Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V31/P013–V31/P014

ورابعها : قوله تعالى ! 7 < { لا يذقون فيها بردا ولا شرابا ، إلا حميما وغساقا ، جزاء وفاقا } > 7 ! وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن اخترنا قول الزجاج كان قوله : { ولا يذقون فيها بردا ولا شرابا } متصلا بما قبله ، والضمير في قوله : { فيها } عائدا إلى الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ ، والضمير في قوله عائدا إلى جهنم . المسألة الثانية : في قوله : { بردا } وجهان . الأول : أنه البرج المعروف ، والمراد أنهم لا يذقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا يسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، والحاصل أنهم لا يجدون هواء باردا . والثاني : البرد ههنا النوم ، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي ، قال الفراء : وإنما سمي النوم بردا لأنه يبرد صاحبه ، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم ، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن رشفاتها البرد يعني النوم ، قال المبرد : ومن أمثال العرب : منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم ، وأعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب ، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين . الأول : أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم . الثاني : أنهم يذقون برد الزمهرير ، فلا يصح أن يقال إنهم ذاقوا بردا ، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، فقد ذاقوا البرد . والجواب عن الأول : كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضا مجاز ، ولأن المراد من قوله { لا يذقون فيها بردا } أي لا يستنشقون فيها نفسا باردا ، ولا هواء باردا ، والهواء المستنشق ممره الفم والأنف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه . والجواب عن الثاني : أنه لم يقل لا يذقون فيها البرد بل قال : لا يذوقون فيها بردا واحدا ، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه . المسألة الثالثة : ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جدا . المسألة الرابعة : ذكروا في الغساق وجوها : أحدها : قال أبو معاذ : كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك . وثانيها : أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق ، وهو الذي يسمى بالزمهرير . وثالثها : الغساق : ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة ، وفي كتاب الخليل غسقت عينه ، تغسق غسقا وغساقا . ورابعها : الغساق هو المنتن ، وجليله ما روي أنه عليه السلام قال : < < لو أن دلوا من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا > > . وخامسها : أن الغاسق هو المظلم قال تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } [ الفلق : 3 ] فيكون الغساق شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم . إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير : لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا ولا شرابا إلا حميما ، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي ، ومثله من الشعر قول امرئ القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي والمعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب ويابسا الحشف البالي . أما إذا فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم والغساق راجعا إلى البرد والشراب معا ، وأن يكون مختصا بالشراب فقط .

قسم V31/P014–V31/P015

أما الاحتمال الأول : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن . وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده ، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب ؟ قلنا : إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم . المسألة الخامسة : قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقا بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم . واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه : { جزاء وفاقا } وفي المعنى / وجهان : الأول : أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب { وفاقا } للذنب ، ونظيره قوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) والثاني : أنه { وفاقا } من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوها : أحدها : أن يكون الوفاق والموافق واحدا في اللغة والتقدير جزاء موافقا وثانيها : أن يكون نصبا على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم { وفاقا } وثالثها : أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملا في ذلك المعنى ، كذلك ههنا لما كان ذلك الجزاء كاملا في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه { وفاقا } ورابعها : أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة { وفاقا } فعال من الوفق ، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة { وفاقا } للإتيان بالكفر لحظة واحدة ، وأيضا فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعا بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقا له ؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم الله بعدم إيمانهم حاصلا ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعا لذاته وعينه ، ويكون تكليفا بالجمع بين المتنافيين ، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقا لمثل هذا الجرم ؟ قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم ، وهي بعد ذلك نوعان : ! 7 < { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } . > 7 ! أولهما : قوله تعالى : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } < < النبأ : ( 27 ) إنهم كانوا لا . . . . . > > وفيه سؤالان :

قسم V31/P015–V31/P016

الأول : وهو أن الحساب شيء شاق على الإنسان ، والشيء الشاق لا يقال فيه إنه يرجى بل يجب أن يقال : إنهم كانوا لا يخشون حسابا والجواب من وجوه : أحدها : قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لا يخافون ، ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى : { مالكم لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر ، فقوله : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين وثالثها : أن الرجاء ههنا بمعنى التوقع لأن الراجي للشيء متوقع له إلا أن أشرف أقسام التوقع هو الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه ورابعها : أن في هذه الآية تنبيها على أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف ، وذلك لأن للعبد حقا على الله تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب ولله تعالى حق على العبد في جانب العقاب ، والكريم قد يسقط حق نفسه ، ولا يسقط ما كان حقا لغيره عليه ، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في / الحساب ، فلهذا السبب ذكر الرجاء ، ولم يذكر الخوف . السؤال الثاني : أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح والكبائر ، فما السبب في أن خص الله تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر في أول الأمر ؟ الجواب : لأن رغبة الإنسان في فعل الخيرات ، وفي ترك المحظورات ، إنما تكون بسبب أن ينتفع به في الآخرة ، فمن أنكر الآخرة ، لم يقدم على شيء من المستحسنات ، ولم يحجم عن شيء من المنكرات ، فقوله : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } تنبيه على أنهم فعلوا كل شر وتركوا كل خير . ! 7 < { وكذبوا بأاياتنا كذابا } . > 7 ! والنوع الثاني : من قبائح أفعالهم قوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } < < النبأ : ( 28 ) وكذبوا بآياتنا كذابا > > اعلم أن للنفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية وعملية ، وكمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ولذلك قال إبراهيم : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) { هب لى حكما } ( الشعراء : 83 ) إشارة إلى كمال القوة ، النظرية { وألحقنى بالصالحين } إشارة إلى كمال القوة العملية ، فههنا بين الله تعالى رداءة حالهم في الأمرين ، أما في القوة العملية فنبه على فسادها بقوله : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } ( النبأ : 27 ) أي كانوا مقدمين على جميع القبائح والمنكرات ، وغير راغبين في شيء من الطاعات والخيرات . وأما في القوة النظرية فنبه على فسادها بقوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } أي كانوا منكرين بقلوبهم للحق ومصرين على الباطل ، وإذا عرفت ما ذكرناه من التفسير ظهر أنه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا في الرداءة والفساد إلى حيث يستحيل عقلا وجود ما هو أزيد منه ، فلما كانت أفعالهم كذلك كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة . فثبت بهذا صحة ما قدمه في قوله : { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة قد استمرت ، ولم ينتبه لها أحد ، فالحمدلله حمدا يليق بعلو شأنه وبرهانه على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار . واعلم أن قوله تعالى : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } يدل على أنهم كذبوا بجميع دلائل الله تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن ، وذلك يدل على كمال حال القوة النظرية في الرداءة والفساد والبعد عن سواء السبيل وقوله : { كذابا } أي تكذيبا وفعال من مصادر التفعيل وأنشد الزجاج :

قسم V31/P016–V31/P017

لقد طال ماريثتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائنا من قضيت قضاء قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية ونظيره خرقت القميص خراقا ، وقال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني : الحلو أحب إليك أم العصار ؟ وقال صاحب ( الكشاف ) كنت أفسر آية فقال بعضهم : لقد فسرتها فسارا ما سمع به ، وقرىء بالتخفيف وفيه وجوه : أحدها : أنه مصدر كذب بدليل قوله : / فصدقتها أو كذبتها والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله تعالى : { أنبتكم من الارض نباتا } ( نوح : 17 ) يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا وثانيها : أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب وثالثها : أن يجعل الكذاب بمعنى المكاذبة ، فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة . أو كذبوا بها مكاذبين . لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرىء أيضا كذلك وهو جمع كاذب ، أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقولك حسان وبخال ، فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه . ! 7 < { وكل شىء أحصيناه كتابا } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية بلغ إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال في كميتها وكيفيتها معلومة له ، وقدر له ما يستحق عليه من العقاب معلوم له ، فقال : { وكل شىء أحصيناه كتابا } < < النبأ : ( 29 ) وكل شيء أحصيناه . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : { كل } منصوب بفعل مضمر يفسره { أحصيناه } والمعنى : وأحصينا كل شيء وقرأ أبو السمال ، وكل بالرفع على الابتداء . المسألة الثانية : قوله : { وكل شىء أحصيناه } أي علمنا كل شيء كما هو علما لا يزول ولا يتبدل ، ونظيره قوله تعالى : { أحصاه الله ونسوه } ( المجادلة : 6 ) واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ، واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل : وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريرا لما ادعاه من قوله : { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) كأنه تعالى يقول : أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالما بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كان كافرا قطعا . المسألة الثالثة : قوله : { أحصيناه كتابا } فيه وجهان : أحدهما : تقديره أحصيناه إحصاء ، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ، لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال عليه السلام ( قيدوا العلم بالكتابة ) فكأنه تعالى قال : وكل شيء أحصيناه إحصاء مساويا في القوة والثبات والتأكيد للمكتوب ، فالمراد من قوله كتابا تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، واعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب مايليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل الزوال ، وعلم الله بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته القول الثاني : أن يكون قوله كتابا حالا في معنى مكتوبا والمعنى وكل شيء أحصيناه حال كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ ، كقوله : { وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين } أو في صحف الحفظة . ! 7 < { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } . > 7 ! / ثم قال تعالى : { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } . < <

قسم V31/P017–V31/P018

النبأ : ( 30 ) فذوقوا فلن نزيدكم . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولا ، ثم ادعى كونه { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه أولا من أن ذلك العقاب كان { جزاء وفاقا } لا جرم أعاد ذكر العقاب ، وقوله : { فذوقوا } والفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله : { جزاء وفاقا } . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه : أحدها : قوله : { فلن نزيدكم } وكلمة لن للتأكيد في النفي وثانيها : أنه في قوله : { كانوا لا يرجون حسابا } ( النبأ : 27 ) ذكرهم بالمغايبة وفي قوله : { فذوقوا } ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب وثالثها : أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ، ثم قال : { فذوقوا } فكأنه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب قال عليه الصلاة والسلام : ( هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه ) بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار : { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم } ( آل عمران : 77 ) فهنا لما قال لهم : { فذوقوا } فقد كلمهم ؟ الجواب : قال أكثر المفسرين : تقدير الآية فيقال لهم : فذوقوا ، ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول : { فلن نزيدكم إلا عذابا } بل هذا الكلام لا يليق إلا بالله ، والأقرب في الجواب أن يقال قوله : { ولا يكلمهم } أي ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص العموم غير بعيد لاسيما عند حصول القرينة ، فإن قوله : { ولا يكلمهم } إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزنا ، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب . السؤال الثاني : دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدا ، فتلك الزيادة إما أن يقال : إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة ، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانا ، والكريم إذا أسقط حق نفسه ، فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك ، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلما وإنه لا يجوز على الله الجواب : كما أن الشيء يؤثر بحسب خاصية ذاته ، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام ، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر ، وأيضا فتلك الزيادة مستحقة ، وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط ، والله علم بما أراد . واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور : ! 7 < { إن للمتقين مفازا } . > 7 < النبأ : ( 31 ) إن للمتقين مفازا > >

قسم V31/P018–V31/P019

/ أولها : قوله تعالى : { إن للمتقين مفازا } أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة { ومفازا } يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى فوزا وظفرا بالبغية ، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزا بالمطلوب ، وأن يكون المراد منه فوزا بالنجاة من العذاب ، وأن يكون المراد مجموع الأمرين ، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب ، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب ، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله : { مفازا حدائق وأعنابا } فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر . فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة ، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم ؟ قلنا : لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير ، أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك ، فكان ذكر هذا أولى . ! 7 < { حدآئق وأعنابا } . > 7 ! وثانيها : قوله تعالى : { حدائق وأعنابا } < < النبأ : ( 32 ) حدائق وأعنابا > > والحدائق جمع حديقة ، وهي بستان محوط عليه . من قولهم : أحدقوا به أي أحاطوا به ، والتنكير في قوله : { وأعنابا } يدل على تعظيم حال تلك الأعناب . ! 7 < { وكواعب أترابا } . > 7 ! وثالثها : قوله تعالى : { وكواعب أترابا } < < النبأ : ( 33 ) وكواعب أترابا > > كواعب جمع كاعب وهي النواهد التي تكعبت ثديهن وتفلكت أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة . ! 7 < { وكأسا دهاقا } . > 7 ! ورابعها : قوله تعالى : { وكأسا دهاقا } < < النبأ : ( 34 ) وكأسا دهاقا > > وفي الدهاق أقوال الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد ، و { دهاقا } أي ممتلئة ، دعا ابن عباس غلاما له فقال : اسقنا دهاقا ، فجاء الغلام بها ملأى ، فقال ابن عباس : هذا هو الدهاق قال عكرمة ، ربما سمعت ابن عباس يقول : اسقنا وادهق لنا القول الثاني : دهاقا أي متتابعة وهو قول أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد ، قال الواحدي : وأصل هذا القول من قول العرب : أدهقت الحجارة إدهاقا وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض ، ذكرها الليث والمتتابع كالمتداخل القول الثالث : يروى عن عكرمة أنه قال : { دهاقا } أي صافية ، والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع داهق ، وهو خشبتان يعصر بهما ، والمراد بالكأس الخمر ، قال الضحاك : كل كأس في القرآن فهو خمر ، التقدير . وخمرا ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت بالدهاق . ! 7 < { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } . > 7 ! وخامسها : قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } < < النبأ : ( 35 ) لا يسمعون فيها . . . . . > > في الآية سؤالان : الأول : الضمير في قوله : { فيها } إلى ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان الأول : أنها ترجع إلى الكأس ، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها ، وذلك لأن أهل الشراب / في الدنيا يتكلمون بالباطل ، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم ، ولم يتكلموا بلغو والثاني : أن الكناية ترجع إلى الجنة ، أي لا يسمعون في الجنة شيئا يكرهونه .

قسم V31/P019–V31/P020

السؤال الثاني : الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة ، فوروده في قوله تعالى : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } ( النبأ : 28 ) مناسب لأنه يفيد المبالغة في وصفهم بالكذب ، أما وروده ههنا فغير لائق ، لأن قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم وهذا لا ينفي أنهم يسمعون الكذب القليل ، وليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة في أنهم لا يسمعون الكذب البتة ، والحاصل أن هذا اللفظ يفيد نفي المبالغة واللائق بالآية المبالغة في النفي والجواب : أن الكسائي قرأ الأول بالتشديد والثاني بالتخفيف ، ولعل غرضه ما قررناه في هذا السؤال ، لأن قراءة التخفيف ههنا تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا ، لأن الكذاب بالتخفيف والكذب واحد لأن أبا علي الفارسي قال : كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت القراءة بالتخفيف تفيد المبالغة في النفي ، وقراءة التشديد في الأول تفيد المبالغة في الثبوت فيحصل المقصود من هذه القراءة في الموضعين على أكمل الوجوه ، فإن أخذنا بقراءة الكسائي فقد زال السؤال ، وإن أخذنا بقراءة التشديد في الموضعين وهي قراءة الباقين ، فالعذر عنه أن قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } إشارة إلى ما تقدم من قوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } والمعنى أن هؤلاء السعداء لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد ، والحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن زحمة أعدائهم وعن سماع كلامهم الفاسد وأقوالهم الكاذبة الباطلة . ! 7 < { جزآء من ربك عطآء حسابا } . > 7 ! ثم إنه تعالى لما عدد أقسام نعيم أهل الجنة قال : { جزاء من ربك عطاء حسابا } < < النبأ : ( 36 ) جزاء من ربك . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : المعنى جازاهم بذلك جزاء ، وكذلك عطاء لأن معنى جازاهم وأعطاهم واحد . المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أنه تعالى جعل الشيء الواحد جزاء وعطاء ، وذلك محال لأن كونه جزاء يستدعي ثبوت الاستحقاق ، وكونه عطاء يستدعي عدم الاستحقاق والجمع بينهما متناف والجواب عنه : لا يصح إلا على قولنا : وهو أن ذلك الاستحقاق إنما ثبت بحكم الوعد ، لا من حيث إن الفعل يوجب الثواب على الله ، فذلك نظرا إلى الوعد المترتب على ذلك الفعل يكون جزاء ، ونظرا إلى أنه لا يجب على الله لأحد شيء يكون عطاء . المسألة الثالثة : قوله : { حسابا } فيه وجوه الأول : أن يكون بمعنى كافيا مأخوذ من قولهم : أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني ، ومنه قوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، أي كفاني من سؤالي ، ومنه قوله : / فلما حللت به ضمني فأولى جميلا وأعطى حسابا أي أعطى ما كفى والوجه الثاني : أن قوله : حسابا مأخوذ من حسبت الشيء إذا أعددته وقدرته فقوله : { عطاء حسابا } أي بقدر ما وجب له فيما وعده من الإضعاف ، لأنه تعالى قدر الجزاء على ثلاثة أوجه ، وجه منها على عشرة أضعاف ، ووجه على سبعمائة ضعف ، ووجه على مالا نهاية له ، كما قال : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) ، الوجه الثالث : وهو قول ابن قتيبة : { عطاء حسابا } أي كثيرا وأحسبت فلانا أي أكثرت له ، قال الشاعر : ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع

قسم V31/P020–V31/P021

الوجه الرابع : أنه سبحانه يوصل الثواب الذي هو الجزاء إليهم ويوصل التفضل الذي يكون زائدا على الجزء إليهم ، ثم قال : { حسابا } ثم يتميز الجزاء عن العطاء حال الحساب الوجه الخامس : أنه تعالى لما ذكر في وعيد أهل النار : { جزاء وفاقا } ذكر في وعد أهل الجنة جزاء عطاء حسابا أي راعيت في ثواب أعمالكم الحساب ، لئلا يقع في ثواب أعمالكم بخس ونقصان وتقصير والله أعلم بمراده . المسألة الرابعة : قرأ ابن قطيب : { حسابا } بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك ، هكذا ذكره صاحب ( الكشاف ) . ! 7 < { رب السماوات والا رض وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطابا } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف وعيد الكفار ووعد المتقين ، ختم الكلام في ذلك بقوله : { رب السماوات والارض وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطابا } < < النبأ : ( 37 ) رب السماوات والأرض . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : رب السموات والرحمن ، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبدالله بن عامر ، والجر في الأول مع الرفع في الثاني ، وهو قراءة حمزة والكسائي ، وفي الرفع وجوه أحدها : أن يكون رب السموات مبتدأ ، والرحمن خبره ، ثم استؤنف لا يملكون منه خطابا وثانيها : رب السموات مبتدأ ، والرحمن صفة ولا يملكون خبره وثالثها : أن يضمر المبتدأ والتقدير هو : { رب السماوات } هو الرحمن ثم استؤنف : { لا يملكون } ورابعها : أن يكون { الرحمان } و { لا يملكون } خبرين وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك ، وأما وجه جر الأول ، ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك ، والثاني مرفوع بكونه مبتدأ وخبره لا يملكون . المسألة الثانية : الضمير في قوله : { ويملكون } إلى من يرجع ؟ فيه ثلاثة أقوال : الأول : نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني : قال القاضي : إنه راجع إلى المؤمنين ، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون / أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور ، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور ، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل ، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل ، وأنه ما يخسر حقهم ، فبأي سبب يخاطبونه ، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث : أنه ضمير لأهل السموات والأرض ، وهذا هو الصواب ، فإن أحدا من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته . وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه ، فهو غير مملوك ، فثبت أن هذا السؤال غير لازم ، والذي يدل من جهة العقل على أن أحدا من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه الأول : وهو أن كل ما سواء فهو مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئا وثانيها : أن معنى الاستحقاق عليه ، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم . ولو فعلة لاستحق المدح ، وكل من كان كذلك كان ناقصا في ذاته ، مستكملا بغيره وتعالى الله عنه وثالثها : أنه عالم بقبح القبيح ، عالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح ، وكل من امتنع كونه فاعلا للقبيح ، فليس لأحد أن يطالبه بشيء ، وأن يقول له لم فعلت . والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة ، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحدا من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه .

قسم V31/P021–V31/P022

! 7 < { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } . > 7 ! واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب الله في شيء أو يطالبه بشيء قرر هذا المعنى ، وأكده فقال تعالى : { خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } . < < النبأ : ( 38 ) يوم يقوم الروح . . . . . > > وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدرا ورتبة ، وأكثر قدرة ومكانة ، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لربهم وخوفا منه وخضوعا له ، فكيف يكون حال عيرهم . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية ، وذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين في موقف جلال الله ، وظهور عزته وكبريائه ، فكيف يكون حال غيرهم ، ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات . المسألة الثانية : اختلفوا في الروح في هذه الآية ، فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من السموات والجبال . وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقا ، وعن مجاهد : خلق على / صورة بني آدم يأكلون ويشربون ، وليس بناس ، وعن الحسن وقتادة هم بنو آدم ، وعلى هذا معناه ذو الروح ، وعن ابن عباس أرواح الناس ، وعن الضحاك والشعبي هو جبريل عليه السلام ، وهذا القول هو المختار عند القاضي . قال : لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام ، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه ، ويصح أن يؤذن له فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه ، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام . أما قوله : { صفا } فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف الذي ذكرناه ، وجميع الملائكة يقومون صفا واحدا ، ويجوز أن يكون المعنى يقومون صفين ، ويجوز صفوفا ، والصف في الأصل مصدر فينبىء عن الواحد والجمع ، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين ، فيقوم الروح وحده صفا ، وتقوم الملائكة كلهم صفا واحدا ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم ، وقال بعضهم : بل يقومون صفوفا لقوله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر : 22 ) . المسألة الثالثة : الاستثناء إلى من يعود ؟ فيه قولان : أحدهما : إلى الروح والملائكة ، وعلى هذا التقدير ؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها : حصول الإذن من الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله .

قسم V31/P022–V31/P023

والشرط الثاني : أن يقول : صوابا ، فإن قيل : لما أذن له الرحمن في ذلك القول ، علم أن ذلك القول صواب لا محالة ، فما الفائدة في قوله : { وقال صوابا } ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب ، فكأنه قيل : إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام ، ثم بد ورود ذلك الإذن يجتهدون ، ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب ، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة والعبودية الوجه الثاني : أن تقديره : لا يتكلمون إلا في حق { من أذن له الرحمان وقال صوابا } والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صوابا ، واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صوابا وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، لأن قوله : { وقال صوابا } يكفي في صدقه أن يكون قد قال صوابا واحدا / فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني : أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات والأرض ، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى . واعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب ، وقرر عظمة يوم القيامة قال بعده : ! 7 < { ذلك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مأابا } . > 7 < النبأ : ( 39 ) ذلك اليوم الحق . . . . . > > / { ذلك اليوم الحق } ذلك إشارة إلى تقدم ذكره ، وفي وصف اليوم بأنه حق وجوه أحدها : أنه يحصل فيه كل الحق ، ويندمغ كل باطل ، فلما كان كاملا في هذا المعنى قيل : إنه حق ، كما يقال : فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيرا كثيرا ، وقوله : { ذلك اليوم الحق } يفيد أنه هو اليوم الحق وما عداه باطل ، لأن أيام الدنيا باطلها أكثر من حقها وثانيها : أن الحق هو الثابت الكائن ، وبهذا المعنى يقال إن الله حق ، أي هو ثابت لا يجوز عليه الفناء ويوم القيامة كذلك فيكون حقا وثالثها : أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يستحق أن يقال له يوم ، لأن فيه تبلى السرائر وتنكشف الضمائر ، وأماأيام الدنيا فأحوال الخلف فيها مكتومة ، والأحوال فيها غير معلومة . قوله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا } أي مرجعا ، والمعتزلة احتجوا به على الاختيار والمشيئة ، وأصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال : المراد فمن شاء الله به خيرا هداه حتى يتخذ إلى ربه مآبا . ! 7 < { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتنى كنت ترابا } . > 7 ! < < النبأ : ( 40 ) إنا أنذرناكم عذابا . . . . . > > ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب ، و ( هو ) كقوله تعالى : { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ( النازعات : 46 ) وإنما سماه إنذارا ، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار . ثم قال تعالى : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } وفيه مسائل :

قسم V31/P023

المسألة الأولى : ما في قوله : { ما قدمت يداه } فيه وجهان الأول : أنها استفهامية منصوبة بقدمت ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني : أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر ، والتقدير : ينظر إلى الذي قدمت يداه ، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما : أنه لم يقل : قدمته ، بل قال : { قدمت } فحذف الضمير الراجع الثاني : أنه لم يقل : ينظر إلى ما قدمت ، بل قال : ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه . المسألة الثانية : في الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد ، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين ، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله تعالى ، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين ، فهذا هو المراد بقوله : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } فطوبى له إن قدم عمل الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني : وهو قول عطاء : أن المر ههنا هو الكافر ، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر إلى عفو الله ورحمته / وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث : وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء ههنا هو المؤمن ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ، { ويقول الكافر الكافر ياليتنى كنت ترابا } فلما كان هذا بيانا لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول بيانا لحال المؤمن والثاني : وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من الله تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف يحدث الحال ، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب ، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر ، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار . المسألة الثالثة : القائلون : بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : لولا أن الأمر كذلك ، وإلا لم يكن نظر الرجل في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه : أن العمل يوجب الثواب والعقاب ، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات .

قسم V31/P023–V31/P025

أما قوله تعالى : { ويقول الكافر الكافر ياليتنى كنت ترابا } ففيه وجوه : { أحدها } أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه ، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال : { به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 48 ) فعند ذلك يقول الكافر : { الكافر ياليتنى كنت ترابا } أي لم يكن حيا مكلفا وثانيها : أنه كان قبل البعث ترابا ، فالمعنى على هذا . يا ليتني لم أبعث للحساب ، وبقيت كما كنت ترابا ، كقوله تعالى : { حسابيه ياليتها كانت القاضية } ( الحاقة : 27 ) وقوله : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض } ( النساء : 42 ) وثالثها : أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة : كوني ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير ترابا ، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك . وقال : إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع ، لأن ذلك كالإضرار بها ، ولا يجوز ذلك في الآخرة ، ثم إن هؤلاء قالوا : إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثوابا لأهل الجنة ، وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار ، قال القاضي : ولا يمتنع أيضا إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضررا ورابعها : ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله : { الكافر ياليتنى كنت ترابا } معناه يا ليتني كنت متواضعا في طاعة الله ولم أكن متكبرا متمردا وخامسها : الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( ص : 76 ) والله أعلم بمراده وأسرار كتابه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة . < > 1 ( سورة النازعات ) 1 < > وهي أربعون وست آيات مكية ! 7 < { والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا } . > 7 ! / < < النازعات : ( 1 ) والنازعات غرقا > > فيه مسألتان :

قسم V31/P025–V31/P026

المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد ، ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوها أحدها : أنها بأسرها صفات الملائكة ، فقوله : { والنازعات غرقا } هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة ، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال : أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل ، فتقدير الآية : والنازعات إغراقا ، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد ، وقوله : { والناشطات نشطا } النشط هو الجذب يقال : نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطا نزعتها برفق ، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها ، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله : { والنازعات غرقا والناشطات نشطا } قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين ، أما قوله : { والسابحات سبحا } فمنهم من خصصه أيضا بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة ، أما الوجه الأول : فنقل عن علي عليه السلام ، وابن عباس ومسروق ، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقا ، فهذا هو المراد من قوله : { والناشطات نشطا } ثم يتركونها حتى تستريح رويدا ، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق ، فكذا ههنا يرفقون في ذلك الاستخراج ، لئلا يصل إليه ألم وشدة / فذاك هو المراد من قوله : { والسابحات سبحا } وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا : إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة ، والعرب تقول للفرس الجواد ، إنه السابح ، وأما قوله : { فالسابقات سبقا } فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة ، ثم ذكروا في هذا السبق وجوها أحدها : قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة ، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) وثانيها : قال الفراء والزجاج : إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع وثالثها : ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال : { لا يسبقونه بالقول } ( الأنبياء : 27 ) يعني قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيما لجلال الله تعالى وخوفا من هيبته ، وههنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم اومر ، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته ، فهذا هو المراد من قوله : { فالسابقات سبقا } ، وأما قوله : { فالمدبرات أمرا } فأجمعوا على أنهم هم الملائكة : قال مقاتل يعني جبريل وميكائيل ، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض ، وهم المقسمات أمرا ، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم / وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم ، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار ، بقي على الآية سؤالان : السؤال الأول : لم قال : { فالمدبرات أمرا } ، ولم يقل : أمورا فإنهم يدبرون أمورا كثيرة لا أمرا واحدا ؟ والجواب : أن المراد به الجنس ، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع .

قسم V31/P026–V31/P027

السؤال الثاني : قال تعالى : إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم ههنا تدبير الأمر . والجواب : لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنهله ، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون في هذا الباب ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن الملائكة لها صفات سلبية وصفات إضافية ، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة ، والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء والأخلاط والأركان ، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال ، فقوله : { والنازعات غرقا } إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعا كليا من جميع الوجوه وعلى هذا التفسير : { النازعات } هي ذوات النزع كاللابن والتامر ، وأما قوله : { والناشطات نشطا } إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف والمشقة كما في حق البشر ، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات ، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية ، وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما : شرح قوتهم العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله فوصفهم في هذا المقام بوصفين / أحدهما : قوله : { والسابحات سبحا } فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلال الله ثم لا منتهى لسباحتهم ، لأنه لا منتهى لعظمة الله وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه ، فهم أبدا في تلك السباحة وثانيهما : قوله : { فالسابقات سبقا } وهو إشارة إلى مراتب الملائكة في تلك السباحة فإنه كما أن مراتب معارف البهائم بالنسبة إلى مراتب معارف البشر ناقصة ، ومراتب معارف البشر بالنسبة إلى مراتب معارف الملائكة ناقصة ، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب معارف الباقين متفاوتة ، وكما أن المخالفة بين نوع الفرس ونوع الإنسان بالماهية لا بالعوارض فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة وبين شخص الآخر بالماهية فإذا كانت أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محالة متفاوتة في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي فهذا هو المراد من قوله : { فالسابقات سبقا } فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح أحوال قوتهم العاقلة . وأما قوله : { فالمدبرات أمرا } فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة ، وذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي وسكان بقاع السموات ، ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم ، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة العاملة التي لهم ، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من كلامه . واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة ، وقال : واحد النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث ، وقد نزه الله تعالى الملائكة عن التأنيث ، وعاب قول الكفار حيث قال : { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) . واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا ، لأن المراد الأشياء ذوات النزع ، وهذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث .

قسم V31/P027–V31/P028

الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات : أنها هي النجوم وهو قول الحسن البصري ووصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوها : أحدها : كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض / فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع ، فيصح أن يقال : إنها نازعة على قياس اللابن والتامر وثانيها : أن النازعات من قولهم نزع إليه أي ذهب نزوعا ، هكذا قاله الواحدي : فكأنها تطلع وتغرب بالنزع والسوق والثالث : أن يكون ذلك من قولهم : نزعت الخيل إذا جرت ، فمعنى : { والنازعات } أي والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله : { غرقا } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون حالا من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى في ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة ، فإن قيل : إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة ، فما معنى وصفها بذلك قلنا : هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) فإن الجمع بالواو والنون يكون للعقلاء ، ثم إنه ذكر في الكواكب على سبيل التشبيه والثاني : أن يكون معنى غرقها / غيبوبتها في أفق الغرب ، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقا إشارة إلى غروبها أي تنزع ، ثم تغرق إغراقا ، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين . أما قوله : { والناشطات نشطا } فقال صاحب ( الكشاف ) : معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد . وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله : { والنازعات غرقا } إشارة إلى حركتها اليومية { والناشطات نشطا } إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة ، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية ، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية ، بل ملائمة لذواتها ، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط ، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار . وأما قوله : { والسابحات سبحا } فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله : هي النجوم تسبح في الفلك ، لأن مرورها في الجو كالسبح ، ولهذا قال : { كل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) . وأما قوله : { فالسابقات سبقا } فقال الحسن وأبو عبيدة : وهي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض ، أو بسبب رجوعها أو استقامتها . وأما قوله تعالى : { فالمدبرات أمرا } ففيه وجهان أحدهما : أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض ، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد } وقال : { يسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) وقال : { لتعلموا عدد السنين والحساب } ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة ، ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش ، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات والثاني : أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها ، وإلى صانع يخلقها ، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم ، فهذا يطعن في الدين البتة ، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضا ، لكنا نقول : أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سببا لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم ، كما جعل الأكل سببا للشبع ، والشرب سببا للري ، ومماسة النار سببا للاحتراق ، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام البتة بوجه من الوجوه ، والله أعلم بحقيقة الحال .

قسم V31/P028–V31/P029

الوجه الثالث : في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح ، وذلك لأن نفس الميت تنزع ، يقال فلان في النزع ، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت ، والأنفس نازعات عند السياق ، ومعنى { غرقا } أي نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج / ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ، ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان ، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة ، ثم لا شك أن مراتب الأرواح / في النفرة عن الدنيا ومجبة الاتصال بالعالم العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق ، وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل ، ولا شك أن الأرواح السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها ، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي { فالمدبرات أمرا } أليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها ؟ أليس أن الابن قد يرى أباه في المنام فيهديه إلى كنز مدفون ؟ أليس أن جالينوس قال : كنت مريضا فعجزت عن علاج نفسي فرأيت في المنام واحدا أرشدني إلى كيفية العلاج ؟ أليس أن الغزالي قال : إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها ، ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن ، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاما ؟ ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة ، وهذه المعاني وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جدا . الوجه الرابع : في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب وهي { ناشطات } لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب ، من قولهم : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي سابقات ، لأنها تسبق إلى الغاية ، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه . الوجه الخامس : وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال : للرامي نزع في قوسه ، ويقال : أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس ، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها ، وكل شيء حللته فقد نشطته ، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته ، والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو ، ويجوز أن يعني به الإبل أيضا ، والمدبرات مثل المعقبات ، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر ، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات ، كما قيل : المدبرات ، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والأوهاق ، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها .

قسم V31/P029–V31/P030

الوجه السادس : أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله { والنازعات غرقا } هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى ، أو المنزوعة عن محبة غير الله تعالى : { والناشطات نشطا } هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة ، والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام ، وقوة قوية : { والسابحات سبحا } ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها : { فالسابقات سبقا } إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى الله تعالى : { فالمدبرات أمرا } إشارة إلى أن آخر مراتب / البشرية متصلة بأول درجات الملكية ، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله : { فالمدبرات أمرا } فالأربعة الأول هي المراد من قوله : { يكاد زيتها يضىء } ( النور : 35 ) والخامسة : هي النار في قوله : { ولو لم تمسسه نار } ( النور : 35 ) . واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا ، حتى لا يمكن الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملا لها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد ههنا من دقيقة ، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوما واحدا مشتركا حملنا اللفظ على ذلك المشترك : وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معا ، فحينذ لا نقول مراد الله تعالى هذا ، بل نقول : يحتمل أن يكون هذا هو المراد ، أما الجزم فلا سبيل إليه ههنا . الاحتمال الثاني : وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد ، بل لأشياء مختلفة ، ففيه أيضا وجوه الأول : النازعات غرقا ، هي : القسى ، والناشطات نشطا هي الأوهاق ، والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، والمدبرات الملائكة ، رواه واصل بن السائب : عن عطاء الثاني : نقل عن مجاهد : في النازعات ، والناشطات ، والسابحات أنها الموت ، وفي السابقات ، والمدبرات أنها الملائكة ، وإضافة النزع ، والنشط ، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث : قال قتادة : الجميع هي النجوم إلا المدبرات ، فإنها هي الملائكة .

قسم V31/P030–V31/P031

المسألة الثانية : ذكر فالسابقات بالفاء ، والتي قبلها بالواو ، وفي علته وجهان الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : إن هذه مسيبة عن التي قبلها ، كأنه قيل : واللاتي سبحن ، فسبقن كما تقول : قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ، ولو قلت : قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب ، قال الواحدي : قول صاحب ( النظم ) غير مطرد في قوله : { فالمدبرات أمرا } لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير ، وأقول : يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي رحمه الله من وجهين : الأول : لا يبعد أن يقال : إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها ، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض ، كقولك قام زيد ، فذهب ، فضرب عمرا ، الثاني : لا يبعد أن يقال : إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم ، فلهذا السبب فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني : أن الملائكة قسمان ، الرؤساء والتلامذة ، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) ثم قال : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } ( الأنعام : 61 ) فقلنا في التوفيق بين الآيتين : أن ملك الموت هو الرأس ، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة ، إذا عرفت هذا فتقول : النازعات ، والناشطات / والسابحات ، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم ، ثم قوله تعالى : { فالسابقات فالمدبرات } إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون ، في الدرجة والشرف ، وهم المدبرون لتلك الأحوال والأعمال . ! 7 < { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة } . > 7 ! < < النازعات : ( 6 ) يوم ترجف الراجفة > > فيه مسائل : المسألة الأولى : جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان الأول : أنه محذوف ، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات : الأول : قال الفراء التقدير : لتبعثن ، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عنهم ، أنهم قالوا : { أءذا كنا عظاما نخرة } ( النازعات : 11 ) أي أنبعث إذا صرنا عظاما نخرة الثاني : قال الأخفش والزجاج : لننفخن في الصور نفختين ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان الثالث : قال الكسائي : الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال : { والذريات ذروا } ( الذاريات : 1 ) ثم قال : { إنما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) وقال : { والمرسلات عرفا إنما توعدون لواقع } ( المرسلات : 7 , 1 ) فكذلك ههنا فإن القرآن كالسورة الواحدة القول الثاني : أن الجواب مذكور وعلى هذا القول احتمالات الأول : المقسم عليه هو قوله : { قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة } والتقدير والنازعات غرقا أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة وأبصارها خاشعة الثاني : جواب القسم هو قوله : { هل أتاك حديث موسى } ( النازعات : 15 ) فإن هل ههنا بمعنى قد ، كما في قوله : { هل أتاك حديث الغاشية } ( الغاشية : 1 ) أي قد أتاك حديث الغاشية الثالث : جواب القسم هو قوله : { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } ( النازعات : 26 ) .

قسم V31/P031–V31/P032

المسألة الثانية : ذكروا في ناصب يوم بوجهين أحدهما : أنه منصوب بالجواب المضمر والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة ، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى والراجفة هي النفخة الأولى ؟ قلنا المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان ، ولا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى ، ويدل على ما قلناه أن قوله : { تتبعها الرادفة } جعل حالا عن الراجفة والثاني : أن ينصب يوم ترجف بما دل عليه : { قلوب يومئذ واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب . المسألة الثالثة : الرجفة في اللغة تحتمل وجهين أحدهما : الحركة لقوله : { يوم ترجف الارض والجبال } ( المزمل : 14 ) . الثاني : الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا ، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب ، ومنه قوله تعالى : { فأخذتهم الرجفة } ( الأعراف : 91 ) فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد ، وأما الرادفة فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال ردفه ، أي جاء بعده ، وأما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة ، يقال : وجف قلبه يجف وجافا إذا اضطرب ، ومنه إيجاف الدابة ، وحملها على السير الشديد ، وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة ومعناها واحد ، قالوا : خائفة وجلة زائدة عن أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة ، أبصار أهلها خاشعة ، وهو كقوله : { خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى } ( الشورى : 45 ) إذا عرفت هذا فنقول ، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة ، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم . أما القول الأول : وهو المشهور بين الجمهور ، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوها أحدها : أن الراجفة هي النفخة الأولى ، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها / وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة ، كما بينا القول فيه ، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر ، ثم يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين عاما ، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف ، وأن ذلك كالسبب للأحياء ، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة ، ولله أن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وثانيها : الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون } ( النمل : 72 ) أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها فهي رادفة لهم لاقترابها وثالثها : الراجفة الأرض والجبال من قوله : { يوم ترجف الارض والجبال } والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك ورابعها : الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني : وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة ، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم ، والسابحات بعدو الفرس ، والسابقات بسبقها ، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو ، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى ، والقلوب الواجفة هي القلقة ، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله : { الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت } ( محمد : 20 ) كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف ، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفا ، وخشعت أبصارهم جبنا وضعفا ، ثم قالوا : / { أءنا لمردودون فى الحافرة } ( النازعات : 10 ) أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضا : { تلك إذا كرة خاسرة } ( النازعات : 12 ) فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر ، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله : { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 14 , 13 ) وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور .

قسم V31/P032–V31/P033

قوله تعالى : { قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة } اعلم أنه تعالى لم يقل : القلوب يومئذ واجفة ، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار ، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون : { أءنا لمردودون فى الحافرة } ( النازعات : 10 ) وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين ، وقوله : { أبصارها خاشعة } لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم ، وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : كيف جاز الابتداء بالنكرة ؟ الجواب : قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله : { ولعبد مؤمن خير من مشرك } ( البقرة : 221 ) . السؤال الثاني : كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب ؟ الجواب : معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون ، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري البعث أقوالا ثلاثة : أولها : قوله تعالى : { يقولون أءنا لمردودون فى الحافرة } يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرا فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة / كما قيل : { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) و { ماء دافق } ( الطارق : 6 ) أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم ، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته ، أي إلى طريقته وفي الحديث : ( إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته ) أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة ، والحفرة بمعنى المحفورة يقال : حفرت أسنانه ، فحفرت حفرا ، وهي حفرة ، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور ، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية : أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا . وثانيها : قوله تعالى : { أءذا كنا عظاما نخرة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف ، وقرأ الباقون نخرة بغير ألف ، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل : إنه كان لا يبالي كيف قرأها ، وقيل : إنه كان يقرؤها بغير ألف ، ثم رجع إلى الألف ، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة ، وقال : نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت ، فوجدناها كلها العظام النخرة ، ولم نسمع في شيء منها الناخرة ، وأما من سواه ، فقد اتفقوا / على أن الناخرة لغة صحيحة ، ثم اختلف هؤلاء على قولين : الأول : أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن ، وقال الفراء : الناخر والنخر سواء في المعنى بمنزله الطامع والطمع ، والباخل والبخل ، وفي كتاب ( الخليل ) نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست ، وكذلك العظم الناخر ، ثم هؤلاء الذين قالوا : هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء : الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة ، وقال آخرون : الناخرة والنخر كالطامع والطمع ، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل القول الثاني : أن النخرة غير والناخرة غير ، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن ، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو لمسته لتفتت ، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير ، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى . المسألة الثانية : إذا منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاما نرد ونبعث .

الأسئلة