Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
فإن قيل : لم قلت : إن الجمع يدل على التعظيم ؟ قلنا الجواب من الوجهين . الأول : أن الكلام على قدر فهم السامع ، والسامع هو الإنسان ، والإنسان يقيس الشاهد على الغائب ، فإن الكبير عندهم من يفعل الشيء بجنده وخدمه ولا يباشر بنفسه ، فيقول الملك فعلنا أي فعله عبادنا بأمرنا ويكون في ذلك تعظيم ، فكذلك في حق الغائب . الوجه الآخر : هو أن القول إذا وقع من واحد وكان الغير به راضيا يقول القائل فعلنا كلنا كذا وإذا اجتمع جمع على فعل لا يقع إلا بالبعض ، كما إذا خرج جم غفير وجمع كثير لقتل سبع وقتلوه يقال قتله أهل بلدة كذا لرضا الكل به وقصد الكل إليه ، إذا عرفت هذا فالله تعالى كيفما أمر بفعل شيء لا يكون لأحد رده وكان كل واحد منقادا له ، يقول بدل فعلت فعلنا ، ولهذا الملك العظيم أجمعنا بحيث لا ينكره أحد ولا يرده نفس ، وقوله تعالى : { بأيد } أي قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسر قوله تعالى : { ذا الايد إنه أواب } ( ص: 17 ) يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد ، ودليله أنه قال تعالى : { لما خلقت بيدى } ( ص: 75 ) وقال تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا فحيث قال : { خلقت } قال : { بيدى } وحيث قال : { بأيد } لمقابلة الجمع بالجمع ، فإن قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال : { وما علمتم أيدينا } ؟ نقول لفائدة / جليلة ، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك ، فقال هناك : { مما عملت أيدينا } تصريحا بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك { خلقت بيدى } وفي السماء { بأيد } من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول ، فلم يقل خلقته بيدي ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا : { بنيناها } لأن هناك لم يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال : { بنيناها } بعود الضمير تصريحا بأنها مخلوقة . وقوله تعالى : { وإنا لموسعون } فيه وجوه . أحدها : أنه من السعة أي أوسعناها بحيث صارت الأرض وما يحيط به من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة ، والبناء الواسع الفضاء عجيب فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض . ثانيها : قوله : } وإنا لموسعون } أي لقادرون ومنه قوله تعالى : { } وإنا لموسعون } أي لقادرون ومنه قوله تعالى : { } أي لقادرون ومنه قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة ، ويحتمل أن يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول : بنينا السماء ، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها ، كما في قوله تعالى : { أو ليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) . ثالثها : { أنا لموسعون } الرزق على الخلق . ثم قال تعالى : ! 7 < { والا رض فرشناها فنعم الماهدون } . > 7 < الذاريات : ( 48 ) والأرض فرشناها فنعم . . . . . > >
استدلالا بالأرض وقد علم ما في قوله : { والارض فرشناها } وفيه دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش ، وقوله تعالى : { فنعم الماهدون } أي نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها . ! 7 < { ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 49 ) ومن كل شيء . . . . . > > ثم قال تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } استدلالا بما بينهما والزوجان إما الضدان فإن الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك ، وإما المتشاكلان فإن كل شيء له شبيه ونظير وضد وند ، قال المنطقيون المراد بالشيء الجنس وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس خلق نوعين من الجوهر مثلا المادي والمجرد ، ومن المادي النامي والجامد ومن النامي المدرك والنبات من المدرك للناطق والصامت ، وكل ذلك يدل على أنه فرد لا كثرة فيه . وقوله تعالى : { لعلكم تذكرون } أي لعلكم تذكرون أن خالق الأزواج لا يكون له زوج وإلا لكان ممكنا فيكون مخلوقا ولا يكون خالقا ، أو { لعلكم تذكرون } أن خالق الأزواج لا يعجز عن حشر الأجسام وجمع الأرواح . / ثم قال تعالى : ! 7 < { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 50 ) ففروا إلى الله . . . . . > > أمر بالتوحيد ، وفيه لطائف . الأولى : قوله تعالى : { ففروا } ينبىء عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع ، فافزعوا إلى الله سريعا وفروا . الثانية : قوله تعالى : { إلى الله } بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين ، إما لكونه معلوما وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) وإما ليكون عاما كأنه يقول : كل ما عدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه ، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر ، ويفوت عليكم ما هو الحق والخير ، ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى الله وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه . والثالثة : الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه واتركوا غيره تركا مؤبدا . الرابعة : في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن الله تعالى قال : { والسماء بنيناها } ( الذاريات : 47 ) { والارض فرشناها } ( الذاريات : 48 ) { ومن كل شىء خلقنا } ( الذاريات : 49 ) ثم جعل الكلام للنبي عليه السلام وقال : { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين } ولم يقل ففروا إلينا ، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيرا ، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثيرا ، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن الجادة ، ويجعل الكلام مختلفا ، نوعا ترغيبا ونوعا ترهيبا ، وتنبيها بالحكاية ، ثم يقول لغيره تكلم معه لعل كلامك ينفع ، لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، والله تعالى ذكر أنواعا من الكلام وكثيرا من الاستدلالات والآيات وذكر طرفا صالحا من الحكايات ، ثم ذكر كلاما من متكلم آخر هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله : { إنى لكم منه نذير } إشارة إلى الرسالة .
وفيه أيضا لطائف . إحداها : أن الله تعالى بين عظمته بقوله : { والسماء بنيناها } { والارض فرشناها } وهيبته بقوله : { فنبذناهم فى اليم } ( القصص : 40 ) وقوله تعالى : { أرسلنا عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 48 ) وقوله : { فأخذتهم الصاعقة } ( النسا : 153 ) وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار ، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ثمود ، ولعل ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ذكرنا في سورة العنكبوت شيئا منه ، ثم إذا أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر الرسول فائدة . ثانيها : في الرسالة أمور ثلاثة المرسل والرسول والمرسل إليه وههنا ذكر الكل ، فقوله : { لكم } إشارة إلى المرسل إليهم وقوله : { منه } إشارة إلى المرسل وقوله : { نذير } بيان للرسول ، وقدم المرسل إليه في الذكر ، لأن المرسل إليه أدخل في أمر الرسالة / لأن عنده يتم الأمر ، والملك لو لم يكن هناك من يخالفه أو يوافقه فيرسل إليه نذيرا أو بشيرا لا يرسل وإن كان ملكا عظيما ، وإذا حصل المخالف أو الموافق يرسل وإن كان غير عظيم / ثم المرسل لأنه متعين وهو الباعث ، وأما الرسول فباختياره ، ولولا المرسل المتعين لما تمت الرسالة ، وأما الرسول فلا يتعين ، لأن للملك اختيار من يشاء من عباده ، فقال : { منه } ثم قال : { نذير } تأخيرا للرسول عن المرسل . ثالثها : قوله : { مبين } إشارة إلى ما به تعرف الرسالة ، لأن كل حادث له سبب وعلامة ، فالرسول هو الذي به تتم الرسالة ، ولا بد له من علامة يعرف به ، فقوله : فقوله : { مبين } إشارة إليها وهي إما البرهان والمعجزة . ! 7 < { ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر إنء لكم منه نذير مبين } . > 7 < الذاريات : ( 51 ) ولا تجعلوا مع . . . . . > >
ثم قال تعالى : { ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر } إتماما للتوحيد ، وذلك لأن التوحيد بين التعطيل والتشريك ، وطريقة التوحيد هي الطريقة ، فالمعطل يقول لا إلاه أصلا ، والمشرك يقول في الوجود آلهة ، والموحد يقول قوله الاثنين باطل ، نفي الواحد باطل ، فقوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : 50 ) أثبت وجود الله ، ولما قال : { ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر } نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين ، ولهذا قال مرتين : { إنى لكم منه نذير مبين } أي في المقامين والموضعين ، وقد ذكرنا مرارا أن المعطل إذا قال لا واجب يجعل الكل ممكنا ، فإن كل موجود ممكن ، ولكن الله في الحقيقة موجود ، فقد جعله في تضاعيف قوله كالممكنات فقد أشرك ، وجعل الله كغيره ، والمشرك لما قال بأن غيره إلاه يلزم من قوله نفي كون الإلاه إلاها لما ذكرنا في تقرير دلالة التمانع مع أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله للزم عجز كل واحد ، فلا يكون في الوجود إلاه أصلا ، فيكون ناقيا للإلاهية ، فيكون معطلا ، فالمعطل مشرك ، والمشرك معطل ، وكل واحد من الفريقين معترف بأن اسمه مبطل ، لكنه هو على مذهب خصمه يقول إنه نفسه مبطل وهو لا يعلم ، والحمد لله الذي هدانا ، وقوله { ولا تجعلوا } فيه لطيفة ، وهي أنه إشارة إلى أن الآلهة مجعولة ، لا يقال فالله متخذ لقوله { فاتخذه وكيلا } ( المزمل : 9 ) قلنا الجواب : عنه الظاهر ، وقد سبق في قوله تعالى : { واتخذوا من دون الله ءالهة } ( مريم : 81 ) . ! 7 < { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 52 ) كذلك ما أتى . . . . . > > والتفسير معلوم مما سبق ، وقد ذكرنا أنه يدل على أن ذكر الحكايات للتسلية ، غير أن فيه لطيفة واحدة لا نتركها ، وهي أن هذه الآية دليل على أن كل رسول كذب ، وحينئذ يرد عليه أسئلة الأول : هو أنه من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله ، وبقي القوم على ما كانوا عليه / كأنبياء بني إسرائيل مدة ، وكيف وآدم لما أرسل لم يكذب الثاني : ما الحكمة في تقدير الله تكذيب الرسل ، ولم يرسل رسولا مع كثرتهم واختلاف معجزاتهم بحيث يصدقه أهل زمانه ؟ الثالث : قوله { ما أتى إلا قالوا } دليل على أنهم كلهم قالوا ساحر ، وليس كذلك لأنه ما من رسول إلا وآمن به قوم ، وهم ما قالوا ذلك والجواب عن الأول : هو أن نقول ، أما المقرر فلا نسلم أنه رسول ، بل هو نبي على دين رسول ، ومن كذب رسوله فهو مكذبه أيضا ضرورة . وعن الثاني : هو أن الله لا يرسل إلا عند حاجة الخلق ، وذلك عند ظهور الكفار في العلم ، ولا يظهر الكفر إلا عند كثرة الجهل ، ثم إن الله تعالى لا يرسل رسولا مع كون الإيمان به ضروريا ، وإلا لكان الإيمان به إيمان اليأس فلا يقبل ، والجاهل إذا لم يكن المبين له في غاية الوضوح لا يقبله فيبقى في ورطة الضلالة ، فهذا قدر لزم بقضاء الله على الخلق على هذا الوجه ، وقد ذكرنا مرة أخرى أن بعض الناس يقول : كل ما هو قضاء الله فهو خير ، والشر في القدر ، فالله قضى بأن النار فيها مصلحة للناس لأنها نور ، ويجعلونها متاعا في الأسفار وغيرها كما ذكر الله ، والماء فيه مصلحة الشرب ، لكن النار إنما تتم مصلحتها بالحرارة البالغة والماء بالسيلان القوي ، وكونهما كذلك يلزمهما بإجراء الله عادته عليهما أن يحرق ثوب الفقير ، ويغرق شاة المسكين ، فالمنفعة في القضاء والمضرة في القدر ، وهذا الكلام له غور ، والسنة أن نقول ( يفعل الله ما يشاء ، ويحكم ما يريد ) وعن الثالث : أن ذلك ليس بعام ، فإنه لم يقل إلا قال كلهم ، وإنما قال : { إلا قالوا } ولما كان كثير منهم ، بل أكثرهم قائلين به ، قال الله تعالى : { إلا قالوا } فإن قيل : فلم لم يذكر المصدقين ، كما ذكر المكذبين ، وقال إلا قال بعضهم صدقت ، وبعضهم كذبت ؟ نقول لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب ، فكأنه تعالى قال : لا تأس على تكذيب قومك ، فإن أقواما قبلك كذبوا ، ورسلا كذبوا .
! 7 < { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } . > 7 < الذاريات : ( 53 ) أتواصوا به بل . . . . . > > ثم قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } أي بذلك القول ، وهو قولهم { ساحر أو مجنون } ومعناه التعجيب ، أي كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم تواطؤا عليه ، وقال بعضهم لبعض : لا تقولوا إلا هذا ، ثم قال : لم يكن ذلك على التواطؤ ، وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل أترفوا فاستغنوا فنسوا الله وطغوا فكذبوا رسله ، كما أن الملك إذا أمهل أهل بقعة ، ولم يكلفهم بشيء ، ثم قعد بعد مدة وطلبهم إلى بابه يصعب عليهم لاتخاذهم القصور والجنان ، وتحسين بلادهم من الوجوه الحسان ، فيحملهم ذلك على العصيان ، والقول بطاعة ملك آخر . ! 7 < { فتول عنهم فمآ أنت بملوم } . > 7 ! < < الذاريات : ( 54 ) فتول عنهم فما . . . . . > > هذه تسلية أخرى ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من كرم الأخلاق ينسب نفسه إلى تقصير ، ويقول إن عدم إيمانهم لتقصيري في التبليغ / فيجتهد في الإنذار والتبليغ ، فقال تعالى : قد أتيت بما عليك ، ولا يضرك التولي عنهم ، وكفرهم ليس لتقصير منك ، فلا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير ، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد . ! 7 < { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } . > 7 ! < < الذاريات : ( 55 ) وذكر فإن الذكرى . . . . . > > يعني ليس التولي مطلقا ، بل تول وأقبل وأعرض وادع ، فلا التولي يضرك إذا كان عنهم ، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين ، وفيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن الهادي إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر ، فلما قال تعالى : { فتول } كان يقع لمتوهم أن يقول ، فحينئذ لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ثواب عظيم ، فقل بلى وذلك لأن في المؤمنين كثرة ، فإذا ذكرتهم زاد هداهم ، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم ، فإن قوما كثيرا إذا صلى كل واحد ركعة أو ركعتين ، وقوما قليلا إذا صلى كل واحد ألف ركعة تكون العبادة في الكثرة كالعبادة عن زيادة العدد ، فالهادي له على عبادة كل مهتد أجر ، ولا ينقص أجر المهتدي ، قال تعالى : { إن لك لاجرا } ( القلم : 3 ) أي وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة إعراضك عن المعاندين ، وقوله تعالى : { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } يحتمل وجوها : أحدها : أن يراد قوة يقينهم كما قال تعالى : { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) وقال تعالى : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم } ( التوبة : 124 ) وقال تعالى : { زادهم هدى وءاتاهم تقواهم } ( محمد : 17 ) ثانيها : تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك إذا أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجيء بعدك من المؤمنين ثالثها : هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفع مؤمنا لأنه صار مؤمنا ، وإن لم يفد يوجد حسنة ويزاد في حسنة المؤمنين فينتفعوا ، وهذا هو الذي قيل في قوله تعالى : { تلك الجنة التى أورثتموها } ( الزخرف : 72 ) . ! 7 < { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 56 ) وما خلقت الجن . . . . .
> > وهذه الآية فيها فوائد كثيرة ، ولنذكرها على وجه الاستقصاء ، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه أحدها : أنه تعالى لما قال : { وذكر } ( الذاريات : 55 ) يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة ، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع للزمان الثاني : هو أنا ذكرنا مرارا أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة الله وهداية الخلق ، فلما قال تعالى : { فتول عنهم فما أنت بملوم } ( الذاريات : 54 ) بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي ، وأما العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية ، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها الثالث : هو أنه لما بين حال من قبله من التكذيب ، ذكر هذه الآية ليبين سوء / صنيعهم حيث تركوا عبادة الله فما كان خلقهم إلا للعبادة ، وأما التفسير ففيه مسائل : المسألة الأولى : الملائكة أيضا من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال : { بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) وقال تعالى : { لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : 206 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : قد ذكرنا في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له ، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر ، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث : أن عباد الأصنام كانوا يقولون بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله ، فقال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلما بين القوم فذكر المتنازع فيه الرابع : قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق ، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس : قال بعض الناس كلما ذكر الله الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى : { خلق السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام } ( الفرقان : 59 ) وقال تعالى : { خلق الارض فى يومين } ( فصلت : 9 ) وقال : { خلقت بيدى } ( ص: 75 ) إلى غير ذلك ، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) وقال : { قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) وقال تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) والملائكة كالأرواح من عالم الأمر أوجدهم من غير مرور زمان فقوله { وما خلقت } إشارة إلى من هو من عالم الخلق فلا يدخل فيه الملائكة ، وهو باطل لقوله تعالى : { خالق كل شىء } ( غافر : 62 ) فالملك من عالم الخلق .
المسألة الثانية : تقديم الجن على الإنس لأية حكمة ؟ نقول فيه وجوه الأول : بعضها مر في المسألة الأولى الثاني : هو أن العبادة سرية وجهرية ، وللسرية فضل على الجهرية لكن عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم / وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد الله لأبناء جنسه ، وقد يعبد الله ليستخبر من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجن . المسألة الثالثة : فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملا وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة ؟ نقول المعتزلة تمسكوا به ، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك ، ونحن نقول فيه وجوه الأول : أن التعليل لفظي ومعنوي ، واللفظي ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة ، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير ، ففي المعنى المقصود ذلك ، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال / هذا ليس بشيء ولا يصح عليه ، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق ، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة ، يقال إتجر للربح ، وإن لم يكن في الحقيقة له ، إذا عرفت هذا ، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس ، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظا والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني : هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها ، كما قلنا في قوله تعالى : { لعله يتذكر } ( طه : 44 ) أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجوا وقوله { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } ( الأعراف : 129 ) أي يصير إهلاكه عندكم مرجوا تقولون إنه قرب الثاني : هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضا كما في الوقت قال تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) والمراد المقارنة ، وكذلك في جميع الصور ، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره ، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة ، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلا هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة ، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع ، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى : { يضل من يشاء } ( الرعد : 27 ) وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى : { خالق كل شىء } ( الرعد : 16 ) ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك ، كقوله تعالى : { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) وقوله تعالى : { ويفعل الله ما يشاء } ( إبراهيم : 27 ) { يحكم ما يريد } ( المائدة : 1 ) والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر .
المسألة الرابعة : قال تعالى : { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } ( الحجرات : 13 ) وقال : { ليعبدون } فهل بينها اختلاف ؟ نقول ليس كذلك فإن الله تعالى علل جعلهم شعوبا بالتعارف ، وههنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك { أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) دليل على ما ذكره ههنا وموافق له ، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخلص عملا ، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز ، كالشيء الذي منفعته فائدة ، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة ، مثاله الماء إذا كان مخلوقا للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر / فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب منه على وجه أبلغ . المسألة الخامسة : ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها ؟ قلنا : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان ، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال والإكرام لا يعلم عقلا لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم / الله على عباده بإرسال الرسل وإيضاح السبل في نوعي العبادة ، وقيل إن معناه ليعرفوني ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ربه ( كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف ) . ! 7 < { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون } . > 7 ! < < الذاريات : ( 57 ) ما أريد منهم . . . . . > > فيه جواب سؤال وهو أن الخلق للغرض ينبىء عن الحاجة ، فقال ما خلقتهم ليطعمون والنفع فيه لهم لا لي ، وذلك لأن منفعة العبد في حق السيد أن يكتسب له ، إما بتحصيل المال له أو بحفظ المال عليه ، وذلك لأن العبد إن كان للكسب فغرض التحصيل فيه ظاهر ، وإن كان للشغل فلولا العبد لاحتاج السيد إلى استئجار من يفعل الشغل له فيحتاج إلى إخراج مال ، والعبد يحفظ ماله عليه ويغنيه عن الإخراج فهو نوع كسب فقال تعالى : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } أي لست كالسادة في طلب العبادة بل هم الرابحون في عبادتهم ، وفيه وجه آخر وهو أن يقال هذا تقرير لكونهم مخلوقين للعبادة ، وذلك لأن الفعل في العرف لا بد له من منفعة ، لكن العبيد على قسمين قسم منهم يكون للعظمة والجمال كمماليك الملوك يطعمهم الملك ويسقيهم ويعطيهم الأطراف من البلاد ويؤتيهم الطراف بعد التلاد ، والمراد منهم التعظيم والمثول بين يديه ، ووضع اليمين على الشمال لديه ، وقسم منهم للانتفاع بهم في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها فقال تعالى إني خلقتهم فلا بد فيهم من منفعة فليتفكروا في أنفسهم هل هم من قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك ، فما أريد منهم من رزق ، أو هل هم ممن يطلب منهم إصلاح قوت كالطباخ والخواني الذي يقرب الطعام وليسوا كذلك فما أريد أن يطعمون ، فإذن هم عبيد من القسم الأول فينبغي أن لا يتركوا التعظيم ، وفيه لطائف نذكرها في مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في تكرار الإرادتين ، ومن لا يريد من أحد رزقا لا يريد أن يطعمه ؟ نقول هو لما ذكرناه من قبل ، وهو أن السيد قد يطلب من العبد الكسب له ، وهو طلب الرزق منه ، وقد يكون للسيد مال وافر يستغني عن الكسب لكنه يطلب منه قضاء حوائجه بماله من المال وإحضار الطعام بين يديه من ماله ، فالسيد قال لا أريد ذلك ولا هذا .
المسألة الثانية : لم قدم طلب الرزق على طلب الإطعام ؟ نقول ذلك من باب الارتقاء كقول القائل لا أطلب منك الإعانة ولا ممن هو أقوى ولا يعكس ، ويقل فلان يكرمه الأمراء بل السلاطين ولا يعكس ، فقال ههنا لا أطلب منكم رزقا ولا ما هو دون ذلك وهو تقديم طعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثير الطلب من العباد وإن كان الكسب لا يطلب منهم . المسألة الثالثة : لو قال ما أريد منهم أن يرزقون وما أريد منهم من الطعام هل تحصل هذه الفائدة ؟ نقول على ما فصل لا وذلك لأن بالتكسب يطلب الغنى لا الفعل فإن اشتغل بشغل / ولم يحصل له غنى لا يكون كمن حصل له غنى ، وإن لم يشتغل ، كالعبد المتكسب إذا ترك الشغل لحاجته ووجد مطلبا يرضى منه السيد إذا كان شغله التكسب ، وأما من يراد منه الفعل لذات الفعل ، كالجائع إذا بعث عبده لإحضار الطعام فاشتغل بأخذ المال من مطلب فربما لا يرضى به السيد فالمقصود من الرزق الغنى ، فلم يقل بلفظ الفعل والمقصود من الإطعام الفعل نفسه فذكر بلفظ الفعل ، ولم يقل وما أريد منهم من طعام هذا مع ما في اللفظين من الفصاحة والجزالة للتنويع . المسألة الرابعة : إذا كان المعنى به ما ذكرت ، فما فائدة الإطعام وتخصيصه بالذكر مع أن المقصود عدم طلب فعل منهم غير التعظيم ؟ نقول لما عمم في المطلب الأول اكتفى بقوله { من رزق } فإنه يفيد العموم ، وأشار إلى التعظيم فذكر الإطعام ، وذلك لأن أدنى درجات الأفعال أن تستعين السيد بعبده أو جاريته في تهيئة أمر الطعام ، ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى فصار كأنه تعالى قال : ما أريد منهم من عين ولا عمل . المسألة الخامسة : على ما ذكرت لا تنحصر المطالب فيما ذكره ، لأن السيد قد يشتري لعبد لا لطلب عمل منه ولا لطلب رزق ولا للتعظيم ، بل تشتريه للتجارة والربح فيه ، نقول عموم قوله { ما أريد منهم من رزق } يتناول ذلك فإن من اشترى عبدا ليتجر فيه فقد طلب منه رزقا . المسألة السادسة : ما أريد في العربية يفيد النفي في الحال ، والتخصيص بالذكر يوهم نفي ما عدا المذكور ، لكن الله تعالى لا يريد منهم رزقا لا في الحال ولا في الاستقبال ، فلم لم يقل لا أريد منهم من رزق ولا أريد ؟ نقول ما للنفي في الحال ، ولا للنفي في الاستقبال ، فالقائل إذا قال فلان لا يفعل هذا الفعل وهو في الفعل لا يصدق ، لكنه إذا ترك مع فراغه من قوله يصدق القائل ، ولو قال ما يفعل لما صدق فيما ذكرنا من الصورة ، مثاله إذا كان الإنسان في الصلاة وقال قائل إنه ما يصلي فانظر إليه فإذا كان نظر إليه الناظر وقد قطع صلاة نفسه صح أن يقول إنك لا تصلي ، ولو قال القائل إنه ما يصلي في تلك الحالة لما صدق ، فإذا علمت هذا فكل واحد من اللفظين للنافية فيه خصوص لكن النفي في الحال أولى لأن المراد من الحال الدنيا والاستقبال هو في أمر الآخرة فالدنيا وأمورها كلها حالية فقوله { ما أريد } أي في هذه الحالة الراهنة التي هي ساعة الدنيا ، ومن المعلوم أن العبد بعد موته لا يصلح أن يطلب منه رزق أو عمل فكان قوله { ما أريد } مفيدا للنفي العام ، ولو قال لا أريد لما أفاد ذلك . ! 7 < { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } . > 7 ! ثم قال تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } < < الذاريات : ( 58 ) إن الله هو . . . . .
> > تعليلا لما تقدم من الأمرين ، فقوله هو الرزاق تعليل لعدم طلب الرزق وقوله تعالى : { ذو القوة } تعليل لعدم طلب العمل ، لأن من يطلب رزقا يكون فقيرا محتاجا ومن يطلب عملا من غيره يكون عاجزا لا قوة له ، فصار كأنه يقول ما أريد منهم من رزق فإني أنا الرزاق ولا عمل فإني قوي وفيه مباحث الأول : قال : { ما أريد } ولم يقل إني / رزاق بل قال على الحكاية عن الغائب { إن الله } فما الحكمة فيه ؟ نقول قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { إنى أنا الرزاق } على ما ذكرت وأما القراءة المشهورة ففيها وجوه الأول : أن يكون المعنى قل يا محمد { إن الله هو الرزاق } الثاني : أن يكون ذلك من باب الالتفات والرجوع من التكلم عن النفس إلى التكلم عن الغائب ، وفيه ههنا فائدة وهي أن اسم الله يفيد كونه رزاقا وذلك لأن الإلاه بمعنى المعبود كما ذكرنا مرارا وتمسكنا بقوله تعالى : { ويذرك وءالهتك } ( الأعراف : 127 ) أي معبوديك وإذ كان الله هو المعبود ورزق العبد استعمله من غير الكسب إذ رزقه على السيد وههنا لما قال : { ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فقد بين أنه استخلصهم لنفسه وعبادته وكان عليه رزقهم فقال تعالى : { إن الله هو الرزاق } بلفظ الله الدال على كونه رزاقا ، ولو قال إني أنا الرزاق لحصلت المناسبة التي ذكرت ولكن لا يحصل ما ذكرنا الثالث : أن يكون قل مضمرا عند قوله تعالى : { ما أريد منهم } تقديره قل يا محمد { ما أريد منهم من رزق } فيكون بمعنى قوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } ( الفرقان : 57 ) ويكون على هذا قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق } من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل القوي ، بل قال : { ذو القوة } وذلك لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير ، ولكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون المستغني بحيث يرزق واحدا فإن كثيرا من الناس يرزق ولده وغيره ويسترزق والملك يرزق الجند ويسترزق ، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب ، لأن المسترزق ممن يكثر الرزق لا يسترزق من رزقه ، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له إلا بالمبالغة في وصف الرزق ، فقال : { الرزاق } وأما ما يغني عن الاستعانة بالغير فدون ذلك : وذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير فإذا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به ، وإذا كان دون ذلك يستعين استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك ، ولما قال : { وما أريد أن يطعمون } كفاه بيان نفس القوة فقال : { ذو القوة } إفادة معنى القوة دون القوى لأن ذا لا يقال في الوصف اللازم البين فيقال في الآدمي ذو مال ومتمول وذو جمال وجميل وذو خلق حسن وخليق إلى غير ذلك مما لا يلزمه لزوما بينا ، ولا يقال في الثلاثة ذات فردية ولا في الأربعة ذات زوجية ، ولهذا لم يرد في الأوصاف الحقيقية التي ليست مأخوذة من الأفعال ولذا لم يسمع ذو الوجود وذو الحياة ولا ذو العلم ويقال في الإنسان ذو علم وذو حياة لأنها عرض فيه عارض لا لازم بين ، وفي صفات الفعل يقال الله تعالى ذو الفضل كثيرا وذو الخلق قليلا لأن ذا كذا بمعنى صاحبه وربه والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلا عن اللزوم البين ، والذي يؤيد هذا هو أنه تعالى قال : { وفوق كل ذى علم عليم } ( يوسف : 76 ) فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العلم والعليم فرق وكذلك بين ذي القوة والقوي ، ويؤيده أيضا أنه تعالى قال : { فأخذهم الله إنه قوى شديد العقاب } ( غافر : 22 ) وقال تعالى : { الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز } ( الشورى : 19 ) وقال تعالى : { لاغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز } ( المجادلة : 21 ) لأن في هذه الصور كان المراد بيان القيام بالأفعال العظيمة والمراد ههنا عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر ما ، ومن يقوم مستبدا / بالفعل لا بد له من قوة عظيمة ، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه ، ولو بين هذا البحث في معرض الجواب عن سؤال سائل عن الفرق بين قوله { ذو القوة } ههنا وبين قوله { قوى } في تلك المواضع لكان أحسن ، فإن قيل فقد قال تعالى : { ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } ( الحديد : 25 ) وفيه ما ذكرت من المعنى وذلك لأن قوله { قوى } لبيان أنه غير محتاج إلى النصرة وإنما يريد أن يعلم ليثيب الناصر ، لكن عدم الاحتياج إلى النصرة يكفي فيه قوة ما ، فلم لم يقل إن الله ذو القوة ؟
نقول فيه إنه تعالى قال من ينصره ورسله ، ومعناه أنه يغني رسله عن الحاجة ولا يطلب نصرتهم من خلقه ليعجزهم وإنما يطلبها لثواب الناصرين لا لاحتياج المستنصرين وإلا فالله تعالى وعدهم بالنصر حيث قال : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون } ( الصافات : 171 ، 172 ) ولما ذكر الرسل قال قوي يكون ذلك تقوية تقارب رسله المؤمنين ، وتسلية لصدورهم وصدور المؤمنين .
البحث الثاني : قال : { المتين } وذلك لأن { ذو القوة } كما بينا لا يدل إلا على أن له قوة ما فزاد في الوصف بيانا وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظا ومعنى فإن متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته ، والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن ، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة حيث ذكر الله تعالى في مواضع ذكر القوة والعزة فقال : { قوى عزيز } ( الحديد : 25 ) وقال { القوى العزيز } ( هود : 66 ) . وفيه لطيفة تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوي وذي القوة ، وذلك لأن المتين هو الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب ، ففي المتين أنه لا يغلب ولا يقهر ولا يهزم ، وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام ، والعزة أكمل من المتانة ، كما أن القوي أكمل من ذي القوة ، فقرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه ، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله تعالى لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين . ! 7 < { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } . > 7 < الذاريات : ( 59 ) فإن للذين ظلموا . . . . . > > وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بين أن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالما ، فقال إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم ، وذلك لأن الشيء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه ، لا يحفظ وإن كان في موضع يخلي المكان عنه ، ألا ترى أن الدابة التي لا يبقى منتفعا بها بالموت أو بمرض يخلي عنها الإصطبل ، والطعام الذي يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء ، فكذلك الكافر / إذا ظلم ، ووضع نفسه في غير موضعه ، خرج عن الانتفاع فحسن إخلاء المكان عنه وحق نزول الهلاك به ، وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : فيما يتعلق به الفاء ، وقد ذكرنا لك في وجه التعلق . المسألة الثانية : ما مناسبة الذنوب ؟ نقول العذاب مصبوب عليهم ، كأنه قال تعالى نصب من فوق رؤوسهم ذنوبا كذنوب صب فوق رؤوس أولئك ، ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النوبة ذنوبا فذنوبا وذلك وقت عيشهم الطيب ، فكأنه تعالى قال : { فإن للذين ظلموا } من الدنيا وطيباتها { ذنوبا } أي ملاء ، ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب ، كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذبوبا وتركوها ، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك ، وإنما هو رغد العيش وهو أليق بالعربية ، وقوله تعالى : { فلا يستعجلون } فإن الرزق ما لم يفرغ لا يأتي الأجل . ثم أعاد ما ذكر في أول السورة فقال : { فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة الطور ) 1 < > أربعون وتسع آيات مكية ! 7 < { والطور وكتاب مسطور فى رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور } . > 7 ! / < < الطور : ( 1 ) والطور
> > هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، لأن في آخرها قوله تعالى : { فويل للذين كفروا } ( الذاريات : 60 ) وهذه السورة ددفي أولها { فويل يومئذ للمكذبين } ( الطور : 11 ) وفي آخر تلك السورة قال : { فإن للذين ظلموا ذنوبا } ( الذاريات : 59 ) إشارة إلى العذاب وقال هنا { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الطور ، وما الكتاب المسطور ؟ نقول فيه وجوه : الأول : الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام الثاني : هو الجبل الذي قال الله تعالى : { وطور سينين } ( التين : 2 ) الثالث : هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود ، وأما الكتاب ففيه أيضا وجوه : أحدها : كتاب موسى عليه السلام ثانيها : الكتاب الذي في السماء ثالثها : صحائف أعمال الخلق رابعها : القرآن وكيفما كان فهي في رقوق ، وسنبين فائدة قوله تعالى : { فى رق منشور } وأما البيت المعمور ففيه وجوه : الأول : هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة الثاني : هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين الثالث : البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة ، والسقف المرفوع السماء ، والبحر المسجور ، قيل الموقد يقال سجرت التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان . المسألة الثانية : ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء ؟ نقول هي تحتمل وجوها : أحدها : إن الأماكن الثلاثة وهي : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور ، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله ، أما الطور فانتقل إليه موسى / عليه السلام ، والبيت محمد صلى الله عليه وسلم ، والبحر المسجور يونس عليه السلام ، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ( الأعراف : 155 ) وقال : { أرنى أنظر إليك } ( الأعراف : 143 ) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك ) وأما يونس فقال : { لا إلاه إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف الله تعالى بها ، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك ، لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم ثانيها : وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له ، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه ، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ( هود : 43 ) حكاية عن نوح عليه السلام .
المسألة الثالثة : ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء ؟ نقول ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام ، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير ، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته ، ويريد الواصف وصفه بالعظمة ، يقول : اليوم رأيت أميرا ما له نظير جالسا وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم ، والسبب فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته ، فيكون كقوله تعالى : { الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 3 ) فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير معروف ، فكذلك ههنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير ، وكذلك البيت المعمور ، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب ، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ذلك ، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصدا للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير ، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها ، وهذا يؤيد كون المراد منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور . المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله تعالى : { فى رق منشور } وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه ؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح ، وذلك لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو في رق منشور وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من مطالعته ، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى : { كتابا يلقاه منشورا } ( الإسراء : 13 ) وذلك لأن غير المعروف إذا / وصف كان إلى المعرفة أقرب شبها . المسألة الخامسة : في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى : { والذريات } وقوله { والمرسلات } وقوله { والنازعات } وفي بعضها بأفراد كما في هذه السورة حيث قال : { والطور } ولم يقل والأطوار والبحار ، ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود ، كما في قوله تعالى : { ورفعنا فوقهم الطور } ( النساء : 154 ) أي الجبل فما الحكمة فيه ؟ نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها ، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال : { والذريات } إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير والواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا ، فأقسم في ذلك بالواحد وكذلك قوله { والنجم } والريح ما علم القسم به وفي الطور علم . ! 7 < { إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } . > 7 ! < < الطور : ( 7 ) إن عذاب ربك . . . . .
> > إشارة إلى المقسم عليه وفيه مباحث الأول : في حرف { ءان } وفيه مقامات الأول : هي تنصب الاسم وترفع الخبر والسبب فيه هو أنها شبهت بالفعل من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلكون الفتح لازما فيها واختصاصها بالدخول على الأسماء والمنصوب منها على وزن إن أنينا ، وأما المعنى ، فنقول اعلم أن الجملة الإثباتية قبل الجملة الانتفائية ، ولهذا استغنوا عن حرف يدل على الإثبات ، فإذا قالوا زيد منطلق فهم منه إرادة إثبات الانطلاق لزيد ، والانتفائية لما كانت بعد المثبتة زيد فيها حرف يغيرها عن الأصل وهو الإثبات فقيل ليس زيد منطلقا ، فصار ليس زيد منطلقا بعد قول القائل زيد منطلق ، ثم إن قول القائل إن زيدا منطلق مستنبط من قوله ليس زيد منطلقا ، كأن الواضع لما وضع أولا زيد منطلق للاثبات وعند النفي يحتاج إلى ما يغيره أتى بلفظ مغير وهو فعل من وجه لأنك قد تبقى مكانه ما النافية ولهذا قيل لست وليسوا ، فألحق به ضمير الفاعل ، ولولا أنه فعل لما جاز ذلك ، ثم أراد أن يضع في مقابلة ليس زيد منطلقا جملة إثباتية فيها لفظ الإثبات ، كما أن في النافية لفظ النفي فقال إن ولم يقصد أن إن فعل لأن ليس يشبه بالفعل لما فيه من معنى الفعل وهو التغيير ، فإنها غيرت الجملة من أصلها الذي هو الإثبات وأما إن فلم تغيره فالجملة على ما كانت عليه إثباتية فصارت مشبهة بالمشبهة بالفعل وهي ليس ، وهذا ما يقوله النحويون في إن وأن وكأن وليت ولعل إنها حروف مشبهة بالأفعال إذا علمت هذا ، فنقول كما إن ليس لها اسم كالفاعل وخبر كالمفعول ، تقول ليس زيد لئيما بالرفع والنصب كما تقول بات زيد كريما ، فكذلك إن لها اسم وخبر ، لكن اسمها يخالف اسم ليس وخبرها خبرها فإن اسم إن منصوب وخبرها مرفوع ، لأن إن لما كانت زيادة على خلاف الأصل لأنها لا تفيد إلا الإثبات الذي كان مستفادا من غير حرف ، وليس لما كانت زيادة على الأصل لأنها تغير الأصل / ولولاها لما حصل المقصود جعل المرفوع والمنصوب في ليس على الأصل ، لأن الأصل تقديم الفاعل ، وفي إن جعل ذلك على خلاف الأصل وقدم المشبه بالمفعول على المشبه بالفاعل تقديما لازما فلا يجوز أن يقال إن منطلق زيدا وهو في ليس منطلقا زيد جائز كما في الفعل لأنها فعل . المقام الثاني : هي لم تكسر تارة وتفتح أخرى ؟ نقول الأصل فيها الكسرة والعارض وإن كان هذا في الظاهر يخالف قول النحاة لكن في الحقيقة هي كذلك . المقام الثالث : لم تدخل اللام على خبر إن المكسورة دون المفتوحة ؟ قلنا قد خرج مما سبق أن قول القائل زيد منطلق أصل ، لأن المثبتات هي المحتاجة إلى الإخبار عنها فإن التغير في ذلك ، وأما العدميات فعلى أصولها مستمرة ، ولهذا يقال الأصل في الأشياء البقاء ثم إن السامع له قد يحتاج إلى الرد عليه فيقول ليس زيد منطلقا فيقول هو إن زيدا منطلق فيقول هو ردا عليه ليس زيد بمنطلق فيقول ردا عليه إن زيدا لمنطلق وأن ليست في مقابلة ليس وإنما هي متفرعة عن المكسورة . المبحث الثاني : قوله تعالى : { عذاب ربك } فيه لطيفة عزيزة وهي أنه تعالى لو قال إن عذاب الله لواقع ، والله اسم منبىء عن العظمة والهيبة كان يخاف المؤمن بل النبي صلى الله عليه وسلم من أن يلحقه ذلك لكونه تعالى مستغنيا عن العالم بأسره ، فضلا عن واحد فيه فآمنه بقوله { ربك } فإنه حين يسمع لفظ الرب يأمن .
المبحث الثالث : قوله { لواقع } فيه إشارة إلى الشدة ، فإن الواقع والوقوع من باب واحد فالواقع أدل على الشدة من الكائن . ثم قال تعالى : { ما له من دافع } والبحث فيه قد تقدم في قوله تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) وقد ذكرنا أن قوله { والطور والبيت المعمور والبحر المسجور } فيه دلالة على عدم الدافع فإن من يدفع عن نفسه عذابا قد يدفع بالتحصن بقلل الجبال ولجج البحار ولا ينفع ذلك بل الوصول إلى السقف المرفوع ودخول البيت المعمور لا يدفع . ! 7 < { يوم تمور السمآء مورا وتسير الجبال سيرا } . > 7 ! < < الطور : ( 9 ) يوم تمور السماء . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : ما الناصب ليوم ؟ نقول المشهور أن ذلك هو الفعل الذي يدل عليه واقع أي يقع العذاب { يوم تمور السماء مورا } والذي أظنه أنه هو الفعل المدلول عليه بقوله { ما له من دافع } ( الطور : 8 ) وإنما قلت ذلك لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم ، لكن العذاب الذي به التخويف هو الذي بعد الحشر ، ومور السماء قبل الحشر ، وأما إذا قلنا معناه { ليس له دافع } يوم تمور فيكون في معنى قوله { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) كأنه تعالى يقول : ما له من دافع في ذلك اليوم وهو ما إذا صارت السماء تمور في أعينكم والجبال تسير ، وتتحققون أن الأمر لا ينفع شيئا ولا يدفع . / المسألة الثانية : ما مور السماء ؟ نقول خروجها عن مكانها تتردد وتموج ، والذي تقوله الفلاسفة قد علمت ضعفه مرارا وقوله تعالى : { وتسير الجبال سيرا } يدل على خلاف قولهم ، وذلك لأنهم وفقوا على أن خروج الجبل العظيم من مكانه جائز وكيف لا وهم يقولون بأن زلزلة الأرض مع ما فيها من الجبال ببخار يجتمع تحت الأرض فيحركها ، وإذا كان كذلك فنقول السماء قابلة للحركة بإخراجها خارجة عن السمتيات والجبل ساكن يقتضي طبعه السكون ، وإذا قبل جسم الحركة مع أنها على خلاف طبعه ، فلأن يقبلها جرم آخر مع أنها على موافقته أولى ، وقولهم القابل للحركة المستديرة لا يقبل الحركة المستقيمة في غاية الضعف ، وقوله { مورا } يفيد فائدة جليلة وهي أن قوله تعالى : { وتسير الجبال } يحتمل أن يكون بيانا لكيفية مور السماء ، وذلك لأن الجبال إذا سارت وسيرت معها سكانها يظهر أن السماء كالسيارة إلى خلاف تلك الجهة كما يشاهده راكب السفينة فإنه يرى الجبل الساكن متحركا ، فكان لقائل أن يقول السماء تمور في رأي العين بسبب سير الجبال كما يرى القمر سائرا راكب السفينة ، والسماء إذا مارت كذلك فلا يبقى مهرب ولا مفزع لا في السماء ولا في الأرض . المسألة الثالثة : ما السبب في مورها وسيرها ؟ قلنا قدرة الله تعالى ، وأما الحكمة فالإيذان والإعلام بأن لا عود إلى الدنيا ، وذلك لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها ، فإن لم يتفق لهم عود لم يبق فيها نفع فأعدمها الله تعالى . المسألة الرابعة : لو قال قائل كنت وعدت ببحث في الزمان يستفيد العاقل منه فوائد في اللفظ والمعنى وهذا موضعه ، فإن الفعل لا يضاف إليه شيء غير الزمان فيقال يوم يخرج فلان وحين يدخل فلان ، وقال الله تعالى : { يوم ينفع الصادقين } ( المائدة : 119 ) وقال : { ويوم تمور السماء } وقال : { يوم خلق السماوات والارض } ( التوبة : 36 ) وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب في ذلك ؟
فنقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان ، وكما أن جوهرا من الجواهر لا يوجد إلا في مكان ، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا في زمان ، وفيهما تحير خلق عظيم ، فقالوا إن كان المكان جوهرا فله مكان آخر ويتسلسل الأمر ، وإن كان عرضا فالعرض لا بد له من جوهر ، والجوهر لا بد له من مكان فيدور الأمر أو يتسلسل ، وإن لم يكن جوهرا ولا عرضا ، فالجوهر يكون حاصلا فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه ، وليس كذلك ، وقالوا في الزمان إن كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضي والاستقبال / وإن كان متجددا وكل متجدد فهو في زمان ، فللزمان زمان آخر فيتسلسل الأمر ، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل في الأزمنة ، ووقعوا بسبب هذا في القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل في الأمكنة وفرقوا بينهما من غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعا ، وقالوا بالقدم وأزمان لا نهاية لها وبالامتداد وأبعاد لا نهاية لها ، وهم وإن خالفونا في المسألتين جميعا والفلاسفة وافقونا في إحداهما دون / الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ولم يتركوا على أنفسهم سبيل الإلتزام في الأزمان ، فإن قيل فالمتجدد الأول قبله ماذا ؟ نقول ليس قبله شيء ، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه ؟ نقول قولنا ليس قبله شيء أعم من قولك قبله عدمه ، لأنا إذا قلنا ليس قبل آدم حيوان بألف رأس ، صدقنا ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس أو حيوان بألف رأس بعد آدم ، لانتفاء ذلك الحيوان أولا وآخرا وعدم دخوله في الوجود أزلا وأبدا ، فكذلك ما قلنا ، فإن قيل هذا لا يصح ، لأن الله تعالى شيء موجود وهو قبل العالم ، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شيء معناه ليس قبله شيء بالزمان ، وأما الله تعالى فليس قبله بالزمان إذ كان الله ولا زمان ، والزمان وجد مع المتجدد الأول ، فإن قيل فما معنى وجود الله قبل كل شيء غيره ؟ نقول معناه كان الله ولم يكن شيء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات شيء بشيء ولا يثبت ذلك الشيء إلا بما ترومون إثباته ، فإن بداية الزمان غرضكم وهو مبني على المتجدد الأول والنزاع في المتجدد ، فإن عند الخصم ليس في الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد ، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلا ، وإنما ذكرناه بيانا لعدم الإلزام ، وأنه لا يرد علينا شيء إذا قلنا بالحدوث ونهاية الأبعاد واللزم والإلزام ، فيسلم الكلام الأول ، ثم يلزم ويقول : ألست تقول إن لنا متجددا أولا فكذلك قل له عدم ، فنقول لا بل ليس قبله أمر بالزمان ، فيكون ذلك نفيا عاما ، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان ، كما ذكرنا في المثال ، إذا علمت هذا فصار الزمان تارة موجودا مع عرض وأخرى موجودا بعد عرض ، لأن يومنا هذا وغيره من الأيام كلها صارت متميزة بالمتجدد الأول ، والمتجدد الأول له زمان هو معه ، إذا عرفت أن الزمان والمكان أمرهما مشكل بالنسبة إلى بعض الأفهام والأمر الخفي يعرف بالوصف والإضافة ، فإنك إذا قلت غلام لم يعرف ، فإذا وصفته أو أضفته وقلت غلام صغير أو كبير ، وأبيض أو أسود قرب من الفهم ، وكذلك إذا قلت غلام زيد قرب ، ولم يكن بد من معرفة الزمان ، ولا يعرف الشيء إلا بما يختص به ، فإنك إذا قلت في الإنسان حيوان موجود بعدته عن الفهم ، وإذا قلت حيوان طويل القامة قربته منه ، ففي الزمان كان يجب أن يعرف بما يختص به لأن الفعل الماضي والمستقبل والحال يختص بأزمنة ، والمصدر له زمان مطلق ، فلو قلت زمان الخروج تميز عن زمان الدخول وغيره ، فإذا قلت يوم خرج أفاد ما أفاد قولك يوم الخروج مع زيادة هو أنه تميز عن يوم يخرج والإضافة إلى ما هو أشد تمييزا أولى ، كما أنك إذا قلت غلام رجل ميزته عن غلام امرأة ، وإذا قلت غلام زيد زدت عليه في الإفادة وكان أحسن ، كذلك قولنا يوم خرج لتعريف ذلك اليوم خير من قولك يوم الخروج ، فظهر من هذا البحث أن الزمان يضاف إلى الفعل وغيره لا يضاف لاختصاص الفعل بالزمان دون غيره إلا المكان في قوله اجلس حيث يجلس ، فإن حيث يضاف إلى الجمل لمشابهة ظرف المكان لظرف الزمان ، وأما الجمل فهي إنما يصح بواسطة تضمنها الفعل ، فلا يقال يوم زيد أخوك ، ويقال يوم زيد فيه خارج .
/ ومن جملة الفوائد اللفظية أن لات يختص استعمالها بالزمان قال الله تعالى : { ولات حين مناص } ( ص: 3 ) ولا يقال لات الرجل سوء / وذلك لأن الزمان تجدد بعد تجدد ولا يبقى بعد الفناء حياة أخرى وبعد كل حركة حركة أخرى وبعد كل زمان زمان وإليه الإشارة بقوله تعالى : { كل يوم هو فى شأن } ( الرحمن : 29 ) أي قبل الخلق لم يخلق شيئا ، لكنه يعد ما خلق فهو أبدا دائما يخلق شيئا بعد شيء فبعد حياتنا موت وبعد موتنا حياة وبعد حياتنا حساب وبعد الحساب ثواب دائم أو عقاب لازم ولا يترك الله الفعل فلما بعد الزمان عن النفي زيد في الحروف النافية زيادة ، فإن قيل فالله تعالى أبعد عن الانتفاء فكان ينبغي أن لا تقرب التاء بكلمة لا هناك ، نقول { لأت حين مناص } تأويل وعليه لا يرد ما ذكرتم وهو أن لا هي المشبهة بليس تقديره ليس الحين حين مناص ، وهو المشهور ، ولذلك اختص بالحين دون اليوم والليل لأن الحين أدوم من الليل والنهار فالليل والنهار قد لا يكون والحين يكون . ! 7 < { فويل يومئذ للمكذبين الذين هم فى خوض يلعبون } . > 7 ! < < الطور : ( 11 ) فويل يومئذ للمكذبين > > أي إذا علم أن عذاب الله واقع وأنه ليس له دافع فويل إذا للمكذبين ، فالفاء لاتصال المعنى ، وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان ، وذلك لأنه لما قال : { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) لم يبين بأن موقعه بمن ، فلما قال : { فويل يومئذ للمكذبين } علم المخصوص به وهو المكذب ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذا قلت بأن قوله { ويل يومئذ للمكذبين } بيان لمن يقع به العذاب وينزل عليه فمن لا يكذب لا يعذب ، فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم لا يكذبون ، نقول ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر وهذا كما في قوله تعالى : { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا } ( الملك : 8 ، 9 ) فنقول المؤمن لا يلقى فيها إلقاء بهوان ، وإنما يدخل فيها ليظهر إدخال مع نوع إكرام ، فكذلك الويل للمكذبين ، والويل ينبىء عن الشدة وتركيب حروف الواو والياء واللام لا ينفك عن نوع شدة ، منه لوى إذا دفع ولوى يلوي إذا كان قويا والولي فيه القوة على المولى عليه ، ويدل عليه قوله تعالى : { يدعون } ( الطور : 13 ) فإن المكذب يدع والمصدق لا يدع ، وقد ذكرنا جواز التنكير في قوله { ويل } مع كونه مبتدأ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء ومضى ، وجهه في قوله تعالى : { قال سلام } ( الذاريات : 25 ) والخوض نفسه خص في استعمال القرآن بالاندفاع في الأباطيل ، ولهذا قال تعالى : { وخضتم كالذي خاضوا } ( التوبة : 69 ) وقال تعالى : { وكنا نخوض مع الخائضين } ( المدثر : 45 ) وتنكير الخوض يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون للتكثير أي في خوض كامل عظيم ثانيهما : أن يكون التنوين تعويضا عن المضاف إليه ، كما في قوله تعالى : { إلا } ( التوبة : 8 ) وقوله { وإن كلا } ( هود : 111 ) و { بعضهم ببعض } ( البقرة : 251 ) . والأصل في خوضهم المعروف منهم وقوله { الذين هم فى خوض } ليس وصفا للمكذبين بما يميزهم ، وإنما هو للذم كما أنك تقول الشيطان الرجيم / ولا تريد فصله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك أكرم الرجل العالم ، فالوصف بالرجيم للذم به لا للتعريف وتقول في المدح : الله الذي خلق ، والله العظيم للمدح لا للتمييز ولا للتعريف عن إلاه لم يخلق أو إلاه ليس بعظيم ، فإن الله واحد لا غير .
! 7 < { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } . > 7 ! < < الطور : ( 13 ) يوم يدعون إلى . . . . . > > فيه مباحث لفظية ومعنوية . أما اللفظية ففيها مسائل : المسألة الأولى : يوم منصوب بماذا ؟ نقول الظاهر أنه منصوب بما بعده وهو ما يدل عليه قوله تعالى : { هاذه النار } ( الطور : 14 ) تقديره يوم يدعون يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون ، ويحتمل غير هذا وهو أن يكون يوم بدلا عن يوم في يومئذ تقريره فويل يومئذ للمكذبين ويوم يوعدون أي المكذبون وذلك أن قوله { يومئذ } ( الطور : 11 ) معناه يوم يقع العذاب وذلك اليوم هو يوم يوعدون فيه إلى النار . المسألة الثانية : قوله { يدعون إلى النار } يدل على هول نار جهنم ، لأن خزنتها لا يقربون منها وإنما يدفعون أهلها إليها من بعيد ويلقونهم فيها وهم لا يقربونها . المسألة الثالثة : { دعا } مصدر ، وقد ذكرت فائدة ذكر المصادر وهي الإيذان بأن الدع دع معتبر يقال له دع ولا يقال فيه ليس بدع ، كما يقول القائل في الضرب الخفيف مستحقرا له : هذا ليس بضرب والعدو المهين : هذا ليس بعدو في غير المصادر ، والرجل الحقير ليس برجل إلا على قراءة من قرأ { يدعون إلى نار جهنم دعاء } فإن دعاء حينئذ يكون منصوبا على الحال تقديره يقال لهم هلموا إلى النار مدعوين إليها . أما المعنوية فنقول قوله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم } يدل على أن خزنتها يقذفونهم فيها وهم بعداء عنها ، وقال تعالى : { يوم يسحبون فى النار } ( القمر : 48 ) نقول الجواب عنه من وجوه أحدها : أن الملائكة يسحبونهم في النار ثم إذا قربوا من نار مخصوصة هي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون السحب في النار والدفع في نار أشد وأقوى ، ويدل عليه قوله تعالى : { يسحبون فى الحميم ثم فى النار يسجرون } ( غافر : 71 ، 72 ) أي يكون لهم سحب في حموة النار ثم بعد ذلك يكون لهم إدخال الثاني : جاز أن يكون في كل زمان يتولى أمرهم ملائكة ، فإلى النار يدفعهم ملك وفي النار يسحبهم آخر . الثالث : جاز أن يكون السحب بسلاسل يسحبون في النار والساحب خارج النار . الرابع : يحتمل أن يكون الملائكة يدفعون أهل النار إلى النار إهانة واستخفافا بهم ، ثم يدخلون معهم النار ويسحبونهم فيها . ! 7 < { هاذه النار التى كنتم بها تكذبون } . > 7 < الطور : ( 14 ) هذه النار التي . . . . . > > ثم قال تعالى : { هاذه النار التى كنتم بها تكذبون } على تقدير قال . ! 7 < { أفسحر هاذا أم أنتم لا تبصرون } . > 7 ! / ثم قال تعالى : { أفسحر هاذا أم أنتم لا تبصرون } < < الطور : ( 15 ) أفسحر هذا أم . . . . .
> > تحقيقا للأمر ، وذلك لأن من يرى شيئا ولا يكون الأمر على ما يراه ، فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين إما لأمر عائد إلى المرئي وإما لأمر عائد إلى الرائي فقوله { أفسحر هاذا } أي هل في المرئي شك أم هل في بصركم خلل ؟ استفهام إنكار ، أي لا واحد منها ثابت ، فالذي ترونه حق وقد كنتم تقولون إنه ليس بحق ، وإنما قال : { أفسحر } وذلك أنهم كانوا ينسبون المرئيات إلى السحر فكانوا يقولون بأن انشقاق لقمر وأمثاله سحر وفي ذلك اليوم لما تعلق بهم مع البصر الألم المدرك بحس اللمس وبلغ الإيلام الغاية لم يمكنهم أن يقولوا هذا سحر ، وإلا لما صح منهم طلب الخلاص من النار . ! 7 < { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } . > 7 ! ثم قال تعالى : { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون } < < الطور : ( 16 ) اصلوها فاصبروا أو . . . . . > > أي إذا لم يمكنكم إنكارها وتحقق أنه ليس بسحر ولا خلل في أبصاركم فاصلوها . وقوله تعالى : { فاصبروا أو لا تصبروا } فيه فائدتان إحداهما : بيان عدم الخلاص وانتفاء المناص فإن من لا يصبر يدفع الشيء عن نفسه إما بأن يدفع المعذب فيمنعه وإما بأن يغضبه فيقتله ويريحه ولا شيء من ذلك يفيد في عذاب الآخرة فإن من لا يغلب المعذب فيدفعه ولا يتلخص بالإعدام فإنه لا يقضي عليه فيموت ، فإذن الصبر كعدمه ، لأن من يصبر يدوم فيه ، ومن لا يصبر يدوم فيه الثانية : بيان ما يتفاوت به عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا ، فإن المعذب في الدنيا إن صبر ربما انتفع بالصبر إما بالجزاء في الآخرة ، وإما بالحمد في الدنيا ، فيقال له ما أشجعه وما أقوى قلبه ، وإن جزع يذم ، فيقال يجزع كالصبيان والنسوان ، وأما في الآخرة لا مدح ولا ثواب على الصبر ، وقوله تعالى : { سواء عليكم } { سوآء } خبر ، ومبتدأه مدلول عليه بقوله { فاصبروا أو لا تصبروا } كأنه يقول : الصبر وعدمه سواء ، فإن قيل يلزم الزيادة في التعذيب ، ويلزم التعذيب على المنوي الذي لم يفعله ، نقول فيه لطيفة ، وهي أن المؤمن بإيمانه استفاد أن الخير الذي ينويه يثاب عليه ، والشر الذي ينويه ولا يحققه لا يعاقب عليه ، والكافر بكفره صار على الضد ، فالخير الذي ينويه ولا يعمله لا يثاب عليه ، والشر الذي يقصده ولا يقع منه يعاقب عليه ولا ظلم ، فإن الله تعالى أخبره به ، وهو اختار ذلك ودخل فيه باختياره ، كأن الله تعالى قال : فإن من كفر ومات كافرا أعذبه أبدا فاحذروا ، ومن آمن أثيبه دائما ، فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعد ما سمع ذلك ، فإذا عاقبه المعاقب دائما تحقيقا لما أوعده به لا يكون ظالما . ! 7 < { إن المتقين فى جنات ونعيم } . > 7 ! ثم قال تعالى : { إن المتقين فى جنات ونعيم } < < الطور : ( 17 ) إن المتقين في . . . . . > > على ما هو عادة القرآن من بيان حال المؤمن / بعد بيان حال الكافر ، وذكر الثواب عقيب ذكر العقاب ليتم أمر الترهيب والترغيب ، وقد ذكرنا تفسير المتقين في مواضع ، والجنة وإن كانت موضع السرور ، لكن الناطور قد يكون في البستان الذي هو غاية الطيبة وهو غير متنعم ، فقوله { ونعيم } يفيد أنهم فيها يتنعمون ، كما يكون المتفرج لا كما يكون الناطور . ! 7 < { فاكهين بمآ ءاتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } . > 7 <
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟