Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V32/P149–V32/P150

كذلك يحسن فيما بقي والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : لعله خص هذه الأمة بزيادة شرف لأنه لا يقال في صفات العبد غفار ، ويقال : تواب إذا كان آتيا بالتوبة ، فيقول تعالى : كنت لي سميا من أول الأمر أنت مؤمن ، وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفا فتب حتى تصير سميا لي آخر الأمر ، فأنت تواب ، وأنا تواب ، ثم إن التواب في حق الله ، هو أنه تعالى يقبل التوبة كثيرا فنبه على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه كثيرا وثانيها : إنما قيل : توابا لأن القائل قد يقول : أستغفر اا وليس بتائب ، ومنه قوله : ( المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزىء بربه ) إن قيل : فقد يقول : أتوب ، وليس بتائب ، قلنا : فإذا يكون كاذبا ، لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه ، فصار تقدير الكلام ، واستغفره بالتوبة ، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار ، وكذا خواتيم الأعمال ، وروى أنه لم يجلس مجلسا إلا ختمه بالاستغفار والجواب : عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرتين وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما : الرب والثاني : التواب ، ولما كانت التربية تحصل أولا والتوابية آخرا ، لا جرم ذكر اسم الرب أولا واسم التواب آخرا . / المسألة التاسعة : الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم روى أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك فقال : نعيت إليك نفسك فقال : الأمر كما تقول ، وقيل : إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : ( لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا ) روى أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال عبدالرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا ، وفي أبنائنا من هو مثله ؟ فقال : لأنه ممن قد علمتم قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله : { إذا جاء نصر الله } وكأنه ما سألهم إلا من أجلي فقال بعضهم : أمر الله نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت : ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ثم قال : كيف تلومونني عليه بعدما ترون ، وروى أنه لما نزلت هذه السورة خطب وقال : ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء الله ) فقال السائل : وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى ؟ الجواب : من وجوه أحدها : قال بعضهم : إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة وذكر التخيير وثانيها : أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا دل ذلك على حصول الكال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما قيل : إذا تم شيء دنا نقصه

قسم V32/P150–V32/P151

توقع زوالا إذا قيل تم وثالثها : أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها : قوله : { واستغفره } تنبيه على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبهه به على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها : كأنه قيل له : كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته ، وهو النصر والفتح والاستيلاء ، والله تعالى وعدك بقوله : { والاخرة خير لك من الاولى } فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية . المسألة العاشرة : ذكرناأن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة . وأما الذين قالوا : إنها نزلت بعد فتح مكة ، فذكر الماوردي أنه عليه السلام لم يلبث بعد نزول هذه السورة إلا ستين يوما مستديما للتسبيح والاستغفار ، وقال مقاتل : عاش بعدها حولا ونزل : { اليوم أكملت لكم دينكم } فعاش بعده ثمانين يوما ثم نزل آية الكلالة ، فعاش بعدها همسين يوما ، ثم نزل : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ثم نزل : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } فعاش بعدها أحد عشر يوما وفي رواية أخرى عاش بعدها سبعة أيام ، والله أعلم كيف كان ذلك . < > 1 ( سورة المسد ) 1 < > خمس آيات مكية بالاتفاق } اعلم أنه تعالى قال : { }

قسم V32/P151–V32/P152

اعلم أنه تعالى قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ثم بين في سورة : { قل ياأهل أيها الكافرون } أن محمدا عليه الصلاة والسلام أطاع ربه وصرح بنفي عبادة الشركاء والأضداد وأن الكافر عصى ربه واشتغل بعبادة الأضداد والأنداد ، فكأنه قيل : إلهنا ما ثواب المطيع ، وما عقاب العاصي ؟ فقال : ثواب المطيع حصول النصر والفتح والاستيلاء في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، كما دل عليه سورة : { إذا جاء نصر الله } وأما عقاب العاصي فهو الخسار في الدنيا والعقاب العظيم في العقبى ، كما دلت عليه سورة : { تبت } ونظيره قوله تعالى في آخر سورة الأنعام : { وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات } فكأنه قيل : إلهنا أنت الجواد المنزه عن البخل والقادر المنزه عن العجز ، فما السبب في هذا التفاوت ؟ فقال : { ليبلوكم فيما ءاتاكم } فكأنه قيل : إلهنا فإذا كان العبد مذنبا عاصيا فكيف حاله ؟ فقال : في الجواب : { إن ربك سريع العقاب } وإن كان مطيعا منقادا كان جزاؤه أن الرب تعالى يكون غفورا لسيئاته في الدنيا رحيما كريما في الآخرة ، وذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوها أحدها : قال ابن عباس : كان رسول الله يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين } فصعد الصفا ونادى يا آل غالب فخرجت إليه غالب من المسجد فقال أبو لهب : هذه غالب قد أتتك فما عندك ؟ ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال : يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه مرة قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل كلاب ، ثم قال بعده : يا آل قصي ، فقال أبو لهب : هذه قصي قد أتتك فيما عندك ؟ فقال : إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأنتم الأقربون ، اعلموا أني لا أملك لكم من الدنيا حظا ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد بها لكم عند ربكم فقال أبو لهب عند ذلك : تبا لك ألهذا دعوتنا ، فنزلت السورة وثانيها : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا ذات يوم وقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك ؟ قال : أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال عند ذلك أبو لهب ما قال فنزلت السورة وثالثها : أنه جمع أعمامه وقدم إليهم طعاما في صحفة فاستحقروه وقالوا : إن أحدنا يأكل كل الشاة ، فقال : كلوا فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص من الطعام إلا اليسير ، ثم قالوا : فما عندك ؟ فدعاهم إلى الإسلام فقال أبو لهب ما قال ، وروى أنه قال أبو لهب : فمالي إن أسلمت فقال : ما للمسلمين ، فقال : أفلا أفضل عليهم ؟

قسم V32/P152

فقال / النبي عليه الصلاة والسلام بماذا تفضلا فقال : تبا لهذا الدين يستوي فيه أنا وغيري ورابعها : كان إذا وفد على النبي وفد سألوا عمه عنه وقالوا : أنت أعلم به فيقول لهم : إنه ساحر فيرجعون عنه ولا يلقونه ، فأتاه وفد فقال لهم مثل ذلك فقالوا : لا ننصرف حتى نراه فقال : إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبا له وتعسا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فحزن ونزلت السورة .

قسم V32/P152

! 7 < { تبت يدآ أبى لهب وتب } . > 7 ! قوله تعالى : { تبت يدا أبى لهب } < < المسد : ( 1 ) تبت يدا أبي . . . . .

قسم V32/P152–V32/P153

> > اعلم أن قوله : { تبت } فيه أقاويل أحدها : التباب الهلاك ، ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى : { وما كيد فرعون إلا فى تباب } أي في هلاك ، والذي يقرر ذلك ن الأعرابي لما واقع أهله في نهار رمضان قال : هلكت وأهلكت ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر ذلك ، فدل على أنه كان صادقا في ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلا في الإيمان ، أو إن كان داخلا لكنه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك ، ففي حق أبي لهب حصل ترك الإعتقاد والقول والعمل ، وحصل وجود الإعتقاد الباطل ، والقول الباطل ، والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال : { تبت } وثانيها : تبت خسرت ، والتياب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر : غير تخسير وثالثها : تبت خابت ، قال ابن عباس : لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهما فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه ، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول : انصرف راشدا فإنه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنسانا عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها : عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها : عن ابن وثاب ؛ صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل : ما فائدة ذكر اليد ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : ما يرى أنه أخذ حجرا ليرمي به رسول الله ، روى عن طارق المحاربي أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يقول : يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ، / لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ، فقالوا : محمد وعمه أبو لهب وثانيها : المراد من اليدين الجملة كقوله تعالى : { ذالك بما قدمت يداك } ومنه قولهم : يداك أو كتا ، وقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } وهذا التأويل متأكد بقوله : { وتب } وثالثها : تبت يداه أي دينه ودنياه أولاه وعقباه ، أو لأن بأحدى اليدين تجر المنفعة ، وباوخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها : روى أنه عليه السلام لما دعاه نهارا فأبى ، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا ، فلما دخل عليه قال له : جئتني معتذرا فجلس النبي عليه السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال : إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت ، فقال : لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي ، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي : من أنا ؟

قسم V32/P153

فقال رسول الله : وأطلق لسانه يثني عليه ، فاستولى الحسد على أبي لهب ، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال : تبا لك أثر فيك السحر ، فقال الجدي : بل تبا لك ، فنزلت السورة على وفق ذلك : { تبت يدا أبى لهب } لتمزيقه يدي الجدي وخامسها : قال محمد بن إسحاق : يروى أن أبا لهب كان يقول : يعدني محمد أشياء ، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع في يدي من ذلك شيئا ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ما آرى فيكما شيئا ، فنزلت السورة .

قسم V32/P153

أما قوله تعالى : { وتب } ففيه وجوه أحدها : أنه أخرج الأول مخرج الدعاء عليه كقوله : { قتل الإنسان ما أكفره } والثاني مخرج الخبر أي كان ذلك وحصل ، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب وثانيها : كل واحد منهما إخبار ولكن أراد بالأول هلاك عمله ، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله ، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين وثالثها : { تبت يدا أبى لهب } يعني ماله ومنه يقال : ذات اليد { وتب } هو بنفسه كما يقال : { خسروا أنفسهم وأهليهم } وهو قول أبي مسلم ورابعها : { تبت يدا أبى لهب } يعني نفسه : { وتب } يعني ولده عتبة على ما روى أن عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم : عتبة بلغوا محمدا عني أني قد كفرت بالنجم إذا هوى ، وروى أنه قال ذلك في وجه رسول الله وتفل في وجهه ، وكان مبالغا في عداوته ، فقال : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز فسار ليلة من الليالي فلما كان قريبا من الصبح ، فقال له أصحابه : هلكت الركاب فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب وأناخ الإبل حوله كالسرادق فلسط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه ، فإن قيل : نزول هذه السورة كان قبل هذه الوقعة ، وقوله : { وتب } إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل عليه ؟ قلنا : لأنه كان في معلومه تعالى أنه يحصل ذلك / وخامسها : { تبت يدا أبى لهب } حيث لم يعرف حق ربه { وتب } حيث لم يعرف حق رسوله وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لماذا كناه مع أنه كالكذب إذا لم يكن له ولد اسمه لهب ، وأيضا فالتكنية من باب التعظيم ؟ والجواب : عن الأول أن التكنية قد تكون اسما ، ويؤيذه قراءة من قرأ تبت يدا أبو لهب كما يقال : علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان ، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم ، وأما معنى التعظيم فأجيب عنه من وجوه أحدها : أنه لما كان اسما خرج عن إفادة التعظيم والثاني : أنه كان اسمه عبد العزي فعدل عنه إلى كنيته والثالث : أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته ، فكان جديرا بأن يذكر بها ، ويقال أبو لهب : كما يقال : أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير الرابع : كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما ، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به واحتقارا له .

قسم V32/P153–V32/P154

السؤال الثاني : أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان نبي الرحمة والخلق العظيم ، فكيف يليق به أن يشافه عمه بهذا التغليظ الشديد ، وكان نوح مع أنه في نهاية التغليظ على الكفار قال في ابنه الكافر إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ، وكان إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه بالشفقة في قوله : يا أبت يا أبت وأبوه كان يخاطبه بالتغليظ الشديد ، ولما قال له : { لارجمنك واهجرنى مليا } قال : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } وأما موسى عليه السلام فلما بعثه إلى فرعون قال له ولهرون : { فقولا له قولا لينا } مع أن جرم فرعون كان أغلظ من جرم أبي لهب ، كيف ومن شرع محمد عليه الصلاة والسلام أن الأب لا يقتل بابنه قصاصا ولا يقيم الرجم عليه وإن خاصمه أبوه وهو كافر في الحرب فلا يقتله بل يدفعه عن نفسه حتى يقتله غيره والجواب : من وجوه أحدها : أنه كان يصرف الناس عن محمد عليه الصلاة والسلام بقوله : إنه مجنون والناس ما كانوا يتهمونه ، لأنه كان كالأب له ، فصار ذلك كالمانع من أداء الرسالة إلى الخلق فشافهه الرسول بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة ، فصار بسبب تلك العداوة متهما في القدح في محمد عليه الصلاة والسلام ، فلم يقبل قوله فيه بعد ذلك وثانيها : أن الحكمة في ذلك ، أن محمدا لو كان يداهن أحدا في الدين ويسامحه فيه ، لكانت تلك المداهنة والمسامحة مع عمه الذي هو قائم مقام أبيه / فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل أحد أنه لا يسامح أحدا في شيء يتعلق بالدين أصلا وثالثها : أن الوجه الذي ذكرتم كالمتعارض ، فإن كونه عما يوجب أن يكون له الشفقة العظيمة عليه ، فلما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة ، لا جرم استحق التغليظ العظيم . السؤال الثالث : ما السبب في أنه لم يقل قل : { تبت يدا أبى لهب وتب } وقال في سورة الكافرون : { قل ياأهل أيها الكافرون } ؟ الجواب : من وجوه الأول : لأن قرابة العمومة تقتضي / رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل له : قل ذلك لئلا يكون مشافها لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى فإن أولئك الكفار ما كانوا أعماما له الثاني : أن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله تعالى : يا محمد أجب عنهم : { قل ياأهل أيها الكافرون } وفي هذه السورة طعنوا في محمد ، فقال الله تعالى أسكت أنت فإني أشتمهم : { تبت يدا أبى لهب } الثالث : لما شتموك ، فاسكت حتى تندرج تحت هذه الآية : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك ، يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتا ، فجعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ويزجره ، فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت الرسول ، فقال أبو بكر : ما السبب في ذلك ؟ قال : لأنك حين كنت ساكتا كان الملك يجيب عنك ، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان . واعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان الله ذابا عنه وناصرا له ومعينا . السؤال الرابع : ما الوجه في قراءة عبد الله بن كثير المكي حيث كان يقرأ : { أبى لهب } ساكنة الهاء ؟ الجواب : قال أبو علي : يشبه أن يكون لهب ولهب لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر ، وأجمعوا في قوله : { سيصلى نارا ذات لهب } على فتح الهاء ، وكذا قوله : { ولا يغنى من اللهب } وذلك يدل على أن الفتح أوجه من الإسكان ، وقال غيره : إنما اتفقوا على الفتح في الثانية مراعاة لو فاق الفواصل .

قسم V32/P154–V32/P155

! 7 < { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } . > 7 ! قوله تعالى : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } < < المسد : ( 2 ) ما أغنى عنه . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : ما في قوله : { ما أغنى } يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أي تأثير كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه ، فإنه لا أحدا كثر مالا من قارون فهل دفع الموت عنه ، ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع الموت عنه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك . المسألة الثانية : ما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية يعني مكسوبه أو كسبه ، يروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وأولادي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم ذكروا في المعنى وجوها : أحدها : لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعني رأس المال والأرباح وثانيها : أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها ، ونتاجها ، فإنه كان صاحب النعم والنتاج وثالثها : { ماله } الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه ورابعها : قال ابن عباس : { ما كسبت } ولده ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) وقال عليه السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) وروى أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع : فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب / الخبيث وخامسها : قال الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة رسول الله وسادسها : قال قتادة : { وما كسب } أي عمله الذي ظن أنه منه على شيء كقوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قال ههنا : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } وقال في سورة : { واليل إذا يغشى } } وما يغني عنه ماله إذا تردى } فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { } وما يغني عنه ماله إذا تردى } فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { } فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { ما أغنى عنى ماليه } وقوله : { أتى أمر الله } . السؤال الثاني : ما أغنى عنه ماله وكسبه فيماذا ؟ الجواب : قال بعضهم في عداوة الرسول : فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم : بل لم يغنيا عنه في دفع النار ولذلك قال : { سيصلى } . ! 7 < { سيصلى نارا ذات لهب } . > 7 ! قوله تعالى : { سيصلى نارا ذات لهب } < < المسد : ( 3 ) سيصلى نارا ذات . . . . . > > وفيه مسائل . المسألة الأولى : لما أخبر تعالى عن حال أبي لهب في الماضي بالتباب وبأنه ما أغنى عنه ماله وكسبه ، أخبر عن حاله في المستقبل بأنه : { سيصلى نارا } . المسألة الثانية : { سيصلى } قرىء بفتح الياء وبضمها مخففا ومشددا .

قسم V32/P155–V32/P156

المسألة الثالثة : هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه أحدها : الإخبار عنه بالتباب والخسار ، وقد كان كذلك وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده ، وقد كان كذلك . روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام دخل بيتنا ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا ، وكان العباس يهاب القوم ويكتم إسلامه ، وكان أبو لهب يخلف عن بدر ، فبعث مكانه العاص بن هشام ، ولم يتخلف رجل منهم إلا بعث مكانه رجلا آخر ، فلما جاء الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا في أنفسنا قوة ، وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح ألحيها في حجرة زمزم ، فكنت جالسا هناك وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه ، فجلس على طنب الحجرة وكان ظهري إلى ظهره ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، فقال له أبو لهب : كيف الخبر يا ابن أخي ؟ فقال : لقينا القوم ومنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف أرادوا ، وايم الله مع ذلك تأملت الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة ، ثم قلت : أولئك والله الملائكة ، فأخذني وضربني على الأرض ، ثم برك علي فضربني وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته على رأسه وشجته ، وقالت : تستضعفه أن غاب سيده ، والله نحن مؤمنون منذ أيام كثيرة ، وقد صدق فيما قال : فانصرف ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته ، / ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفناه حتى أنتين في بيته ، وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون ، وقالوا نخشى هذه القرحة ، ثم دفنوه وتركوه ، فهذا معنى قوله : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النار ، وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر . المسألة الرابعة : احتج أهل السنة على وقوع تكليف مالا يطاق بأن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار ، فقد صار مكلفا بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن ، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال . وأجاب الكعبي وأبو الحسين البصري بأنه لو آمن أبو لهب لكان لهذا الخبر خبرا بأنه آمن ، لا بأنه ما آمن ، وأجاب القاضي عنه فقال : متى قيل : لو فعل الله ما أخبر أنه لا يفعله فكيف يكون ؟ فجوابنا : أنه لا يصح الجواب عن ذلك بلا أو نعم . واعلم أن هذين الجوابين في غاية السقوط ، أما الأول : فلأن هذه الآية دالة على أن خبر الله عن عدم إيمانه واقع ، والخبر الصدق عن عدم إيمانه ينافيه وجود الإيمان منافاة ذاتية ممتنعة الزوال فإذا كان كلفه أن يأتي بالإيمان مع وجود هذا الخبر فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين . وأما الجواب الثاني : فأرك من الأول لأنا لسنا في طلب أن يذكروا بلسانهم لا أو نعم ، بل صريح العقل شاهد بأن بين كون الخبر عن عدم الإيمان صدقا ، وبين وجود الإيمان منافاة ذاتية ، فكان التكليف بتحصيل أحد المتضادين حال حصول الآخر تكليفا بالجمع بين الضدين ، وهذا الإشكال قائم سواء ذكر الخصم بلسانه شيئا أم بقي ساكتا . ! 7 < { وامرأته حمالة الحطب } . > 7 < المسد : ( 4 ) وامرأته حمالة الحطب > > أما قوله تعالى : { وامرأته حمالة الحطب } ففيه مسائل :

قسم V32/P156–V32/P158

المسألة الأولى : قرىء ومريئنه بالتصغير وقرىء حمالة الحطب بالنصب على الشتم ، قال صاحب الكشاف : وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل وقرىء بالنصب والتنوين والرفع . المسألة الثانية : أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية ، وكانت في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكروا في تفسير كونها حمالة الحطب وجوها : أحدها : أنها كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ، فإن قيل : إنها كانت من بيت العز فكيف يقال : إنها حمالة الحطب ؟ قلنا : لعلها كانت مع كثرة مالها خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب ، لأجل أن تليقه في طريق رسول الله وثانيها : أنها كانت تمشي بالنميمة يقال : الممشاء بالنمائم المفسد بين الناس : يحمل الحطب بينهم ، أي يوقد بينهم النائرة ، ويقال للمكثار : هو حاطب / ليل وثالثها : قول قتادة : أنها كانت تعير رسول الله بالفقر ، فعيرت بأنها كانت تحتطب والرابع : قول أبي مسلم وسعيد بن جبير : أن المراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول ، لأنه كالحطب في تصيرها إلى النار ، ونظيره أنه تعالى شبه فاعل الإثم بمن يمشي وعلى ظهره حمل ، قال تعالى : { فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } وقال تعالى : { يحملون أوزارهم على ظهورهم } وقال تعالى : { وحملها الإنسان } . المسألة الثالثة : امرأته إن رفعته ، ففيه وجهان أحدهما : العطف على الضمير في سيصلى ، أي سيصلي هو وامرأته . وفي جيدها في موضع الحال والثاني : الرفع على الإبتداء ، وفي جيدها الخبر . المسألة الرابعة : عن أسماء لما نزلت { تبت } جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر ، فدخلت المسجد ، ورسول الله جالس ومعه أبو بكر ، وهي تقول : مذمما قلينا ودينه أبينا وحكمه عصينا فقال أبو بكر : يا رسول الله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك ، فقال عليه السلام : ( إنها لا تراني ) وقرأ : { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا } وقالت لأبي بكر : قد ذكر لي أن صاحبك هجاني ، فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك ، فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني بنت سيدها وفي هذه الحكاية أبحاث : الأول : كيف جاز في أم جميل أن لا ترى الرسول ، وترى أبا بكر والمكان واحد ؟ الجواب : أما على قول أصحابنا فالسؤال زائل ، لأن عند حصول الشرائط يكون الإدراك جائزا لا واجبا ، فإن خلق الله الإدراك رأى وإلا فلا ، وأما المعتزلة فذكروا فيه وجوها أحدها : لعله عليه السلام أعرض وجهه عنها وولاها ظهره ، ثم إنها كانت لغاية غضبها لم تفتش ، أو لأن الله ألقى في قلبها خوفا ، فصار ذلك صارفا لها عن النظر وثانيها : لعل الله تعالى ألقى شبه إنسان آخر على الرسول ، كما فعل ذلك بعيسى وثالثها : لعل الله تعالى حول شعاع بصرها عن ذلك السمت حتى أنها ما رأته . واعلم أن الإشكال على الوجوه الثلاثة لازم ، لأن بهذه الوجوه عرفنا أنه يمكن أن يكون الشيء حاضر ولا نراه ، وإذا جوزنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون عندنا فيلات وبوقات ، ولا نراها ولا نسمعها . البحث الثاني : أن أبا بكر حلف أنه ما هجاك ، وهذا من باب المعاريض ، لأن القرآن لا يسمى هجوا ، ولأنه كلام الله لا كلام الرسول ، فدلت هذه الحكاية على جواز المعاريض . / بقي من مباحث هذه الآية سؤالان :

قسم V32/P158–V32/P159

السؤال الأول : لم لم يكتف بقوله : { وامرأته } بل وصفها بأنها حمالة الحطب ؟ الجواب : قيل : كان له امرأتان سواها فأراد الله تعالى أن لا يظن ظان أنه أراد كل من كانت امرأة له ، بل ليس المراد إلا هذه الواحدة . السؤال الثاني : أن ذكر النساء لا يليق بأهل الكرم والمروءة ، فكيف يليق ذكرها بكلام الله ، ولا سيما امرأة العم ؟ الجواب : لما لم يستبعد في امرأة نوح وامرأة لوط بسبب كفر تينك المرأتين ، فلأن لا يستعبد في امرأة كافرة زوجها رجل كافر أولى . ! 7 < { فى جيدها حبل من مسد } . > 7 ! قوله تعالى : { فى جيدها حبل من مسد } < < المسد : ( 5 ) في جيدها حبل . . . . . > > قال الواحدي : المسد في كلام العرب الفتل ، يقال مسد الحبل يمسده مسدا إذا أجاد فتله ، ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق ، والمسد ما مسد أي فتل من أي شيء كان ، فيقال لما فتل من جلود الإبل ، ومن الليف والخوص مسد . ولما فتل من الحديد أيضا مسد ، إذا عرفت هذا فنقول ذكر المفسرون وجوها أحدها : في جيدها حبل مما مسد من الحبال لأنها كانت تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون ، والمقصود بيان خساستها تشبيها لها بالحطابات إيذاءه لها ولزوجها وثانيها : أن يكون المعنى أن حالها يكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل الحزمة من الشوك ، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيدها حبل من سلاسل النار . فإن قيل : الحبل المتخذ من المسد كيف يبقى أبدا في النار ؟ قلنا : كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبدا في النار ، ومنهم من قال : ذلك المسد يكون من الحديد ، وظن من ظن أن المسد لا يكون من الحديد خطأ ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد أو من غيره ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين . < > 1 ( سورة الاخلاص ) 1 < > أربع آيات مكية ! 7 < { قل هو الله أحد } . > 7 ! { قل هو أحد } < < الإخلاص : ( 1 ) قل هو الله . . . . . > > قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصول :

قسم V32/P159–V32/P160

الفصل الأول : روى أبي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ سورة قل هو الله أحد ، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله وأمن بالله ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد ) ، وروى : ( أنه كان جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري ، فقال جبريل : هذا أبو ذر قد أقبل ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو تعرفونه ؟ قال : هو أشهر عندنا منه عندكم ، فقال عليه الصلاة والسلام : بماذا نال هذه الفضيلة ؟ قال لصغره في نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد ) وروى أنس قال : ( كنا في تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب كلنا ، فنزل جبريل وقال : إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك فيصلوا على معاوية بن معاوية ، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه ، ثم قال : بم بلغ ما بلغ ؟ فقال جبريل : كان يحب سورة الإخلاص ) وروى : ( أنه دخل المسجد فسمع رجلا يدعو ويقول أسألك يا ألله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فقال : غفر لك غفر لك غفر لك ثلاث مرات ) وعن سهل بن سعد : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال : إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك ، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه ) وعن أنس : ( أن رجلا كان يقرأ في جميع صلاته : { قل هو الله أحد } فسأله الرسول عن ذلك فقال : يا رسول الله إني أحبها ، فقال : حبك إياها / يدخلك الجنة ) وقيل من قرأها في المنام : أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله ، وكان مستجاب الدعوة .

قسم V32/P160

الفصل الثاني : في سبب نزولها وفيه وجوه الأول : أنها نزلت بسبب سؤال المشركين ، قال الضحاك : إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : شققت عصانا وسببت آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن كنت فقيرا أغنيناك ، وإن كنت مجنونا داويناك ، وإن هويت امرأة زوجناكها ، فقال عليه الصلاة والسلام : لست بفقير ، ولا مجنون ، ولا هويت امرأة ، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته ، فأرسلوه ثانية وقالوا : قل له بين لنا جنس معبودك ، أمن ذهب أو فضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا له : ثلثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا ، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق ؟ فنزلت : { والصافات } إلى قوله : { إن إلاهكم لواحد } فأرسلوه أخرى ، وقالوا : بين لنا أفعاله فنزل : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض } الثاني : أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس ، أن اليهود جاؤا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا محمد هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه ، وقال : اخفض جناحك يا محمد ، فنزل : { قل هو الله أحد } فلما تلاه عليهم قالوا : صف لنا ربك كيف عضده ، وكيف ذراعه ؟ فغضب أشد من غضبه الأول ، فأتاه جبريل بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } الثالث : أنها نزلت بسبب سؤال النصارى ، روى عطاء عن ابن عباس ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا : صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت ، أو ذهب ، أو فضة ؟ فقال : إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء فنزلت : { قل هو الله أحد } قالوا : هو واحد ، وأنت واحد ، فقال : ليس كمثله شيء ، قالوا : زدنا من الصفة ، فقال : { الله الصمد } فقالوا : وما الصمد ؟ فقال : الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج ، فقالوا : زدنا فنزل : { لم يلد } كما ولدت مريم : { ولم يولد } كما ولد عيسى : { ولم يكن له كفوا أحد } يريد نظيرا من خلقه .

قسم V32/P160–V32/P161

الفصل الثالث : في أساميها ، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة ، والعرف يشهد لما ذكرناه فأحدها : سورة التفريد وثانيها : سورة التجريد وثالثها : سورة التوحيد ورابعها : سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، ولأن من اعتقده كان مخلصا في دين الله ، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار ، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب وخامسها : سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا ، وعن النار في الآخرة وسادسها : سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة وسابعها : سورة النسبة لما روينا أنه ورد جوابا لسؤال من قال : أنسب لنا ربك ، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بني سليم : ( يا أخا بني سليم استوص / بنسبة الله خيرا ) وهو من لطيف المباني ، لأنهم لما قالوا : أنسب لنا ربك ، فقال : نسبة الله هذا والمحافظة على الأنساب من شأن العرب ، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض الأنساب أو ينقص ، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها وثامنها : سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة ، روى جابر أن رجلا صلى فقرأ : قل هو الله أحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك وتاسعها : سورة الجمال قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله جميل يحب الجمال ) فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحدا عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه وعاشرها : سورة المقشقشة ، يقال : تقشيش المريض مما به ، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال : { فى قلوبهم مرض } الحادي عشر : المعوذة ، روى أنه عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها ، ثم قال : ( نعوذ بهن فما تعوذت بخير منها ) والثاني عشر : سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى والثالث عشر : سورة الأساس ، قال عليه الصلاة والسلام : ( أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد ) ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله : { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال } فوجب أن يكون التوحيد سببا لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } الرابع عشر : سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال : لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي ، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران الخامس عشر : سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت السادس عشر : المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها السابع عشر : البراءة لأنه روى أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة ، فقال : أما هذا فقد برىء من الشرك ، وقال عليه السلام : من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار الثامن عشر : سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه التاسع عشر : سورة النور قال الله تعالى : { الله نور السماوات والارض } فهو المنور للسموات والأرض ، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام : ( إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد ) ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة ، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان العشرون : سورة الأمان قال عليه السلام : ( إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي ) .

قسم V32/P161–V32/P162

الفصل الرابع : في فضائل هذه السورة وهي من وجوه الأول : اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة / على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : { قل ياأهل أيها الكافرون } فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة : { قل ياأهل أيها الكافرون } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني : { قل ياأهل أيها الكافرون } ، و : { قل هو الله أحد } في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تقيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن : { قل ياأهل أيها الكافرون } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و : { قل هو الله أحد } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن : { قل ياأهل أيها الكافرون } تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله ، و : { قل هو الله أحد } تفيد براءة المعبود عن كل مالا يليق به الوجه الثاني : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقا للقرآن كانت خيرا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : { قل هو الله أحد } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث : وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرا بنور جلال الله وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل : فصفات الله أيضا مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضرا أبدا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل وليرجع الآن إلى التفسير . قوله تعالى : { قل هو الله أحد } فيه مسائل :

قسم V32/P162–V32/P163

المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذا لجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا / يقول لي : { قل هو الله أحد } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } . المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة : { قل ياأهل أيها الكافرون } من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : { تبت } وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : { قل هو الله أحد } وقرأ أبي وابن مسعود . بغير قل هكذا : { هو الله أحد } وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون قل هو هكذا : { الله أحد الله الصمد } فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام . المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها أحدها : أن هو كناية عن اسم الله ، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : { أحد } ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم الثاني : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد ، ونظيره قوله : { فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا } إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء : { فإنها لا لاولى الابصار } أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة ، كقوله : { إنه من يأت ربه مجرما } والثالث : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد .

قسم V32/P163

المسألة الرابعة : في أحد وجهان أحدهما : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد إثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة ، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الإهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحدكما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء . ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها أحدها : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه وثانيها : أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه إثنان بخلاف الأحد ، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومع أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه إثنان / وثالثها : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي ، تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم . المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله : { أحد الله الصمد } فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله ، وهو القياس الذي لا إشكال فيه / وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة ، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر ، وعن أبي عمرو ، أحد الله بغير تنوين ، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم ، ويرمي القوم ، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو : { لم يك } { ولا تك فى مرية } فكذا ههنا حذفت في أحد الله لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف . وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله : { عزير ابن الله } وروى أيضا عن أبي عمرو : { أحد الله } وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون ، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال : { فأضلونا السبيلا ربنا } { وما أدراك صبيا قال إنى عبد الله } لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم ، وقرأ الأعمش : { قل هو الله الواحد } فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة ، قال الماوردي : فيه وجهان أحدهما : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل : هو الله الأحد والثاني : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم .

قسم V32/P163–V32/P165

المسألة السادس : اعلم أن قوله : { هو الله أحد } ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ، وقوله : { هو } إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان ، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : { هو } كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، المقام الثاني : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق : فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو / الله ، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه والمقام الثالث : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل : { قل هو الله أحد } . وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية ، أما الإضافية فكقولنا : عالم ، قادر مربد خلاق ، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها ، وقولنا : الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية ، فكان قولنا : { الله أحد } تاما في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية / وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات . وهذه مجامع الصفات الإضافة ، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية ، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب ، وذلك لأن كل ماهية مركبة فه مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل مركب فهو ممكن لذاته ، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا ، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية ، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا ، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ويجب أن لا يكون حالا في شيء ، لأنه مع محله لا يكون أحدا ، ولا يكون محلا لشيء ، لأنه مع حاله لا يكون أحدا ، وإذا لم يكن حالاف ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن التغير لا بد وأن يكون من صفة إلى صفة ، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب ، فثبت أن كونه أحدا يستلزم كونه واحدا فإن قيل : كيف يعقل كون الشيء أحدا ، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد الجواب : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية ، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله : { الله أحد } كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله : { وإلاهكم إلاه واحد } .

الأسئلة