Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
> > اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الأجمال بقوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل ، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوما لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية . بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني ، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني . واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وعلم ءادم به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهاذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولائك هم الخاسرون كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم ءادم الاسماء كلها } يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء . وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم ، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم . ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات ، وإلا لم يحصل العلم بصدقه ، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدما على ذلك التعليم . والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعا وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس ؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل . سلمنا أنه تعالى / ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد . وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها . وعن الثالث : لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم .
المسألة الثانية : من الناس من قال قوله : { وعلم ءادم الاسماء كلها } أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو ، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول ، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة ، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره ، لوجوه : أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فإن من كان عالما باللغة والفصاحة ، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم ، فإن حصل التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه . القول الثاني : وهو الشمهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام . قال أهل المعاني : قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء } لا بد فيه من إضمار ، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولى لقوله : { أنبئونى بأسماء هؤلاء } وقوله تعالى : { فلما أنبأهم بأسمائهم } ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلا ، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا لأنه لما / كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء ، فغلب الأكمل ، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا . المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى : { أنبئونى بأسماء هؤلاء } على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى : { إن كنتم صادقين } .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب أنه كان مبعوثا إلى حواء ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا ، وإذا ثبت كونه معجزا ثبت كونه رسولا في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة . وأيضا فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسما لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين : الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات . وكان كل صنف جاهلا بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزا . الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزا ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذ يصير الكلام في هذه المسألة فرعا على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبيا في ذلك الوقت بوجوه : أحدها : أنه لو كان نبيا في ذلك الزمان ، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة . وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبيا في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة . / وثانيها : لو كان رسولا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثا إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثا إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثا إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر ، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء ، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى : { ولا تقربا هاذه الشجرة } ( الأعراف : 19 ) شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة .
وثالثها : قوله تعالى : { ثم اجتباه ربه } فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولا لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولا فقد خصه بذلك لقوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) .
المسألة الخامسة : ذكروا في قوله : { إن كنتم صادقين } وجوها : أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الأعلام . وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقا وصدقا فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز ، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم . وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود . ورابعها : إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء .
المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء . لا بالعلم ، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول ، أما الكتاب فوجوه : الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم ، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل : أنه قال : تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : أحدها : مواعظ القرآن قال في البقرة : { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة } ( البقرة : 231 ) يعني مواعظ القرآن وفي النساء : { وأنزل عليكم الكتاب والحكمة } يعني المواعظ ومثلها في آل عمران . وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى / { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) وفي لقمان { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) يعني الفهم والعلم وفي الأنعام { أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم } ( الأنعام : 89 ) وثالثها : الحكمة بمعنى النبوة في النساء { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة } ، يعني النبوة وفي ص{ وشددنا ملكه } يعني النبوة وفي البقرة { وآتاه الله الملك والحكمة } ، ورابعها : القرآن في النحل { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } ( النساء : 54 ) وفي البقرة : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ) وسمى الدنيا بأسرها قليلا { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : 77 ) فما سماه قليلا لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيرا . ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة . والعلم لا نهاية لقدره ، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه ، وذلك ينبهك على فضيلة العلم . الثاني : قوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } ( المائدة : 100 ) يعني الحلال والحرام ، وفرق بين الأعمى والبصير فقال : { قل هل يستوى الاعمى والبصير } ( الأنعام : 50 ) وفرق بين النور والظلمة فقال : { أم هل تستوى الظلمات والنور } ( الرعد : 16 ) وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور ، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذا من الفرق بين العالم والجاهل .
الثالث : قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ( النساء : 59 ) والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس ، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) ، وقال : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله والرسخون في العلم } ( آل عمران : 7 ) وقال : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) الرابع : { يرفع لله الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى } ( المجادلة : 11 ) واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف . وألها : للمؤمنين من أهل بدر قال : { إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( الأنفال : 2 ) إلى قوله : { لهم درجات عند ربهم } ( الأنفال : 4 )
والثانية : للمجاهدين قال : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } ( النساء : 95 ) . والثالثة : للصالحين قال : { ومن يأته مؤمنا وقد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } . الرابعة : للعلماء . قال : { والذين أوتوا العلم درجات } والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات ، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس . الخامس : قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب ، أحدها : الإيمان { والرسخون في العلم يقولون ءامنا به } ( آل عمران : 7 ) وثانيها : التوحيد والشهادة { شهد الله } إلى قوله : { وأولوا العلم } وثالثها : / البكاء { ويخرون للاذقان يبكون } ( الإسراء : 109 ) . ورابعها : الخشوع { إن الذين أوتوا العلم من قبله } ( الإسراء : 107 ) الآية . وخامسها : الخشية { } ( الإسراء : 107 ) الآية . وخامسها : الخشية { إنما يخشى الله من عباده العلماء } أما الأخبار فوجوه : أحدها : روى ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفورا له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار ) وثانيها : عن أنس قال : قال عليه السلام : ( من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن بابا من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهبا فينفقه في سبيل الله ) . وثالثها : عن الحسن مرفوعا ) من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة ) ورابعها : أبو موسى الأشعري مرفوعا ( يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم ) . وخامسها : قال عليه السلام : ( معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحور ) وسادسها : أبو هريرة مرفوعا ( من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء ) . وسابعها : ابن عمر مرفوعا ( فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة عدو الفرس سبعين عاما وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها ) . وثامنها : الحسن مرفوعا قال عليه السلام : ( رحمة الله على خلفائي فقيل من خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ) وتاسعها : قال عليه السلام : ( من خرج يطلب بابا من العلم ليرد به باطلا إلى حق أو ضلالا إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاما ) ، وعاشرها : قال عليه السلام لعلي حين بعثه إلى اليمن ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب ) الحادي عشر : ابن مسعود مرفوعا ( من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبيا ) .
الثاني عشر : عامر الجهني مرفوعا ( يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر ) وفي رواية فيرجح مداد العلماء . الثالث عشر : أبو وافد الليثي : أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر أما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فإنه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال : أخبركم عن النفر الثلاثة . أما الأول : فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني : فاستحيا من الله فاستحيا الله منه ، وأما الثالث : فأعرض عن الله فأعرض الله عنه ) رواه مسلم ، وأما الآثار فمن وجوه ( ا ) العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها ( ب ) قيل / لابن مسعود بم وجدت هذا العلم : قال بلسان سؤول ، وقلب عقول ( ج ) قال بعضهم سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ الأكياس ( د ) مصعب بن الزبير قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالا وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالا ( ه ) قال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل ( و ) قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم بالله غير عالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله . أما الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه . الثاني : هو الذي يكون عالما بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله . أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا بربه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء ) فالمراد من قوله عليه السلام : سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات أن يكون ذاكرا باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفا من الخلق دون الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر ، وأما العالم بالله فإنه يكون ذاكرا خائفا مستحييا .
أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالسا على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلما للقسمين الأولين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما / ثم قال : مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله فقد كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقد كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره ( ز ) قال فتح الموصلي : أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت ( ح ) قال شقيق البليح : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان مؤمنا محضا . وقال أيضا : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى . وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة . والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك في مجلس الذكر ( ط ) قال بعضهم في قوله تعالى : { فاحتمل السيل زبدا رابيا } ( الرعد : 17 ) السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال : أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء . والثاني : كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم . والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرغ الوعد والوعيد . الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به ( ي ) كم من مذكر بالله ناس لله ، وكم من مخوف بالله ، جريء على الله ، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله ، وكم من داع إلى الله فار من الله ، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله ( يا ) الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين . فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة ( يب ) فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحدا بشيء حتى عمله ، والثاني : لم ينه أحدا عن شيء حتى انتهى عنه ، والثالث : كل من طلب منه شيئا مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال . والرابع : كان يستغني بعلمه عن الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء . ( يج ) إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلبا للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلبا للفراغ ، وحب الحكمة طلبا لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلبا لمناجاة الرب ( يد ) اطلب خمسة في خمسة ، الأول : أطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة .
والثاني : أطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة ، والثالث : أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا . والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة . والخامس : أطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية ( يه ) قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، والولاة . أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض ، وأما الغزاة فجند الله في الأرض ، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا فبمن يقتدي الجاهل ، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغبا فبمن يقتدي التائب ، وإذا كان الغازي طامعا مرائيا فكيف يظفر بالعدو . وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الأمانة ، وإذا كان الراعي ذئبا فكيف تحصل الرعاية ( يو ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلم أفضل من / المال بسبعة أوجه : أولها : العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة . الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص ، والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه . والرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره . والخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن ، والسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال . السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه ( يز ) قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئا فله سبع كرامات : أولها : ينال فضل المتعلمين . والثاني : ما دام جالسا عنده كان محبوسا عن الذنوب . والثالث : إذا خرج من منزله طلبا للعلم نزلت الرحمة عليه . والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب . والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له طاعة . والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عز وجل : ( أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ) والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين ( يح ) قيل من العلماء من يضن بعلمه ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من حقه غضب ، فذاك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى الفقراء له أهلا ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من كان معجبا بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذاك في الدرك الرابع من النار . ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه الناس فذاك في الدرك السابع من النار ( يط ) قال الفقيه أبو الليث : من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء .
من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة الله ، ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر ، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة ، ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح ، ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع ( يي ) إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء ( ا ) علم آدم الأسماء { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( ب ) علم الخضر الفراسة { وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف : 65 ) ( ج ) وعلم يوسف علم التعبير { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) ( د ) علم داود صنعة الدرع { وعلمناه صنعة لبوس لكم } ( الأنبياء : 80 ) ( ه ) علم سليمان منطق الطير { وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير } ( النمل : 16 ) ( و ) علم عيسى عليه السلام علم التوراة / والإنجيل { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ( آل عمران : 48 ) ( ز ) وعلم محمدا صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد { وعلمك ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) ، { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( البقرة : 129 ) ، { الرحمان علم القرءان } الرحمن : 1 ) فعلم آدم كان سببا له في حصول السجدة والتحية / وعلم الخضر كان سببا لأن وجد تلميذا مثل موسى ويوشع عليهما السلام ، وعلم يوسف كان سببا لوجدان الأهل والمملكة ، وعلم داود كان سببا لوجدان الرياسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سببا لوجدان بلقيس والغلبة ، وعلم عيسى كان سببا لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد صلى الله عليه وسلم كان سببا لوجود الشفاعة ، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة ؟ بل يجد تحية الرب { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى ، فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد صلى الله عليه وسلم { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين } ( النساء : 69 ) ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا ، فمن كان عالما بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشهوات { ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ) وأيضا فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال : { وعلمتنى من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) . فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسرا لكلامه وسميا لنفسه ووارثا لنبيه وداعيا لخلقه وواعظا لعباده وسراجا لأهل بلاده وقائدا للخلق إلى جنته وثوابه وزاجرا لهم عن ناره وعقابه ، كما جاء في الحديث : العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة ( كا ) المؤمن لا يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خاصل من نفسه . أحدها : أن يقول إن الله أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على أدائها إلا بالعلم . الثانية : أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم . الثالثة : أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم . والرابعة : أمرني بإنصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم .
والخامسة : أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم والسادسة : إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم ( كب ) طريق الجنة في أيدي أربعة : العالم والزاهد والعابد والمجاهد ، فالزاهد إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الأمن ، والعابد إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الخوف ، والمجاهد إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الثناء والحمد ، والعالم إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الحكمة ( كج ) أطلب أربعة من أربعة : من الموضع السلامة ، ومن الصاحب الكرامة ، ومن المال الفراغة ، ومن العلم المنفعة ، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه ، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه ، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه ، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه ( كد ) لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء : لا يتم الدين إلا بالتقوى ، ولا يتم القول إلا بالفعل ، ولا تتم / المروءة إلا بالتواض ، عولا يتم العلم إلا بالعمل ، فالدين بلا تقوى على الخطر ، والقول بلا فعل كالهدر ، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر ، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر ( كه ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله الأنصاري : قوام الدنيا بأربعة بعالم يعمل بعلمه ، وجاهل لا يستنكف من تعلمه ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم والثبور سبعين مرة ( كو ) قال الخليل : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه / ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه ( كز ) أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه ( كح ) إذا اشتغل العلماء بجمع الحلال حار العوام آكلين للشبهات ، وإذا صال العالم آكلا للشبهات صار العامي آكلا للحرام ، وإذا صار العالم آكلا للحرام صار العامي كافرا يعني إذا استحلوا . أما الوجوه العقلية فأمور : أحدها : أن الأمور على أربعة أقسام ، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة . وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معا ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة .
أما الأول : فهو الأمراض والمكاره في الدنيا ، وأما الثاني : فهو المعاصي أجمع ، وأما الثالث : فهو العلم ، وأما الرابع : فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار ، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة ، فكل من اختار العلم يقال له تعودت المقام في الجنة فأدخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فأدخل النار ، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب وكمال الألم في البعد عن المحبوب ، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءا من البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتماع فلما اقتضت الجراحة إزالة ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده ، فلا جرم كان ذلك مؤلما والإحراق بالنار إنما كان أشد إيلاما من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين ، أما النار فإنها تغوص في جميع الأجزا فاقتضت تبعيد جميع الأجزاء بعضها عن بعض ، فلما كانت التفريقات في الإحراق أشد كان الألم هناك أصعب ، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب ، فلذة الأكل عبارة عن إدراك تلك الطعوم لموافقة للبدن ، وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات ، فلا جرم كان ذلك الإدراك لذة لها فقد ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب ، والألم عبارة عن إدراك المكروه وإذا عرفت هذا فنقول : / كلما كان الإدراك أغوص وأشد والمدرك أشرف وأكمل ، والمدرك أنقى وأبقى . وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل . ولا شك أن محل العلم هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الإدراك العقلي أغوص وأشرف على ما سيجيء بيانه في تفسير قوله : { الله نور السماوات والارض } ( النور : 35 ) وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه وأوامره وتكاليفه وأي معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذاته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه ، ومما يدل على ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فإن علمها وقدر على الجواب والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به ، وأن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات ، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل أنواع الشقاء ، واعلم أن ههنا وجوها أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا . الوجه الأول : أن أول ما نزل قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } ( العلق : 1 5 ) فقيل فيه إنه لا بد من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله : { خلق الإنسان من علق } وبين قوله : { اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم } فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهو كونه علقة . مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالما وهو أجل المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف . وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى .
الثاني : أنه قال : { اقرأ وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم } وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره : الثالث : قوله سبحانه : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم . أحدها : دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية ؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى : { لهم الدرجات العلى جنات عدن تجرى من تحتها الانهار } ( البينة : 8 ) إلى قوله تعالى : { ذلك لمن خشى ربه } ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ) واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه / الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالما بالشيء استحال أن يكون خائفا منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف ، بل لا بد له من العلم بأمور ثلاثة . منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها . ومنها : العلم بكونه عالما ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه . ومنها العلم بكونه حكيما . فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادرا على منعه عالما بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بشفاهته ؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، قادرا على كل المقدورات ، غير راض بالمنكرات والمحرمات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملا على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سببا لفراره عن تلك اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركا للمحظور فاعلا للواجب كان من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة . وثانيها : أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء / وذلك لأن كلمة إنما للحصر ، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء .
والآية الثانية وهي قوله : { ذلك لمن خشى ربه } دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم . وثالثها : قرىء { إنما يخشى الله من عباده العلماء } برفعه الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة : أنه تعالى لو جازت الخشية عليه ؛ لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز . وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ، ففي هذه القراءة نهاية النصب للعلماء والتعظيم . الرابع : قوله تعالى : { وقل ربى زدنى علما } ( طه : 114 ) . وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره . وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } ( الكهف : 66 ) . الخامس : كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه قال : { رب هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال : { وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء } ( النمل : 16 ) فافتخر بكونه عالما بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله : { وأوتينا من كل شىء } وأيضا فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولا وقال : { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } ( الأنبياء : 78 ) إلى قوله : { وكلا ءاتينا حكما وعلما } ( الأنبياء : 79 ) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف . السادس : قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان { أحطت بما لم تحط به } فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم ، السابع : قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ) وفي التفضيل وجهان : أحدها : أن التفكر يوصلك إلى الله تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله . والثاني : أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح ، والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { إننى أنا الله } ( طه : 14 ) جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره . الثامن : قال تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) فسمى العلم عظيما وسمي الحكمة خيرا كثيرا فالحكمة هي العلم وقال أيضا : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 1 ) فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم ، فدل على أنه أفضل من غيره .
التاسع : أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم . أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام ( عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة ) وأما الزبور فقال سبحانه وتعالى : ( يا داود قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقاء فإن لم تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء فإن لم تجدوا عالما فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مرات بما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه ) وأقول إنما قدم الله تعالى التقي على العلم لأن التقي لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، وهذا السر أيضا قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلا ، أما العاقل فقد لا يكون عالما فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر . وأما الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشر منه ( ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم / وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل ) والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا يخزيه ، إن الله تعالى يقول يوم القيامة : ( يا معاشر العلماء ما ظنكم بربكم ؟ يقولون . ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا ، فيقول : فأني قد فعلت ، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم ، بل لخير أردته بكم ، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي ) وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الإنجيل . أن الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام : يا عيسى عظم العلماء واعرف فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب ، وكفضل الآخرة على الدنيا ، وكفضلي على كل شيء ، أما الأخبار : ( ا ) عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للعلماء ( إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم ادخلوا الجنة على ما كان منكم ) ( ب ) قال أبو هريرة وابن عباس : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال : من تعلم العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد الله يريد ما عند الله . لم يكن في الجنة أفضل ثوابا منه ولا أعظم منزلة ، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل ) . ( ج ) ابن عمر مرفوعا إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها فباب من فضة منضدة بالدر والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق ، ثم ينادي منادى الرحمن : أين من حمل إلى أمة محمد علما يريد به وجه الله : اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة . ( د ) عن عيسى ابن مريم عليهما السلام : أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير من العمل ، ويدخلون الجنة بلا إله إلا الله ( ه ) قال عليه السلام ( من اغبرت قدماه في طلب العلم ، حرم الله جسد على النار ، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات شهيدا ، وكان قبره روضة من رياض الجنة ، ويوسع له في قبره مد بصره ، وينور على جيرانه أربعين قبرا عن يمينه .
وأربعين قبرا عن يساره ، وأربعين عن خلفه ، وأربعين أمامه ، ونوم العالم عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، ونفسه صدقة ، وكل قطرة نزلت من عينيه تطفىء بحرا من جهنم فمن أهان العالم فقد أهان العلم ، ومن أهان العلم فقد أهان النبي ، ومن أهان النبي فقد أهان جبريل ومن أهان جبريل أهان الله . ومن أهان الله أهانه الله يوم القيامة ) ( و ) قال عليه الصلاة والسلام : ( ألا أخبركم بأجود الأجواد . قالوا : نعم يا رسول الله ، قال الله تعالى : ( أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم ، وأجودهم من بعدي رجل عالم ينشر علمه فيبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل ) . ( ز ) عن أبي هريرة مرفوعا ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن يسر على معسر يسر / الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله تعالى في عون العبد ، ما دام العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقا يبتغي به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم في الصحيح ( ح ) قال عليه الصلاة والسلام ( يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ) . قال الراوي : فأعظم مرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة ( ط ) معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام ( تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل الجنة والأنيس من الوحشة والصاحب في الوحدة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء ، والدين عند الاختلاف يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم ، وأئمة في الخير يقتفى بآثارهم ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ترغب الملائكة في خلقتهم وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تستغفر لهم حتى كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها . لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالبعيد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ويعبد وبه يمجد ويوحد وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام ) ( ي ) أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ؛ أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له بالخير ) ( يا ) قال عليه الصلاة والسلام ( إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس قيل يا رسول الله ومن الناس ؟ قال أهل القرآن قيل ثم من ؟ قال أهل العلم قيل ثم من ؟
قال الصباح الوجوه ) قال الراوي والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه ( يب ) قال عليه الصلاة والسلام : ( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله والدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها بقدر السم في الأدوية لعلكم تنجون ) قال الراوي والعلماء داخلون فيه لأنهم يقولون هذا حرام فاجتنبوه وهذا حلال فخذوه ( يج ) في الخبر : العالم نبي لم يوح إليه ( يد ) قال عليه الصلاة والسلام ( كن عالما ، أو متعلما ، أو مستمعا ، أو محبا ، ولا تكن الخامس فتهلك ) قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى وهي قوله عليه الصلاة والسلام ( الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم ) إن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعا خالسا أو ذئبا خانسا أو كلبا حارسا ، وإياك وأن تكون إنسانا ناقصا ، ( يه ) قال عليه الصلاة والسلام : ( من اتكأ على يده عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة ومن قبل رأس عالم كتب الله له بكل شعرة حسنة ) ( يو ) قال عليه الصلاة والسلام برواية أبي هريرة ( بكت السموات / السبع ومن فيهن ومن عليهن والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل وغني افتقر وعالم يلعب به الجهال ) ( يز ) وقال عليه السلام : ( حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والشهداء قواد أهل الجنة والأنبياء سادة أهل الجنة ( يح ) وقال عليه السلام : ( العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء الأنبياء ) قال الراوي الإنسان لا يكون مفتاحا إنما المعنى أن عندهم من العلم مفتاح الجنان والدليل عليه أن من رأى في النوم أن بيده مفاتيح الجنة فإنه يؤتى علما في الدين . ( يط ) وقال عليه الصلاة والسلام ( إن لله تعالى في كل يوم وليلة ألف رحمة على جميع خلقه الغافلين والبالغين وغير البالغين ، فتسعمائة وتسعة وتسعون رحمة للعلماء وطالبي العلم والمسلمين ، والرحمة الواحدة لسائر الناس ) . ( ك ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( قلت يا جبريل أي الأعمال أفضل لأمتي ؟ قال : العلم ، قلت ثم أي ؟ قال : النظر إلى العالم ، قلت : ثم أي ؟ قال : زيارة العالم ، ثم قال : ومن كسب العلم لله وأراد به صلاح نفسه وصلاح المسلمين ، ولم يرد به عرضا من الدنيا ، فأنا كفيله بالجنة ) ( كا ) وقال عليه الصلاة والسلام ( عشرة تستجاب لهم الدعوة العالم والمتعلم وصاحب حسن الخلق والمريض واليتيم والغازي والحاج والناصح للمسلمين والولد المطيع لأبويه والمرأة المطيعة لزوجها ) ( كب ) ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما العلم ؟ فقال : دليل العمل قيل : فما العقل ؟ قال : قائد الخير ، قيل : فما الهوى ؟ قال : مركب المعاصي ؛ قيل : فما المال ؟ قال : رداء المتكبرين ، قيل : فما الدنيا ؟ قال : سوق الآخرة ) .
( كج ) أنه عليه الصلاة والسلام كان يحدث إنسانا فأوحى الله إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة ، وكان هذا وقت العصر ، فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة ، قال اشتغل بالتعلم فاشتغل بالتعلم ، وقبض قبل المغرب ، قال الراوي : فلو كان شيء أفضل من العلم ، لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك الوقت . ( كد ) قال عليه الصلاة والسلام : ( الناس كلهم موتى إلا العالمون ) والخبر مشهور ( كه ) عن أنس قال عليه الصلاة والسلام ( سبعة للعبد تجري بعد موته : من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا صالحا يدعو له بالخير أو صدقة تجري له بعد موته ) فقدم عليه الصلاة والسلام التعليم على جميع الانتفاعات لأنه روحاني والروحاني أبقى من الجسمانيات ( كو ) قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تجالسوا العلماء إلا إذا دعوكم من خمس إلى خمس : من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ) ( كز ) أوصى النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال يا علي احفظ التوحيد فأنه رأس مالي والزم العمل فإنه حرفتي ، وأقم الصلاة فإنها قرة عيني ، واذكر الرب فإنه بصيرة فؤادي ، واستعمل العلم فإنه ميراثي ( كح ) أبو كبشة الأنصاري قال ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الدنيا مثل أربعة رهط رجل آتاه الله علما وآتاه مالا فهو يعمل بعلمه في ماله ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فيقول لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالا / ولم يؤته علما فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل ، ورجل لم يؤته الله علما ولم يؤته مالا فيقول : لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء . { الآثار } ( ا ) كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق / يا كميل العلم خير من المال ، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ، يا كميل معرفة العلم زين يزان به يكتسب به الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ( ب ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء ( ج ) عنم ابن عباس خير سليمان بين الملك والمال وبين العلم فاختار العلم فأعطي العلم والملك معا ( د ) سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه لما روي عن نافع بن الأرزق قال لابن عباس كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء قال ابن عباس لأن الأرض كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها فقال نافع فكيف بأوقات الفخ يغطي له بأصبع من تراب فلا يراه بل يقع فيه فقال ابن عباس إذا جاء القدر عمي البصر ( ه ) قال أبو سعيد الخدري تقسم الجنة على عشرة آلاف جزء تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون منها للذين عقلوا عن الله أمره فكان هذا ثوابهم على قدر ما قسم الله لهم من العقول يقتسمون المنازل فيها وجزء للمؤمنين الضعفاء الفقراء الصالحين ( و ) قال ابن عباس لولده يا بني عليك بالأدب فإنه دليل على المروءة وأنس في الوحشة وصاحب في الغربة وقرين في الحضر وصدر في المجلس ووسيلة عند انقضاء الوسائل وغنى عند العدم ورفعة للخسيس وكمال للشريف وجلالة للملك ( ز ) عن الحسن البصري : صرير قلم العلماء تسبيح وكتابة العلم والنظر فيه عبادة وإذا أصاب من ذلك المداد ثوبه فكأنما أصابه دم الشهداء وإذا قطر منها على الأرض تلألأ نوره ، وإذا قام من قبره نظر إليه أهل الجمع فيقال هذا عبد من عباد الله أكرمه الله وحشر مع الأنبياء عليهم السلام ( ح ) في ( كتاب كليلة ) ودمنة : أحق من لا يستخف بحقوقهم ثلاثة : العالم والسلطان والإخوان فإن من استخف بالعالم أهلك دينه ومن استخف بالسلطان أهلك دنياه ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته ( ط ) قال سقراط من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحدكما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك ولا يقدر أحد على سلبه عنك ( ي ) قيل لبعض الحكماء لا تنظر فأغمض عينيه ، فقيل لا تسمع فسد أذنيه ، فقيل لا تتكلم فوضع يده على فيه ، فقيل له لا تعلم فقال : لا أقدر عليه ( يا ) إذا كان السارق عالما لا تقطع يده لأنه يقول كان المال وديعة لي وكذا / الشارب يقول حسبته خلا وكذا الزاني يقول تزوجتها فإنه لا يحد ( يب ) قال بعضهم أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر بيانكم كما تحيون الموات بالنبات والنواة ، فإن نفسا تبعد من الشهوات والشبهات أفضل من أرض تصلح للنبات . قال الشاعر :
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟