Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V28/P230–V28/P231

المسألة الثانية : ساقطا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا يقال رأيت زيدا عالما وثانيهما : أن يكون حالا كما يقال ضربته قائما ، والثاني أولا لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكون بمعنى العلم ، تقول أرى هذا المذهب صحيحا وهذا الوجه ظاهرا وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى رأي العين في الأكثر تقول رأيت زيدا وقال تعالى : { لما رأوا بأسنا } ( غافر : 84 ) ، وقال : { فإما ترين من البشر أحدا } ( مريم : 26 ) والمراد في الآية رؤية العين . المسألة الثالثة : في قوله { ساقطا } فائدة لا تحصل في غير السقوط ، وذلك لأن عندهم لا يجوز الانفصال على السماوات ولا يمكن نزولها وهبوطها ، فقال ساقطا ليكون مخالفا لما يعتقدونه من وجهين أحدهما : الانفصال والآخر : السقوط ولو قال وإن يروا كسفا منفصلا أو معلقا لما حصلت هذه الفائدة . المسألة الرابعة : في قوله { يقولوا } فائدة أخرى ، وذلك لأنه يفيد بيان العناد الذي هو مقصود سرد الآية ، وذلك لأنهم في ذلك الوقت يستخرجون وجوها حتى لا يلزمهم التسليم فيقولون سحاب قولا من غير عقيدة ، وعلى هذا يحتمل أن يقال { وإن يروا } المراد العلم ليكون أدخل في العناد ، أي إذا علموا وتيقنوا أن السماء ساقطة غيروا وعاندوا ، وقالوا هذا سحاب مركوم . المسألة الخامسة : قوله تعالى : { يقولوا سحاب مركوم } إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يقولوا لم يقع شيء على الأرض يرجعون إلى التأويل والتخييل وقوله { مركوم } أي مركب بعضه على بعض كأنهم يدفعون عن أنفسهم ما يورد عليهم بأن السحاب كالهواء لا يمنع نفوذ الجسم فيه ، وهذا أقوى مانع فيقولون إنه ركام فصار صلبا قويا . المسألة السادسة : في إسقاط كلمة الإشارة حيث لم يقل : يقولوا هذا ، إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العناد فلا يستحسنون أن يأتوا بما لا يبقى معه مراء فيقولون { سحاب مركوم } مع حذف المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقول عند تكذيب الخلق إياهم ، قلنا { سحاب مركوم } شبهه ومثله ، وأن يتمشى الأمر مع عوامهم استمروا ، وهذا مجال من يخاف من كلام ولا يعلم أنه يقبل منه أو لا يقبل ، فيجعله ذا وجهين ، فإن رأى النكر على أحدهما فسره بالآخرون وإن رأى القبول خرج بمراده . ! 7 < { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون } . > 7 ! < < الطور : ( 45 ) فذرهم حتى يلاقوا . . . . . > > أي إذا تبين أنهم لا يرجعون فدعهم حتى يلاقوا وفيه مسائل :

قسم V28/P231–V28/P232

/ المسألة الأولى : { فذرهم } أمر وكان يجب أن يقال لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم جواز دعائهم إلى الإسلام وليس كذلك ، والجواب عنه من وجوه أحدها : أن هذه الآيات مثل قوله تعالى : { فأعرض } ( النساء : 63 ) { تول عنهم } ( الصافات : 78 ) إلى غير ذلك كلها منسوخة بآية القتال وهو ضعيف ، ثانيها : ليس المراد الأمر وإنما المراد التهديد كما يقول سيد العبد الجاني لمن ينصحه دعه فإنه سينال وبال جنايته ثالثها : أن المراد من يعاند وهو غير معين والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الخلق على سبيل العموم ويجوز أن يكون المراد بالخطاب من لم يظهر عناده لا من ظهر عناده فلم يقل الله في حقه { فذرهم } ويدل على هذا أنه تعالى قال من قبل { فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ) وقال ههنا { فذرهم } فمن يذكرهم هم المشفقون الذين { قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين } ( الطور : 26 ) ومن يذرهم الذين قالوا { شاعر نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) إلى غير ذلك . المسألة الثانية : { حتى } للغاية فيكون كأنه تعالى قال : ذرهم إلى ذلك اليوم ولا تكلمهم ثم ذلك اليوم تجدد الكلام وتقول ألم أقل لكم إن الساعة آتية وإن الحساب يقوم والعذاب يدوم فلا تكلمهم إلى ذلك اليوم ثم كلمهم لتعلمهم ثانيها : أن المراد من حتى الغاية التي يستعمل فيها اللام كما يقول القائل لا تطعمه حتى يموت أي ليموت ، لأن اللام التي للغرض عندها ينتهي الفعل الذي للغرض فيوجد فيها معنى الغاية ومعنى التعليل ويجوز استعمال الكلمتين فيها ولعل المراد من قوله تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) هذا أي إلى أن يأتيك اليقين ، فإن قيل فمن لا يذره أيضا يلاقي ذلك اليوم ، نقول المراد من قوله { يصعقون } يهلكون فالمذكر المشفق لا يهلك ويكون مستثنى منهم كما قال تعالى : { فصعق من فى السماوات ومن الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) وقذ ذكرنا هناك أن من اعترف بالحق وعلم أن يوم الحساب كائن فإذا وقعت الصيحة يكون كمن يعلم أن الرعد يرعد ويستعد لسماعه ، ومن لا يعلم يكون كالغافل ، فإذا وقعت الصيحة ارتجف الغافل ولم يرتجف العالم ، وحينئذ يكون التوعد بملاقاة يومهم لأن كل أحد يلاقي يومه وإنما يكون بملاقاة يومهم الذي فيه يصعقون ، أي اليوم الموصوف بهذه الصفة ، وهذا كما قال تعالى : { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم } ( القلم : 49 ) فإن المنفي ليس النبذ بالعراء لأنه تحقق بدليل قوله تعالى : { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } ( الصافات : 145 ) وإنما المنفي النبذ الذي يكون معه مذموما وهذا لم يوجد .

قسم V28/P232–V28/P233

المسألة الثالثة : { حتى } ينصب ما بعدها من الفعل المستقبل تارة ويرفع أخرى والفاصل بينهما أن الفعل إذا كان مستقبلا منتظرا لا يقع في الحال ينصب تقول تعلمت الفقه حتى ترتفع درجتي فإنك تنتظره وإن كان حالا يرفع تقول أكرر حتى تسقط قوتي ثم أنام ، والسبب فيه هو أن حتى المستقبل للغاية ولام التعليل للغرض والغرض غاية الفعل ، تقول لم تبنى الدار يقول للسكنى أنصار قوله حتى ترفع كقوله لأرفع وفيهما إضمار أن ، فإن قيل ما قلت شيئا وما ذكرت السبب في النصب عند إرادة الاستقبال والرفع عند إرادة الحال / نقول الفعل المستقبل إذا كان منتظرا وكان / تصب العين ومنصوبا لدى الذهن يرقبه يفعل بلفظه ما كان في معناه ، ولهذا قالوا في الإضافة أن المضاف لما جر أمرا إلى أمر في المعنى جزء في اللفظ ، والذي يؤيد ما ذكرنا أن الفعل إنما ينصب بأن ولن وكي وإذن ، وخلوص الفعل للاستقبال في هذه المواضع لازم والحرف الذي يجعل الفعل للحال يمنع النصب حيث لا يجوز أن تقول إن فلانا ليضرب فإن قيل : السين وسوف مع أنهما يخلصان الفعل للاستقبال لا ينصبان ويمنعان النصب بالناصب كما في قوله تعالى : { علم أن سيكون منكم مرضى } ( المزمل : 20 ) نقول : سوف والسين ليسا بمعنى غير اختصاص الفعل بالاستقبال وأن ولن بمعنى لا يصح إلا في الاستقبال فلم يثبت بالسين إلا الاستقبال ولم يثبت به معنى في الاستقبال والمنتظر هو ما في الاستقبال لا نفس الاستقبال ، مثاله إذا قلت أعبد الله كي يغفر لي أو ليغفر لي أثبتت كي غرضا وهو المغفرة ، وهي في المستقبل من الزمان ، وإذا قلت : أستغفرك ربي أثبتت السين استقبال المغفرة ، وفرق بين ما يكون المقصود من الكلام بيان الاستقبال ، لكن الاستقبال لا يوجد إلا في معنى فأتى بالمعنى ليبين به الاستقبال وبين ما يكون المقصود منه معنى في المستقبل فتذكر الاستقبال لتبين محل مقصودك . ! 7 < { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون } . > 7 < الطور : ( 46 ) يوم لا يغني . . . . . > > لما قال : { يلاقوا يومهم } ( الطور : 45 ) وكل بر وفاجر يلاقي يومه أعاد صفة يومهم وذكر ما يتميز به يومهم عن يوم المؤمنين فقال : { يوم لا يغنى } وهو يخالف يوم المؤمنين فإنه تعالى قال فيه { يوم ينفع الصادقين } ( المائدة : 119 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في { يوم لا يغنى } وجهان الأول : بدل عن قوله { يومهم } ( الطور : 45 ) ثانيهما : ظرف { يلاقوا } أي يلاقو يومهم يوم ، فإن قيل هذا يلزم منه أن يكون اليوم في يوم فيكون اليوم ظرف اليوم نقول هو على حد قول من يقول يأتي يوم قتل فلان يوم تبين جرائمه ولا مانع منه ، وقد ذكرنا بحث الزمان وجواز كونه ظرفا في قوله تعالى : { يومئذ } وجواز إضافة اليوم إلى الزمان مع أنه زمان .

قسم V28/P233–V28/P234

المسألة الثانية : قال تعالى : { يوم لا يغنى عنهم كيدهم } ولم يقل يوم لا يغنيهم كيدهم مع أن الإغناء يتعدى بنفسه لفائدة جليلة وهي أن قول القائل أغناني كذا يفهم منه أنه نفعني ، وقوله أغنى عني يفهم منه أنه دفع عني الضرر وذلك لأن قوله أغناني معناه في الحقيقة أفادني غير مستفيد وقوله : أغنى عني ، أي لم يحوجني إلى الحضور فأغنى غيري عن حضوري يقول من يطلب لأمر : خذوا عني ولدي ، فإنه يغني عني أي يغنيكم عني فيدفع عني أيضا مشقة الحضور فقوله { لا يغنى عنهم } أي لا يدفع عنهم الضرر ، ولا شك أن قوله لا يدفع عنهم ضررا أبلغ من قوله لا ينفعهم نفعا وإنما في المؤمن لو قال يوم يغني عنهم صدقهم لما فهم منه نفعهم فقال : { يوم ينفع } ( المائدة : 119 ) كأنه قال يوم يغنيهم / صدقهم ، فكأنه استعمل في المؤمن يغنيهم وفي الكافر لا يغني عنهم وهو مما لا يطلع عليه إلا من يكون عنده من علم البيان طرف ويتفكر بقريحة وقادة آيات الله ووفقه الله . المسألة الثالثة : الأصل تقديم الفاعل على المفعول والأصل تقديم المضمر على المظهر ، أما في الأول فلأن الفاعل متصل بالفعل ولهذا قالوا فعلت فأسكنوا اللام لئلا يلزم أربع متحركات في كلمة واحدة وقالوا ضربك ولم يسكنوا لأن الكاف ضمير المفعول وهو منفصل ، وأما تقديم المضمر فلأنه يكون أشد اختصارا ، فإنك إذا قلت ضربني زيد يكون أقرب إلى الاختصار من قولك ضرب زيد إياي فإن لم يكن هناك اختصار كقولك مربي زيد ومربي فالأولى تقديم الفاعل ، وههنا لو قال يوم لا يغنيهم كيدهم كان الأحسن تقديم المفعول ، فإذا قال يوم لا يغني عنهم صار كما قلنا في مر زيد بي فلم لم يقدم الفاعل ، نقول فيه فائدة مستفادة من علم البيان ، وهو أن تقديم الأهم أولى فلو قال يوم لا يغني كيدهم كان السامع لهذا الكلام ربما يقول لا يغني كيدهم غيرهم فيرجو الخير في حقهم وإذا سمع لا يغني عنهم انقطع رجاؤه وانتظر الأمر الذي ليس بمغن . المسألة الرابعة : قد ذكرنا أن معنى الكيد هو فعل يسوء من نزل به وإن حسن ممن صدر منه ، فما الفائدة في تخصيص العمل الذي يسوء بالذكر ولم يقل يوم لا يغني عنهم أفعالهم على الإطلاق ؟ نقول هو قياس بالطريق الأولى لأنهم كانوا يأتون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانوا يعتقدون أنه أحسن أعمالهم فقال ما أغنى أحسن أعمالهم الذي كانوا يعتقدون فيه ليقطع رجاءهم عما دونه ، وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال من قبل { أم يريدون كيدا } ( الطور : 42 ) وقد قلنا إن أكثر المفسرين على أن المراد به تدبيرهم في قتل النبي صلى الله عليه وسلم قال : { هم المكيدون } أي لا ينفعهم كيدهم في الدنيا فماذا يفعلون يوم لا ينفعهم ذلك الكيد بل يضرهم وقوله { ولا هم ينصرون } فيه وجوه أحدها : أنه متمم بيان وجهه هو أن الداعي أولا يرتب أمورا لدفع المكروه بحيث لا يحتاج إلى الانتصار بالغير والمنة ثم إذا لم ينفعه ذلك ينتصر بالأغيار ، فقال لا ينفعهم أفعال أنفسهم ولا ينصرهم عند اليأس وحصول اليأس عن إقبالهم ثانيها : أن المراد منه ما هو المراد من قوله تعالى : { لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } ( يس : 23 ) ، فقوله { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } أي عبادتهم الأصنام ، وقولهم { هؤلاء شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) وقولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا } ( الزمر : 3 ) وقوله { ولا هم ينصرون } ، أي لا نصير لهم كما لا شفيع ، ودفع العذاب ، إما بشفاعة شفيع أو بنصر ناصر ثالثها : أن نقول الإضافة في كيدهم إضافة المصدر إلى المفعول ، لا إضافته إلى الفاعل ، فكأنه قال لا يغني عنهم كيد الشيطان إياهم ، وبيانه هو أنك تقول أعجبني ضرب زيدا عمرا ، وأعجبني ضرب عمرو ، فإذا اقتصرت على المصدر والمضاف إليه لا يعلم إلا بالقرينة والنية ، فإذا سمعت قول القائل ، أعجبني ضرب زيد يحتمل أن يكون زيد ضاربا ويحتمل أن يكون مضروبا فإذا سمعت قول القائل ، أعجبني قطع اللص على سرقته دلت القرينة على أنه مضاف إلى المفعول ، فإن قيل هذا فاسد من حيث إنه إيضاح واضح / لأن كيد المكيد لا ينفع قطعا ، ولا يخفى على أحد ، فلا يحتاج إلى بيان ، لكن كيد الكائد يظن أنه ينفع فقال تعالى : ذلك لا ينفع ، نقول كيد الشيطان إياهم على عبادة الأصنام وهم كانوا يظنون أنها تنفع ، وأما كيدهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون أنه لا ينفع في الآخرة وإنما طلبوا أن ينفعهم في الدنيا لا في الآخرة فالإشكال ينقلب على صاحب الوجه الأول ولا إشكال على الوجهين جميعا إذا تفكرت فيما قلناه .

قسم V28/P234–V28/P235

! 7 < { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! < < الطور : ( 47 ) وإن للذين ظلموا . . . . . > > في اتصال الكلام وجهان أحدهما : متصل بقوله تعالى : { فذرهم } ( الطور : 5 ) وذلك لأنه يدل على عدم جواز القتال ، وقد قيل إنه نازل قبل شرع القتال ، وحينئذ كأنه قال فذرهم ولا تذرهم مطلقا من غير قتال ، بل لهم قبل يوم القيامة عذاب يوم بدر حيث تؤمر بقتالهم ، فيكون بيانا وعدا ينسخ فذرهم بالعذاب يوم بدر ثانيهما : هو متصل بقوله تعالى : { لا يغنى } ( الطور : 46 ) وذلك لأنه لما بين أن كيدهم لا يغني عنهم قال ولا يقتصر على عدم الإغناء بل لهم مع أن كيدهم لا يغني ويل آخر وهو العذاب المعد لهم ، ولو قال لا يغني عنهم كيدهم كان يوهم أنه لا ينفع ولكن لا يضر ولما قال مع ذلك { وإن للذين ظلموا عذابا } زال ذلك ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذين ظلموا هم أهل مكة إن قلنا العذاب هو عذاب يوم بدر ، وإن قلنا العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام في كل ظالم . المسألة الثانية : ما المراد من الظلم ههنا ؟ نقول فيه وجوه الأول : هو كيدهم نبينهم ، والثاني : عبادتهم الأوثان ، والثالث : كفرهم وهذا مناسب للوجه الثاني . المسألة الثالثة : دون ذلك ، على قول أكثر المفسرين معناه قبل ويؤيده قوله تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } ( السجدة : 21 ) ويحتمل وجهين آخرين أحدهما : دون ذلك ، أي أقل من ذلك في الدوام والشدة يقال الضرب دون القتل في الإيلام ، ولا شك أن عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة على هذا المعنى ، وعلى هذا ففيه فائدة التنبيه على عذاب الآخرة العظيم وذلك لأنه إذا قال عذابا دون ذلك أي قتلا وعذابا في القبر فيتفكر المتفكر ويقول ما يكون القتل دونه لا يكون إلا عظيما ، فإن قيل فهذا المعنى لا يمكن أن يقال في قوله تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } قلنا نسلم ذلك ولكن لا مانع من أن يكون المراد ههنا هذا الثاني على طريقة قول القائل : تحت لجاجك مفاسد ودون غرضك متاعب ، وبيانه هو أنهم لما عبدوا غير الله ظلموا أنفسهم حيث وضعوها في غير موضعها الذي خلقت له فقيل لهم إن لكم دون ذلك الظلم عذابا . المسألة الرابعة : { ذالك } إشارة إلى ماذا ؟ نقول الظاهر أنه إشارة إلى اليوم وفيه وجهان / آخران أحدهما : في قوله { يصعقون } ( الطور : 45 ) وقوله { يغنى عنهم } ( الطور : 46 ) إشارة إلى عذاب واقع فقوله ذلك إشارة إليه ، ويمكن أن يقال قد تقدم قوله { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) وقوله { دون ذلك } ، أي دون ذلك العذاب ثانيهما : { دون ذلك } ، أي كيدهم فذلك إشارة إلى الكيد وقد بينا وجهه في المثال الذي مثلنا وهو قول القائل : تحت لجاجك حرمانك ، والله أعلم .

قسم V28/P235–V28/P236

المسألة الخامسة : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ذكرنا فيه وجوها أحدها : أنه جرى على عادة العرب حيث تعبر عن الكل بالأكثر كما قال تعالى : { أكثرهم بهم مؤمنون } ( سبأ : 41 ) ثم إن الله تعالى تكلم على تلك العادة ليعلم أن الله استحسنها من المتكلم حيث يكون ذلك بعيدا عن الخلف ثانيها : منهم من آمن فلم يكن ممن لا يعلم ثالثها : هم في أكثر الأحوال لم يعلموا وفي بعض الأحوال علموا وأقله أنهم علموا حال الكشف وإن لم ينفعهم . المسألة السادسة : مفعول { لا يعلمون } جاز أن يكون هو ما تقدم من الأمر : وهو أن لهم عذابا دون ذلك / وجاز أن لا يكون له مفعول أصلا ، فيكون المراد أكثرهم غافلون جاهلون . ! 7 < { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم } . > 7 < الطور : ( 48 ) واصبر لحكم ربك . . . . . > > وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } ( طه : 130 ) ونشير إلى بعضه ههنا فإن طول العهد ينسي ، فنقول لما قال تعالى : { فذرهم } ( الطور : 45 ) كان فيه الإشارة إلى أنه لم يبق في نصحهم نفع ولا سيما وقد تقدم قوله تعالى : { وإن يروا كسفا من السماء } ( الطور : 44 ) وكان ذلك مما يحمل النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء كما قال نوح عليه السلام { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وكما دعا يونس عليه السلام فقال تعالى : { واصبر } وبدل اللعن بالتسبيح { وسبح بحمد ربك } بدل قولك اللهم أهلكهم ألا ترى إلى قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } ( القلم : 48 ) وقوله تعالى : { فإنك بأعيننا } فيه وجوه الأول : أنه تعالى لما بين أنهم يكيدونه كان ذلك مما يقتضي في العرف المبادرة إلى إهلاكهم لئلا يتم كيدهم فقال : اصبر ولا تخف ، فإنك محفوظ بأعيننا ثانيها : أنه تعالى قال فاصبر ولا تدع عليهم فإنك بمرأى منا نراك وهذه الحالة تقتضي أن تكون على أفضل ما يكون من الأحوال لكن كونك مسبحا لنا أفضل من كونك داعيا على عباد خلقناهم ، فاختر الأفضل فإنك بمرأى منا ثالثها : أن من يشكو حاله عند غيره يكون فيه إنباء عن عدم علم المشكو إليه بحال الشاكي فقال تعالى : اصبر ولا تشك حالك فإنك بأعيننا نراك فلا فائدة في شكواك ، وفيه مسائل مختصة بهذا الموضع لا توجد في قوله { فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) . المسألة الأولى : اللام في قوله { واصبر لحكم } تحتمل وجوها : الأول : هي بمعنى إلى أي اصبر إلى أن يحكم الله الثاني : الصبر فيه معنى الثبات ، فكأنه يقول فاثبت لحكم ربك يقال / ثبت فلان لحمل قرنه الثالث : هي اللام التي تستعمل بمعنى السبب يقال لم خرجت فيقال لحكم فلان علي بالخروج فقال : { واصبر } واجعل سبب الصبر امتثال الأمر حيث قال واصبر لهذا الحكم عليك لا لشيء آخر .

قسم V28/P236–V28/P237

المسألة الثانية : قال ههنا { بأعيننا } وقال في مواضع أخر { ولتصنع على عينى } ( طه : 39 ) نقول لما وحد الضمير هناك وهو ياء المتكلم وحده وحد العين ولما ذكر ههنا ضمير الجمع في قوله { بأعيننا } وهو النون جمع العين ، وقال : { بأعيننا } هذا من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فلأن الحفظ ههنا أتم لأن الصبر مطية الرحمة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث اجتمع له الناس وجمعوا له مكايد وتشاوروا في أمره ، وكذلك أمره بالفلك وأمره بالاتخاذ عند عدم الماء وحفظه من الغرق مع كون كل البقاع مغمورة تحت الماء تحتاج إلى حفظ عظيم في نظر الخلق فقال { بأعيننا } . المسألة الثالثة : ما وجه تعلق الباء ههنا قلنا قد ظهر من جميع الوجوه ، أما إن قلنا بأنه للحفظ فتقديره محفوظ بأعيننا ، وإن قلنا للعلم فمعناه بمرأى منا أي بمكان نراك وتقديره فإنك بأعيننا مرئي وحينئذ هو كقول القائل رأيته بعيني كما يقال كتب بالقلم الآلة وإن كان رؤية الله ليست بآلة ، فإن قيل فما الفرق في الموضعين حيث قال في طه { على عينى } ( طه : 39 ) وقال ههنا { بأعيننا } وما الفرق بين على وبين الباء نقول معنى على هناك هو أنه يرى على ما يرضاه الله تعالى ، كما يقول أفعله على عيني أي على رضاي تقديره على وجه يدخل في عيني وألتفت إليه فإن من يفعل شيئا لغيره ولا يرتضيه لا ينظر فيه ولا يقلب عينه إليه والباء في قوله { وسبح بحمد ربك } قد ذكرناها وقوله { حين تقوم } فيه وجوه الأول : تقوم من موضعك والمراد قبل القيام حين ما تعزم على القيام وحين مجيء القيام ، وقد ورد في الخبر أن من قال : ( سبحان الله ) من قبل أن يقوم من مجلسه يكتب ذلك كفارة لما يكون قد صدر منه من اللفظ واللغو في ذلك المجلس الثاني : حين تقوم من النوم ، وقد ورد أيضا فيه خبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ( يسبح بعد الانتباه ) الثالث : حين تقوم إلى الصلاة وقد ورد في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في افتتاح الصلاة ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إلاه غيرك ) الرابع : حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا قمت منتصبا لمجاهدة قومك ومعاداتهم والدعاء عليهم { فسبح بحمد ربك } وبدل قيامك للمعاداة وانتصابك للانتقام بقيامك لذكر الله وتسبيحه الخامس : { حين تقوم } أي بالنهار ، فإن الليل محل السكون والنهار محل الإبتغاء وهو بالقيام أولى ، ويكون كقوله { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى ما بقي من الزمان وكذلك { وإدبار النجوم } ( الطور : 49 ) وهو أول الصبح . ! 7 < { ومن اليل فسبحه وإدبار النجوم } . > 7 < الطور : ( 49 ) ومن الليل فسبحه . . . . . > > وقوله تعالى : { ومن اليل فسبحه وإدبار النجوم } .

قسم V28/P237–V28/P238

/ وقد تقدم تفسيره وهو كقوله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وقد ذكرنا فائدة الاختصاص بهذه الأوقات ومعناه ، ونختم هذه السورة بفائدة وهي أنه تعالى قال ههنا { وإدبار النجوم } وقال في { وأدبار السجود } ( ق: 40 ) ، ويحتمل أن يقال المعنى واحد والمراد من السجود جمع ساجد وللنجوم سجود قال تعالى : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) وقيل المراد من النجم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات قال الله تعالى : { ولله يسجد ما فى السماوات وما في الارض } ( النحل : 49 ) أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله ، وقد ورد في الحديث : ( من قال عقيب الصلاة سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات كتب له ألف حسنة ) فيكون المعنى في الموضعين واحد لأن السجود من الوظائف والمشهور والظاهر أن المراد من إدبار النجوم وقت الصبح حيث يدبر النجم ويخفى ويذهب ضياؤه بضوء الشمس ، وحينئذ تبين ما ذكرنا من الوجه الخامس في قوله { حين تقوم } ( الطور : 48 ) أن المراد منه النهار لأنه محل القيام { ومن اليل } القدر الذي يكون الإنسان في يقظان فيه { وإدبار النجوم } وقت الصبح فلا يخرج عن التسبيح إلا وقت النوم ، وهذا آخر تفسير هذه السورة والله أعلم ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . < > 1 ( سورة النجم ) 1 < > ستون وآيتان مكية ! 7 < { والنجم إذا هوى . > 7 ! / < < النجم : ( 1 ) والنجم إذا هوى > > وقبل الشروع في التفسير نقدم مسائل ثم نتفرغ للتفسير وإن لم تكن منه : الأولى : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظا ومعنى ، أما اللفظ فلأن ختم الطور بالنجم ، وافتتاح هذه بالنجم مع واو القسم ، وأما المعنى فنقول : الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم } ( الطور : 49 ) بين له أنه جزأه في أجزاء مكايدة النبي صلى الله عليه وسلم ، بالنجم وبعده فقال : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : 2 ) . المسألة الثانية : السورة التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأسماء دون الحروف وهي الصافات والذاريات ، والطور ، وهذه السورة بعدها بالأولى فيها القسم لإثبات الوحدانية كما قال تعالى : { إن إلاهكم لواحد } ( الصافات : 4 ) وفي الثانية لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى : { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 5 ، 6 ) وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى : { إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } ( الطور : 7 / 8 ) . وفي هذه السورة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم لتكمل الأصول الثلاثة : الوحدانية ، والحشر ، والنبوة .

قسم V28/P238–V28/P240

المسألة الثالثة : لم يقسم الله على الوحدانية ولا على النبوة كثيرا ، أما على الوحدانية فلأنه أقسم بأمر واحد في سورة الصافات ، وأما على النبوة فلأنه أقسم بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة الضحى وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فإن قوله تعالى : { واليل إذا يغشى } ( الليل : 1 ) وقوله تعالى : { والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) وقوله تعالى : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) إلى غير ذلك ، كلها فيها الحشر أو ما يتعلق به ، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ودلائل النبوة أيضا كثيرة وهي المعجزات المشهورة والمتواترة ، وأما الحشر فإمكانه يثبت بالعقل ، وأما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع فأكثر القسم ليقطع به المكلف ويعتقده اعتقادا جازما ، وأما التفسير ففيه مسائل : الأولى : الواو للقسم بالنجم أو برب النجم ففيه خلاف قدمناه ، والأظهر أنه قسم بالنجم / يقال ليس للقسم في الأصل حرف أصلا لكن الباء والواو استعملنا فيه لمعنى عارض ، وذلك لأن الباء في أصل القسم هي الباء التي للإلصاق والاستعانة فكما يقول القائل : استعنت بالله ، يقول : أقسمت بالله ، وكما يقول : أقوم بعون الله على العدو ، يقول : أقسم بحق الله فالباء فيهما بمعنى كما تقول : كتب بالقلم ، فالباء في الحقيقة ليست للقسم غير أن القسم كثر في الكلام فاستغنى عن ذكره وغيره لم يكثر فلم يستغن عنه ، فإذا قال القائل : بحق زيد فهم منه القسم لأن المراد لو كان هو مثل قوله : ادخل زيد ، أو اذهب بحق زيد ، أو لم يقسم بحق زيد لذكر كما ذكر في هذه الأشياء لعدم الاستغناء فلما لم يذكر شيء علم أن الحذف للشهرة والاستغناء ، وذلك ليس في غير القسم فعلم أن المحذوف فعل القسم ، فكأنه قال : أقسم بحق زيد ، فالباء في الأصل ليس للقسم لكن لما عرض ما ذكرنا من الكثرة والاشتهار قيل الباء للقسم ، ثم إن المتكلم نظر فيه فقال هذا لا يخلو عن التباس فإني إذا قلت بالله توقف السامع فإن سمع بعده فعلا غير القسم كقوله : بالله استعنت وبالله قدرت وبالله مشيت وأخذت ، لا يحمله على القسم ، وإن لم يسمع حمله على القسم إن لم يتوهم وجود فعل ما ذكرته ولم يسمعه ، أما إن توهم أني ذكرت مع قولي بالله شيئا آخر وما سمعه هو أيضا يتوقف فيه ففي الفهم توقف ، فإذا أراد المتكلم الحكيم إذهاب ذلك مع الاختصار وترك ما استغنى عنه ، وهو فعل القسم أبدل الباء بالتاء ، وقال : تالله ، فتكلم بها في كلمة الله لاشتهار كلمة الله والأمن من الإلتباس فإن التاء في أوائل الكلمات قد تكون أصلية ، وقد تكون للخطاب والتأنيث ، فلو أقسم بحرف التاء بمن اسمه داعي أو راعي أو هادي أو عادي يقول تداعى أو تراعى أو تهادى أو تعادى فيلتبس ، وكذلك فيمن اسمه رومان أو توران إذا قلت ترومان أو تتوران على أنك تقسم بالتاء تلتبس بتاء الخطاب والتأنيث في الاستقبال ، فأبدلوها واوا لا يقال عليه إشكالان الأول : مع الواو لم يؤمن الالتباس ، نقول ولى فتلتبس الواو الأصلية بالتي للقسم لأنا نقول ذلك لم يلزم فيما ذهبنا إليه ، وإنما كان ذلك في الواو حيث يدل وينبىء عن العطف وإن لم يستعمل الواو للقسم ، كيف وذلك في الباء التي هي كالأصل متحقق تقول برام في جمع برمة ، وبهام في جمع بهمة ، وبغال للبسية الباء الأصلية التي في البغال والبرام بالباء التي تلصقها بقولك مال ورأى فتقول بمال ، وأما التاء لما استعملت للقسم لزم من ذلك الاستعمال الالتباس حيث لم يكن من قبل حرفا من الأدوات كالباء والواو الإشكال الثاني : لم تركت مما لا التباس فيه كقولك : تالرحيم وتالعظيم ؟ نقول : لما كانت كلمة الله تعالى في غاية الشهرة والظهور استعملت التاء فيها على خلاف الأصل ، بمعنى لم يجز أن يقال عليها إلا ما يكون في شهرتها ، وأما غيرها فربما يخفى عند البعض ، فإن من يسمع الرحيم وسمع في الندرة تر بمعنى قطع ربما يقول ترحيم فعل وفاعل أو فعل ومفعول وإن كان ذلك في غاية البعد لكن الاستواء في الشهرة في المنقول منه والمنقول إليه لازم ، ولا مشهور مثل كلمة الله ، على أنا نقول لم قلت إن عند الأمن لا تستعمل ألا ترى أنه نقل عن العرب برب الكعبة / والذي يؤيد ما ذكرنا أنت تقول أقسم بالله ولا تقول أقسم تالله لأن التاء فيه مخافة الالتباس عند حذف الفعل من القسم وعند الإتيان به لم يخف ذلك فلم يجز .

قسم V28/P240

المسألة الثانية : اللام في قوله تعالى : { والنجم } لتعريف العهد في قول ولتعريف الجنس في قول ، والأول قول من قال : { والنجم } المراد منه الثريا ، قال قائلهم : إن بدا النجم عشيا ابتغى الراعي كسيا والثاني فيه وجوه أحدها : النجم هو نجم السماء التي هي ثابتة فيها للاهتداء وقيل لا بل النجم المنقضة فيها التي هي رجوم للشياطين ثانيها : نجوم الأرض وهي من النبات ما لا ساق له ثالثها : نجوم القرآن ولنذكر مناسبة كل وجه ونبين فيه المختار منها ، أما على قولنا المراد الثريا فهو أظهر النجوم عند الرائي لأن له علامة لا يلتبس بغيره في السماء ويظهر لكل أحد والنبي صلى الله عليه وسلم تميز عن الكل بآيات بينات فأقسم به ، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبكر حان إدراك الثمار ، وإذا ظهرت بالعشاء أواخر الخريف نقل الأمراض والنبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر قل الشك والأمراض القلبية وأدركت الثمار الحكمية والحلمية ، وعلى قولنا المراد هي النجوم التي في السماء للاهتداء نقول النجوم بها الاهتداء في البراري فأقسم الله بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة ، وعلى قولنا المراد الرجوم من النجوم ، فالنجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض / وعلى قولنا المراد القرآن فهو استدل بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم على صدقه وبراءته فهو كقوله تعالى : { يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } ( يس : 1 4 ) ما ضللت ولا غويت ، وعلى قولنا النجم هو النبات ، فنقول النبات به ثبات القوى الجسمانية وصلاحها والقوة العقلية أولى بالإصلاح ، وذلك بالرسل وإيضاح السبل ، ومن هذا يظهر أن المختار هو النجوم التي هي في السماء لأنها أظهر عند السامع وقوله { إذا هوى } أدل عليه ، ثم بعد ذلك القرآن أيضا فيه ظهور ثم الثريا . المسألة الثالثة : القول في { والنجم } كالقول في { والطور } حيث لم يقل والنجوم ولا الأطوار ، وقال : { والذريات } { المرسلات } وقد تقدم ذكره . المسألة الرابعة : ما الفائدة في تقييد القسم به بوقت هو به ؟ نقول النجم إذا كان في وسط السماء يكون بعيدا عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال ، فإذا زال تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال كذلك النبي صلى الله عليه وسلم خفض جناحه للمؤمنين وكان على خلق عظيم كما قال تعالى : { ممنون وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) وكما قال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) إن قيل الاهتداء بالنجم إذا كان على أفق المشرق كالاهتداء به إذا كان على أفق المغرب فلم يبق ما ذكرت جوابا عن السؤال ، نقول الاهتداء بالنجم وهو مائل إلى المغرب أكثر لأنه يهدي في / الطريقين الدنيوي والديني ، أما الدنيوي فلما ذكرنا ، وأما الديني فكما قال الخليل { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) وفيه لطيفة ، وهي أن الله لما أقسم بالنجم شرفه وعظمه ، وكان من المشركين من يعبده فقرن بتعظيمه وصفا يدل على أنه لم يبلغ درجة العبادة ، فإنه هاو آفل . ! 7 < { ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى . > 7 ! < < النجم : ( 2 ) ما ضل صاحبكم . . . . .

قسم V28/P240–V28/P241

> > ثم قال تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغي ، والذي قاله بعضهم عند محاولة الفرق : أن الضلال في مقابلة الهدى ، والغي في مقابلة الرشد ، قال تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا } ( الأعراف : 146 ) وقال تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع ، تقول ضل بعيري ورحلي ، ولا تقول غوى ، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا ، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد ، ولا تقول إنه ضال ، والضال كالكافر ، والغاوي كالفاسق ، فكأنه تعالى قال : { ما ضل } أي ما كفر ، ولا أقل من ذلك فما فسق ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن } ( النساء : 6 ) أو نقول الضلال كالعدم ، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة ، وقوله { صاحبكم } فيه وجهان الأول : سيدكم والآخر : مصاحبكم ، يقال صاحب البيت ورب البيت ، ويحتمل أن يكون المراد من قوله { ما ضل } أي ما جن ، فإن المجنون ضال ، وعلى هذا فهو كقوله تعالى : { ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون } ( القلم : 1 ، 3 ) فيكون إشارة إلى أنه ما غوى ، بل هو رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر ، كما قال تعالى : { قل ما أسألكم عليه من أجر } ( الشعراء : 109 ) وقال : { إن أجرى إلا على الله } ( يونس : 72 ) وقوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) إشارة إلى قوله ههنا { وما ينطق عن الهوى } فإن هذا خلق عظيم ، ولنبين الترتيب فنقول : قال أولا { ما ضل } أي هو على الطريق { وما غوى } أي طريقه الذي هو عليه مستقيم { وما ينطق عن الهوى } أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود ، وذلك لأن من يسلك طريقا ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق ، وربما يجد إليه طريقا بعيدا فيه متاعب ومهالك ، وربما يجد طريقا واسعا آمنا ، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد ، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولا ، ويمكن أن يقال { وما ينطق عن الهوى } دليل على أنه ما ضل وما غوى ، تقديره : كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى ، وإنما يضل من يتبع الهوى ، ويدل عليه قوله تعالى : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ( ص: 26 ) فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله { ما ضل } وصيغة المستقبل في قوله { وما ينطق } في غاية الحسن ، أي ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون في صغره { وما غوى } حين / اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى { وما ينطق عن الهوى } الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولا شاهدا عليكم ، فلم يكن أولا ضالا ولا غاويا ، وصار الآن منقذا من الضلالة ومرشدا وهاديا . وأما على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة ؟

قسم V28/P241–V28/P242

نقول بلى ، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر ، والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى : { ما ضل } في صغره / لأنه لا ينطق عن الهوى ، وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنها المحبة ، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية ، فالنفس إذا كانت دنيئة ، وتركت المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء ، ولو قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة ، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة ، فإنها مستعملة في موضع المدح ، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : { فأما من طغى وءاثر الحيواة الدنيا } إلى قوله { ونهى النفس عن الهوى } ( النازعات : 37 40 ) إشارة إلى علو مرتبة النفس .

قسم V28/P242

! 7 < { إن هو إلا وحى يوحى . > 7 ! ثم قال تعالى : { إن هو إلا وحي يوحى } < < النجم : ( 4 ) إن هو إلا . . . . . > > بكلمة البيان ، وذلك لأنه تعالى لما قال : { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) كأن قائلا قال : فبماذا ينطق أعن الدليل أو الاجتهاد ؟ فقال لا ، وإنما ينطق عن الله بالوحي ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : { ءان } استعملت مكان ما للنفي ، كما استعملت ما للشرط مكان إن ، قال تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها } ( البقرة : 106 ) والمشابهة بينهما من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن إن من الهمزة والنون ، وما من الميم والألف ، والألف كالهمزة والنون كالميم ، أما الأول : فبدليل جواز القلب ، وأما الثاني : فبدليل جواز الإدغام ووجوبه ، وأما المعنى فلأن إن تدل على النفي من وجه ، وعلى الإثبات من وجه ، ولكن دلالتها على النفي أقوى وأبلغ ، لأن الشرط والجزاء في صورة استعمال لفظة إن يجب أن يكون في الحالة معدوما إذا كان المقصود الحث أو المنع ، تقول إن تحسن فلك الثواب ، وإن تسيء فلك العذاب ، وإن كان المراد بيان حال القسمين المشكوك فيهما كقولك : إن كان هذا الفص زجاجا فقيمته نصف ، وإن كان جوهرا فقيمته ألف ، فههنا وجود شيء منهما غير معلوم وعدم العلم حاصل ، وعدم العلم ههنا كعدم الحصول في الحث والمنع ، فلا بد في صور استعمال إن عدم ، إما في الأمر ، وإما في العلم ، وإما الوجود فذلك عند وجود الشرط في بيان الحال ، ولهذا قال النحاة : لا يحسن أن يقال إن احمر البسر آتيك ، لأن ذلك أمر سيوجد لا محالة ، وجوزوا استعمال إن فيما لا يوجد أصلا ، يقال في قطع الرجاء / إن ابيض القار تغلبني ، قال الله تعالى : { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } ( الأعراف : 143 ) ولم يوجد الاستقرار ولا الرؤية ، فعلم أن دلالته على النفي أتم ، فإن مدلوله إلى مدلول ما أقرب فاستعمل أحدهما مكان الآخر هذا هو الظاهر ، وما يقال إن وما ، حرفان نافيان في الأصل ، فلا حاجة إلى الترادف . المسألة الثانية : هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور ، نقول فيه وجهان أشهرهما : أنه ضمير معلوم وهو القرآن ، كأنه يقول : ما القرآن إلا وحي ، وهذا على قول من قال النجم ليس المراد منه القرآن ، وأما على قول من يقول هو القرآن فهو عائد إلى مذكور والوجه الثاني : أنه عائد إلى مذكور ضمنا وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم وكلامه وذلك لأن قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) في ضمنه النطق وهو كلام وقول فكأنه تعالى يقول وما كلامه وهو نطقه إلا وحي وفيه وجه آخر أبعد وأدق ، وهو أن يقال قوله تعالى : { ما ضل صاحبكم } قد ذكر أن المراد منه في وجه أنه ما جن وما مسه الجن فليس بكاهن ، وقوله { وما غوى } أي ليس بينه وبين الغواية تعلق ، فليس بشاعر ، فإن الشعراء يتبعهم الغاوون ، وحينئذ يكون قوله { وما ينطق عن الهوى } ردا عليهم حيث قالوا قوله قول كاهن وقالوا قوله قول شاعر فقال ما قوله إلا وحي وليس بقول كاهن ولا شاعر كما قال تعالى : { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 / 42 ) .

قسم V28/P242–V28/P243

المسألة الثالثة : الوحي اسم أو مصدر ، نقول يحتمل الوجهين ، فإن الوحي اسم معناه الكتاب ومصدر وله معان منها الإرسال والإلهام ، والكتابة والكلام والإشارة والإفهام فإن قلنا هو ضمير القرآن ، فالوحي اسم معناه الكتاب كأنه يقول ، ما القرآن إلا كتاب ويوحى بمعنى يرسل ، ويحتمل على هذا أيضا أن يقال هو مصدر / أي ما القرآن إلا إرسال وإلهام ، بمعنى المفعول أي مرسل ، وإن قلنا المراد من قوله { إن هو } قوله وكلامه فالوحي حينئذ هو الإلهام ملهم من الله ، أو مرسل وفيه مباحث : البحث الأول : الظاهر خلاف ما هو المشهور عند بعض المفسرين وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينطق إلا عن وحي ، ولا حجة لمن توهم هذا في الآية ، لأن قوله تعالى : { إن هو إلا وحى يوحى } إن كان ضمير القرآن فظاهر وإن كان ضميرا عائدا إلى قوله فالمراد من قوله هو القول الذي كانوا يقولون فيه إنه قول شاعر ، ورد الله عليهم فقال : ولا بقول شاعر وذلك القول هو القرآن ، وإن قلنا بما قالوا به فينبغي أن يفسر الوحي بالإلهام . البحث الثاني : هذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتهد وهو خلاف الظاهر ، فإنه في الحروب اجتهد وحرم ما قال الله لم يحرم وأذن لمن قال تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ، نقول على ما ثبت لا تدل الآية عليه . البحث الثالث : بحث يحتمل أن يكون من وحي يوحى ويحتمل أن يكون من أوحى ييوحى ، تقول عدم يعدم ، وأعدم يعدم وكذلك علم يعلم وأعلم يعلم فنقول يوحى من أوحى لا من وحى ، وإن كان وحي وأوحى كلاهما جاء بمعنى ولكن الله في القرآن عند ذكر المصدر لم يذكر / الإيحاء الذي هو مصدر أوحى ، وعند ذكر الفعل لم يذكر وحي ، الذي مصدره وحى ، بل قال عند ذكر المصدر الوحي ، وقال عند ذكر الفعل { أوحى } وكذلك القول في أحب وحب فإن حب وأحب بمعنى واحد ، والله تعالى عند ذكر المصدر لم يذكر في القرآن الإحباب ، وذكر الحب إلى { أو أشد حبا } وعند الفعل لم يقل حبه الله بل قال : { يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) ، وقال : { أيحب أحدكم } ( الحجرات : 12 ) وقال : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) إلى غير ذلك وفيه سر من علم الصرف وهو أن المصدر والفعل الماضي الثلائي فيهما خلاف قال بعض علماء الصرف المصدر مشتق من الفعل الماضي ، والماضي هو الأصل ، والدليل عليه وجهان ، لفظي ومعنوي : أما اللفظي فإنهم يقولون مصدر فعل يفعل إذا كان متعديا فعلا بسكون العين ، وإذا كان لازما فعول في الأكثر ، ولا يقولون الفعل الماضي من فعول فعلى ، وهذا دليل ما ذكرنا . وأما المعنوي فلأن ما يوجد من الأمور لا يوجد إلا وهو خاص وفي ضمنه العام مثاله الإنسان الذي يوجد ويتحقق يكون زيدا أن عمرا أو غيرهما ، ويكون في ضمنه أنه هندي أو تركي وفي ضمن ذلك أنه حيوان وناطق ، ولا يوجد أولا إنسان ثم يصير تركيا ثم يصير زيدا أو عمرا .

قسم V28/P243–V28/P244

إذا علمت هذا فالفعل الذي يتحقق لا ينفك من أن يكون ماضيا أو مستقبلا وفي ضمنه أنه فعل مع قطع النظر عن مضيه واستقباله مثاله الضرب إذا وجد فأما أن يكون قد مضى أو بعد لم يمض ، والأول ماض والثاني حاضر أو مستقبل ، ولا يوجد الضرب من حيث إنه ضرب خاليا عن المضي والحضور والاستقبال ، غير أن العاقل يدرك من فعل وهو يفعل الآن وسيفعل غدا أمرا مشتركا فيسميه فعلا ، كذلك يدرك في ضرب وهو يضرب الآن وسيضرب غدا أمرا مشتركا فيسميه ضربا فضرب يوجد أولا ويستخرج منه الضرب ، والألفاظ وضعت لأمور تتحقق فيها فيعبر بها عنها والأمور المشتركة لا تتحقق إلا في ضمن أشياء أخر ، فالوضع أولا لما يوجد منه لا يدرك منه قبل الضرب ، وهذا ما يمكن أن يقال لمن يقول الماضي أصل والمصدر مأخوذ منه وأما الذي يقول المصدر أصل والماضي مأخوذ منه فله دلائل منها أن الاسم أصل ، والفعل متفرع ، والمصدر اسم ، ولأن المصدر معرب والماضي مبني / والإعراب قبل البناء ولأن قال وقال ، وراع وراع ، إذا أردنا الفرق بينهما نرد أبنيتهما إلى المصدر فنقول قال الألف منقلبة من واو بدليل القول ، وقال ألف منقلبة من ياء بدليل القيل وكذلك الروع والريع . وأما المعقول فلأن الألفاظ وضعت للأمور التي في الأذهان ، والعام قبل الخاص في الذهن ، فإن الموجود إذا أدرك يقول المدرك هذا الموجود جوهر أو عرض فإذا أدرك أنه جوهر يقول إنه جسم أو غير جسم عند من يجعل الجسم جوهرا وهو الأصح الأظهر ، ثم إذا أدرك كونه جسما يقول هو تام وكذلك الأمر إلى أن ينتهي إلى أخص الأشياء إن أمكن الانتهاء إليه بالتقسيم ، فالوضع الأول الفعل وهو المصدر من غير زيادة ، ثم إذا انضم إليه زمان تقول : ضرب أو سيضرب فالمصدر قبل الماضي ، وهذا هو الأصح ، إذا علمت هذا فنقول على مذهب من يقول المصدر في الثلاثي من الماضي فالحب وأحب كلاهما في درجة / واحدة لأن كليهما من حب يحب والمصدر من الثلاثي قبل مصدر المنشعبة بمرتبة ، وعلى مذهب من يقول الماضي في الثلاثي مأخوذ من المصدر فالمصدر الثلاثي قبل المصدر في المنشعبة بمرتبتين فاستعمل مصدر الثلاثي لأنه قبل مصدر المنشعبة ، وأما الفعل في أحب وأوحى فلأن الألف فيهما تفيد فائدة لا يفيدها الثلاثي المجرد لأن أحب أدخل في التعدية وأبعد عن توهم اللزوم فاستعمله . المسألة الرابعة : { إن هو إلا وحى } أبلغ من قول القائل هو وحي ، وفيه فائدة غير المبالغة وهي أنهم كانوا يقولون هو قول كاهن ، هو قول شاعر فأراد نفي قولهم وذلك يحصل بصيغة النفي فقال ما هو كما يقولون وزاد فقال : بل هو وحي ، وفيه زيادة فائدة أخرى وهو قوله { يوحى } ذلك كقوله تعالى : { ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) وفيه تحقيق الحقيقة فإن الفرس الشديد العدو ربما يقال هو طائر فإذا قال يطير بجناحيه يزيل جواز المجاز ، كذلك يقول بعض من لا يحترز في الكلام ويبالغ في المبالغة كلام فلان وحي ، كما يقول شعره سحر ، وكما يقول قوله معجزة ، فإذا قال يوحى يزول ذلك المجاز أو يبعد . ! 7 < { علمه شديد القوى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { علمه شديد القوى } < < النجم : ( 5 ) علمه شديد القوى

قسم V28/P244–V28/P245

> > وفيه وجهان أشهرهما عند المفسرين أن الضمير في { علمه } عائدا إلى الوحي أي الوحي علمه شديد القوى والوحي وإن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإلهام فهو كقوله تعالى : { نزل به الروح الامين } ( الشعراء : 193 ) والأولى أن يقال الضمير عائد إلى محمد صلى الله عليه وسلم تقديره علم محمد شديد القوى جبريل وحينئذ يكون عائدا إلى صاحبكم ، تقديره علم صاحبكم وشديد القوى هو جبريل ، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة فيعلم ويعمل ، وقوله { شديد القوى } فيه فوائد الأولى : أن مدح المعلم مدح المتعلم فلو قال علمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة الثانية : هي أن فيه ردا عليهم حيث قالوا أساطير الأولين سمعها وقت سفره إلى الشام ، فقال لم يعلمه أحد من الناس بل معلمه شديد القوى ، والإنسان خلق ضعيفا وما أوتي من العلم إلا قليلا الثالثة : فيه وثوق بقول جبريل عليه السلام فقوله تعالى : { علمه شديد القوى } جمع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل لأنا إن ظننا بواحد فساد ذهن ثم نقل إلينا عن بعض الأكابر مسألة مشكلة لا نثق بقوله ونقول هو ما فهم ما قال ، وكذلك قوة الحفظ حتى لا نقول أدركها لكن نسيها وكذلك قوة الأمانة حتى لا نقول حرفها وغيرها فقال : { شديد القوى } ليجمع هذه الشرائط فيصير كقوله تعالى : { ذى قوة عند ذى العرش مكين } إلى أن قال : { أمين } ( التكوير : 20 ، 21 ) الرابعة : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وهي من حيث إن الله تعالى لم يكن مختصا بمكان فنسبته إلى جبريل كنسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا علم بواسطته يكون نقصا عن درجته فقال ليس كذلك لأنه شديد القوى يثبت لمكالمتنا وأنت / بعد ما استويت فتكون كموسى حيث خر فكأنه تعالى قد علمه بواسطة ثم علمه من غير واسطة كما قال تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) . ! 7 < { ذو مرة فاستوى } . > 7 ! < < النجم : ( 6 ) ذو مرة فاستوى > > وفي قوله تعالى : { ذو مرة } وجوه : أحدها : ذو قوة ثانيها : ذو كمال في العقل والدين جميعا ثالثها : ذو منظر وهيبة عظيمة رابعها : ذو خلق حسن فإن قيل على قولنا المراد ذو قوة قد تقدم بيان كونه ذا قوى في قوله { شديد القوى } ( النجم : 5 ) فكيف نقول قواه شديدة وله قوة ؟ نقول ذلك لا يحسن إن جاء وصفا بعد وصف ، وأما إن جاء بدلا لا يجوز كأنه قال : علمه ذو قوة وترك شديد القوى فليس وصفا له وتقديره : ذو قوة عظيمة أو كاملة وهو حينئذ كقوله تعالى : { إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين } ( التكوير : 19 ، 20 ) فكأنه قال : علمه ذو قوة فاستوى ، والوجه الآخر في الجواب هو أن إفراد قوة بالذكر ربما يكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله بها ، يقال : فلان كثير المال ، وله مال لا يعرفه أحد أي أمواله الظاهرة كثيرة وله مال باطن ، على أنا نقول المراد ذو شدة وتقديره : علمه من قواه شديدة وفي ذاته أيضا شدة ، فإن الإنسان ربما تكون قواه شديدة وفي جسمه صغر وحقارة ورخاوة ، وفيه لطيفة وهي أنه تعالى أراد بقوله { شديد القوى } قوته في العلم .

قسم V28/P245–V28/P246

ثم قال تعالى : { ذو مرة } أي شدة في جسمه فقدم العلمية على الجسمية كما قال تعالى : { وزاده بسطة في العلم والجسم } ( البقرة : 247 ) وفي قوله { فاستوى } وجهان المشهور أن المراد جبريل أي فاستوى جبريل في خلقه . ! 7 < { وهو بالا فق الا على } . > 7 < النجم : ( 7 ) وهو بالأفق الأعلى > > ثم قال تعالى : { وهو بالافق الاعلى } والمشهور أن هو ضمير جبريل وتقديره استوى كما خلقه الله تعالى بالأفق الشرقي ، فسد المشرق لعظمته ، والظاهر أن المراد محمد صلى الله عليه وسلم معناه استوى بمكان وهو بالمكان العالي رتبة ومنزلة في رفعة القدر لا حقيقة في الحصول في المكان ، فإن قيل كيف يجوز هذا والله تعالى يقول : { ولقد رءاه بالافق المبين } ( التكوير : 23 ) إشارة إلى أنه رأى جبريل بالأفق المبين ؟ نقول وفي ذلك الموضع أيضا نقول كما قلنا ههنا إنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وهو بالأفق المبين يقول القائل رأيت الهلال فيقال له أين رأيته فيقول فوق السطح أي أن الرائي فوق السطح لا المرئي و { المبين } هو الفارق من أبان أي فرق ، أي هو بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك فإنه صلى الله عليه وسلم انتهى وبلغ الغاية وصار نبيا كما صار بعض الأنبياء نبيا يأتيه الوحي في نومه وعلى هيئته وهو واصل إلى الأفق الأعلى والأفق الفارق بين المنزلتين ، فإن قيل ما بعده يدل على خلاف ما تذهب إليه ، فإن قوله { ثم دنا فتدلى } ( النجم : 8 ) إلى غير ذلك ، وقوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } ( النجم : 14 ) كل ذلك يدل على خلاف ما ذكرته ؟ نقول سنبين موافقته لما / ذكرنا إن شاء الله في مواضعه عند ذكر تفسيره ، فإن قيل الأحاديث تدل على خلاف ما ذكرته حيث ورد في الأخبار أن جبريل صلى الله عليه وسلم أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على صورته فسد المشرق فنقول نحن ما قلنا إنه لم يكن وليس في الحديث أن الله تعالى أراد بهذه الآية تلك الحكاية حتى يلزم مخالفة الحديث ، وإنما نقول أن جبريل أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مرتين وبسط جناحيه وقد ستر الجانب الشرقي وسده ، لكن الآية لم ترد لبيان ذلك . ! 7 < { ثم دنا فتدلى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { ثم دنا فتدلى } < < النجم : ( 8 ) ثم دنا فتدلى

قسم V28/P246

> > وفيه وجوه مشهورة أحدها : أن جبريل دنا من النبي صلى الله عليه وسلم أي بعد ما مد جناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ففي { تدلى } ثلاثة وجوه أحدها : فيه تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم الثاني : الدنو والتدلي بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب الثالث : دنا أي قصد القرب من محمد صلى الله عليه وسلم وتحرك عن المكان الذي كان فيه فتدلى فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثاني : على ما ذكرنا من الوجه الأخير في قوله { فاستوى وهو بالافق الاعلى } ( النجم : 7 ) أن محمدا صلى الله عليه وسلم دنا من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم { فتدل } أي فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فقال : { إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى } ( فصلت : 6 ) وعلى هذا ففي الكلام كمالان كأنه تعالى قال إلا وحي يوحي جبريل على محمد ، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة الثالث : وهو ضعيف سخيف ، وهو أن المراد منه هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان ، اللهم إلا أن يريد القرب بالمنزلة ، وعلى هذا يكون فيه ما في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه تعالى ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، ومن مشى إلي أتيته هرولة ) إشارة إلى المعنى المجازي ، وههنا لما بين أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى وعلا في المنزلة العقلية لا في المكان الحسي قال وقرب الله منه تحقيقا لما في قوله ( من تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ) . ! 7 < { فكان قاب قوسين أو أدنى } . > 7 ! ثم قال تعالى : { فكان قاب قوسين أو أدنى } < < النجم : ( 9 ) فكان قاب قوسين . . . . .

قسم V28/P246–V28/P247

> > أي بين جبرائيل ومحمد عليهما السلام مقدار قوسين أو أقل ، ورد هذا على استعمال العرب وعادتهم ، فإن الأميرين منهم أو الكبيرين إذا اصطلحا وتعاهدا خرجا بقوسيهما ووتر كل واحد منهما طرف قوسه بطرف قوس صاحبه ومن دونهما من الرعية يكون كفه بكفه فينهيان باعيهما ، ولذلك تسمى مسايعة ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أن قوله { قاب قوسين } على جعل كونهما كبيرين ، وقوله { أو أدنى } لفضل أحدهما على الآخر ، فإن الأمير إذا بايعه الرعية لا يكون مع المبايع قوس فيصافحه الأمير فكأنه تعالى أخبر أنهما كأميرين كبيرين فكان بينهما مقدار قوسين أو كان جبرائيل عليه السلام سفيرا بين الله تعالى / ومحمد صلى الله عليه وسلم فكان كالتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم فصار كالمبايع الذي يمد الباع لا القوس ، هذا على قول من يفضل النبي صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام وهو مذهب أهل السنة إلا قليلا منهم إذ كان جبرائيل رسولا من الله واجب التعظيم والاتباع فصار النبي صلى الله عليه وسلم عنده كالتبع له على قول من يفضل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه وجه آخر على ما ذكرنا ، وهو أن يكون القوس عبارة عن بعد من قاس يقوس ، وعلى هذا فنقول ذلك البعد هو البعد النوعي الذي كان للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه على كل حال كان بشرا ، وجبريل على كل حال كان ملكا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وإن زال عن الصفات التي تخالف صفات الملك من الشهوة والغضب والجهل والهوى لكن بشريته كانت باقية ، وكذلك جبريل وإن ترك الكمال واللطف الذي يمنع الرؤية والاحتجاب ، لكن لم يخرج عن كونه ملكا فلم يبق بينهما إلا اختلاف حقيقتهما ، وأما سائر الصفات الممكنة الزوال فزالت عنهما فارتفع النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأفق الأعلى من البشرية وتدلى جبريل عليه السلام حتى بلغ الأفق الأدنى من الملكية فتقاربا ولم يبق بينهما إلا حقيقتهما ، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأول وجهان أحدهما : أن الله تعالى أوحى ، وعلى هذا ففي عبده وجهان أحدهما : أنه جبريل عليه السلام ومعناه أوحى الله إلى جبريل ، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأخير وجهان أحدهما الله تعالى أيضا ، والمعنى حينئذ أوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام الذي أوحاه إليه تفخيما وتعظيما للموحي ثانيهما : فاعل أوحى ثانيا جبريل ، والمعنى أوحى الله إلى جبريل ما أوحى جبريل إلى كل رسول ، وفيه بيان أن جبرائيل أمين لم يخن في شيء مما أوحى إليه ، وهذا كقوله تعالى : { نزل به الروح الامين } ( الشعراء : 193 ) وقوله { مطاع ثم أمين } ( التكوير : 21 ) الوجه الثاني : في عبده على قولنا الموحي هو الله أنه محمد صلى الله عليه وسلم معناه أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه للتفخيم والتعظيم ، وهذا على ما ذكرنا من التفسير ورد على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن محمدا صلى الله عليه وسلم في الأول حصل في الأفق الأعلى من مراتب الإنسان وهو النبوة ثم دنا من جبريل وهو في مرتبة النبوة فصار رسولا فاستوى وتكامل ودنا من الأمة باللطف وتدلى إليهم بالقول الرفيق وجعل يتردد مرارا بين أمته وربه ، فأوحى الله إليه من غير واسطة جبريل ما أوحى والوجه الثاني : في فاعل أوحى أولا هو أنه جبريل أوحى أي عبده إلى عبد الله والله معلوم وإن لم يكن مذكورا وفي قوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } ( سبأ : 40 ، 41 ) ما يوجب القطع بعدم جواز إطلاق هذا اللفظ على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا ففاعل أوحى ثانيا يحتمل وجهين أحدهما : أنه جبريل أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحاه جبريل للتفخيم وثانيهما : أن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه وفي الذي وجوه أولها : الذي أوحى الصلاة .

قسم V28/P247–V28/P248

ثانيها : أن أحدا من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأمة من الأمم لا تدخل الجنة قبل أمتك . ثالثها : أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل ، وهذا على قولنا بأن المراد جبريل صحيح ، والوجهان المتقدمان على قولنا المراد محمد عليه الصلاة والسلام أظهر ، وفيه وجه غريب من حيث العربية مشهور معناه عند الأصوليين ، ولنبين ذلك في معرض الجواب عن سؤال ، وهو أن يقال بم عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله وليس أحدا من الجن ، والذي يقال إن خديجة كشفت رأسها امتحانا في غاية الضعف إن ادعى ذلك القائل أن المعرفة حصلت بأمثال ذلك ، وهذا إن أراد القصة والحكاية ، وإن خديجة فعلت هذا لأن فعل خديجة غير منكر وإنما المنكر دعوى حصول المعرفة بفعلها وأمثالها ، وذلك لأن الشيطان ربما تستر عند كشف رأسها أصلا فكان يشتبه بالملائكة فيحصل اللبس والإبهام ؟ والجواب الصحيح من وجهين أحدهما : أن الله أظهر على يد جبريل معجزة عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بها كما أظهر على يد محمد معجزات عرفناه بها وثانيهما : أن الله تعالى خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علما ضروريا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان كما أن الله تعالى خلق في جبريل علما ضروريا أن المتكلم معه هو الله تعالى وأن المرسل له ربه لا غيره . إذا علم الجوابان فنقول قوله تعالى :

الأسئلة

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 294 · Qur'an & Sunnah