Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V04/P018–V04/P019

القول الثاني : وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضا وجوه : أولها : أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا ، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم ، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم ، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها ، وقوله تعالى : { إن الله واسع عليم } نظير قوله : { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } ( الرحمن : 33 ) فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم ، وهو نظير : { وهو معكم أينما كنتم } ( الحديد : 4 ) وقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ) وقوله : { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } ( غافر : 7 ) وقوله : { وسع كل شىء علما } ( طه : 98 ) أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه . وثانيها : قال قتادة : إن النبي عليه السلام قال : ( إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه ، قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ) فنزل قوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم أنزل الله وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بئايات } ( آل عمران : 199 ) فقالوا : إنه كان يصلي إلى غير القبلة ، أنزل الله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما ، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) . وثالثها : / لما نزل قوله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية ، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك . ورابعها : أنه خطاب للمسلمين ، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها ، وهو قول علي بن عيسى . وخامسها : من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب . المسألة الثانية : إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد ، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة ، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة . المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب } لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله : { رب المشرقين ورب المغربين } ( الرحمن : 17 ) وقوله : { برب المشارق والمغارب ورب المشارق والمغارب } ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) .

قسم V04/P019–V04/P020

المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ، الأول : أنه تعالى قال : { ولله المشرق والمغرب } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولا وعرضا وعمقا ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزها عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات . الوجه الثاني : أنه تعالى قال : { فأينما تولوا فثم وجه الله } ولو كان الله تعالى جسما وله وجه جسماني لكان وجهه مختصا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول : أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسما . الثاني : أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعا ، والسعة من صفة الأجسام . والجواب عن الأول : أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } لأن الوجه لو كان محاذيا للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه . الأول : أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله : { فثم وجه الله } أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها / فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة . الثاني : أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر : استغفر الله ذنبا لست أحصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

قسم V04/P020

ونظيره قوله تعالى : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) . الثالث : أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله ، ونظيره قوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } ( الإنسان : 9 ) يعني لرضوان الله ، وقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) يعني ما كان لرضا الله ، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه . الرابع : أن الوجه صلة كقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئا آخر غيره ، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر ، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى ، فإنه يقال لهذا القائل : فما معنى قوله تعالى : { فثم وجه الله } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته . والجواب عن الثاني : وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعا فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئا متبعضا فيفتقر إلى الخالق ، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك ، أو على أنه واسع العطاء والرحمة ، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق ، ولا يجوز حمله على السعة في العلم ، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكرارا ، فأما قوله : { عليم } في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن ، وما يخفي على الله من شيء ، فيكون متحذرا عن التساهل ، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : { واسع عليم } أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها ، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها . المسألة الخامسة : ولى إذا أقبل ، وولى إذا أدبر ، وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال ، وقرأ الحسن : { فأينما تولوا } بفتح التاء من التولي ، يريد فأينما توجهوا القبلة . ! 7 < { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والا رض كل له قانتون بديع السماوات والا رض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } > 7 < البقرة : ( 116 - 117 ) وقالوا اتخذ الله . . . . . > >

قسم V04/P020–V04/P021

اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ، واعلم أن الظاهر قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } أن يكون راجعا إلى قوله : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ( البقرة : 114 ) وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى ، لأن اليهود قالوا : عزيز ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيزا ابن الله ، أما قوله تعالى : { سبحانه } فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع آخر : { سبحانه أن يكون له ولد } ( النساء : 171 ) فمرة أظهره ، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله : { بل له ما في السماوات والارض } ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه . الأول : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولدا ، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته ، هذا خلف ، ثم نقول : إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجبا عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضي إلى كونه مركبا من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مركب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث ، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر ، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه ، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثا فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه ، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولدا له ، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله : { بل له ما في السماوات والارض } أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع . والثاني : أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديما أزليا أو محدثا ، فإن كان أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر والدا أولى من العكس ، فيكون ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل / وإن كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له .

قسم V04/P021–V04/P022

والثالث : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد ، فلو فرضنا له ولدا لكان مشاركا له من بعض الوجوه ، وممتازا عنه من وجه آخر ، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال ، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة . الرابع : أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه ، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة ، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالا ، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم ، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له ، وبأنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، وقال في مريم : { ذالك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( مريم : 34 ، 35 ) وقال أيضا في آخر هذه السورة : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمان ولدا وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا إن كل من فى السماوات والارض إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 88 93 ) فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكا لما في السموات والأرض ، وفي سورة مريم بكونه مالكا لمن في السموات والأرض على ما قال : { إن كل من فى السماوات والارض إلا اتى الرحمان عبدا } قلنا : قوله تعالى في هذه السورة : { بل له ما في السماوات والارض } أتم ، لأن كلمة ( ما ) تتناول جميع الأشياء ، وأما قوله تعالى : { كل له قانتون } ( الروم : 26 ) ففيه مسائل :

قسم V04/P022–V04/P023

المسألة الأولى : القنوت : أصله الدوام ، ثم يستعمل على أربعة أوجه : الطاعة ، كقوله تعالى : { العالمين يامريم اقنتى لربك } ( آل عمران : 43 ) وطول القيام ، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل ؟ قال : ( طول القنوت ) وبمعنى السكوت ، كما قال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) فأمسكنا عن الكلام ، ويكون بمعنى الدوام ، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : { كل له قانتون } أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء الكفار : ليسوا مطيعين ، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول السدي ، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين ، وقوله : { له ما في السماوات } يتناول من لا يكون مكلفا فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر . الأول : بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية . الثاني : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة . الثالث : أراد به الملائكة وعزيزا والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى / عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى إلها فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة / فانقطع النصراني . المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه . المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله : { قانتون } جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيرا لشأنهم . أما قوله تعالى : { بديع السماوات والارض } ففيه مسائل : المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعا . المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال : { بل له ما في السماوات والارض } فبين بذلك كونه مالكا لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضا للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } وفيه مسائل :

قسم V04/P023

المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب ( ق ض ى ) وأصله ( قضاي ) إلا أن الياء لما وقعت طرفا بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفا ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا ، ومن نظائره المضاء والأتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم ؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعا للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، / وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : { فقضاهن سبع سماوات } ( فصلت : 12 ) وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعا له وفراغا منه ، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم ؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضا على معنى القطع ، فأولها : قضيه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة / لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل . وثانيها ؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعا للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل . وثالثها : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ورابعها : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة .

قسم V04/P023–V04/P024

المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه . أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : { فقضاهن سبع سماوات } يعني خلقهن . وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( الإسراء : 23 ) . وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي . ورابعا : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب } ( الإسراء : 4 ) أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقرونا بإلى . وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : { فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين } ( الأحقاف : 29 ) يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : { وقضى الامر واستوت على الجودى } ( هود : 44 ) يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : { ليقضوا تفثهم } ( الحج : 29 ) بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إذا قضى أمرا } ( آل عمران : 47 ) قيل : إذا خلق شيئا ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئا ، وقيل : أحكم أمرا ، قال الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : { كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : { كن فيكون الحق } ( آل عمران : 59 ، 60 ) وفي الأنعام : { كن فيكون قوله الحق } ( الأنعام : 73 ) فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون . / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : { فإنما يقول له كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) هو أنه تعالى يقول له : { كن } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول : أن قوله : { كن فيكون } إما أن يكون قديما أو محدثا والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على { كن } إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديما لوجوه . الأول : أن كلمة { كن } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لا بد وأن يكون محدثا ، والكاف لكونه متقدما على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا . الثاني : أن كلمة { إذا } لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثا لأنه دخل عليه حرف { إذا } وقوله { كن } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال : { فإنما يقول له كن } والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون : { كن } قديما . الثالث : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : { كن } بفاء التعقيب فيكون قوله : { كن } مقدما على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثا فقوله : { كن } لا يجوز أن يكون قديما ، ولا جائز أيضا أن يكون قوله : { كن } محدثا لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله : { كن } وقوله : { كن } أيضا محدث فيلزم افتقار : { كن } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله : { كن } .

قسم V04/P024–V04/P026

الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود ، والأول : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، والثاني : أيضا باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجودا وذلك أيضا لا فائدة فيه . الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جمادا ، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم . الحجة الرابعة : أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، فإذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله : { كن } فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفا على قوله : { كن } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادرا على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ . الحجة الخامسة : أن { كن } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة . الحجة السادسة : أن { كن } كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدما على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، فإن كان الأول لم يكن لكلمة { كن } أثر البتة ، بل التأثير لأحد هذين الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة . / الحجة السابعة : قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) بين أن قوله : { كن } متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه ، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله : { كن } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) . الثاني : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا يحكى ذلك عن أبي الهذيل . الثالث : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم ؛ { كونوا قردة خاسئين } ( البقرة : 65 ) ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم . الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول . ! 7 < { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ ءاية كذالك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون } > 7 ! < < البقرة : ( 118 ) وقال الذين لا . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ، ففيه مسائل :

قسم V04/P026

المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة ، وقال أكثر المفسرين ؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وقالوا : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } ( الأنبياء : 5 ) ، وقالوا { لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) هذا قول أكثر المفسرين ، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذالك } ( النساء : 153 ) فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل الكتاب أهل العلم ، قلنا : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك . المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلا بد / وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد ، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الإعتقاد وتزول الشبهة وأيضا فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة ، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { كذالك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون } ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه . الأول : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج ، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : { وقالوا لو ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه إنما الايات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت : 50 ، 51 ) فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية . وثانيها : لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) . وثالثها : إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفساد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهيا إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزا وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة .

قسم V04/P026–V04/P027

أما قوله تعالى : { تشابهت قلوبهم } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم ، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل ، كقولهم : { لن نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) وقولهم : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) وقوله : { أتتخذنا هزوا } ( البقرة : 67 ) وقولهم : { أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل . أما قوله تعالى : { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين . ! 7 < { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } > 7 ! < < البقرة : ( 119 ) إنا أرسلناك بالحق . . . . . > > اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله : { بالحق } وجوه . أحدها : أنه متعلق بالإرسال ، أي أرسلناك إرسالا بالحق . وثانيها : أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به . وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن ، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب ، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك . أما قوله تعالى : { ولا تسئل عن أصحاب الجحيم } ففيه قراءتان : الجمهور برفع التاء واللام على الخبر ، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي . أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه . أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } ( الرعد : 40 ) ، وقوله : { عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ( النور : 54 ) . والثاني : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء ، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) . الثالث : لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت ، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه ، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا .

قسم V04/P027–V04/P029

أما القراءة الثانية ففيها وجهان ، الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالما بكفرهم ، وكان عالما بأن الكافر معذب ، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي . والثاني : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب ، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك : لا تسأل عنه ، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، أو أنت مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره ، فلا تسأل ، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي : ( وما تسأل ) وقراءة عبد الله ( ولن تسأل ) . ! 7 < { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } > 7 < البقرة : ( 120 - 121 ) ولن ترضى عنك . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : { قل إن هدى الله هو الهدى } بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى قوله : { ولئن واتبعوا أهواءهم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، { بعد الذي جاءك من العلم } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة . { ما لك من الله من ولي ولا نصير } أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه . وثانيها : أن قوله : { بعد الذي جاءك من العلم } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق . وثالثها : فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد . ورابعها : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف ، لأن اتباع أهوائهم كفر ، وعندنا لا شفاعة في الكفر . ! 7 < { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولائك يؤمنون به ومن يكفر به فأولائك هم الخاسرون } > 7 ! شا المسألة الأولى : { الذين } موضعه رفع بالابتداء . و { أولائك } ابتداء ثان و { يؤمنون به } خبره .

قسم V04/P029–V04/P030

المسألة الثانية : المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } من هم فيه قولان : القول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه . أحدها : أن قوله : { يتلونه حق تلاوته } حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل ، فإن قراءتهما غير جائزة . وثانيها : أن قوله تعالى : { أولئك يؤمنون به } يدل على أن الإيمان مقصود عليهم ، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك . وثالثها : قوله : { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن . القول الثاني : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام . أما قوله تعالى : { يتلونه حق تلاوته } فالتلاوة لها معنيان . أحدهما : القراءة . الثاني : الإتباع فعلا ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلا ، قال الله تعالى : { والقمر إذا تلاها } ( الشمس : 2 ) فالظاهر أنه يقع عليهما جميعا ، ويصح فيهما جميعا المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه . فأولها : أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما . وثانيها : أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم . وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه . ورابعها : يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق . وخامسها : أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد لها لفظا ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيرا لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم . ! 7 < { يابنىإسراءيل اذكروا نعمتى التىأنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون 7 < البقرة : ( 122 - 123 ) يا بني إسرائيل . . . . . > > قد تقدم تفسيرهما في الآيتين المتقدمتين { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظالمين } > < < البقرة : ( 124 ) وإذ ابتلى إبراهيم . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي } إلى قوله : { ولا هم ينصرون } شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله ، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته . وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أمورا توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، وبيانه من وجوه :

قسم V04/P030–V04/P031

أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه . وثانيها : أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين ، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل . وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك . ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى ، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم . وخامسها : أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى / وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان ، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار ، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام . واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أمورا يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها ، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها ، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى ، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف . أما التكليف فقوله تعالى : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : العامل في { إذا } إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما { قال إنى جاعلك } .

قسم V04/P031–V04/P032

المسألة الثانية : أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعا لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره ، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازا لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد ، وقال هشام بن الحكم : إنه كان في الأزل عالما بحقائق الأشياء وماهياتها فقط ، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، قال : إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } وقال : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } وقال في هذه السورة بعد ذلك : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) وذكر أيضا ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وكلمة { لعل } للترجي وقال : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها ، أما العقل فدل على وجوه . أحدها : أنه تعالى لو كان عالما بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق ، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال ، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالا لعين هذه الدلالة ، فلو كان الباري تعالى عالما بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع ، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا : إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادرا إذ لو كان موجبا لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه ، وأما / في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا كوننا متمكنين من الفعل والترك ، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك ، فلو كان أحدهما واجبا والآخر ممتنعا لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة . وثانيها : أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر ، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر ، ولو كان التعلقان تعلقا واحدا لاستحال ذلك ، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوما مذهولا عنه ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان تعالى عالما بجميع هذه الجزئيات ، لكان له تعالى علوم غير متناهية ، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية ، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال ، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه ، فالناقص متناه ، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة / والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهيا ، فإذا وجود أمور غير متناهية محال ، فإن قيل : الموجود هو العلم ، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان ، قلنا : العلم إنما يكون علما لو كان متعلقا بالمعلوم ، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلا في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علما في نفس الأمر وذلك محال .

قسم V04/P032

وثالثها : أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها ، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم ، فإن علم عددها فهي متناهية ، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه ، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالما بها على سبيل التفصيل ، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي . ورابعها : أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه ، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه ، وكل ما خرج عنه فهو متناه ، فإذن كل معلوم فهو متناه ، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوما . وخامسها : أن الشيء إنما يكون معلوما لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه ، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة ، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصا البتة ، فاستحال كونه متعلق العلم ، فإن قيل : يبطل هذا بالمحالات والمركبات قبل دخولها في الوجود ، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة ، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا ، وليس جوابا عن كلامنا ، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة ، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها ، واعلم أن هشاما كان رئيس الرافضة ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء ، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غدا تطلع من مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى ، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك / محال ، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلا وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب .

قسم V04/P032–V04/P033

أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة . وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها . وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل . وأما الشبهة الرابعة : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئا واحدا إلا إذا علم أمورا لا نهاية لها . وأما الشبهة الخامسة : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالما عن المعارض ، وبالله التوفيق . المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدما على المذكور لفظا ومعنى / وإما أن يكون متأخرا عنه لفظا ومعنى ، وإما أن يكون متقدما لفظا ومتأخرا معنى ، وإما أن يكون بالعكس منه . أما القسم الأول : وهو أن يكون متقدما لفظا ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جنى بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله : جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز . القسم الثاني : وهو أن يكون الضمير متأخرا لفظا ومعنى ، وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه . القسم الثالث : أن يكون الضمير متقدما في اللفظ متأخرا في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدما في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزا . القسم الرابع : أن يكون الضمير متقدما في المعنى متأخرا في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه } فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير : وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدما في اللفظ بل كان متأخرا لا جرم كان جائزا حسنا . / المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : ( إبراهام ) بألف بين الهاء والميم ، والباقون ( إبراهيم ) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه ( إبراهيم ربه ) برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا .

قسم V04/P033–V04/P034

المسألة الخامسة : اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا ؟ فقال بعضهم : اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة ، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق ، ولهذا قلنا : إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية : تكاليف شاقة شديدة ، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل ، وقال : إني جاعلك للناس إماما ، بل قال : { ءان جاعلك } فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضي على هذا القول فقال : هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماما فأتمهن ، إلا أنه ليس كذلك / بل ذكر قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } بعد قوله : { فأتمهن } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : { إنى جاعلك للناس إماما } ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط ، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال ، ثم أخبر عنه أنه أتمها ، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل ، وهذا مما لا يعد فيه . القول الثاني : أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين ، أحدهما : بكلمات كلفه الله بهن ، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } مما شاء كلفه بالأمر بها . والوجه الثاني : بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال . أحدها : قال ابن عباس : هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في الرأس : فالمضمضة ، والإستنشاق / وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما التي في البدن : فالختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، والاستنجاء بالماء .

قسم V04/P034–V04/P035

وثانيها : قال بعضهم : ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة : { التائبون العابدون } ( التوبة : 112 ) إلى آخر الآية ، وعشر منها في سورة الأحزاب : { إن المسلمين والمسلمات } ( الأحزاب : 35 ) إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون : { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) إلى قوله : { أولئك هم الوارثون } ( المؤمنون : 10 ) وروى عشر في : { سأل سائل } ( المعارج : 1 ) إلى قوله : { والذين هم على صلاتهم يحافظون } ( المعارج : 34 ) فجعلها أربعين سهما عن ابن عباس . وثالثها : أمره بمناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس . ورابعها : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس ، والقمر ، والكواكب ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة ، فوفي بالكل فلهذا قال الله تعالى : { وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 37 ) عن الحسن . وخامسها : أن المراد ما ذكره في قوله : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) . وسادسها : المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه الله : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم .

قسم V04/P035

المسألة السادسة : قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماما ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدما في الوجود على صيرورته إماما وهذا أيضا ملائم لقضايا العقول ، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة ، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب ، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجرا من أمته / وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون : إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفا بتلك التكاليف إلا من الوحي ، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك ، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبيا مبعوثا إلى الخلق ، إذا عرفت هذه المسألة فنقول ما قال القاضي : يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر ، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة ، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا الختان ، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة ، ثم قال : فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات / هذه الأشياء كان المراد من قوله : { أتمهن } أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة . المسألة السابعة : الضمير المستكن في { بكلمات فأتمهن } في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من غير تفريط وتوان . ونحوه : { وإبراهيم الذى وفى } وفي الأخرى لله تعالى بمعنى : فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا . أما قوله تعالى : { إنى جاعلك للناس إماما } فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك . وفيه مسائل :

الأسئلة