السلام على قولين ، الأول : كان ذلك التعقد خلقة الله تعالى فسأل الله تعالى إزالته . الثاني : السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية : إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة / واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقى في التنور فكيف يحترق هنا ؟ ومنهم من قال : احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة . الثالث : احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت . والرابع : احترقا معا لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة . المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه . أحدها : لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة . وثانيها : لإزالة التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الالتفات إليه . وثالثها : إظهارا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه . ورابعها : طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته وكبره عسر جدا فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية ، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفا وتسهيلا . المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله : إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى : { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } ( طه : 36 ) وهو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقدة من لساني بل قال : { واحلل عقدة من لسانى } فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله ، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء قليل لقوله : حكاية عن فرعون { أم أنا خير من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين } ( الزخرف : 52 ) أي يقارب أن لا يبين وفي ذلك دلالة على أنه كان يبين مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه من وجهين . أحدهما : المراد بقوله : ولا يكاد يبين أي لا يأتي ببيان ولا حجة . والثاني : إن كاد بمعنى قرب ولو كان المراد هو البيان اللساني لكان معناه أنه لا يقارب البيان فكان فيه نفي البيان بالكلية وذلك باطل لأنه خاطب فرعون والجمع وكانوا يفقهون كلامه فكيف يمكن نفي البيان أصلا بل إنما قال ذلك تمويها ليصرف الوجوه عنه قال أهل الإشارة إنما قال : { واحلل عقدة من لسانى } لأن حل العقد كلها نصيب محمد صلى الله عليه وسلم وقال تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( الأنعام : 152 ) فلما كان ذلك حقا ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله والله أعلم .

قسم V22/P042–V22/P043

المطلوب الرابع : قوله : { واجعل لى وزيرا من أهلى } واعلم أن طلب الوزير إما أن يكون لأنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر فطلب المعين أو لأنه رأى أن للتعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة مزية عظيمة في أمر الدعاء إلى الله ولذلك قال عيسى ابن مريم : { من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } ( آل عمران : 52 ) وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) وقال عليه السلام : ( إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين ، فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : الوزير من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه أو من الوزر / وهو الجبل الذي يتحصن به لأن الملك يعتصم برأيه في رعيته ويفوض إليه أموره أو من الموازرة وهي المعاونة ، والموازرة مأخوذة من إزار الرجل وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل أمر صعب قاله الأصمعي وكان القياس أزيرا فقلبت الهمزة إلى الواو . المسألة الثانية : قال عليه السلام : ( إذا أراد الله بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن نوى خيرا أعانه وإن أراد شرا كفه ) وكان أنوشروان يقول : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ، ولا أكرم الدواب عن السوط ، ولا أعلم الملوك عن الوزير . المسألة الثالثة : إن قيل الإستعانة بالوزير إنما يحتاج إليها الملوك أما الرسول المكلف بتبليغ الرسالة والوحي من الله تعالى إلى قوم على التعيين فمن أين ينفعه الوزير ؟ وأيضا فإنه عليه السلام سأل ربه أن يجعله شريكا له في النبوة فقال : { وأشركه فى أمرى } فكيف يكون وزيرا . والجواب : عن الأول أن التعاون على الأمر والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة له مزية عظيمة في تأثير الدعاء إلى الله تعالى فكان موسى عليه السلام واثقا بأخيه هرون فسأل ربه أن يشد به أزره حتى يتحمل عنه ما يمكن من الثقل في الإبلاغ . المطلوب الخامس : أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه . المطلوب السادس : أن يكون الوزير الذي من أهله هو أخوه هارون وإنما سأل ذلك لوجهين . أحدهما : أن التعاون على الدين منقبة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله ، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه والموافقة له ، وقوله هارون في انتصابه وجهان . أحدهما : أنه مفعول الجعل على تقدير اجعل هارون أخي وزيرا لي . والثاني : على البدل من وزيرا وأخي نعت لهرون أو بدل ، واعلم أن هارون عليه السلام كان مخصوصا بأمور منها الفصاحة لقوله تعالى عن موسى : { وأخى هرون هو أفصح منى لسانا } ( القصص : 34 ) ومنها أنه كان فيه رفق قال : { أمرى قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ( طه : 94 ) ومنها أنه كان أكبر سنا منه . المطلوب السابع : قوله : أشدد به أزري وفيه مسائل : المسألة الأولى : القراءة العامة : { اشدد به وأشركه } على الدعاء وقرأ ابن عامر وحده : { اشدد وأشركه } على الجزاء والجواب ، حكاية عن موسى عليه السلام أي أنا أفعل ذلك ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل { أخى } مرفوعا على الابتداء { واشدد به } خبره ويوقف على هارون . المسألة الثانية : الأزر القوة وآزره قواه قال تعالى : { فازره } أي أعانه قال أبو عبيدة { أزرى } أي ظهري وفي كتاب الخليل : الأزر الظهر .

قسم V22/P043–V22/P044

المسألة الثالثة : أنه عليه السلام لما طلب من الله تعالى أن جعل هرون وزيرا له طلب منه أن يشد به أزره ويجعله ناصرا له لأنه لا اعتماد على القرابة . / المطلوب الثامن : قوله : { وأشركه فى أمرى } والأمر ههنا النبوة ، وإنما قال ذلك لأنه عليه السلام علم أنه يشد به عضده وهو أكبر منه سنا وأفصح منه لسانا ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال : { كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا } والتسبيح يحتمل أن يكون باللسان وأن يكون بالاعتقاد ، وعلى كلا التقديرين فالتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به ، وأما الذكر فهو عبارة عن وصف الله تعالى بصفات الجلال والكبرياء ولا شك أن النفي مقدم على الإثبات ، أما قوله تعالى : { إنك كنت بنا بصيرا } ففيه وجوه : أحدها : إنك عالم بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ولا نريد بها أحدا سواك . وثانيها : { كنت بنا بصيرا } لأن هذه الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها . وثالثها : إنك بصير بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح لنا ، وإنما قيد الدعاء بهذا إجلالا لربه عن أن يتحكم عليه وتفويضا للأمر بالكلية إليه . ! 7 < { قال قد أوتيت سؤلك ياموسى ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى إذ تمشىأختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فىأهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى واصطنعتك لنفسى اذهب أنت وأخوك بأاياتى ولا تنيا فى ذكرى اذهبآ إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } > 7 < طه : ( 36 - 44 ) قال قد أوتيت . . . . . > > / اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول ، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية ، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها ، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال : { قد أوتيت سؤلك ياموسى موسى } وعد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح ثم قال : { ولقد مننا عليك مرة أخرى } فنبه بذلك على أمور : أحدها : كأنه تعالى قال : إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال . وثانيها : إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي . وثالثها : إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أن نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف ؟ والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقا لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان .

قسم V22/P044–V22/P045

السؤال الثاني : لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة ؟ والجواب : لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير . واعلم أن المنن المذكورة ههنا ثمانية : المنة الأولى : قوله : { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له } أما قوله : { إذ أوحينا } فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } ( الأنبياء : 7 ) وهذا صريح في الباب ، وأيضا فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) وقال : { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ( المائدة : 111 ) ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه : أحدها : المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها . وثانيها : أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي . وثالثها : المراد منه الإلهام لكنا / متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساو للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني . والجواب : لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون . ورابعها : لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها ، إما مشافهة أو مراسلة ، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها . والجواب : أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مرارا . وخامسها : لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة . وسادسها : لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله : { فتمثل لها بشرا سويا } ( مريم : 17 ) وأما قوله : { ما يوحى } فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجبا أما قوله تعالى : { أن اقذفيه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول . المسألة الثانية : القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى : { وقذف فى قلوبهم الرعب } ( الأحزاب : 26 ) .

قسم V22/P045–V22/P046

المسألة الثالثة : روى أنها اتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص ، قال مقاتل : إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون . المسألة الرابعة : اليم هو البحر والمراد به ههنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم . المسألة الخامسة : قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه . المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام / في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر . المسألة السابعة : لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله : { يأخذه عدو لى وعدو له } ففيه أبحاث : البحث الأول : قوله : { يأخذه } جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه . البحث الثاني : في كيفية الأخذ قولان / أحدهما : أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه . الثاني : أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه . البحث الثالث : قوله : { يأخذه عدو لى وعدو له } فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى . وجوابه : أما كونه عدوا لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدوا لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة . المنة الثانية : قوله : { وألقيت عليك محبة منى } وفيه قولان : الأول : وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري : { مني } لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت : { قرة عين لى ولك لا تقتلوه } ( القصص : 9 ) يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى : { سيجعل لهم الرحمان ودا } ( مريم : 96 ) قال القاضي : هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال : وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله : إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا : لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلا في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة . المنة الثالثة : قوله : { ولتصنع على عينى } قال القفال : لترى على عيني أي على وفق إرادتي ، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئا وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا ههنا وفي كيفية المجاز قولان : الأول : المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات / كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه . الثاني : المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا وهو كقوله تعالى : { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) ويقال : عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة ، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله : { ولتصنع على عينى } الحفظ والحياطة كقوله تعالى : { إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن } فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له ، بقي ههنا بحثان :

قسم V22/P046–V22/P047

الأول : الواو في قوله : { ولتصنع على عينى } فيه ثلاثة أوجه . أحدها : كأنه قيل : { ولتصنع على عينى } ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله : { إذ تمشى أختك } متعلقا بأول الكلام وهو قوله : { ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } وإذ تمشي أختك . وثانيها : يجوز أن يكون قوله : { ولتصنع على عينى } متعلقا بما بعده وهو قوله : { إذ تمشى } وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله : { وليكون من الموقنين } ( الأنعام : 75 ) . وثالثها : يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف . الثاني : قرىء ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرىء ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني . المنة الرابعة : قوله : { إذ تمشى أختك } واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع ، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } ( القصص : 12 ) ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير . أما قوله تعالى : { فرجعناك إلى أمك } أي رددناك ، وقال في موضع آخر : { فرددناه إلى أمه } ( القصص : 13 ) وهو كقوله : { قال رب ارجعون } ( المؤمنون : 99 ) أي ردوني إلى الدنيا ، أما قوله : { كى تقر عينها ولا تحزن } فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها ، فإن قيل : لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيدا لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها ، وأما لما قال أولا كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك : { ولا تحزن } فضلا لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة ، قلنا : المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك . والمنة الخامسة : قوله : { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم } فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفسا وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطيا فحصل له الغم من وجهين ، أحدهما : من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه : { فأصبح فى المدينة خائفا يترقب } ( القصص : 18 ) والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين ، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين / وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك . المنة السادسة : قوله : { وفتناك فتونا } وفيه أبحاث :

قسم V22/P047–V22/P048

البحث الأول : في قوله : { فتونا } وجهان : أحدهما : أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقا وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) ، والثاني : أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروبا من الفتن وههنا سؤالان . السؤال الأول : إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله : { وفتناك فتونا } . الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن الفتنة تشديد المحنة ، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى : { فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } ( العنكبوت : 10 ) وقال تعالى : { الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 1 3 ) وقال : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول } ( البقرة : 214 ) فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون ، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم . وثانيها : { وفتناك فتونا } أي خلصناك تخليصا من قولهم : فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير بن عباس عن الفتون فقال : نستأنف له نهارا يا ابن جبير . ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب ، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه ، ثم قصة قتل القبطي ، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيرا لشعيب عليه السلام ، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير .

قسم V22/P048

السؤال الثاني : هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقا من قوله : { وفتناك فتونا } والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي . المنة السابعة : قوله تعالى : { فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى موسى } واعلم أن التقدير : { وفتناك فتونا } فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم ، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم : إنها مشروحة في قوله تعالى : { ولما توجه تلقاء مدين } إلى قوله { فلما قضى موسى الاجل } ( القصص : 29 ) وهي إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى : { على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك } ( القصص : 27 ) وقال وهب : لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة منها عشر سنين / مهر امرأته ، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر ، واعلم أن قوله : { فلبث سنين فى أهل مدين } بعد قوله : { وفتناك فتونا } كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان ، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محنا كثيرة ، واحتاج إلى أن آجر نفسه ، أما قوله تعالى : { ثم جئت على قدر ياموسى موسى } فلا بد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور ، وذكروا في ذلك المحذوف وجوها . أحدها : أنه سبق في قضائي وقدري أن أجعلك رسولا لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده ، ومنه قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) ، وثانيها : على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهو رأس أربعين سنة . وثالثها : أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه ، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيبا عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد ، فإن قيل : كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه ، قلنا : لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء من ذلك . المنة الثامنة : قوله تعالى : { واصطنعتك لنفسى } والاصطناع اتخاذ الصنعة ، وهي افتعال من الصنع . يقال : اصطنع فلان فلانا أي اتخذه صنيعه ، فإن قيل : إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلا لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قربا منه .

الأسئلة