Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V25/P208–V25/P209

المسألة الثانية : اللام في ليجزي للتعليل ، معناه الآخرة للجزاء ، فإن قال قائل : فما وجه المناسبة ؟ فنقول : الله تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه فجعل للمكلف دارا باقية ليكون ثوابه واصلا إليه دائما أبدا ، وجعل قبلها دارا فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون / فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه في نفسه . المسألة الثالثة : ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هي للمؤمنين والرزق منه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور ، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها . ! 7 < { والذين سعوا فىءاياتنا معاجزين أولائك لهم عذاب من رجز أليم } . > 7 ! < < سبأ : ( 5 ) والذين سعوا في . . . . . > > لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين ، وقوله : { والذين سعوا فىءاياتنا } أي بالإبطال ، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا وحينئذ يكون هذا في مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى : { ءامنوا } معناه صدقوا وهذا معناه كذبوا فإن قيل من أين علم كون سعيهم في الإبطال مع أن المذكور مطلق السعي ؟ فنقول فهم من قوله تعالى : { معاجزين } وذلك لأنه حال معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون الساعي معاجزا لأن القرآن وآيات الله معجزة في نفسها لا حاجة لها إلى أحد ، وأما المكذب فهو آت بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به ، وقيل بأن المراد من قوله : { معاجزين } أي ظانين أنهم يفوتون الله ، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعيا بالباطل في غاية الظهور ، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق ، وفي الآية لطائف الأولى : قال ههنا : { لهم عذاب } ولم يقل يجزيهم الله ، وقد تقدم القول منا أن قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } يحتمل أن يكون الله يجزيهم بشيء آخر ، وقوله : { أولئك لهم مغفرة } إخبار عن مستحقهم المعد لهم ، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظرا إلى قوله : { ليجزى } وههنا لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك الثانية : قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال : { ورزق كريم } وههنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم ، والجواب تقدم في مثله الثالثة : قال هناك : { لهم مغفرة ورزق كريم } ولم يقلله بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم ، وقال ههنا : { لهم عذاب من رجز أليم } بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب ، وعلى هذا { من } لبيان الجنس كقول القائل خاتم من فضة ، وفي الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع على أن الأليم وصف العذاب كأنه قال عذاب أليم من أسوأ العذاب والجر على أنه وصف للرجز والرفع أقرب نظرا إلى المعنى ، والجر نظرا إلى اللفظ ، فإن قيل فلم تنحصر الأقسام في المؤمن الصالح عمله والمكذب الساعي المعجز لجواز أن يكون أحد مؤمنا ليس له عمل صالح أو كافر متوقف ، فنقول إذا علم حال الفريقين المذكورين يعلم أن المؤمن قريب الدرجة ممن تقدم أمره والكافر قريب الدرجة ممن سبق ذكره وللمؤمن مغفرة ورزق كريم ، وإن لم يكن في الكرامة مثل رزق الذي عمل صالحا / وللكافر غير المعاند عذاب وإن لم يكن من أسوأ الأنواع التي للمكذبين المعاندين . ! 7 < { ويرى الذين أوتوا العلم الذىأنزل إليك من ربك هو الحق ويهدىإلى صراط العزيز الحميد } . > 7 ! < <

قسم V25/P209–V25/P210

سبأ : ( 6 ) ويرى الذين أوتوا . . . . . > > لما بين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن سعيه باطل فإن من أوتي علما لا يغتر بتكذيبه ويعلم أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق ، وقوله : هو الحق يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك ، وأما قول المكذب فباطل ، بخلاف ما إذا تنازع خصمان ، والنزاع لفظي فيكون قول كل واحد حقا في المعنى ، وقوله تعالى : { ويهدى إلى صراط العزيز الحميد } يحتمل أن يكون بيانا لكونه هو الحق فإنه هاد إلى هذا الصراط ، ويحتمل أن يكون بيانا لفائدة أخرى ، وهي أنه مع كونه حقا هاديا والحق واجب القبول فكيف إذا كان فيه فائدة في الاستقبال وهي الوصول إلى الله ، وقوله : { العزيز الحميد } يفيد رغبة ورهبة ، فإنه إذا كان عزيزا يكون ذا انتقام ينتقم من الذي يسعى في التكذيب ، وإذا كان حميدا يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحا ، فإن قيل كيف قدم الصفة التي للهيبة على الصفة التي للرحمة مع أنك أبدا تسعى في بيان تقديم جانب الرحمة ؟ نقول كونه عزيزا تام الهيبة شديد الانتقام يقوي جانب الرغبة لأن رضا الجبار العزيز أعز وأكرم من رضا من لا يكون كذلك ، فالعزة كما تخوف ترجى أيضا ، وكما ترغب عن التكذيب ترغب في التصديق ليحصل القرب من العزيز . ! 7 < { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } . > 7 ! < < سبأ : ( 7 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > وجه الترتيب : هو أن الله تعالى لما بين أنهم أنكروا الساعة ورد عليهم بقوله : { قل بلى وربى لتأتينكم } ( سبأ : 3 ) وبين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات ، بين حال المؤمن والكافر بعد قوله : { قل بلى وربى لتأتينكم } فقال المؤمن : هو الذي يقول الذي أنزل إليك الحق وهو يهدي ، وقال الكافر هو الذي يقول هو باطل ، ومن غاية اعتقادهم وعنادهم في إبطال ذلك قالوا على سبيل التعجب : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } ( سبأ : 7 ) وهذا كقول القائل في الاستبعاد ، جاء رجل يقول : إن الشمس تطلع من المغرب إلى غير ذلك من المحالات . ! 7 < { أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالا خرة فى العذاب والضلال البعيد } . > 7 ! / ثم قال تعالى : { أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب والضلال البعيد } < < سبأ : ( 8 ) أفترى على الله . . . . .

قسم V25/P210–V25/P211

> > هذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تمام قول الذين كفروا أولا أعني هو من كلام من قال : { هل ندلكم } ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال : { هل ندلكم } كأن السامع لما سمع قول القائل : { هل ندلكم على رجل } قال له : أهو يفتري على الله كذبا ؟ إن كان يعتقد خلافه ، أم به جنة ( أي ) جنون ؟ إن كان لا يعتقد خلافه وفي هذا لطيفة : وهي أن الكافر لا يرضى بأن يظهر كذبه ، ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر ، بل قال مفتر أو مجنون ، احترازا من أن يقول قائل كيف يقول بأنه مفتر ، مع أنه جائز أن يظن أن الحق ذلك فظن الصدق يمنع تسمية القائل مفتريا وكاذبا في بعض المواضع ، ألا ترى أن من يقول جاء زيد ، فإذا تبين أنه لم يجىء وقيل له كذبت ، يقول ما كذبت ، وإنما سمعت من فلان أنه جاء ، فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن ، فهم احترزوا عن تبين كذبهم ، فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس ، ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر ، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى وقال : { بل الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب } في مقابلة قولهم : { افترى على الله كذبا } وقوله : { والضلال البعيد } في مقابلة قولهم : { به جنة } وكلاهما مناسب . أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذية ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب . وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء ، لأنه لا يشهد عليه بأنه يعذب ، ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون ، ثم وصف ضلالهم بالبعد ، لأن من يسمي المهتدي ضالا يكون هو الضال ، فمن يسمي الهادي ضالا يكون أضل ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان هادي كل مهتد . ! 7 < { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والا رض إن نشأ نخسف بهم الا رض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء إن فى ذلك لاية لكل عبد منيب } . > 7 ! < < سبأ : ( 9 ) أفلم يروا إلى . . . . . > > ثم قال تعالى : { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والارض إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم } لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازيا على السيئات والحسنات ذكر دليلا آخر وذكر فيه تهديدا . أما الدليل فقوله : { من السماء والارض } فإنهما يدلان على الوحدانية كما بيناه مرارا ، وكما قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال قدرته ومنها الإعادة ، وقد ذكرناه مرارا ، وقال تعالى : { أو ليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) / وأما التهديد فبقوله : { إن نشأ نخسف بهم الارض } يعني نجعل عين نافعهم ضارهم بالخسف والكسف . ثم قال تعالى : { إن فى ذلك لاية لكل عبد منيب } أي لكل من يرجع إلى الله ويترك التعصب ثم إن الله تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ، ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه : { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ( ص: 24 ) وبين ما أتاه الله على إنابته فقال : ! 7 < { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا ياجبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد } . > 7 ! < <

قسم V25/P211–V25/P212

سبأ : ( 10 ) ولقد آتينا داود . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { منا } إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام ، وتقريره هو أن قوله : { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا } مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتي الملك زيدا خلعة ، فإذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ، ومثل هذا قوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ( التوبة : 21 ) فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال : { يبشرهم ربهم برحمة منه } . المسألة الثانية : في قوله : { فضلا ياجبال أوبى معه } قال الزمخشري : { من جبال } بدل من قوله : { فضلا } معناه آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال . المسألة الثالثة : قرىء أوبي بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع ، وقيل بأن معناه سيرى معه ، وفي قوله : { يسبحن } قالوا : هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة . المسألة الرابعة : قرىء { والطير } بالنصب حملا على محل المنادى والطير بالرفع حملا على لفظه . المسألة الخامسة : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الجبال والطير ولكن ذكر الجبال ، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة ، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة . المسألة السادسة : قوله : { وألنا له الحديد } عطف ، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا : { من جبال } أوبي وألنا ، ويحتمل أن يكون عطفا على آتينا تقديره آتيناه فضلا وألنا له . المسألة السابعة : ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير ، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به ، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله ، قيل / إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع ، وإنما اختار الله له ذلك ، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل ، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما . ! 7 < { أن اعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحا إنى بما تعملون بصير } . > 7 ! / < < سبأ : ( 11 ) أن اعمل سابغات . . . . .

قسم V25/P212–V25/P213

> > قيل إن أن ههنا للتفسير فهي مفسرة ، بمعنى أي اعمل سابغات وهو تفسير { ألنا } وتحقيقه لأن يعمل ، يعني ألنا له الحديد ليعمل سابغات ويمكن أن يقال ألهمناه أن اعمل وأن مع الفعل المستقبل للمصدر فيكون معناه : ألنا له الحديد وألهمناه عمل سابغات وهي الدروع الواسعة ذكر الصفة ويعلم منها الموصوف وقدر في السرد ، قال المفسرون : أي لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها ، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد ، وقوله : { سابغات وقدر فى السرد } أي الزرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب ، ويدل عليه قوله تعالى : { واعملوا صالحا } أي لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه ، والكسب قدروا فيه ، ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله : { إنى بما تعملون بصير } وقد ذكرنا مرارا أن من يعمل لملك شغلا ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل ويتقنه ويجتهد فيه ، ثم لما ذكر المنيب الواحد ذكر منيبا آخر وهو سليمان ، كما قال تعالى : { وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب } ( ص: 34 ) . ! 7 < { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير } . > 7 < سبأ : ( 12 ) ولسليمان الريح غدوها . . . . . > > وذكر ما استفاد هو بالإنابة فقال : { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { ولسليمان الريح } بالرفع وبالنصب وجه الرفع { ولسليمان الريح } مسخرة أو سخرت { لسليمان الريح } ووجه النصب { ولسليمان } سخرنا { الريح } وللرفع وجه آخر / وهو أن يقال معناه : { ولسليمان الريح } كما يقال لزيد الدار ، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك المختص به يأمرها بما يريد حيث يريد . المسألة الثانية : الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفا لجملة إسمية على جملة فعلية وهو لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود كأنه تعالى قال ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح ، وأما على النصب فعلى قولنا : { وألنا له الحديد } كأنه قال : وألنا لداود الحديد وسخرنا لسليمان الريح . المسألة الثالثة : المسخر لسليمان كانت ريحا مخصوصة لا هذه الرياح ، فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح . المسألة الرابعة : قال بعض الناس : المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) ، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح ، ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله : { غدوها شهر } ثلاثون فرسخا لأن من يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك ، وقوله في حق داود : { وألنا له الحديد } وقوله في حق سليمان : { وأسلنا له عين القطر } أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أي أناسا أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده ( و ) عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة .

قسم V25/P213–V25/P214

المسألة الخامسة : أقول قوله تعالى : { وسخرنا مع داوود الجبال } ( الأنبياء : 79 ) وقوله : { ولسليمان الريح عاصفة } لو قال قائل ما الحكمة في أن الله تعالى قال في الأنبياء : { وسخرنا مع داوود الجبال } وفي هذه السورة قال : { فضلا ياجبال أوبى معه } ( سبأ : 10 ) وقال في الريح هناك وههنا : { ولسليمان } تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحف ، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على قولنا : { أوبى معه } سيري فالجبل في السير ليس أصلا بل هو يتحرك معه تبعا ، والريح لا تتحرك معه سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها ، فلم يقل الريح مع سليمان ، بل سليمان كان مع الريح { وأسلنا له عين القطر } أي النحاس { ومن الجن } أي سخرنا له من الجن ، وهذا ينبىء عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر . واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان / وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه ، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا : { أوبى } أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضا ، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما / لا يجتمعان مع الإنسان ؛ الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن ، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن ، والجن يطلب أبدا اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه ، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وههنا لطيفة : وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى : { أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون } ( المؤمنون : 97 ، 98 ) فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى : { من يعمل بين يديه بإذن ربه } إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى : وهي أن الله تعالى قال ههنا : { بإذن ربه } بلفظ الرب وقال : { ومن يزغ منهم عن أمرنا } ولم يقل عن أمر ربه ، وذلك لأن الرب لفظ ينبىء عن الرحمة ، فعندما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال : { ربه } وعندما كانت الإشارة إلى تعذيبهم قال : { عن أمرنا } بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى : { نذقه من عذاب السعير } فيه وجهان أحدهما : أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما : أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب . ! 7 < { يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادى الشكور } . > 7 ! < < سبأ : ( 13 ) يعملون له ما . . . . .

قسم V25/P214–V25/P215

> > المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى : { إذ تسوروا المحراب } والتماثيل ما يكون فيها من النقوش ، ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال : { وجفان كالجواب } جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس { وقدور رسيات } ثابتات لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها في تلك الجفان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم { الجفان } في الذكر على { القدور } مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل ، فنقول : لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور ، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه ، وأما القدور فلا تكون فيه ، ولا تحضر هناك ، ولهذا قال : { وقدور رسيات } أي غير منقولات ، ثم لما بين حال الجفان العظيمة ، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان . / المسألة الثانية : ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب ، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده ، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيرا لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام . المسألة الثالثة : لما قال عقيب قوله تعالى : { أن اعمل سابغات } اعملوا صالحا ، قال عقيب ما يعمله الجن : { اعملوا ءال داوود شاكرا } إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرا ، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما في قوله : { وقدر فى السرد } أي اجعله بقدر الحاجة . المسألة الرابعة : انتصاب شكرا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون مفعولا له كقول القائل جئتك طمعا وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها : أن يكون مصدرا كقول القائل شكرت الله شكرا ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعودا ، وذلك لأن العمل شكر فقوله : { اعملوا } يقوم مقام قوله : { اشكروا } وثالثها : أن يكون مفعولا به كقولك اضرب زيدا كما قال تعالى : { الطيبات واعملوا صالحا } ( المؤمنون : 51 ) لأن الشكر صالح .

قسم V25/P215–V25/P216

المسألة الخامسة : قوله : { وقليل من عبادى الشكور } إشارة إلى أن الله خفف الأمر على عباده ، وذلك لأنه لما قال : { اعملوا ءال داوود شاكرا } فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن ، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائما تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر ، فقال تعالى : إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام فليس عليكم في ذلك حرج ، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في قوله : { عبادى } مع الإضافة إلى نفسه ، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين / كقوله تعالى : { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر : 53 ) وقوله : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الإسراء : 65 ) فإن قيل على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله : { قليل } يدل على أن في عباده من هو شاكر لأنعمه ، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله ، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي الله عنه ، وقال له : يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي بأسرها ، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها . ! 7 < { فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الا رض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين } . > 7 ! < < سبأ : ( 14 ) فلما قضينا عليه . . . . . > > لما بين عظمة سليمان وتسخير الريح والروح له بين أنه لم ينج من الموت ، وأنه قضى عليه الموت ، تنبيها للخلق على أن الموت لا بد منه ، ولو نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : كان سليمان عليه السلام يقف في عبادة الله ليلة كاملة ويوما تاما وفي بعض الأوقات يزيد عليه ، وكان له عصا يتكىء عليها واقفا بين يدي ربه ، ثم في بعض الأوقات كان واقفا على عادته في عبادته إذ توفي ، فظن جنوده أنه في العبادة وبقي كذلك أياما وتمادى شهورا ، ثم أراد الله إظهار الأمر لهم ، فقدر أن أكلت دابة الأرض عصاه فوقع وعلم حاله . وقوله تعالى : { فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين } كانت الجن تعلم ما لا يعلمه الإنسان فظن أن ذلك القدر علم الغيب وليس كذلك ، بل الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا فهو أكثر الأشياء الحاضرة لا يعلمه ، والجن لم تعلم إلا الأشياء الظاهرة وإن كانت خفية بالنسبة إلى الإنسان ، وتبين لهم الأمر بأنهم لا يعلمون الغيب إذ لو كانوا يعلمونه لما بقوا في الأعمال الشاقة ظانين أن سليمان حي . وقوله : { ما لبثوا فى العذاب المهين } دليل على أن المؤمنين من الجن لم يكونوا في التسخير ، لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين . ! 7 < { لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور } . > 7 < سبأ : ( 15 ) لقد كان لسبإ . . . . . > > ثم قال تعالى : { لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب } .

قسم V25/P216–V25/P217

ما بين الله حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه ، بحكاية أهل سبأ ، وفي سبأ قراءتان بالفتح على أنه اسم بقعة وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة وهو الأظهر ، لأن الله جعل الآية لسبأ والفاهم هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل وقوله : { ءاية } أي من فضل ربهم ، ثم بينها بذكر بدله بقوله : { جنتان عن يمين وشمال } قال الزمخشري أية آية في جنتين ، مع أن بعض بلاد العراق فيها آلاف من الجنان ؟ وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتان أو عن يمين بلدهم وشمالها جماعتان من الجنات ، ولاتصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة ، قوله : { كلوا من رزق ربكم } إشارة إلى تكميل النعم عليهم / حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض ، وقوله : { واشكروا له } بيان أيضا لكمال النعمة ، فإن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة ، ثم لما بين حالهم في مساكنهم وبساتينهم وأكلهم أتم بيان النعمة بأن بين أن لا غائلة عليه ولا تبعة في المآل في الدنيا ، فقال : { بلدة طيبة } أي طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم ، وقال : { ورب غفور } أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة ، فعند هذا بان كمال النعمة حيث كانت لذة حالية خالية عن المفسد المآلية . ! 7 < { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزىإلا الكفور } . > 7 < سبأ : ( 16 - 17 ) فأعرضوا فأرسلنا عليهم . . . . . > > ثم إنه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال : { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور } . فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعض إبانة الآية كما قال تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه ثم أعرض عنها } ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال : { إنا من المجرمين منتقمون } ( السجدة : 22 ) وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلا غرق أموالهم وخرب دورهم ، وفي العرم وجوه أحدها : أنه الجرذ الذي سبب خراب السكر ، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها شعب فسدت الشعب حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر وجعلت لها أبوابا ثلاثة مرتبة بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد بعض . فنقب الجرذ السكر ، وخرب السكر بسببه وانقلب البحر عليهم وثانيها : أن العرب اسم السكر وهو جمع العرمة وهي الحجارة ثالثها : اسم للوادي الذي خرج منه الماء وقوله : { وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط } بين به دوام الخراب ، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض وتنبت المفسدات فيها فتقل الثمار وتكثر الأشجار ، والخمط كل شجرة لها شوك أو كل شجرة ثمرتها مرة ، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل ، والأثل نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات ، يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه ، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن أشجارهم فقلله الله ، ثم بين الله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال : { ذلك جزيناهم بما كفروا وهل } أي لا نجازي بذلك الجزاء { نجزى إلا الكفور } قال بعضهم المجازاة تقال في النقمة والجزاء / في النعمة لكن قوله تعالى : { ذالك جزيناهم } يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة ، ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين ، يأخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر . وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدىء بالنعم .

قسم V25/P217–V25/P218

! 7 < { وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالى وأياما ءامنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن فى ذلك لايات لكل صبار شكور } . > 7 ! < < سبأ : ( 18 - 19 ) وجعلنا بينهم وبين . . . . . > > أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة . وقرى ظاهرة أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى ، فإن قال قائل : هذا من النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله : { وبدلناهم بجناتهم جنتين } فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة ؟ فنقول ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكثرة القرى ، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله : { ربنا باعد بين أسفارنا } وقد فعل ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ ربنا بعد على المبتدأ والخبر ، وقوله : { وقدرنا فيها السير } الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز ، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار ، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها ، فهو المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جادا حتى يقطعها ، وقوله : { سيروا فيها ليالى وأياما } أي كان بينهم ليال وأيام معلومة ، وقوله : { ءامنين } إشارة إلى كثرة العمارة ، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن ، وقيل بأن معنى قوله : { ليالى وأياما } تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا ، لئلا يعلم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك نهارا لئلا يقصدهم العدو ، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ، وقوله تعالى : { قالوا ربنا باعد بين أسفارنا } قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يسألوا بطرا كما طلبت اليهود الثوم والبصل ، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه . ويمكن أن يقال : { قالوا ربنا بعد } بلسان الحال ، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد / بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم ، وقوله : { وظلموا أنفسهم } يكون بيانا لذلك ، وقوله : { فجعلناهم أحاديث } أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلا ، يقال : تفرقوا أيدي سبا ، وقوله : { ومزقناهم كل ممزق } بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور } أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين . ! 7 < { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } . > 7 < سبأ : ( 20 ) ولقد صدق عليهم . . . . . > >

قسم V25/P218–V25/P219

ثم قال تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } أي ظنه أنه يغويهم كما قال : { فبعزتك لاغوينهم } ( ص: 82 ) وقوله : { فاتبعوه } بيان لذلك أي أغواهم ، فاتبعوه { إلا فريقا من المؤمنين } قال تعالى في حقهم : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) ويمكن أن يقال : صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه : { أنا خير منه } ( ) ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه ، لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر ، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عنادا كفر ، والمشرك يعبد غير الله فو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد ، وهم كفروا بأمر هو الإشراك ، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء ، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل ، بدليل أنه تعالى قال عنه : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 76 ) فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء ، وأما في قوله : { أنا خير منه } اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين ، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول ، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج ، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي ، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض . ! 7 < { وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالا خرة ممن هو منها فى شك وربك على كل شىء حفيظ } . > 7 < سبأ : ( 21 ) وما كان له . . . . . > > قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ) أن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه ، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم سيوجد ، فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم ، وإذا عدم يعلمه معدوما بذلك ، مثاله : أن المرآة المصقولة فيها الصفاء / فيظهر فيها صورة زيد إن قابلها ، ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته ، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها ، وإنما التغير في الخارجات فكذلك ههنا قوله : { إلا لنعلم } أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر والإيمان من المؤمن وكان قبله فيه أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو . وقوله : { وما كان له عليهم من سلطان } إشارة إلى أنه ليس بملجىء وإنما هو آية ، وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق ، وقوله : { وربك على كل شىء حفيظ } يحقق ذلك أي الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع ، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة ، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز . ! 7 < { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الا رض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير } . > 7 ! < <

قسم V25/P219–V25/P220

سبأ : ( 22 - 23 ) قل ادعوا الذين . . . . . > > لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد إلى خطابهم وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم ثم بين أنهم لا يملكون شيئا بقوله : { لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض } . واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة أحدها : قول من يقول الله تعالى خلق السماء والسماويات وجعل الأرض والأرضيات في حكمهم ، ونحن من جملة الأرضيات فنعبد الكواكب والملائكة التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم ، فقال الله تعالى في إبطال قولهم : إنهم لا يملكون في السموات شيئا كما اعترفتم ، قال ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم وثانيها : قول من يقول السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فإن الله خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات والحركات والطوالع فجعلوا لغير الله معه شركا في الأرض والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له ، فقال في إبطال قولهم : { وما لهم فيهما من شرك } أي الأرض كالسماء لله لا لغيره ، ولا لغيره فيها نصيب وثالثها : قول من قال : التركيبات والحوادث كلها من / الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب ، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ويسلب عن المأذون فيه ، مثاله إذا ملك لمملوكه اضرب فلانا فضربه يقال في العرف الملك ضربه ويصح عرفا قول القائل ما ضرب فلان فلانا ، وإنما الملك أمر بضرب فضرب ، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات لله فقال تعالى في إبطال قولهم : { وما له منهم من ظهير } ما فوض إلى شيء شيئا ، بل هو على كل شيء حفيظ ورقيب ورابعها : قول من قال إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فقال تعالى في إبطال قولهم { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله : { حتى إذا فزع عن قلوبهم } أي أزيل الفزع عنهم ، يقال قرد البعير إذا أخذ منه القراد ويقال لهذا تشديد السلب ، وفي قوله تعالى : { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق } وجوه أحدها : الفزع الذي عند الوحي فإن الله عندما يوحي يفزع من في السموات ، ثم يزيل الله عنهم الفزع فيقولون لجبريل عليه السلام ماذا قال الله ؟ فيقول قال الحق أي الوحي وثانيها : الفزع الذي من الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام { فزع من فى السماوات } ( النمل : 87 ) من القيامة لأن إرسال محمد عليه السلام من أشراط الساعة ، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله قال جبريل { الحق } أي الوحي وثالثها : هو أن الله تعالى يزيل الفزع وقت الموت عن القلوب فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من سبق ذلك منه ، ثم يقبض روحه على الإيمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى ، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض روحه على الكفر المتفق بينه وبين الله تعالى : إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله تعالى : { حتى } غاية متعلقة بقوله تعالى : { قل } لأنه بينه بالوحي لأن قول القائل قل لفلان للإنذار حتى يسمع المخاطب ما يقوله ، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب قوله فلما قال : { قل } فزع من في السموات ، ثم أزيل عنه الفزع ، وعلى الثالث متعلق بقوله تعالى : { زعمتم } أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق ، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى : { قالوا ماذا } هو الملائكة السائلون من جبريل ، وعلى الثالث الكفار السائلون من الملائكة والفاعل في قوله : { الحق } على القولين الأولين هم الملائكة ، وعلى الثالث هم المشركون .

قسم V25/P220–V25/P221

واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لا يرد عليه عدم كان حقا مطلقا لا يرتفع بالباطل الذي هو العدم والكلام الذي يكون صدقا يسمى حقا ، لأن الكلام له متعلق في الخارج بواسطة أنه متعلق بما في الذهن ، والذي في الذهن متعلق بما في الخارج فإذا قال القائل جاء زيد يكون هذا اللفظ تعلقه بما في ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما في الخارج لكن للصدق متعلق يكون في الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون في الخارج ، وحينئذ إما أن لا يكون له متعلق في الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو الألفاظ التي تكون صادرة / عن معاند كاذب ، وإما أن يكون له متعلق في الذهن على خلاف ما في الخارج فيكون اعتقادا باطلا جهلا أو ظنا لكن لما لم يكن لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل ، وكلام الله لا بطلان له في أول الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ولا يأتيه الباطل كما يكون كلام الظان ، وقوله تعالى : { وهو العلى الكبير } قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلى الكبير } ( لقمان : 30 ) أن { الحق } إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل نسبة العدم ، وفوق الكاملين لأن كل كامل فوقه كامل فقوله : { وهو العلى الكبير } إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته ، وهذا يبطل القول بكونه جسما وفي حيز ، لأن كل من كان في حيز فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه وهو مقطع الإشارة لأن الإشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه هو ، وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الإشارة عنده ، وفي كل موقع تقف الإشارة بقدر العقل على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين مأخذ الإشارة والمشار إليه أكثر من هذا البعد لكان هذا المشار إليه أعلى فيصير عليه بالإضافة لا مطلقا وهو على مطلقا ولو كان جسما لكان له مقدار ، وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيرا بالنسبة إلى غيره لا مطلقا وهو كبير مطلقا . ! 7 < { قل من يرزقكم من السماوات والا رض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } . > 7 < سبأ : ( 24 ) قل من يرزقكم . . . . . > > ثم قال تعالى : { قل من يرزقكم من السماوات والارض } قد ذكرنا مرارا أن العامة يعبدون الله لا لكونه إلها ، وإنما يطلبون به شيئا ، وذلك إما دفع ضرر أو جر نفع فنبه الله تعالى العامة بقوله : { قل ادعوا الذين زعمتم } ( سبأ : 22 ) على أنه لا يدفع الضر أحد إلا هو كما قال تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } ( الأنعام : 17 يونس : 107 ) وقال بعد إتمام بيان ذلك { قل من يرزقكم من السماوات والارض } إشارة إلى أن جر النفع ليس إلا به ومنه ، فإذا إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه وكبريائه سواء دفع عنكم ضرا أو لم يدفع وسواء نفعكم بخير أو لم ينفع فإن لم تكونوا كذلك فاعبدوه لدفع الضر وجر النفع .

قسم V25/P221–V25/P222

ثم قال تعالى : { قل الله } يعني إن لم يقولوا هم فقل أنت الله يرزق وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى عند الضر ذكر أنهم يقولون الله ويعترفون بالحق حيث قال : { قالوا الحق } وعند النفع لم يقل إنهم يقولون ذلك وذلك لأن لهم حالة يعترفون بأن كاشف الضر هو الله حيث يقعون في الضر كما قال تعالى : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } ( الروم : 33 ) وأما عند الراحة فلا تنبه لهم لذلك فلذلك قال : { قل الله } أي هم في حالة الراحة غافلون عن الله . ثم قال تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ وأنت فيه مخطىء يغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض ، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطىء والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه : { وإنا أو إياكم } مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم الضالون والمضلون . المسألة الثانية : في قوله : { لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ذكر في الهدى كلمة على وفي الضلال كلمة في لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع فذكره بكلمة التعلي ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة في . المسألة الثالثة : وصف الضلال بالمبين ولم يصف الهدى لأن الهدي هو الصراط المستقيم الموصل إلى الحق والضلال خلافه لكن المستقيم واحد وما هو غيره كله ضلال وبعضه بين من بعض ، فميز البعض عن البعض بالوصف . المسألة الرابعة : قدم الهدى على الضلال لأنه كان وصف المؤمنين المذكورين بقوله : { أنا } وهو مقدم في الذكر . ! 7 < { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } . > 7 ! ثم قال تعالى : { قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون } < < سبأ : ( 25 ) قل لا تسألون . . . . . > > أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم : { ولا نسئل عما تعملون } ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله : { لا تسئلون } { ولا نسئل } زيادة حث على النظر وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذا بجرمه فإذا احترز نجا ، ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر . ! 7 < { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } . > 7 ! ثم قال تعالى : { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } < < سبأ : ( 26 ) قل يجمع بيننا . . . . . > > أكد ما يوجب النظر والتفكر ، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب ، فكيف إذا كان يوم عرض وحساب وثواب وعذاب وقوله : { يفتح } قيل معناه يحكم ، ويمكن أن يقال بأن الفتح ههنا مجاز وذلك لأن الباب المغلق والمنفذ المسدود يقال فيه فتحه على طريق الحقيقة . ثم إن الأمر إذا كان فيه انغلاف وعدم وصول إليه فإذا بينه أحد يكون قد فتحه وقوله : { وهو الفتاح العليم } إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا مثل حكم من يحكم بما يتفق له بمجرد هواه .

قسم V25/P222–V25/P223

! 7 < { قل أرونى الذين ألحقتم به شركآء كلا بل هو الله العزيز الحكيم } . > 7 ! / ثم قال تعالى : { قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم } < < سبأ : ( 27 ) قل أروني الذين . . . . . > > قد ذكرنا أن المعبود قد يعبده قوم لدفع الضرر وجمع لتوقع المنفعة وقليل من الأشراف الأعزة يعبدونه لأنه يستحق العبادة لذاته فلما بين أنه لا يعد غير الله لدفع الضرر إذ لا دافع للضرر غيره بقوله : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } وبين أنه لا يعبد غير الله لتوقع المنفعة بقوله : { قل من يرزقكم من السماوات والارض } بين ههنا أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه العبادة غير الله فقال : { قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم } أي هو المعبود لذاته واتصافه بالعزة وهي القدرة الكاملة والحكمة وهي العلم التام الذي عمله موافق له . ! 7 < { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 ! < < سبأ : ( 28 ) وما أرسلناك إلا . . . . . > > لما بين مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة } وفيه وجهان أحدها : كافة أي إرسالة كافة أي عامة لجميع الناس تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها والثاني : كافة أي أرسلناك كافة تكف أنت من الكفر والهاء للمبالغة على هذا الوجه { بشيرا } أي تحثهم بالوعد { ونذيرا } تزجرهم بالوعيد { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم . ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } . > 7 < سبأ : ( 29 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > ثم قال تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } لما ذكر الرسالة بين الحشر . ! 7 < { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } . > 7 < سبأ : ( 30 ) قل لكم ميعاد . . . . . > > وقال : { قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } قد ذكرنا في سورة الأعراف أن قوله : { لا تستئخرون } يوجب الإنذار ، لأن معناه عدم المهلة عن الأجل ولكن الاستقدام ما وجهه ؟ وذكرنا هناك وجهه ونذكر ههنا أنهم لما طلبوا الاستعجال بين أنه لا استعجال فيه كما لا أمهال ، وهذا يفيد عظم الأمر وخطر الخطب ، وذلك لأن الأمر الحقير إذا طالبه طالب من غيره لا يؤخره ولا يوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير وفي قوله تعالى : { لكم ميعاد يوم } قراءات أحدها : رفعهما مع التنوين على وهذا يوم بدل وثانيها : نصب يوم مع رفع ميعاد والتنوين فيهما ميعاد يوما قال الزمخشري ووجهه أنه منصوب بفعل محذوف كأنه قال ميعاد أعني يوما وذلك يفيد التعظيم والتهويل ، ويحتمل أن يقال نصب على الظرف تقديره لكم ميعاد يوما / كما يقول القائل : أنا جائيك يوما وعلى هذا يكون العامل فيه العلم كأنه يقول لكم ميعاد تعلمونه يوما وقوله معلوم يدل عليه كقول القائل إنه مقتول يوما الثالثة : الإضافة لكم ميعاد يوم كما في قول القائل سحق ثوب للتبيين وإسناد الفعل إليهم بقوله : { لا تستئخرون عنه } بدلا عن قوله : { لا يؤخر عنكم } زيادة تأكيد لوقوع اليوم .

قسم V25/P223–V25/P224

! 7 < { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ولا بالذى بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } . > 7 < سبأ : ( 31 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > ثم قال تعالى : { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ولا بالذى بين يديه } لما بين الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكل كافرين بين كفرهم العام بقوله : { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان } وذلك لأن القرآن مشتمل على الكل وقوله : { ولا بالذى بين يديه } المشهور أنه التوراة والإنجيل ، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم المشركون المنكرون للنبوات والحشر ، ويحتمل أن يقال إن المعنى هو أنا لا نؤمن بالقرآن أنه من الله ولا بالذي بين يديه أي ولا بما فيه من الإخبارات والمسائل والآيات والدلائل ، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم العموم ، لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنه من الله ولا بالذي فيه من الرسالة وتفاصيل الحشر ، فإن قيل : أليس هم مؤمنون بالوحدانية والحشر ، فنقول إذا لم يصدق واحد ما في الكتاب من الأمور المختصة به يقال فيه إنه لم يؤمن بشيء منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره فيكون إيمانه لا بما فيه . مثاله : أن من يكذب رجلا فيما يقوله فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه ولكن لا يقال إنه صدقه لأنه إنما صدق نفسه ، فإنه كان عالما به من قبل وعلى هذا فقوله بين يديه أي الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه . وقوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم } . لما وقع اليأس من إيمانهم في هذه الدار بقولهم لن نؤمن فإنه لتأييد النفي وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه يراهم على أذل حال موقوفين للسؤال يرجع بعضهم إلى بعض القول كما يكون عليه حال جماعة أخطؤا في أمر يقول بعضهم كان ذلك بسببك ويرد عليه الآخر مثل ذلك ، وجواب لو محذوف ، تقديره : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون لرأيت عجبا ، ثم بدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ فقال : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } إشارة إلى أن / كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا ما جاءنا رسول ، ولا أن يقولوا قصر الرسول ، وهذا إشارة إلى إتيان الرسول بما عليه لأن الرسول لو أهمل شيئا لما كانوا يؤمنون ولولا المستكبرون لآمنوا . ! 7 < { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } . > 7 < سبأ : ( 32 ) قال الذين استكبروا . . . . . > > ثم قال تعالى : { وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } . ردا لما قالوا إن كفرنا كان لمانع { أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } يعني المانع ينبغي أن يكون راجحا على المقتضى حتى يعمل عمله ، والذي جاء به هو الهدى ، والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئا يوجب الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصح تعليلكم بالمانع ، ثم بين أن كفرهم كان إجراما من حيث إن المعذور لا يكون معذورا إلا لعدم المقتضى أو لقيام المانع ولم يوجد شيء منهما .

قسم V25/P224–V25/P225

! 7 < { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الا غلال فىأعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } . > 7 < سبأ : ( 33 ) وقال الذين استضعفوا . . . . . > > ثم قال تعالى : { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } . لما ذكر المستكبرون أنا ما صددناكم وما صدر منا يصلح مانعا وصارفا اعترف المستضعفون به وقالوا : { بل مكر اليل والنهار } منعنا ، ثم قالوا لهم إنكم إن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم إيانا بالكفر إلى طول الأمد والامتداد في المدد فكفرنا فكان قولكم جزء السبب ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المراد بل مكركم بالليل والنهار فحذف المضاف إليه . وقوله : { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } أي ننكره { ونجعل له أندادا } هذا يبين أن المشرك بالله مع أنه في الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر لوجود الله لأن من يساويه المخلوق المنحوت لا يكون إلها ، وقوله في الأول : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } يقول الذين استضعفوا بلفظ المستقبل ، وقوله في الآيتين المتأخرتين { وقال الذى استكبروا وقال الذى استضعفوا } بصيغة الماضي مع أن السؤال والتراجع في القول لم يقع إشارة إلى أن ذلك لا بد وأن يقع ، فإن الأمر الواجب الوقوع يوجد كأنه وقع ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون } ( الزمر : 30 ) . / ثم قال تعالى : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال فى أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } . معناه أنهم يتراجعون القول في الأول ، ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ذلك التراجع الدال على الندامة ، وقيل معنى الإسرار الإظهار أي أظهروا الندامة ، ويحتمل أن يقال بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله بقولهم : { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا } ( السجدة : 12 ) ثم أجيبوا وأخبروا بأن لا مرد لكم فأسروا ذلك القول ، وقوله : { وجعلنا الاغلال فى أعناق الذين كفروا } ( سبأ : 33 ) إشارة إلى كيفية العذاب وإلى أن مجرد الرؤية ليس كافيا بل لما رأوا العذاب قطعوا بأنهم واقعون فيه فتركوا الندم ووقعوا فيه فجعل الأغلال في أعناقهم ، وقوله : { يجزون إلا ما كانوا يعملون } إشارة إلى أن ذلك حقهم عدلا . ! 7 < { ومآ أرسلنا فى قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } . > 7 ! < < سبأ : ( 34 - 35 ) وما أرسلنا في . . . . . > > تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وبيانا لأن إيذاء الكفار الأنبياء الأخيار ليس بدعا ، بل ذلك عادة جرت من قبل وإنما نسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضا قالوا : { إنا بما أرسلتم به كافرون } لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول ، ألا ترى أن الله قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين لولا أنتم لكانوا مؤمنين ، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا : { نحن أكثر أموالا وأولادا } أي بسبب لزومنا لديننا ، وقوله : { وما نحن بمعذبين } أي في الآخرة كأنهم قالوا حالنا عاجلا خير من حالكم ، وأما آجلا فلا نعذب إما إنكارا منهم للعذاب رأسا أو اعتقادا لحسن حالهم في الآخرة أيضا قياسا ( على حسن حالهم في الدنيا ) .

قسم V25/P225–V25/P226

! 7 < { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 < سبأ : ( 36 ) قل إن ربي . . . . . > > ثم إن الله تعالى بين خطأهم بقوله : { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . / يعني أن الرزق في الدنيا لا تدل سعته وضيقه على حال المحق والمبطل فكم من موسر شقي ومعسر تقي { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } أي أن قلة الرزق وضنك العيش وكثرة المال وخصب العيش بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح . ! 7 < { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولائك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات ءامنون } . > 7 ! ثم بين فساد استدلالهم بقولهم : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } . < < سبأ : ( 37 ) وما أموالكم ولا . . . . . > > يعني قولكم نحن أكثر أموالا فنحن أحسن عند الله حالا ليس استدلالا صحيحا ، فإن المال لا يقرب إلى الله ولا اعتبار بالتعزز به ، وإنما المفيد العمل الصالح بعد الإيمان والذي يدل عليه هو أن المال والولد يشغل عن الله فيبعد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئا حصل ، وقوله : { فأولئك لهم جزاء الضعف } أي الحسنة فإن الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل . ثم زاد وقال : { وهم فى الغرفات ءامنون } إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده ، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون آمنا . ! 7 < { والذين يسعون فىءاياتنا معاجزين أولائك فى العذاب محضرون } . > 7 < سبأ : ( 38 ) والذين يسعون في . . . . . > > ثم بين حال المسىء بقوله : { والذين يسعون فىءاياتنا معاجزين أولئك فى العذاب محضرون } . وقد ذكرنا تفسيره ، وقوله : { أولئك فى العذاب محضرون } إشارة إلى الدوام أيضا كما قال تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة : 20 ) وكما قال تعالى : { وما هم عنها بغائبين } ( الإنفطار : 16 ) . ! 7 < { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } . > 7 < سبأ : ( 39 ) قل إن ربي . . . . . > > ثم قال تعالى مرة أخرى : { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير } ( الجمعة : 11 )إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا ، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبى بناء على الوعد ، قطعا لقول من يقول : إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى ، فقال هذا النقد غير مختص بكم / فإن كثيرا من الأشقياء مدقعون ، وكثير من الأتقياء ممتعون وفيه مسائل :

قسم V25/P226–V25/P227

المسألة الأولى : ذكر هذا المعنى مرتين : مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالة على حسن أحوالهم واعتقادهم ، ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود الترف لا يدل على الشرف ، ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن المؤمنين سيحصل لهم ذلك ، فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى لم يذكر أولا لمن يشاء من عباده ، بل قال لمن يشاء ، وثانيا قال لمن يشاء من عباده ، والعباد المضافة يراد بها المؤمن ، ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر ، فإن الكافر دابره مقطوع ، وماله إلى الزوال ، ومآله إلى الوبال . وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه الله ، ومخلف الله خير ، فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان إلى ما عند الله من الخلف ، ثم أكد ذلك بقوله : { والله خير الرزقين } وخيرية الرازق في أمور أحدها : أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني : أن لا ينقص عن قدر الحاجة والثالث : أن لا ينكده بالحساب والرابع : أن لا يكدره بطلب الثواب والله تعالى كذلك . أما الأول : فلأنه عالم وقادر والثاني : فلأنه غني واسع والثالث : فلأنه كريم ، وقد ذكر ذلك بقوله : { يرزق من يشاء بغير حساب } ( البقرة : 212 ) وما ذكرنا هو المراد ، أي يرزقه حلالا لا يحاسبه عليه والرابع : فلأنه علي كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى ، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثوابا . المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } يحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان ، يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا تلفا ) وذلك لأن الله تعالى ملك على وهو غني ملى ، فإذا قال أنفق وعلى بدله فبحكم الوعد يلزمه ، كما إذا قال قائل : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه ، فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل ، ومن لم ينفق فالزوال لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف ، ثم إن من العجب أن التاجر إذا علم أن مالا من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة ، وإن كان من الفقراء ويقول بأن ذلك أولى من الإمهال إلى الهلاك ، فإن لم يبع حتى يهلك ينسب إلى الخطأ ، ثم إن حصل به كفيل ملىء ولا يبيع ينسب إلى قلة العقل ، فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى الجنون ، ثم إن كل أحد يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون ، فإن أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق ، والإنفاق على الأهل والولد إقراض ، وقد حصل الضامن الملىء وهو الله العلي وقال تعالى : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } ثم رهن عند كل واحد إما أرضا أو بستانا أو طاحونة أو حماما أو منفعة ، فإن الإنسان لا بد من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال وكل ذلك ملك الله وفي يد الإنسان بحكم العارية فكأنه مرهون بما تكفل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام / ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجورا ولا مشكورا .

قسم V25/P227–V25/P228

/ المسألة الثالثة : قوله : { خير الرازقين } ينبىء عن كثرة في الرازقين ولا رازق إلا الله ، فما الجواب عنه ؟ فنقول عنه جوابان أحدهما : أن يقال الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى : وهو { أحسن الخالقين } ( الصافات : 125 ) وثانيهما : هو أن الصفات منها ما حصل لله وللعبد حقيقة ، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز ، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة ، مثال الأول العلم ، فإن الله يعلم أنه واحد والعبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة ، وكذلك العلم بكون النار حارة ، غاية ما في الباب أن علمه قديم وعلمنا حادث ، مثال الثاني الرازق والخالق ، فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا فإن الله هو المعطي ، ولكن لأجل صورة العطاء منه سمي معطيا ، كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط فرس وإنسان ، مثال الثالث الأزلي والله وغيرهما ، وقد يقال في أشياء في الإطلاق على العبد حقيقة وعلى الله مجازا كالاستواء والنزول والمعية ويد الله وجنب الله . ! 7 < { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهاؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } . > 7 < سبأ : ( 40 - 41 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . . > > ثم قال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون }لما بين أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من الأنبياء ، وحال قومه كحال من تقدم من الكفار ، وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم ، بين ما يكون من عاقبة حالهم فقال : { ويوم يحشرهم جميعا } يعني المكذبين بك وبمن تقدمك ، ثم نقول لمن يدعون أنهم يعبدونهم وهم الملائكة ، فإن غاية ما ترتقي إليه منزلتهم أنهم يقولون نحن نعبد الملائكة والكواكب ، فيسأل الملائكة أهم كانوا يعبدونكما إهانة لهم ، فيقول كل منهم سبحانك ننزهك عن أن يكون غيرك معبودا وأنت معبودنا ومعبود كل خلق ، وقولهم : { أنت ولينا من دونهم } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن مذاهب الناس مختلفة ؛ بعضهم لا يسكن المواضع المعمورة التي يكون فيها سواد عظيم ، لأنه لا يترأس هناك فيرضى لضياع والبلاد الصغيرة ، وبعضهم لا يريد البلاد الصغيرة لعدم اجتماعه فيها بالناس وقلة وصوله فيها إلى الأكياس ، ثم إن الفريقين جميعا إذا عرض عليهم خدمة السلطان واستخدام الأرذال الذين لا التفات إليهم أصلا يختار العاقل خدمة السلطان على استخدام من لا يؤبه به ، ولو أن رجلا سكن جبلا ووضع بين يديه شيئا من القاذورات واجتمع عليه الذباب والديدان ، وهو / يقول هؤلاء أتباعي وأشياعي ، ولا أدخل المدينة مخافة أن أحتاج إلى خدمة السلطان العظيم والتردد إليه ينسب إلى الجنون ، فكذلك من رضي بأن يترك خدمة الله وعبادته ، ورضي باستتباع الهمج الذين هم أضل من البهائم وأقل من الهوام يكون مجنونا ، فقالوا : { أنت ولينا من دونهم } يعني كونك ولينا بالمعبودية أولى ، وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا وقالوا : { بل كانوا يعبدون الجن } أي كانوا ينقادون لأمر الجن ، فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجن ، ونحن كنا كالقبلة لهم ، لأن العبادة هي الطاعة وقوله تعالى : { أكثرهم بهم مؤمنون } لو قال قائل جميعهم كانوا تابعين للشياطين ، فما وجه قوله : { أكثرهم بهم مؤمنون } فإنه ينبىء أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطع لهم ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم فقالوا أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون بهم ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة عليه من الكفار الثاني : هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا : { بل كانوا يعبدون الجن } لاطلاعهم على أعمالهم وقالوا : { أكثرهم بهم مؤمنون } عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا اطلاع عليه إلا لله ، كما قال تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } ( الأنفال : 43 ) .

الأسئلة