Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V32/P115

قالت : آب بكوثر ، أي بالعدد الكثير ، ويقال للرجل الكثير العطاء : كوثر ، قال الكميت :

قسم V32/P115

وأنت كثير يا ابن مروان طيب

قسم V32/P115–V32/P116

وكان أبوك ابن الفضائل كوثرا ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى الكوثر في اللغة ، واختلف المفسرون فيه على وجوه الأول : وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة ، روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت نهرا في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر / فقلت : ما هذا ؟ قيل : الكوثر الذي أعطاك الله ) وفي رواية أنس : ( أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان ) ولعله إنما سمي ذلك النهر كوثرا إما إنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيرا أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة ، كما روى أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار ، أو لكثر الذين يشربون منها ، أو لكثرة ما فيها من المنافع على ما قال عليه السلام : ( إنه نهر وعدنيه ربي فيه خير كثير ) القول الثاني : أنه حوض والأخبار فيه مشهورة ووجه التوفيق بين هذا القول ، والقول الأول أن يقال : لعل النهر ينصب في الحوض أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع والقول الثالث : الكوثر أولاده قالوا : لأن هذه السورة إنما نزلت ردا على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى أنه يعطيه نسلا يبقون على مر الزمان ، فانظر كم قتل من أهل البيت ، ثم العالم ممتلىء منهم ، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به ، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم القول الرابع : الكوثر علماء أمته وهو لعمري الخير الكثير لأنهم كأنبياء بني إسرائيل ، وهم يحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرون آثار دينه وأعلام شرعه ، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفة الله مختلفين في الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه ، كذا علماء أمته متفقون بأسرهم على أصول شرعه ، لكنهم مختلفون في فروع الشريعة رحمة على الخلق ، ثم الفضيلة من وجهين أحدهما : أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل نبي ويتبعه أمته فربما يجيء الرسول ومعه الرجل والرجلان ، ويجاء بكل عالم من علماء أمته ومعه الأولف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول فربما يزيد عدد متبعي بعض العلماي على عدد متبعيألف من الأنبياء الوجه الثاني : أنهم كانوا مصيبين لأتباعهم النصوص المأخوذة من الوحي ، وعلماء هذه الأمة يكونون مصيبين مع كد الاستنباط والاجتهاد ، أو على قول البعض : إن كان بعضهم مخطئا لكن المخطىء يكون أيضا مأجورا القول الخامس : الكوثر هو النبوة ، ولا شك أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التي هي ثانية الربوبية / ولهذا قال : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة الله تعالى ، لأن معرفة النبوة لا بد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته وحكمته ، ثم إذا حصلت معرفة النبوة فحينئذ يستفاد منها معرفة بقية السفات كالسمع والبصر والصفات الخيرية والوجدانية على قول بعضهم ، تم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه المنقبة ، لأنه الذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم ، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ، وهو الذي يحشر قبل كل الأنبياء ، ولا يجوز ورود الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى .

قسم V32/P116–V32/P117

ولنذكر ههنا قليلا منها ، فنقول : إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات } وكتاب إبراهيم أيضا كان كلمات على ما قال : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } وكتاب موسى كان صحفا ، كما قال : { صحف إبراهيم وموسى } أما كتاب محمد عليه السلام ، فإنه هو الكتاب المهيمن على الكل ، قال : { ومهيمنا عليه } وأيضا فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة فقال : { أنبئونى بأسماء هؤلاء } ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى بالمنظوم : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } وأما نوح عليه السلام ، فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء / وفعل في محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه . روى أن النبي عليه الصلاة والسلام : ( كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقال : لئن كنت صادقا فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق ، فأشار الرسول إليه ، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه ، وسبح حتى صار بين يدي الرسول عليه السلام وسلم عليه ، وشهد له بالرسالة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك هذا ؟ قال : حتى يرجع إلى مكانه ، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام ، فرجع إلى مكانه ، وأكرم إبراهيم فجعل النار عليه بردا وسلاما ، وفعل في حق محمد أعظم من ذلك . عن محمد بن حاطب قال : ( كنت طفلا فانصب القدر علي من النار ، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت : هذا ابن حاطب احترق كما ترى فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه ، وقال : أذهب البأس ، رب الناس ، فصرت صحيحا لا بأس بي ) وأكرم موسى ففلق له البحر في الأرض ، وكرم محمدا ففلق له القمر في السماء ، ثم أنظر إلى فرق ما بين السماء والأرض ، وفجر له الماء من الحجر ، وفجر لمحمد أصابعه عيونا ، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام ، وكذا أكرم محمدا بذلك فكان الغمام يظلله ، وأكرم موسى باليد البيضاء ، وأكرم محمدا بإعظم من ذلك وهو القرآن العظيم ، الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب ، وقلب الله عصا موسى ثعبانا ، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين ، فانصرف مرعوبا ، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه ، وكان داود إذا مسك الحديد لان ، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت ، وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمدا بالبراق ، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء الموتى ، وأكرمه بجنس ذلك حين أضافه اليهود بالشاة المسمومة ، فلما وضع اللقمة في فمه أخبرته ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، روى / أن امرأة معاذ بن عفراء أتته وكانت برصاء ، وشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح عليها رسول الله بغصن فأذهب الله البرص ، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد فرفعها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فردها إلى مكانها ، وكان عيسى يعرف ما يخفيه الناس في بيوتهم ، والرسول عرف ما أخفاه عمه مع أم الفضل ، فأخبره فأسلم العباس لذلك ، وأما سليمان فإن الله تعالى رد له الشمس مرة ، وفعل ذلك أيضا للرسول حين نام ورأسه في حجر علي فانتبه وقد غربت الشمس ، فردها حتى صلى ، وردها مرة أخرى لعلي فصلى العصر في وقته ، وعلم سليمان منطق الطير ، وفعل ذلك في حق محمد ، روى أن طيرا فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال : أيكم فجع هذه بولدها ؟

قسم V32/P117–V32/P119

فقال رجل : أنا ، فقال : أردد إليها ولدهاا وكلام الذئب معه مشهور ، وأكرم سليمان بمسيرة غدوة شهرا وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة ، وكان حماره يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به ، وقد شكوا إليه من ناقة أنها أغيلت ، وأنهم لا يقدرون عليها فذهب إليها ، فلما رأته خضعت له ، وأرسل معاذا إلى بعض النواحي ، فلما وصل إلى المفازة ، فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجر ( ىء ) أن يرجع ، فتقدم وقال : إني رسول رسول الله فتبصبص ، وكما انقاد الجن لسليمان ، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وحين جاء الأعرابي بالضب ، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب ، فتكلم الضب معترفا برسالته ، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة وحنت الحنانة لفراقه ، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار ، قالت : كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنها وأطعم الخلق الكثير ، من الطعام القليل ومعجزاته أكثر من أن تحصى وتعد ، فلهذا قدمه الله على الذين اصطفاهم / فقال : { وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } فلما كانت رسالته كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثرا ، فقال : { إنا أعطيناك الكوثر } القول السادس : الكوثر هو القرآن ، وفضائله لا تحصى ، { ولو أن ما فى الارض من شجرة } { حولا قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى } القول السابع : الكوثر الإسلام ، وهو لعمري الخير الكثير ، فإن به يحصل خير الدنيا والآخرة . وبفواته يفوت خير الدنيا وخير الآخرة ، وكيف لا والإسلام عبارة عن المعرفة ، أو مالا بد فيه من المعرفة ، قال : { ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } وإذا كان الإسلام خيرا كثيرا فهو الكوثر ، فإن قيل : لم خصه بالإسلام ، مع أن نعمه عمت الكل ؟ قلنا : لأن الإسلام وصل منه إلى غيره ، فكان عليه السلام كالأصل فيه القول الثامن : الكوثر كثرة الأتباع والأشياع ، ولا شك أن له من الأتباع مالا يحصيهم إلا الله ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام ، قال : ( أنا دعوة خليل الله إبراهيم ، وأنا بشرى عيسى ، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة ، فبينا أكون مع الأنبياء ، إذ تظهر لنا أمة من الناس فنبتدرهم بأبصارنا ما منا من نبي إلا وهو يرجو أن تكون أمته ، فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء ، فأقول : أمتي ورب الكعبة فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثلا ما ظهر أولا / فنبتدرهم بأبصارنا ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول : أمتي ورب الكعبة ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع فنبتدرهم ، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية ، ثم قال : { ليدخلن } ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس ) ولقد قال عليه الصلاة والسلام : ( تناكحوا تناسلوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، ولو بالسقط ) فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف ، فكيف بمثل هذا الجم الغفير ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال : { الماعون إنا أعطيناك الكوثر } القول التاسع : { الكوثر } الفضائل الكثيرة التي فيه ، فإنه باتفاق اومة أفضل من جميع الأنبياء ، قال المفضل بن سلمة : يقال رجل كوثر إذا كان سخيا كثير الخير ، وفي صحاح اللغة : { الكوثر } السيد الكثير الخير ، فلما رزق الله تعالى أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيقول : { إنا أعطيناك الكوثر } القول العاشر : الكوثر رفعة الذكر ، وقد مر تفسيره في قوله : { ورفعنا لك ذكرك } القول الحادي عشر : أنه العلم قالوا : وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه أحدها : أن العلم هو الخير الكثير قال : { وعلمك لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } وأمره بطلب العلم ، فقال : { وقل رب زدنى علما } وسمي الحكمة خيرا كثيرا ، فقال : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } وثانيها : أنا إما أن نحمل الكوثر على نعم الآخرة ، أو على نعم الدنيا ، والأول غير جائز لأنه قال : أعطينا ، ونعم الجنة سيعطيها لا أنه أعطاها ، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا ، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة داخلة في العلم ، فوجب حمل اللفظ على العلم وثالثها : أنه لما قال : { أعطيناك الكوثر } قال عقيبه : { فصل لربك وانحر } والشيء الذي يكون متقدما على العبادة هو المعرفة ، ولذلك قال في سورة النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } وقال في طه : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى } فقدم في السورتين المعرفة على العبادة / ولأن فاء الموجب للعبادة ليس إلا العلم ، القول الثاني عشر : أن الكوثر هو الخلق الحسن ، قالوا : الانتفاع بالخلق الحسن عام ينتفع به العالم والجاهل والبهيمة والعاقل ، فأما الانتفاع بالعلم ، فهو مختص بالعقلاء ، فكان نفع الخلق الحسن أعم ، فوجب حمل الكوثر عليه ، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل عقدهم ويكفي مهمهم ، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه ، قال : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) القول الثالث عشر : الكوثر هو المقام المحمود الذي هو الشفاعة ، فقال في الدنيا : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } وقال في الآخرة : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) وعن أبي هريرة قال عليه السلام : ( إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) القول الرابع عشر : أن المراد من الكوثر هو هذه السورة ، قال : وذلك لأنها مع / قصرها وافية بجميع منافع الدنيا والآخرة ، وذلك لأنها مشتملة على المعجز من وجوه أولها : أنا إذا حملنا الكوثر على كثرة الأتباع ، أو على كثرة الأولاد ، وعدم انقطاع النسل كان هذا إخبارا عن الغيب ، وقد وقع مطابقا له ، فكان معجزا وثانيها : أنه قال : { فصل لربك وانحر } وهو إشارة إلى زوال الفقر حتى يقدر على النحر ، وقد وقع فيكون هذا أيضا إخبارا عن الغيب وثالثها : قوله : { إن شانئك هو الابتر } وكان الأمر على ما أخبر فكان معجزا ورابعها : أنهم عجزوا عن معارضتها مع صغرها ، فثبت أن وجه الإعجاز في كمال القرآن ، إنما تقرر بها لأنهم لما عجزوا عن معارضتها مع صغرها فبأن يعجزوا عن معارضة كل القرآن أولى ، ولما ظهر وجه الإعجاز فيها من هذه الوجوه فقد تقررت النبوة وإذا تقررت النبوة فقد تقرر التوحيد ومعرفة الصانع ، وتقرر الدين والإسلام ، وتقرر أن القرآن كلام الله وإذا تقررت هذه الأشياء تقرر جميع خيرات الدنيا والآخرة فهذه السورة جارية مجرى النكتة المختصرة القوية الوافية بإثبات جميع المقاصد فكانت صغيرة في الصورة كبيرة في المعنى ، ثم لها خاصية ليست لغيرها وهي أنها ثلاث آيات ، وقد بينا أن كل واحدة منها معجز فهي بكل واحدة من آياتها معجز وبمجموعها معجز وهذه الخاصية لا توجد في سائر السور فيحتمل أن يكون المراد من الكوثر هو هذه السورة القول الخامس عشر : أن المراد من الكوثر جميع نعم الله على محمد عليه السلام ، وهو المنقول عن ابن عباس لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة ، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي فوجب حملها على الكل ، وروى أن سعيد بن جبير ، لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم : إنا ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ، فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ، وقال بعض العلماء ظاهر قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى من النبوة والقرآن والذكر الحكيم والنصرة على الأعداء ، وأما الحوض وسائر ما أعد له من الثواب فهو وإن جاز أن يقال : إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد الله فهو كالواقع إلا أن الحقيقة ما قدمناه لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال : على الحقيقة إنه أعطاه في حال نزول هذه السورة بمكة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بضيعة له يصح أن يقال : إنه أعطاه تلك الضيعة مع أن الصبي في تلك الحال لا يكون أهلا للتصرف والله أعلم .

قسم V32/P119–V32/P120

! 7 < { فصل لربك وانحر } . > 7 ! قوله تعالى : { فصل لربك وانحر } < < الكوثر : ( 2 ) فصل لربك وانحر > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { فصل } وجوه الأول : أن المراد هو الأمر بالصلاة ، فإن قيل : اللائق عند النعمة الشكر ، فلم قال : فصل ولم يقل : فاشكر ؟ الجواب : من وجوه الأول : / أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة أركان أحدها : يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة منه لا من غيره والثاني : باللسان وهو أن يمدحه والثالث : بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع له ، والصلاة مشتملة على هذه المعاني ، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة أمر بالشكر وزيادة فكان الأمر بالصلاة أحسن وثانيها أنه لو قال فاشكر لكان ذلك يوهم أنه ما كان شاكرا لكنه كان من أول أمره عارفا بربه مطيعا له شاكرا لنعمه ، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي ، قال : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } الثالث : أنه في أول ما أمره بالصلاة . قال محمد عليه الصلاة والسلام : كيف أصلي ولست على الوضوء ، فقال الله : { إنا أعطيناك الكوثر } ثم ضرب جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك : فصل ، فأما إذا حملنا الكوثر على الرسالة ، فكأنه قال : أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة فصل لربك القول الثاني : فصل لربك أي فاشكر لربك ، وهو قول مجاهد وعكرمة ، وعلى هذا القول ذكروا في فائدة الفاء في قوله فصل وجوها أحدها : التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي وثانيها : أن المراد من فاء التعقيب ههنا الإشارة ، إلى ما قرره بقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ثم إنه خص محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمزيد مبالغة ، وهو قوله : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ولأنه قال له : { فإذا فرغت فانصب } أي فعليك بأخرى عقيب الأولى فكيف بعد وصول نعمتي إليك ، ألا يجب عليك أن تشرع في الشكر عقيب ذلك القول الثالث : فصل أي فادع الله لأن الصلاة هي الدعاء ، وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول : قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك : { بالكوثر } فكيف بعد سؤالك لكن : ( سل تعطه واشفع تشفع ) وذلك لأنه كان أبدا في هم أمته ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف الشرع . المسألة الثانية : في قوله : { لربك وانحر } قولان :

قسم V32/P120–V32/P121

الأول : وهو قول عامة المفسرين : أن المراد هو نحر البدن والقول الثاني : أن المراد بقوله : { وانحر } فعل يتعلق بالصلاة ، إما قبلها أو فيها أو بعدها ، ثم ذكروا فيه وجوها : أحدها : قال الفراء : معناها استقبل القبلة وثانيها : روى الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال : لما نزلت هذه السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل : ( ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنه صلاتنا ، وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة ) وثالثها : روى عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة ، وقال : رفع اليدين قبل الصلاة عادة المستجير العائذ ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع ورابعها : قال عطاء : معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك وخامسها : روى عن الضحاك ، وسليمان التيمي أنهما قالا : { انحر } / معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى نحرك ، قال الواحدي : وأصل هذه الأقوال كلها من النحر الذي هو الصدر يقال لمذبح البعير النحر لأن منحره في صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر فمعنى النحر في هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال : رأسه وبطنه إذا أصاب ذلك منه . وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابي : النحر انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بإزاء القبلة ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وقال الفراء : منازلهم تتناحر أن تتقابل وأنشد : أبا حكم هل أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر والنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة بيتي وهي قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتء ونظر عنايتي فلتكن القبلتان متناحرتين قال : الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه أحدها : هو أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة في كتابه ذكر الزكاة بعدها وثانيها : أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فقيل له : فصل وانحر لربك وثالثها : أن هذه الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها فكانت داخلة تحت قوله : { الكوثر فصل لربك } فوجب أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن يعطف بعض الشيء على جميعه ورابعها : أن قوله : { فصل } إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، وقوله : { وانحر } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين وخامسها : أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من استعماله في سائر الوجوه المذكورة ، فيجب حمل كلام الله عليه ، وإذا ثبت هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره بالنحر ، ولا بد وأن يكون قد فعله ، لأن ترك الواجب عليه غير جائر ، وإذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وجب علينا مثله لقوله : { واتبعوه } ولقوله : { فاتبعونى يحببكم الله } وأصحابنا قالوا : الأمر بالمتابعة مخصوص بقوله : ( ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر ) .

قسم V32/P121–V32/P122

المسألة الثالثة : اختلف من فسر قوله : { فصل } بالصلاة على وجوه الأول : أنه أراد بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله ، وينحرون لغير الله فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى ، واحتج من جوز تأخير بيان المجمل بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة مع أنه ما بين كيفية هذه الصلاة أجاب أبو مسلم ، وقال : أراد به الصلاة المفروضة أعني الخمس وإنما لم يذكر الكيفية ، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل القول الثاني : أراد صلاة العيد والأضحية لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه الآية ، قال المحققون : هذا قول ضعيفلأن عطف الشيء على غيره بالواو لا يوجب الترتيب القول الثالث : عن سعيد بن جبير صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى ، والأقرب القول الأول لأنه لا يجب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل الصلاة على ما بقع يوم النحر . / المسألة الرابعة : اللام في قوله : { لربك } فيها فوائد الفائدة الأولى : هذه اللام للصلاة كالروح للبدن ، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم ، إنما يكون حسنا ممدوحا إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتا فيكون مرميا ، كذا الصلاة والركوع والسجود ، وإن حسنت في الصورة وطالت ، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية ، والمراد من قوله تعالى لموسى : { اتل ما لذكرى } وقيل : إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له : لتكن صلاتك ونحرك لله . الفائدة الثانية : كأنه تعالى يقول : ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءآة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص . المسألة الخامسة : الفاء في قوله : { فصل } تفيد سببية أمرين أحدهما : سببية العبادة كأنه قيل : تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية والثاني : سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له : إنك أبتر فقيل له : كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة ، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم . واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب / والفاء في قوله : { فصل } اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم ، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ولقد صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) فقوله : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله : { فصل } . المسألة السادسة : كان الأليق في الظاهر أن يقول : إن أعطيناك الكوثر ، فصل لنا وانحر . لكنه ترك ذلك إلى قوله : { فصل لربك } لفوائد إحداها : أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة وثانيها : أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة ، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم : يأمرك أمير المؤمنين ، وينهاك أمير المؤمنين وثالثها : أن قوله : { إنا أعطيناك } ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره ، وأيضا كلمة إنا تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه ، فلو قال : صل لنا ، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك ، فلهذا ترك اللفظ ، وقال : { فصل لربك } ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحا بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى .

قسم V32/P122

المسألة السابعة : قوله : { فصل لربك } أبلغ من قوله : فصل لله لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه . المسألة الثامنة : في الآية سؤالان : أحدهما : أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة ، فلم كان المذكور ههنا هو النحر ؟ والثاني : لما لم يقل : ضحي حتى يشمل جميع أنواع / الضحايا ؟ والجواب : عن الأول ، أما على قول من قال : المراد من الصلاة صلاة العيد ، فالأمر ظاهر فيه ، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة ، فلوجوه أحدها : أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان ، فقيل له : اجعلهما لله وثانيها : أن من الناس من قال : إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا ، بل كان يملك بقدر الحاجة ، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه ، أما النحر فقد كان واجبا عليه لقوله : ( ثلاث كتبت علي ولم تكتب على أمتي ؛ الضحى والأضحى والوتر ) وثالثها : أن أعز الأموال عند العرب ، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى تنبيها على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها ، روى أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا ، ثم أمر عليا عليه السلام بذلك ، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله ، فلما أخذ على السكين تباعدت منه والجواب عن الثاني : أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا ، وأيضا فيه إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل . المسألة التاسعة : دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر ، لا لأن الواو توجب الترتيب ، بل لقوله عليه السلام : ( ابدؤا بمابدأ الله به ) . المسألة العاشرة : السورة مكية في أصح الأقوال ، وكان الأمر بالنحر جاريا مجرى البشارة بحصول الدولة ، وزوال الفقر والخوف . ! 7 < { إن شانئك هو الا بتر } . > 7 ! قوله تعالى : { إن شانئك هو الابتر } < < الكوثر : ( 3 ) إن شانئك هو . . . . . > > وفي الآية مسائل :

قسم V32/P122–V32/P123

المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : أنه عليه السلام كان يخرج من المسجد ، والعاص بن وائل السهمي يدخل فالتقيا فتحدثا ، وصناديد قريش في المسجد ، فلما دخل قالوا من الذي كنت تتحدث معه ؟ فقال : ذلك الأبتر ، وأقول : إن ذلك من إسرار بعضهم مع بعض ، مع أن الله تعالى أظهره ، فحينئذ يكون ذلك معجزا ، وروى أيضا أن العاص بن واثل كان يقول : إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده ، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه ، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة ، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير القول الثاني : روى ن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشراف مكة أتاه جمامة قريش فقالوا : نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ؟ فقال : بل أنتم خير منه فنزل : { إن شانئك هو الابتر } ونزل أيضا : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } ، والقول الثالث : قال عكرمة وشهر بن حوشب : لما أوحى الله إلى رسوله ودعا قريشا إلى الإسلام ، قالوا : بتر محمد أي خالفنا وانقطع / عنا ، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون القول الرابع : نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول الله قال أبو جهل : إن أبغضه لأنه أبتر ، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده القول الخامس : نزلت في عمه أبي لهب فإنه لما شافهه بقوله : تبا لك كان يقول في غيبته : إنه أبتر والقول السادس : أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط ، وإنه هو الذي كان يقول ذلك ، واعلمأنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك ، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه . المسألة الثانية : الشنآن هو البغض . والشانىء هو المبغض ، وأما البتر فهو في اللغة استئصال القطع يقال : بترته أبتره بترا وبتر أي صار أبتر وهو مقطع الذنب ، ويقال : الذي لا عقب له أبتر ، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له ، وكذلك لمن انقطع عنه الخير . ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك البمغض على سبيل الحضر فيه ، فإنك إذا قلت : زيدهو العالم يفيد أنه لا عالم غيره ، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام : إنه أبتر لا شك أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه .

قسم V32/P123–V32/P124

ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين ، أو على جميع الخيرات أما الأول : فيحتمل وجوها أحدها : قال السدي : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر ، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا : بتر فليس له من يقوم مقامه ، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة ، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة وثانيها : قال الحسن : عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه ، والله تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك ، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين ، وصارت رايات الإسلام عالية ، وأهل الشرق والغرب لعا متواضعة وثالثها : زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين ، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه ، وجبريل وصالح المؤمنين ، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب ورابعها : الأبتر هو الحقير الذليل / روى أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم ، ثم إنه وصف رسول الله بهذا الوصف ، ثم قال : قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا ، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطا ، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه ، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام واقفا كالجبل ، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى الله عليه وسلم على أقبح وجه ، فلما رجع أخذه باليد اليسرى ، لأن اليسرى للاستنجاء ، فكان نجسا فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره ، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله : { إن شانئك هو الابتر } هذه الواقعة وخامسها : أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف ، قيل : { إن شانئك هو الابتر } أي الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى ، وأما المدح الذي ذكرناه فيك ، فإنه باق على وجه الدهر وسادسها : أن رجلا قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام ، وقال : سودت وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية ، فقال : لا تؤذيني يرحمك الله ، فإن رسول الله رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك ، فأنزل الله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } فكان ملك بني أمية كذلك ، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين .

قسم V32/P124–V32/P125

المسألة الثالثة : الكفار لما شتموه ، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة ، فقال : { إن شانئك هو الابتر } وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه ، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم ، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } فقال سبحانه : { بل الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب والضلال البعيد } وحين قالوا : هو مجنون أقسم ثلاثا ، ثم قال : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ولما قالوا : { لست مرسلا } أجاب فقال : { يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين } وحين قالوا : { لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون بل } رد عليهم وقال : { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } فصدقه ، ثم ذكر وعيد خصمائه ، وقال : { إنكم يروا العذاب الاليم } وحين قال حاكيا : { أم يقولون شاعر } قال : { وما علمناه الشعر } ولما حكى عنهم قوله : { وقال الذين كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه } سماهم كاذبين بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } ولما قالوا : { ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } أجابهم فقال : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الاسواق } فما أجل هذه الكرامة . المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة ، وعلم تعالى أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهورا ، لا جرم وعده بقهر العدو ، فقال : { إن شانئك هو الابتر } وفيه لطائف إحداها : كأنه تعالى يقول : لا أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك ، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ وثانيها : وصفه بكونه شانئا ، كأنه تعالى يقول : هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك ، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء ، فحينئذ يحترق قلبه غيظا وحسدا ، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو وثالثها : أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر / لأنه كان شانئا له ومبغضا ، والأمر بالحقيقة كذلك ، فإن من عادى محسودا فقد عادى الله تعالى ، لاسيما من تكفل بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته ورابعها : أن العدو وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بالقلة والذلة ، ونفسه بالكثرة والدولة ، فقلب الله الأمر عليه ، وقال العزيز من أعزه الله ، والذليل من أذله الله ، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام ، والأبترية والدناءة والذلة للعدو ، فحصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف .

قسم V32/P125–V32/P126

المسألة الخامسة : اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي / ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر . روى عن مسيلمة أنه عارضها فقال : إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، إن مبغضك رجل كافر ، ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه أحدها : أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة ، وهذا لا يكون معارضة وثانيها : أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها ، وكالأصل لما بعدها ، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالا لأكثر لطائف هذه السورة وثالثها : التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين قوله : { إن شانئك هو الابتر } وبين قوله : إن مبغضك رجل كافر ، ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر ، فوصفه بأنه لا ولد له ، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له ، وآخر بأنه لا يبقى منه ذكر ، فالله سبحانه مدحه مدحا أدخل فيه كل الفضائل ، وهو قوله : { إنا أعطيناك } لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء ، لا جرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة ، ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات ، لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب ، أما طاعة البدن فأفضله شيئان ، لأن طاعة البدن هي الصلاة ، وطاعة المال هي الزكاة ، وأما طاعة القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله ، واللام في قوله : { اقنتى لربك } يدل على هذه الحالة ، ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن ، فقدم طاعة البدن في الذكر ، وهو قوله : { فصل } وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيها على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه ، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحة ، وعلى أنه لا بد من الإخلاص ، ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في المعاد ، كأنه يقول : كنت ربيتك قبل وجودك ، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات ، ثم كما تكفل أولا بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه ، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة النعم ، والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . < > 1 ( سورة الكافرون ) 1 < > ست آيات مكية اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروى أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن والله أعلم . ! 7 < { قل ياأيها الكافرون } . > 7 < الكافرون : ( 1 ) قل يا أيها . . . . . > > { قل ياأهل أيها الكافرون } .

قسم V32/P126–V32/P127

اعلم أن قوله تعالى : { السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادى الصالحون إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن : { الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التعليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قل تقرير هذا المعنى وثانيها : أنه لما قيل له : { وأنذر عشيرتك الاقربين } وهو كان يحب أقرباءه لقوله : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : { قل } ، وثالثها : أنه لما قيل له : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } فأمر بتبليغ كل من أنزل عليه فلما قال الله تعالى له : { قل ياأهل أيها الكافرون } نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : { قل ياأهل أيها الكافرون } فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : { فأولئك هم الكافرون } لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : { قل } علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به وخامسها : أن قوله : { قل } يوجب كونه رسولا من عند الله ، فكلما قيل له : { قل } كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا وسادسها : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة ، وتبعد آلتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إليه فبه .

قسم V32/P127–V32/P128

فقال : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } وسابعها : الكفار قالوا فيه : السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال : { إن شانئك هو الابتر } وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما } وثامنها : أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه : { قل ياأهل أيها الكافرون } لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم وتاسعها : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه ، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام ، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال : قل ، سقط هذا الاعتراض لأن قوله : { قل } يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها وعاشرها : أنه لو أنزل قوله : { فأولئك هم الكافرون } لكان يقرؤها عليهم لا محالة ، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال : { قل } كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم . فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش الحادي عشر : كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف ، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا : { إنا أعطيناك الكوثر } وبقولنا : { إن شانئك هو الابتر } فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثاني عشر : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار ، إنه تعالى لا يكلمهم ، فلو قال : { فأولئك هم الكافرون } لكان ذلك من حيث أنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم ، ومن حيث أنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام ، أما لما قال : { قل ياأهل أيها الكافرون } فحينئذ يرجع تشريف / المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار ، فيحصل فيه تعظيم الأولياء ، وإهانة الأعداء ، وذلك هو النهاية في الحسن الثالث عشر : أن محمدا عليه السلام كان منهم ، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم ، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب ، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده ، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه ، فقال تعالى : { قل } يا محمد لهم : { أيها الكافرون } ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهو موصوفون بهذه الصفة القبيحة ، فربما يصير ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها الرابع عشر : أن الإيذاء والايحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم ، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم : { فأولئك هم الكافرون } فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم ، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر الخامس عشر : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة : { والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وفي سورة الكوثر : { إنا أعطيناك الكوثر } وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات ، بمقتضى قولنا : { فصل لربك وانحر } بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله ، فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } السادس عشر : كأنه تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة ، قال الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه ، فشق عليك ذلك غاية المشقة / حتى أنزلت عليك السورة ، وأقسمت بالضحى : { واليل إذا سجى } أنه : { ودعك ربك وما قلى } فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه : { ما ودعك ربك وما قلى } أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت بنفي تلك التهمة ، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما } ، السابع عشر : لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة ، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا ، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا ، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام ، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟

قسم V32/P128–V32/P129

أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذابا ، فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا ، فكأنه تعالى قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلا ، فتدارك إزالة ذلك الباطل ، وصرح بما هو الحق و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثامن عشر : أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال : لا أحصي ثناء عليك ، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه / قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و : { قل ياأهل أيها الكافرون } حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله ، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل : ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار التاسع عشر : لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه : { لا أعبد ما تعبدون } أما لما أمره بأن يقول بلسانه : { لا أعبد ما تعبدون } يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذبا ، فثبت أنه لما قال له قل : { لا أعبد ما تعبدون } فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه . ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه ، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان ، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له : { قل } يقتضي المبالغة في الأنكار ، فلهذا قال : { قل لا أعبد ما تعبدون } ، العشرون : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الحادي والعشرون : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم ، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد ، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم : { فإنا أعطيناك الكوثر } وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك ، الخوف بقولنا : { أنا شانئك هو الابتر } فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، { وقل قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثاني والعشرون : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي ، فقلت : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن المشركين في ، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين ، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت : ( اللهم أهد قومي ) ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت : ( اللهم املأ بطونهم نارا ) فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم ، أو لست خائفا منهم فأظهر إنكار قولهم : { وقل قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثالث والعشرون : كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة ، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا تظهره بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب : { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار ، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة ، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت ، قل بصريح لسانك : { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } الرابع والعشرون : يا محمد ألست قلت لك : { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت : { ولاكن رسول الله وخاتم النبيين } / فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة .

قسم V32/P129–V32/P130

فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الخامس والعشرون : كأنه تعالى يقول : القوم جاؤك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الأنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ثم إني ناديت في العالمين وقلت : { أن الله برىء عن المشركين ورسوله } فصرح أنت أيضا بذلك ، و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ، السادس والعشرون : كأنه تعالى يقول : ألست أرأف بك من الولد بولده ، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك يتيما وضالا وعائلا ، ألم نشرح لك صدرك ، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، وبعلي علما ، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ، ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف ، ألم أعطك الكوقر ، ألم أضمن أن خصمك أبتر ، ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها : { لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } فصرح بالبراءة عنها و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } السابع والعشرون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست قد أنزلت عليك : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا } ثم إن واحدا لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه ، حتى قلن : ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة ، فكيف سكت عند التشريك في العبادة ا بل أظهر الإنكار ، وبالغ في التصريح به ، و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ، الثامن والعشرون : كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك : { أفمن يخلق كمن لا فاعبدوه أفلا تذكرون } فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلا بل يكون مجنونا / ثم إني أقسمت وقلت : { ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون } والكفار يقولون : إنك مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك ، وبراءتك عن عيب الجنون و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ، التاسع والعشرون : أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة ، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر ، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم البتة كيف يكون له حق في القيومية ، بل ههنا شيء آخر : وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز ، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما ، والجارية بين إثنين لا تحل لواحد منهما ، فإذا لم يحز حصول زوجة لزوجين ، ولا أمة بين موليين في حل الوطء / فكيف يعقل عابد واحد بين معبودينا بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهرا ، ثم الثاني شهرا آخر كان كافرا ، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافرا فكأنه تعالى يقول لرسوله : إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثلاثون : كأنه تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك : { قل لازواجك إن كنتن تردن الحيواة الدنيا وزينتها } إلى قوله : { أجرا عظيما } ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا ، فقلت لها : لا تقولي شيئا حتى تستأمري أبويك ، فقالت : أفي هذا استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ا فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري مع أني جبار السموات والأرض : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الحادي والثلاثون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست أنت الذي قلت : من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم ، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه : لا تخاف السلطان قال : ولم ؟

قسم V32/P130–V32/P132

قال : لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين ، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين ، لأنه يخالطه العالم الزاهد ، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ ، فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك ، لاسيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك : تلك الغرانيق العلي منها الشفاعة ترتجي ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثاني والثلاثون : الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده ، وهو مولاك ، وحق من هو تحت يدك وهو الولد ، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد ، فإذا كان حق المولى المجازي مقدما ، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدما كان أولى ، ثم روى أن عليا عليه السلام إستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر وقال : لا آذن لا آذن لا آذن أن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله ، وبنت حبيب الله ، فكأنه تعالى يقول : صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد ، فههنا أولى أن تصرح بالرد ، وتكرره رعاية لحق المولى فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ولا أجمع في القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو الثالث والثلاثون : يا محمد ألست قلت لعمر : رأيت قصرا في الجنة ، فقلت : لمن ؟ فقيل : لفتى من قريش ، فقلت : من هو ، فقالوا : عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر : أو أغار عليك يا رسول الله ، فكأنه تعالى قال : خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في أن تدخل قلبك طاعة غيري ، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضا أظهر الامتناع و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ، الرابع والثلاثون : أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة ، ألم أربك ؟ ألم أخلقك ؟ ألم أرزقك ؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق ؟ ثم حين كنت طفلا عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت / ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم لأنها أول المنعم علي ، فههنا أولى أن تظهر النفرة فنقول : لا أعبد سوى ربي لأنه أول منعم علي فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الخامس والثلاثون : نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق أفضل الخلق : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } السادس والثلاثون : مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلا بها ، { لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } فبتقدير أن كنت متصلا بها ، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها ، فكيف وما كنت متصلا بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } السابع والثلاثون : هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل : يا محمد لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار ، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه ، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثامن والثلاثون : أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام : { قالت إنى أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا } فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } التاسع والثلاثون : مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول : لأنه كان قيما فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول : كنت قيما ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الأربعون : هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } وقال في موضع آخر : { أرونى ماذا خلقوا من الارض } فكأنه تعالى يقول : هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ، لأن البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة الوجوه وذلك أيضا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهورا مني ، أو شركة الأبدان وذلك أيضا باطل ، ون ذلك يستدعي الجنسية ، أو شركة العنان ، وذلك أيضا باطل ، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيبا من الملك / فكأن الرب يقول : ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزا من الذبابة : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا } فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية والسقي والحفظ مني .

قسم V32/P132

ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيبا مني ، ما هذا بقول يليق بالعقلاء : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الحادي والأربعون : أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات / وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعيا إلى معرفة الذاتي والصفات قال : { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله ، فكأنه تعالى يقول : مثل هذا الشيء كيف يتسحيا منه ، روى أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشا وحمله بنفسه فرآه على من بعيد فتنكب على عن الطريق فاستقبله عمر وقال له : لم تنكبت عن الطريق ؟ فقال علي : حتى لا تستحي ، فقال : وكيف أستحي من حمل ما هو غذائيا فكأنه تعالى يقول : إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه تعالى يقول : يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفا فلست أضعف من بعوضة نمروذ ، وإن كنت قويا فلست أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثاني والأربعون : كأنه تعالى يقول يا محمد : { قل } بلسانك : { لا أعبد ما تعبدون } واتركه قرضا علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه ، ألا ترى أن النصراني إذا قال : أشهد أن محمدا رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية ، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضا أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثالث والأربعون : أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له : { فقولا له قولا لينا } وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيها على أنه في غاية الرحمة ، فقيل له : { قل ياأهل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } .

قسم V32/P132–V32/P133

أما قوله تعالى : { قل ياأهل أيها الكافرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : { فلينظر أيها } ، قد تقدم القول فيها في مواضع ، والذي نزيده ههنا ، أنهروى عن علي عليه السلام أنه قال : يا نداء النفس وأي نداي القلب ، وها نداء الروح ، وقيل : يا نداء الغائب وأي للحاضر ، وها للتنبيه ، كأنه يقول : أدعوك ثلاثا ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي ، ومنهم من قال : أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد ، وأي الذي هو للقريب ، كأنه تعالى يقول : معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد ، لكن إحساني إليك ، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب / كأنه يقول : التقصير منك والتوفيق مني ، ثم ذكرها بعد ذلك لأن / ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هي النوم ، والنائم لا بد وأن ينبه وها كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف . المسألة الثانية : روى في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول الله تعالى : حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلح بيننا وبينك ، وتزول العداوة من بيننا ، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا ، وإن كان أمرنا رشيدا أخذت منه حظا ، فنزلت هذه السورة ونزل أيضا قوله تعالى : { قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون } فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر ، واعلم أن الجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه ، وههناسؤالات : السؤال الأول : لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين ، وفي الأخرى بالجاهلين ؟ الجواب : لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلا بد وأن تكون المبالغة ههنا أشد ، وليس في لدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقا أو مقيدا ، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم ، كقوله عليه السلام في علم الأنساب : ( علم لا ينفع وجهل لا يضر ) . السؤال الثاني : لما قال تعالى في سورة : { لم تحرم } يا أيها الذين كفروا ، ولم يذكر قل ، وههنا ذكر قل ، وذكره باسم الفاعل والجواب : الآية المذكورة في سورة لم تحزم : إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولا إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين . فلذلك ذكره بلفظ الماضي ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم ، فلا جرم قال : { قل ياأهل أيها الكافرون } .

الأسئلة