Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أي ملازم ، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره . والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه ، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئا يختص ببعض الصور . وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز ، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا . فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى : { إنا أنزلناه قرانا عربيا } ( يوسف : 20 ) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء ، يقال : زكا الزرع إذا نما ، وعن التطهير قال الله تعالى : { أقتلت نفسا زكية } ( الكهف : 74 ) أي طاهرة . وقال : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) أي تطهر وقال : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } ( النور : 21 ) وقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارا سمي بالزكاة تشبيها بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية / تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانا في الصورة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلا فوق الرأس وتكون سترا في النار ) . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) .
المسألة الثالثة : قوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى { وأركعوا مع الراكعين } ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقانتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام < < واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين > > [ الشعراء : 215 ] وكمدحه له بقوله { فبما رحمة منك لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وهكذا في قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى { وأكلهم السحت } [ المائدة : 62 ] وبقوله ' وأكلهم الربا ' { وأكلهم أموال الناس بالباطل } [ النساء : 166 ] فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ! 7 < { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } > 7 ! . < < البقرة : ( 44 ) أتأمرون الناس بالبر . . . . . > > اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقرير والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور أي قد رضيه الله تعالى ، وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال صدقت وبررت ، وقال تعالى { ولكن البر من اتقى } [ البقرة : 189 ] فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناه على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام . واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه : أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونه عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية . وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما . وثالثها : إنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطعمهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم . ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم .
وخامسها : هو قول الزجاج كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة وكانوا يشحون بها ، لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت . وسادسها : لهل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه . وسابعها : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم ما آمنوا به . أما قوله { وتنسون أنفسكم } فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه فالمراد بقوله { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفولن عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله { وأنتم تتلون الكتاب } فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم . وأما قوله { أفلا تعقلون } فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [ الأنبياء : 67 ] وسبب التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال { أفلا تعقلون } . الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا اصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهذا قال { أفلا تعقلون } الثالث أن نت وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك . وبقي ههنا مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضا { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : 3 ] وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر . والجواب : أن المكلف مأمور بشيئين : أحدهما ترك المعصية ، والثاني منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر أما قوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقا . والآخر : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني ، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ذكروه فليزمهم .
المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما كان السواد مخلوق فيه . والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه . وإن حصل فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا . ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه ' لا يسأل عما يفعل ' . المسألة الثالثة : ( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام < < مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم > > ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام < < إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال عالم لا ينتفع بعلمه > > ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام < < مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه > > ( د ) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله . كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقال الشاعر : يا أيها المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إذا وعظت ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم . روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لي وأول ما سالني منكر ونكير فقالا من ربك ؟ فقلت أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله إلا الله فقال : إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج قوله سبحانه وتعالى < > ( { واستيعنوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } ) < > < < البقرة : ( 45 - 46 ) واستعينوا بالصبر والصلاة . . . . . > >
المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة } فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال لأن من ينكر الصلاة أصلا والصبر على دين محمد صلى الله عليه سلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم . فإن قيل كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟ قلنا لا نسلم كونهم منكرين لهما ؛ وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، وإنما الاختلاف في الكيفية فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى . وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ، وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال { واستعينوا بالصبر والصلاة } . المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوها : أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله ، فإذا تذكر رجمته صار مائلا إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية . وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهورة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال < < الصوم جنة من النار > > وقال الله تعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا استيعنوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } [ البقرة : 153 ] .
أما قوله تعالى { وإنها } ففي هذا الضمير وجوه أحدها : الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين ، وثانيها : الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله { واستعينوا } وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله { واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } إلى قوله { واستعينوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض ، ويقلون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } [ النحل : 61 ] ولا ذكر للأرض . أما قوله { لكبيرة } أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من القول ، قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه فعلها . فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام < < وجعلت قرة عيني في الصلاة > > وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه ، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه . وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع . أما قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } فللمفسرين فيه قولان : القول الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الإعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر ، قال أوس بن حجر : فأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف خائف وقال تعالى { إني ظننت أني ملاق حسابيه } [ الحاقة : 20 ] وقال { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } [ المطففين : 4 ] ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الإعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم .
القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ، ثم ههنا وجوه . الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه . إذ ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه فيلزمه التلافي ، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعيا له إلى المبادرة إلى التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع . الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح . بقي هنا مسألتان : المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله { ملاقوا ربهم } على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف . أما الآية فقوله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ الفرقان : 68 ] والمنافق لا يرى ربه ، وقال { ومن يفعل ذلك يلق آثاما } [ الفرقان 68 ] وقال تعالى في معرض التهديد { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [ البقرة : 223 ] فهذا يتناول الكافر والمؤمن ، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وأما الخبر فقوله عليه السلام < < من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان > > وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار ، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على زجه يزول الحجاب بينهما ، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه ، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته ، وإن كان ضريرا ، ويقال لقي فلان جهدا شديدا ولقيت من فلان الداهية ، ولاقى فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى { فالتقى الماء على أمر قد قدر } [ القمر : 12 ] وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى .
قال الأصحاب اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز ، فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات . أما قوله : { فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة : 77 ] والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : فلأجل هذه الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في قوله تعالى { أنهم ملاقوا ربهم } لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله ، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه . المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا غيره كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعا إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكا لهم في جميع أحوالهم ، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين . الأول : المجسمة فإنهم قالوا الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسما ، الثاني : التناسخية فإنهم قالوا الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده ، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات . والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم . قوله تبارك وتعالى < > ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ) < > < < البقرة : ( 47 ) يا بني إسرائيل . . . . . > > اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله { وتقوا يوما } [ البقرة : 48 ] كأنه قال إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل . أما قوله { وأني فضلتكم على العالمين } ففيه سؤال وهو أنه يلزم أنم يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق والجواب عنه من وجوه : أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك رأيت عالما من الناس ، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما فكان من العلم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ ببعض المحدثات .
ثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجودا والشيء حال عدمه لا يكون موجودا فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين ، وأن محمد عليه السلام ما كان موجودا في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ، وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين } [ المائدة : 20 ] وقال { ولقد أخترناهم على علم على العالمين } [ الدخان : 32 ] وأراد به عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية . وثالثها : أن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمرها وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصلح الاستدلال بقوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [ آل عمران : 33 ] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . بقي ههنا أبحاث : البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنون منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى { وجعل منهم القردة والخنازير } [ المائدة : 60 ] وقال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } [ المائدة : 78 ] . البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال الله تعالى { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] وقال { واتبعوا ما أحسن ما أنزل إليكم كم ربكم } [ الزمر : 55 ] وقال { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف : 111 ] ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم . البحث الثالث : قال القفال ' النعمة ' بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه قال تعالى { وتلك نعمة تمنها علي } [ الشعراء : 22 ] وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش ، قال تعالى { ونعمة كانوا فيها فاكهين } [ الدخان : 27 ] البحث الرابع : قوله تعالى { وأني فضلتكم على العالمين } يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } يتناول جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجبا فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين . فإن قيل لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا فهذا يناسب أن يخصهم أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من إبتدائه ، فلم اردف ذلك التخويف الشديد في قوله { واتقوا يوما } ؟ والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها .
البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن ايهم أكثر استجماعا لخصال الخير اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعا لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه . ! 7 < { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } > 7 ! < < البقرة : ( 48 ) واتقوا يوما لا . . . . . > > اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا . فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم / بأشد الصفات وأعظمها تهويلا ، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله . إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة . بقي على هذا الترتيب سؤالان : السؤال الأول : الفائدة من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } هي الفائدة من قوله : { ولا هم ينصرون } فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى . السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ، ففائدة تغيير الترتيب ، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار : ( تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك ) ، هكذا يرويه أهل العربية : ( تجزيك ) بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها ، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه . وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات . روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام : ( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ) . قال صاحب الكشاف : و ( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى : { ولا يظلمون شيئا } ( مريم : 60 ) . ومن قرأ : ( لا يجزي ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما . فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟ قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع . أما قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر / كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا . واعلم أن الضمير في قوله : { ولا يقبل منها } راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا . أما قوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا ، أي لا أرى له نظيرا . قال تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( المائدة : 36 ) ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما } ( المائدة : 36 ) وقال تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 70 ) .
أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخير الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم ، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته ، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ، ومنه معنى الإغاثة : تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة ، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى : { من كان يظن أن لن ينصره الله } ( الحج : 15 ) أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد ، ويسمى الانتقام نصرة وانتصارا ، قال تعالى : { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بئاياتنا } ( الأنبياء : 77 ) قالوا معناه : فانتقمنا له ، فقوله تعالى : { ولا هم ينصرون } يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون ، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله ، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد ، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه ، بقي في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة ، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة ، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال ، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم . المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) وقوله تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين / للثواب ، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه ، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب ، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار / واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه . أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه .
الأول : قوله تعالى : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا . الثاني : قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة ، والثالث : قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ولو كان محمد شفيعا لأحد من العصاة لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية . لا يقال الكلام على الآية من وجهين : الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك ، فالآية نزلت فيهم . الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقا إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة ، فنحن أيضا نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها ، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة ، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوما لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجرا عن المعاصي ، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع . وثانيها : قوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ( غافر : 18 ) والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره ، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعا يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع ، لأن المطاع يكون فوق المطيع ، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى ، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين ، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه ، متفق عليه بين العقلاء . أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحدا ، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعا لغيره ، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملا لها على معنى لا يفيد . الثاني : أنه تعالى نفى شفيعا يطاع ، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمرا له وحاكما عليه ومثله لا يسمى شفيعا فأفاد قوله : ( شفيع ) كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله : { يطاع } على من فوقه فوجب حمله / على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب . وثالثها : قوله تعالى : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها . ورابعها : قوله تعالى : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته . وخامسها : قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى ، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام ، لأنه لا قائل بالفرق .
وسادسها : قوله تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية . وسابعها : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته ، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصرا على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر . لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين . الأول : ليس يجب إذا شرطنا شرطا في قولنا : اللهم اجعلنا من التوابين ، أن نزيد شرطا في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة . الثاني : أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم : اجعلنا من التوابين ، أن يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب ، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ما كانوا عنده أهلا لشفاعته عليه السلام ، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من الدنيا مصرا على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالا للاخراج من الدنيا حال الإصرار على الكبائر ، وذلك غير جائز بالإجماع . أما على قولنا : إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج على الكبائر ، وذلك غير جائز بالإجماع . أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا مستحقا للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسنا فظهر الفرق . وثانيها : أن قوله تعالى : { وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين } ( الانفطار : 14 16 ) يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها ، وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها . وتاسعها : قوله تعالى : { يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ( يونس : 3 ) فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) وكذا قوله تعالى : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( سبأ : 38 ) وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل ، أما العقل فلا مجال له فيه ، وأما النقل / فأما بالتواتر أو بالآحاد ، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز . وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة . فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن . وعاشرها : قوله تعالى : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى . الحادي عشر : الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة .
الأول : ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت اخواننا : قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك . قال : بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟ قال : أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال فانهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء ، وأما فرطهم على الحوض ، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا ) . والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعا لهم لم يكن يقول فسحقا فسحقا ، لأن الشفيع لا يقول ذلك ، وكيف يجوز أن يكون شفيعا لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء . الثاني : روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة : ( يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض ، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفيء الماء النار ، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت ) . والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه . أحدها : أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع له ، وثانيها : قوله : ( لم يرد على الحوض ) دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى . وثالثها : أن قوله : ( لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت ) صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة . الثالث : عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام : ( لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك ) . وهذا صريح في المطلوب ، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئا فليس له في الشفاعة نصيب . الرابع : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصيمه خصمته ، رجل / أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجرته ) . والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيما لهؤلاء استحال أن يكون شفيعا لهم ، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب . أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه . أحدها : قوله سبحانه وتعالى : حكاية عن عيسى عليه السلام : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة .
والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى : { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( المائدة : 118 ) ، لا يليق بالكفار ، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلا عند الخصم ، وإذا كان كذلك لم يكن قوله : { إن تعذبهم فإنهم عبادك } لائقا بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال : إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وثانيها : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم } فقوله : { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } ( إبراهيم : 36 ) لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلا للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلا عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة . ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم : { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } وقول عيسى عليه السلام : { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الآية ، ثم رفع يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ، فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) . رواه مسلم في الصحيح . وثالثها : قوله تعالى في سورة مريم : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 85 87 ) ، فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى ، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات ، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، فتعين حملها على الوجه الثاني . إذا ثبت هذا فنقول : الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، لأنه قال عقيبه : { إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ، والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند / الرحمن عهدا ، فكل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب دخوله فيه ، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلا تحته أقصى ما في الباب أن يقال : واليهودي اتخذ عند الرحمن عهدا وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولا به فيما وراءه .
ورابعها : قوله تعالى في صفة الملائكة : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى ، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة ، إنما قلنا : إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا : مرتضى عند الله بحسب إيمانه ، ومتى صدق المركب صدق المفرد ، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } نفي الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء عن النفي إثبات ، فوجب أن يكون المرتضى أهلا لشفاعتهم ، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : الكلام على هذا الاستدلال من وجهين ، الأول : أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة / وإذا لم يكن أهلا لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلا لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما قلنا : إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل ، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة ، لأن قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى ، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلا في النفي . الوجه الثاني : أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } محمولا على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة ، وهذا أول المسألة .
والجواب عن الأول : أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان ، فقولنا : زيد عالم ، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه ، زيد ليس بعالم بالكلام ، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى ، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال : إنه مرتضى بحسب دينه ، ليس بمرتضى بحسب فسقه ، وأيضا فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى ، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى ، ومجرد كونه / مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه ، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة . وأما السؤال الثاني : فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته ، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه ، وعلى التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك ، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى . وخامسها : قوله تعالى في صفة الكفار : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب ، وسادسها : قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) دلت الآية على أنه تعالى أمر محمدا بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا كان كذلك ثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم استغفر لهم ، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم . وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن الله تعالى لما أمر محمدا بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه ، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا هذا ، وسابعها : قوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ( النساء : 86 ) فالله تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو يردوها ، ثم أمرنا بتحية محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( الأحزاب : 56 ) الصلاة من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية ، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ، أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من الله تعالى ، وهذا هو معنى الشفاعة ، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة والسلام غير مردود الدعاء ، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو المطلوب . وثامنها : قوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ( النساء : 64 ) وليس في الآية ذكر التوبة ، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم ، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة ، لأنه لا قائل بالفرق .
وتاسعها : أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل وإلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عند ما نقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب ، فإن قيل : إنما لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد صلى الله عليه وسلم لوجهين ، الأول : أن / الشفيع لا بد أن يكون أعلى رتبة من المشفوع له ، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له . الثاني : قال أبو الحسين : سؤال المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان لسؤاله تأثير في فعلها ، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها ، وكان غرض السائل التقرب بذلك إلى المسؤول ، وإن لم يستحق المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا يكون شفاعة له ، ألا ترى أن السلطان إذا عزم على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه عليه أو لم يحثه ، وقصد بذلك التقرب إلى السلطان ليحصل له بذلك منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان : وهذه حالتنا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما نسأله له من الله تعالى ، فلم يصح أن نكون شافعين ، والجواب على الأول ، لا نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة . والدليل عليه أن الشفيع إنما سمي شفيعا مأخوذا من الشفع ، وهذا المعنى لا تعتبر فيه الرتبة ، فسقط قولهم ، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني ، وأيضا فنقول في الجواب عن السؤال الثاني : إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم رسوله ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أم لم تسأل ، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال يجوز ، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين للرسول صلى الله عليه وسلم ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم . وعاشرها : قوله تعالى في صفة الملائكة : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا } وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم ، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) ، إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص . الحادي عشر : الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، ولنذكر منها ثلاثة أوجه ، الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) / قالت المعتزلة : الإعتراض عليه من ثلاثة وجوه : أحدها : أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن ، فإنا بينا أن كثيرا من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده ، وثانيها : أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز ، لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز ، لأنه لا أقل من التسوية ، وثالثها : أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر .
ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات ، أحدها : أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى / الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما أن المراد من قوله : { هاذا ربى } أي أهذا ربي ، وثانيها : أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة . قال تعالى في صفة الصلاة : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر : لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة . فإن قيل : هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا : لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن لفظ ( أهل ) مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات ، فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه . وثالثها : هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة ، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار . وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ) واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات . الثاني : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ) رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات أمته لا يشرك بالله شيئا وصاحب الكبيرة كذلك ، فوجب أن تناله الشفاعة . والثالث : عن أبي هريرة قال : ( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه ؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك / اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته . نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى / نوح .
فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبدا شكورا ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون : أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، وذكر كذباته ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى ، فيأتون موسى ويقولون : يا موسى أنت رسول الله ، فضلك الله برسلاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فيأتون عيسى فيقولون : أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله ، ولم يذكر له ذنبا ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد . فيأتوني فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول لي : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم اشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة . ثم ارجع فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود ) ، وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه في الصحيحين . قالت المعتزلة : الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه ، أحدها : أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه ، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة ، وثانيها : أنها خبر عن واقعة واحدة ، وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات ، وذلك أيضا مما يطرق التهمة إليها . وثالثها : أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضا يطرق التهمة إليها . ورابعها : أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن . وذلك أيضا بطرق التهمة إليها . وخامسها : أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها ، فلو كان صحيحا لوجب / بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها ، وسادسها : أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل القطعية غير جائز .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟