Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V01/P111–V01/P112

> الصفة التي تكون مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود . اعلم أن هذا البحث مبني على أنه هل يجوز قيام هذه الصفات بذات الله تعالى ؟ فالمعتزلة والفلاسفة ينكرونه أشد الإنكار ويحتجون عليه بوجوه : - الأول : أن تلك الصفة إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها والقسمان باطلان فبطل القول بالصفات وإنما قلنا أن يمتنع كونها واجبة لذاتها لوجهين ( الأول ) أنه ثبت في الحكمة أن واجب الوجود لذاته لا يكون إلا واحدا ( الثاني ) أن الواجب لذاته هو الذي يكون غنيا عما سواه والصفة هي التي تكون مفتقرة إلى الموصوف فالجمع بين الوجوب الذاتي وبين كونه صفة للغير محال وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون ممكنا لذاته لوجهين ( الأول ) أن الممكن لذاته لا بد له من سبب وسببه لا يجوز أن يكون غير ذات الله لأن تلك الذات لما امتنع خلوها عن تلك الصفة وتلك الصفة مفتقرة إلى الغير لزم كون تلك الذات مفتقرة إلى الغير . وما كان كذلك كان ممكنا لذاته فيلزم أن يكون الواجب لذاته ممكنا لذاته وهو محال ولا يجوز أن يكون هو ذات الله تعالى ؛ لأنها قابلة لتلك الصفة فلو كانت مؤثرة فيها لزم كون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد فاعلا وقابلا معا وهو محال ؛ لما ثبت أن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد والفعل والقبول أثران مختلفان ( الثاني ) أن الأثر مفتقر إلى المؤثر فافتقاره إليه إما أن يكون بعد حدوثه أو حال حدوثه أو حال عدمه والأول باطل . وإلا لكان تأثير ذلك المؤثر في إيجاده تحصيلا للحاصل وهو محال فبقي القسمان الأخيران وذلك يقتضي أن يكون كلما كان الشيء أثرا لغيره كان حادثا فوجب أن يقال : الشيء الذي لا يكون حادثا فإنه لا يكون أثرا للغير فثبت أن القول بالصفات باطل . الحجة الثانية : على نفي الصفات : قالوا : إن تلك الصفات إما أن تكون قديمة أو حادثة والأول باطل لأن القدم صفة ثبوتية على ما بيناه فلو كانت الصفات قديمة لكانت الذات مساوية للصفات في القدم ويكون كل واحد منهما مخالفا للآخر بخصوصية ماهيته المعينة وما به المشاركة غير ما به المخالفة فيكون كل واحد من تلك الأشياء القديمة مركبا من جزأين ثم نقول : ويجب أن يكون كل واحد من ذينك الجزأين قديما لأن جزء ماهية القديم يجب أن يكون قديما وحينئذ يكون ذانك الجزآن يتشاركان في القدم ويختلفان بالخصوصية فيلزم كون كل واحد منهما مركبا من جزأين وذلك محال لأنه يلزم أن يكون حقيقة الذات وحقيقة كل واحدة من تلك الصفات مركبة من أجزاء غير متناهية وذلك محال وإنما قلنا إنه يمتنع كون تلك الصفات حادثة لوجوه : ( الأول ) : أن قيام الحوادث بذات الله محال لأن تلك الذات إن كانت كافية في وجود تلك الصفة أو دوام عدمها لزم دوام وجود تلك الصفة أو دوام عدمها بدوام تلك الذات وإن لم تكن كافية فيه فحينئذ تكون تلك الذات واجبة الاتصاف بوجود تلك الصفة أو عدمها وذلك الوجود والعدم يكونان موقوفين على شيء منفصل والموقوف على الموقوف على الغير موقوف على الغير والموقوف على الغير ممكن لذاته ينتج أن الواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال . ( والثاني ) أن ذاته لو كانت قابلة للحوادث لكانت قابلية تلك الحوادث من لوازم ذاته فحينئذ يلزم كون تلك القابلية أزلية لأجل كون تلك الذات أزلية لكن يمتنع كون قابلية الحوادث أزلية ؛ لأن قابلية الحوادث مشروط بإمكان وجود الحوادث وإمكان وجود الحوادث في الأزل محال فكان وجود قابليتها في الأزل محالا . ( الثالث ) أن تلك الصفات لما كانت حادثة فإن الإله الموصوف بصفات الإلهية كان موجودا قبل حدوث هذه الصفات فحينئذ تكون هذه الصفات مستغنى عنها في ثبوت الإلهية فوجب نفيها فثبت أن تلك الصفات إما أن تكون حادثة أو قديمة وثبت فسادهما فثبت امتناع وجود الصفة .

قسم V01/P112

الحجة الثالثة : أن تلك الصفات إما أن تكون بحيث تتم الإلهية بدونها أو لا تتم فإن كان الأول كان وجودها فضلا زائدا فوجب نفيها وإن كان الثاني كان الإله مفتقرا في تحصيل صفة الإلهية إلى شيء آخر . والمحتاج لا يكون إلها . الحجة الرابعة : ذاته تعالى إما أن تكون كاملة في جميع الصفات المعتبرة في المدائح والكمالات وإما أن لا تكون فإن كان الأول فلا حاجة إلى هذه الصفات وإن كان الثاني كانت تلك الذات ناقصة في ذاتها مستكملة بغيرها وهذه الذات لا يليق بها صفة الإلهية . الحجة الخامسة : لما كان الإله هو مجموع الذات والصفات فحينئذ يكون الإله مجزأ مبعضا منقسما وذلك بعيد عن العقل ؛ لأن كل مركب ممكن لا واجب . الحجة السادسة : أن الله تعالى كفر النصارى في التثليث فلا يخلو إما أن يكون لأنهم قالوا بإثبات ذوات ثلاثة أو لأنهم قالوا بالذات مع الصفات والأول لا يقوله النصارى فيمتنع أن يقال إن الله كفرهم بسبب مقالة هم لا يقولون بها فبقي الثاني وذلك يوجب أن يكون القول بالصفات كفرا . فهذه الوجوه يتمسك بها نفاة الصفات وإذا كان الأمر كذلك فعلى هذا التقدير يمتنع أن يحصل الله تعالى اسم بسبب قيام الصفة الحقيقية به . <

قسم V01/P112–V01/P113

> المسالة الثانية في دلائل مثبتي القول بالصفات : < > اعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالما قادرا حيا فنقول يمتنع أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات ويدل عليه وجوه ( الأول ) أنا ندرك تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا : ذات الله ذات وبين قولنا : ذات الله عالمة قادرة وذلك يدل على أن كونه عالما قادرا ليس نفس تلك الذات ( الثاني ) أنه يمكن العلم بكونه موجودا مع الذهول عن كونه قادرا وعالما وكذلك يمكن أن يعلم كونه قادرا مع الذهول عن كونه عالما وبالعكس وذلك يدل على أنه كونه عالما قادرا ليس نفس تلك الذات ( الثالث ) أن كونه عالما عام التعلق بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن وكونه قادرا ليس عام التعلق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة : بل هو مختص بالجائز فقط ولولا الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان كذلك ( الرابع ) أن كونه تعالى قادرا يؤثر في وجود المقدور وكونه عالما لا يؤثر ولولا المغايرة وإلا لما كان كذلك ( الخامس ) أن قولنا : موجود يناقضه قولنا : ليس بموجود ولا يناقضه قولنا : ليس بعالم وذلك يدل على أن المنفي بقولنا : ليس بموجود مغاير للمنفي بقولنا : ليس بعالم وكذا القول في كونه قادرا . فهذه دلائل واضحة على أنه لا بد من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى إلا أنه بقي أن يقال : لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من كونه قادرا كونه بحيث يصح منه الإيجاد وتلك الصحة معللة بذاته وكونه عالما معناه الشعور والإدراك وذلك حالة نسبية إضافية وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة وهذا تمام الكلام في هذا الباب . < > المسألة الثالثة : < > أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة وهي مثل العلم والقدرة فإن العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالعلوم والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات . أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق الله تعالى فليست إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو الدراك الفعال ؛ إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضا كذلك وحينئذ لا تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول وقال المتكلمون إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالما قادرا واحتجوا عليه بان الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في هذه الصحة فلا بد وأن تكون تلك الذوات مختلف في قبول صفة الحياة فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة فيقال لهم : قد دللنا على أن ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة فسقط هذا الدليل وأيضا الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى ولزم التسلسل ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية وقال قوم ثالث : معنى كونه حيا أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم فهذا عبارة عن نفي الامتناع ولكن الامتناع عدم فنفيه يكون عدما للعدم فيكون ثبوتا فيقال لهم : هذا مسلم لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة ؟ فإن قالوا : الدليل عليه أنا نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية فوجب أن يكون كونها حية مغايرا لتلك الذات فيقال لهم : قد دللنا على أن لا نعقل ذات الله تعالى تعقلا ذاتيا وإنما نتعقل تلك الذات تعقلا عرضيا وعند هذا يسقط هذا الدليل فهذا تمام الكلام في هذا الباب . < > المسألة الرابعة : <

قسم V01/P113–V01/P114

> لفظ الحي وارد في القرآن قال الله تبارك وتعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ البقرة : 255 ] وقال : وعنت الوجوه للحي القيوم [ طه : 111 ] وقال : هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين [ غافر : 65 ] فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم فما السبب في أن ذكره الله تعالى في معرض المدح العظيم ؟ فالجواب أن التمدح لم يحصل بمجرد كونه حيا بل بمجموع كونه حيا قيوما وذلك لأن القيوم هو القائم بإصلاح حال كل ما سواه وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة والحي هو الدراك الفعال فقوله الحي يعني كونه دراكا فعالا وقوله القيوم يعني كونه دراكا لجميع الممكنات فعالا لجميع المحدثات والممكنات فحصل المدح من هذا الوجه . < > الباب الخامس < > < > في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية <

قسم V01/P114–V01/P115

> اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة عقلية وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون وقال آخرون إنه غيره واحتج النفاة بوجوه : - الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار . الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها إلى تكوين آخر ولزم التسلسل . الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية فإن كان الأول فحينئذ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود وإلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى وإن كان الثاني فحينئذ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير فوجب أن لا تكون القدرة قدرة وذلك يوجب التناقض . واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا ثم نقول : كونه موجدا إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمرا زائدا والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجدا له ألا ترى أنه إذا قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده فلو كان كون الموجد موجدا له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجودية يقتضي تعليل وجوده نفسه ولو كان معللا بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل فوجب أن يكون كون الموجد موجدا أمرا مغايرا لكون الفاعل قادرا لوجود الأثر فثبت أن التكوين غير المكون . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا : معنى كونه تعالى خالقا رازقا محييا مميتا ضارا نافعا عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء . وأما القائلون بأن التكوين غير المكون فقالوا معنى كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية . اعلم أن الصفات الإضافية على أقسام ( أحدها ) كونه معلوما مذكورا مسبحا ممجدا فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان يا أيها الممدوح عند كل إنسان يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية . وثانيها : كونه تعالى فاعلا للأفعال صفة إضافية محضة بناء على أن تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد كونه موجدا أو المخبر عنه كونه موجدا للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية أما القسم الأول - وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجدا - فههنا ألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة مثل : الموجد والمحدث والمكون والمنشئ والمبدع والمخترع والصانع والخالق والفاطر والبارئ فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ومع ذلك فالفرق حاصل : أما الاسم الأول - وهو الموجد - فمعناه المؤثر في الوجود وأما المحدث فمعناه الذي جعله موجودا بعد أن كان معدوما وهذا أخص من مطلق الإيجاد وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفا للموجد وأما المنشئ فاشتقاقه من النشوء والنماء وهو الذي يكون قليلا قليلا على التدريج وأما المبدع فهو الذي يكون دفعة واحدة وهما كنوعين تحت جنس الموجد .

قسم V01/P115–V01/P116

والمخترع قريب من المبدع وأما الصانع فيقرب أن يكون اسما لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى يرجع إلى العلم وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ويشبه أن يكون معناه هو الأحداث دفعة وأما البارئ فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة يقال : برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على كونه موجدا على سبيل العموم أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد أن تكون غير متناهية ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة فالمثال الأول : إنه إذا خلق النافع سمي نافعا وإذا خلق المؤلم سمي ضارا والمثال الثاني : إذا خلق الحياة سمي محييا وإذا خلق الموت سمي مميتا والمثال الثالث : إذا خصهم بالإكرام سمي برا لطيفا وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا والمثال الرابع : إذا قلل العطاء سمي قابضا وإذا أكثره سمي باسطا والمثال الخامس : إن جارى ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقما وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفوا غفورا رحيما رحمانا المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضا باسطا وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا . إذا عرفت هذا فنقول : إن أقسام مقدورات الله تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية فلا جرم يمكن أن يحصل لله تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار . وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا دقائق لا بد منها : فالدقيقة الأولى أن مقابل الشيء تارة يكون ضده وتارة يكون عدمه فقولنا : المعز المذل وقولنا المحيي المميت يتقابلان تقابل الضدين وأما قولنا : القابض الباسط الخافض الرافع فيقرب من أن يكون تقابلهما تقابل العدم والوجود لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان ؛ لأنه فرق بين أن لا يعزه وبين أن يذله . والدقيقة الثانية أنه قد تكون الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف وله أمثله : المثال الأول : الرؤوف الرحيم يقرب من هذا الباب إلا أن الرؤوف أميل إلى جانب إيصال النفع والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر والمثال الثاني : ألفاتح والفتاح والنافع والنفاع والواهب والوهاب فالفاتح يشعر بإحداث سبب الخير والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه والنافع يشعر بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به وإذا وقفت على هذا القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء . <

قسم V01/P116

> الباب السادس < > < > في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية <

قسم V01/P116–V01/P117

> واعلم أن القرآن مملوء منه وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن يكون عائدا إلى الذات أو إلى الصفات أو إلى الأفعال أما السلوب العائدة إلى الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا كقولنا : إنه ليس جوهرا ولا جسما ولا في المكان ولا في الحيز ولا حالا ولا محلا واعلم أنا قد دللنا على أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة لكن أنواع الذوات والصفات المغايرة لذاته غير متناهية فلا جرم يحصل ههنا سلوب غير متناهية ومن جملتها قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء [ محمد : 38 ] وقوله : وربك الغني ذو الرحمة [ الأنعام : 133 ] لأن كونه غنيا أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء غيره ومنه أيضا قوله لم يلد ولم يولد [ الإخلاص : 3 ] وأما السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه الله تعالى عنها فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب أضداد القدرة ومنها ما يكون من باب أضداد الاستغناء ومنها ما يكون من باب أضداد الوحدة ؛ ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام أحدها : نفي النوم قال تعالى : لا تأخذه سنة ولا نوم [ البقرة : 255 ] وثانيها نفي النسيان قال تعالى : وما كان ربك نسيا [ مريم : 64 ] وثالثها نفي الجهل قال تعالى : لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض [ سبأ : 3 ] ورابعها أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شان . وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام : أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب قال تعالى ^ { وما مسنا من لغوب ق } ^ [ ^ : 38 ] وثانيها أن لا يحتاج في فعله إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة قال تعالى : ^ { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ^ [ النحل : 40 ] وثالثها أنه لا تفاوت في قدرته بين فعل الكثير والقليل قال تعالى : ^ { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } ^ [ النحل : 77 ] ورابعها نفي انتهاء القدرة وحصول الفقر قال تعالى : ^ { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ^ [ آل عمران : 181 ] واما السلوب العائدة إلى صفة الاستغناء فكقوله : ^ { وهو يطعم ولا يطعم } ^ [ الأنعام : 14 ] ^ { وهو يجير ولا يجار عليه } ^ [ المؤمنون : 88 ] وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدة - وهو مثل نفي الشركاء والأضداد والأنداد فالقرآن مملوء منه وأما السلوب العائدة إلى الأفعال وهو أنه لا يفعل كذا وكذا - فالقرآن مملوء منه أحدها أنه لا يخلق الباطل قال تعالى : ^ { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا } ^ [ ص : 27 ] وقال تعالى حكاية عن المؤمنين ^ { ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا } ^ [ آل عمران : 191 ] وثانيها أنه لا يخلق اللعب قال تعالى : ^ { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وما خلقناهما إلا بالحق } ^ وثالثها لا يخلق العبث ؛ قال تعالى : ^ { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الملك الحق } ^ [ المؤمنون : 115 ] ورابعها أنه لا يرضى بالكفر قال تعالى : ولا يرضى لعباده الكفر [ الزمر : 7 ] وخامسها أنه لا يريد الظلم قال تعالى : وما الله يريد ظلما للعباد [ غافر : 31 ] وسادسها أنه لا يحب الفساد قال تعالى : والله لا يحب الفساد [ البقرة : 205 ] وسابعها أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم قال تعالى : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم [ النساء : 147 ] وثامنها أنه لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين قال تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : 7 ] وتاسعها : أنه ليس لأحد عليه اعتراض في أفعاله وأحكامه قال تعالى : ^ { لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون } ^ [ الأنبياء : 23 ] وقال تعالى : ^ { فعال لما يريد } ^ [ هود : 107 ] وعاشرها : أنه لا يخلف وعده ووعيده قال تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ ق : 29 ] .

قسم V01/P117

إذا عرفت هذا الأصل فنقول : أقسام السلوب بحسب الذات وبحسب الصفات وبحسب الأفعال غير متناهية فيحصل من هذا الجنس أيضا أقسام غير متناهية من الأسماء إذا عرفت هذا الأصل ؛ فلنذكر بعض الأسماء المناسبة لهذا الباب : فمنها القدوس والسلام ويشبه أن يكون القدوس عبارة عن كون حقيقة ذاته مخالفة للماهيات التي هي نقائص في أنفسها والسلام عبارة عن كون تلك الذات غير موصوفة بشيء من صفات النقص فالقدوس سلب عائد إلى الذات والسلام سلب عائد إلى الصفات وثانيها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير وثالثها الغفار وهو الذي يسقط العقاب عن المذنبين ورابعها الحليم وهو الذي لا يعاجل بالعقوبة ومع ذلك ؛ فإنه لا يمتنع من إيصال الرحمة وخامسها الواحد ومعناه أنه لا يشاركه أحد في حقيقته المخصوصة ولا يشاركه أحد في نظم العالم وتدبير أحوال العرش سادسها الغني : ومعناه كونه منزها عن الحاجات والضرورات وسابعها الصبور والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور هو الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه والحليم هو الذي يكون كذلك مع أنه لا يمنعه من إيصال نعمته إليه وقس عليه البواقي والله الهادي . <

قسم V01/P117

> الباب السابع < > < > في الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية وفيه فصول < > < > الفصل الأول < > < > في الأسماء الحاصلة بسبب القدرة < > والأسماء الدالة على صفة القدرة كثيرة : الأول القادر قال تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم [ الأنعام : 65 ] وقال في أول سورة القيامة : أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه [ القيامة : 3 ] وقال في آخر السورة : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [ القيامة : 40 ] الثاني : القدير قال تعالى : ^ { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } ^ [ الملك : 1 ] وهذا اللفظ يفيد المبالغة في وصفه بكونه قادرا الثالث : المقتدر قال تعالى : ^ { وكان الله على كل شيء مقتدرا } ^ [ الكهف : 45 ] وقال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر [ القمر : 55 ] الرابع : عبر عن ذاته بصيغة الجمع في هذه الصفة قال تعالى : فقدرنا فنعم القادرون [ المرسلات : 23 ] واعلم أن لفظ الملك يفيد القدرة أيضا بشرط خاص ثم إن هذا اللفظ جاء في القرآن على وجوه مختلفة : فالأول المالك قال الله تعالى : مالك يوم الدين [ الفاتحة : 3 ] الثاني : الملك قال تعالى فتعالى الله الملك الحق [ المؤمنون : 116 ] وقال : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس [ الحشر : 23 ] وقال : ملك الناس [ الناس : 2 ] واعلم أن ورود لفظ الملك في القرآن أكثر من ورود لفظ المالك والسبب فيه أن الملك أعلى شأنا من المالك الثالث : مالك الملك قال تعالى : قل اللهم مالك الملك [ الناس : 2 ] الرابع : المليك قال تعالى : عند مليك مقتدر [ القمر : 55 ] الخامس : لفظ الملك قال تعالى : الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] وقال تعالى : له ملك السماوات والأرض [ الحديد : 2 ] واعلم أن لفظ القوة يقرب من لفظ القدرة وقد جاء هذا اللفظ في القرآن على وجوه مختلفة : الأول القوي قال تعالى : إن الله لقوي عزيز [ الحج : 74 ] الثاني : ذو القوة قال تعالى : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ الذاريات : 58 ] . < > الفصل الثاني <

قسم V01/P117–V01/P118

> في الأسماء الحاصلة بسبب العلم وفيه ألفاظ : الأول : العلم وما يشتق منه وفيه وجوه الأول : إثبات العلم لله تعالى قال تعالى : ^ { ولا يحيطون بشيء من علمه } ^ [ البقرة : 255 ] وقال تعالى : ولا تضع إلا بعلمه [ فاطر : 11 ] وقال تعالى : ^ { قد أحاط بكل شيء علما } ^ [ الطلاق : 12 ] وقال تعالى : إن الله عنده علم الساعة [ لقمان : 34 ] الاسم الثاني : العالم قال تعالى : عالم الغيب والشهادة [ الرعد : 9 ] الثالث : العليم وهو كثير في القرآن الرابع العلام قال تعالى - حكاية عن عيسى عليه السلام - : إنك أنت علام الغيوب [ المائدة : 116 ] الخامس : الأعلم قال تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته [ الأنعام : 124 ] السادس : صيغة الماضي قال تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم [ البقرة : 187 ] السابع : صيغة المستقبل قال تعالى : وما تفعلوا من خير يعلمه الله [ البقرة : 197 ] وقال : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون [ النحل : 19 ] الثامن : لفظ علم من باب التفعيل قال تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها [ البقرة : 31 ] وقال في حق الملائكة : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [ البقرة : 32 ] وقال : وعلمك ما لم تكن تعلم [ النساء : 113 ] وقال : الرحمن علم القرآن [ الرحمن : 2 ] . واعلم أنه لا يجوز أن يقال إن الله معلم مع كثرة هذه الألفاظ ؛ لأن لفظ المعلم مشعر بنوع نقيصة التاسع لا يجوز إطلاق لفظ العلامة على الله تعالى ؛ لأنها وإن أفادت المبالغة لكنها تفيد أن هذه المبالغة إنما حصلت بالكد والعناء وذلك في حق الله تعالى محال . اللفظ الثاني : من ألفاظ هذا الباب لفظ الخبر والخبرة وهو كالمرادف للعلم حتى قال بعضهم في حد العلم : إنه الخبر . إذا عرفت هذا فنقول : ورد لفظ الخبير في حق الله تعالى في حد العلم أنه الخبر . إذا عرفت هذا فنقول : ورد لفظ الخبير في حق الله تعالى كثيرا في القرآن وذلك أيضا يدل على العلم . النوع الثالث من الألفاظ : الشهود والمشاهدة ومنه الشهيد في حق الله تعالى إذا فسرناه بكونه مشاهدا لها عالما بها أما إذا فسرناه بالشهادة كان من صفة الكلام . النوع الرابع : الحكمة وهذه اللفظة قد يراد بها العلم وقد يراد بها أيضا ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي . النوع الخامس : اللطيف وقد يراد به العلم بالدقائق وقد يراد به إيصال المنافع إلى العباد بطريق خفية عجيبة . < > الفصل الثالث < > < > في الأسماء الحاصلة بسبب صفة الكلام وما يجري مجراه : <

قسم V01/P118–V01/P120

> اللفظ الأول : الكلام وفيه وجوه : الأول : لفظ الكلام قال تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [ التوبة : 6 ] الثاني : صيغة الماضي من هذا اللفظ قال تعالى وكلم الله موسى تكليما [ النساء : 164 ] وقال : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [ الأعراف : 143 ] الثالث : صيغة المستقبل قال تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [ الشورى : 51 ] . اللفظ الثاني : القول : وفيه وجوه : الأول : صيغة الماضي قال تعالى : وإذ قال ربك للملائكة [ البقرة : 30 ] ونظائره كثيرة في القرآن الثاني : صيغة المستقبل قال تعالى إنه يقول إنها بقرة [ البقرة : 68 ] الثالث : القيل والقول قال تعالى : ومن أصدق من الله قيلا [ النساء : 122 ] وقال تعالى ما يبدل القول لدي [ ق : 29 ] . اللفظ الثالث : الأمر قال تعالى : لله الأمر من قبل ومن بعد [ الروم : 4 ] وقال : ألا له الخلق والأمر [ الأعراف : 54 ] وقال حكاية عن موسى عليه السلام : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [ البقرة : 67 ] . اللفظ الرابع : الوعد قال تعالى : وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن [ التوبة : 111 ] وقال تعالى : وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده [ يونس : 4 ] . اللفظ الخامس : الوحي قال تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [ الشورى : 51 ] وقال : فأوحى إلى عبده ما أوحى [ النجم : 10 ] . اللفظ السادس : كونه تعالى شاكرا لعباده قال تعالى : فأولئك كان سعيهم مشكورا [ الإسراء : 19 ] وكان الله شاكرا عليما [ النساء : 147 ] . < > الفصل الرابع < > < > في الإرادة وما يقرب منها : < > فاللفظ الأول : الإرادة قال تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] . اللفظ الثاني : الرضا قال تعالى : وإن تشكروا يرضه لكم [ الزمر : 7 ] وقال : ولا يرضى لعباده الكفر [ الزمر : 7 ] وقال لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [ الفتح : 18 ] وقال في صفة السابقين الأولين : رضي الله عنهم ورضوا عنه [ المجادلة : 22 ] وقال حكاية عن موسى : وعجلت إليك رب لترضى [ طه : 84 ] . اللفظ الثالث : المحبة قال يحبهم ويحبونه [ المائدة : 54 ] وقال : ويحب المتطهرين [ البقرة : 222 ] . اللفظ الرابع : الكراهة قال تعالى : كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها [ الإسراء : 38 ] وقال : ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم [ التوبة : 46 ] قالت الأشعرية : الكراهة عبارة عن يريد أن لا يفعل وقالت المعتزلة : بل هي صفة أخرى سوى الإرادة والله أعلم . < > الفصل الخامس < > < > في السمع والبصر : < > قال تعالى : ^ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 ] وقال تعالى : ^ { لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير } ^ [ الإسراء : 1 ] وقال تعالى : ^ { إنني معكما أسمع وأرى } ^ [ طه : 46 ] وقال : ^ { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ^ [ مريم : 42 ] وقال تعالى : ^ { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ^ [ الأنعام : 103 ] . < > الفصل السادس < > <

قسم V01/P120–V01/P121

> في الصفات الإضافية مع السلبية < > اعلم أن الأول هو الذي يكون سابقا على غيره ولا يسبقه غيره فكونه سابقا على غيره إضافة وقولنا إنه لا يسبقه غيره فهو سلب فلفظ الأول يفيد حالة متركبة من إضافة وسلب والآخر هو الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعده غيره والحال فيه كما تقدم أما لفظ الظاهر فهو إضافة محضة لأن معناه كونه ظاهرا بحسب الدلائل وأما لفظ الباطن فهو سلب محض لأن معناه كونه خفيا بحسب الماهية . ومن الأسماء الدالة على مجموع إضافة وسلب القيوم لأن هذا اللفظ يدل على المبالغة في هذا المعنى وهذه المبالغة تحصل عند اجتماع أمرين : أحدهما أن لا يكون محتاجا إلى شيء سواه البتة وذلك لا يحصل إلا إذا كان واجب الوجود في ذاته وفي جملة صفاته والثاني : أن يكون كل ما سواه محتاجا إليه في ذواتها وفي جملة صفاتها وذلك بأن يكون مبدأ لكل ما سواه فالأول سلب والثاني إضافة ومجموعهما هو القيوم . < > الفصل السابع < > < > في الأسماء الدالة على الذات والصفات الحقيقية < > < > والإضافية والسلبية < > فمنها قولنا الإله وهذا الاسم يفيد الكل ؛ لأنه يدل على كونه موجودا وعلى كيفيات ذلك الوجود أعني كونه أزليا أبديا واجب الوجود لذاته وعلى الصفات السلبية الدالة على التنزيه وعلى الصفات الإضافية الدالة على الإيجاد والتكوين واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يطلق على غير الله تعالى ؟ أما كفار قريش فكانوا يطلقونه في حق الأصنام وهل يجوز ذلك في دين الإسلام ؟ المشهور أنه لا يجوز وقال بعضهم : إنه يجوز ؛ لأنه ورد في بعض الأذكار : يا إله الآلهة وهو بعيد وأما قولنا : الله ؛ فسيأتي بيان أنه اسم علم لله تعالى فهل يدل هذا الاسم على هذه الصفات ؟ فنقول : لا شك أن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات والمعنى : أنه تعالى لو كان بحيث يصح أن يشار إليه لكان هذا الاسم قائما ؟ مقام تلك الإشارة ثم اختلفوا في أن الإشارة إلى الذات المخصوصة : هل تتناول الصفات فإن قالوا : الإشارة لا تتناول الصفات السلبية فوجب أن لا يدل عليها لفظ الله قلنا : الإشارة في حق الله إشارة عقلية منزهة عن العلائق الحسية والإشارة العقلية قد تتناول السلوب . < > الفصل الثامن < > < > في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها أنها هل هي < > < > من أسماء الذات أو من أسماء الصفات <

قسم V01/P121–V01/P122

> هذا البحث إنما ظهر من المنازعة القائمة بين أهل التشبيه وأهل التنزيه وذلك لأن أهل التشبيه يقولون : الموجود إما أن يكون متحيزا وإما أن يكون حالا في ا لمتحيز أما الذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز - فكان خارجا عن القسمين - ؛ فذاك محض العدم وأما أهل التوحيد والتقديس ؛ فيقولون : أما المتحيز ؛ فهو منقسم وكل منقسم ؛ فهو محتاج فكل متحيز هو محتاج ؛ فما لا يكون محتاجا امتنع أن يكون متحيزا وأما الحال في المتحيز ؛ فهو أولى بالاحتياج فواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز . إذا عرفت هذا الأصل ؛ فنقول : ههنا ألفاظ ظواهرها مشعرة بالجسمية والحصول في الحيز والمكان : فمنها العظيم ؛ وذلك لأن أهل التشبيه قالوا : معناه أن ذاته أعظم في الحجمية والمقدار من العرش ومن كل ما تحت العرش ومنها : الكبير وما يشتق منه وهو لفظ الأكبر ولفظ الكبرياء ولفظ المتكبر . واعلم أني ما رأيت أحدا من المحققين بين الفرق بينهما إلا أن الفرق حاصل في التحقيق من وجوه : الأول : أنه جاء في الأخبار الإلهية أنه تعالى يقول : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فجعل الكبرياء قائما مقام الرداء والعظمة قائمة مقام الإزار ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الإزار فوجب أن يكون صفة الكبرياء أرفع حالا من صفة العظمة والثاني : أن الشريعة فرقت بين الحالين ؛ فإن المعتاد في دين الإسلام أن يقال في تحريمة الصلاة : الله أكبر ولم يقل أحد : الله أعظم ولولا التفاوت لما حصلت هذه التفرقة الثالث : أن الألفاظ المشتقة من الكبير مذكورة في حق الله تعالى ؛ كالأكبر والمتكبر بخلاف العظيم ؛ فإن لفظ المتعظم غير مذكور في حق الله . واعلم أن الله تعالى أقام كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى فقال : ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم [ البقرة : 255 ] وقال في آية أخرى : حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [ سبأ : 32 ] إذا عرفت هذا فالمباحث السابقة مشعرة بالفرق بين العظيم وبين الكبير وهاتان الآيتان مشعرتان بأنه لا فرق بينهما فهذه العقدة يجب البحث عنها فنقول - ومن الله الإرشاد والتعليم - : يشبه أن يكون الكبير في ذاته كبيرا سواء استكبره غيره أم لا وسواء عرف هذه الصفة أحد أو لا وأما العظمة ؛ فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضي فهذا هو الممكن في هذا المقام والعلم عند الله .

قسم V01/P122

ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة ؛ الألفاظ المشتقة من العلو ؛ فمنها قوله تعالى العلي [ البقرة : 255 ] ومنها قوله : سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى : 1 ] ومنها المتعالي ومنها : اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الإطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم : ^ { تعالى } ^ ؛ لقوله تعالى في أول سورة النحل : سبحانه وتعالى عما يشركون [ النحل : 1 ] إذا عرفت هذا ؛ فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه كونه موجودا في جهة فوق ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد متناه ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد غير متناه وكيف كان فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار وحملوا لفظ العلي على العلو في المكان والجهة وأما أهل التنزيه والتقديس ؛ فإنهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار : فأحدها : أنه عظيم بحسب مدة الوجود وذلك لأنه أزلي أبدي وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام وثانيها أنه عظيم في العلم والعمل وثالثها : أنه عظيم في الرحمة والحكمة ورابعها : أنه عظيم في كمال القدرة وأما العلو ؛ فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزها عن صفات النقائص والحاجات . إذا عرفت هذا ؛ فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات وأما لفظ العلي ؛ فعند الكل من أسماء الصفات إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزها عن كل ما لا يليق بالإلهية فهذا تمام البحث في هذا الباب . <

قسم V01/P122

> الفصل التاسع < > < > في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة < > اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا وأنت وهو وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا : أنا ؛ لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه وأوسط هذه الأقسام قولنا : أنت ؛ لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضرا فلأجل كونه خطابا للغير يكون دون قوله أنا ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضرا يكون أعلى من قوله : هو ؛ فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله : أنا وأوسطها : أنت وأدناها : هو وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ أما لفظ أنا ؛ فقال في أول سورة النحل : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا [ النحل : 2 ] وفي سورة طه : إنني أنا الله لا إله إلا أنا [ طه : 14 ] وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله : فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت [ الأنبياء : 87 ] وأما لفظ هو ؛ فقد جاء كثيرا في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [ البقرة : 163 ] وآخرها في سورة المزمل وهو قوله : رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [ المزمل : 9 ] وأما ورود هذه الكلمة مقرونا باسم آخر سوى هذه الأربعة ؛ فهو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل [ يونس : 90 ] ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه . إذا عرفت هذا ؛ فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله : لا إله إلا أنا ؛ فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل الحكاية عن الله ؛ لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل وذلك لا يليق إلا بالله - سبحانه - واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله : أنا وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى ؛ لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به لا سيما في حق الحق تعالى فثبت أن قوله لا إله إلا أنا لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا للحق تعالى وأما الدرجة الثانية وهي قوله : لا إله إلا أنت ؛ فهذا يصح ذكره من العبد ؛ لكن بشرط أن يكون حاضرا لا غائبا : لكن هذه الحالة إنما اتفق حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن جميع حظوظ النفس وهذا تنبيه على أن الإنسان ما لم يصر غائبا عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة وأما الدرجة الثالثة وهي قوله : لا إله إلا هو ؛ فهذا يصح من الغائبين . واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه وكل درجة ناقصة من درجات الحضور ؛ فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة ولما كانت درجات الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية فكانت درجات الحضور والغيبة غير متناهية فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر يصدق عليه أنه غائب وبالعكس وعن هذا قال الشاعر : أيا غائبا حاضرا في الفؤاد سلام على الغائب الحاضر ويحكى أن الشبلي لما قربت وفاته قال بعض الحاضرين : قل لا إله إلا الله فقال : كل بيت أنت حاضره غير محتاج إلى السرج

قسم V01/P122–V01/P123

وجهك المأمول حجتنا يوم تأتي الناس بالحجج واعلم أن لفظ هو فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه وبعضها لا يمكن قال مصنف الكتاب : وأنا بتوفيق الله كتبت أسرارا لطيفة إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة هو أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيرا فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيرا عجيبا في القلب لا يصل البيان إليه ولا ينتهي الشرح إليه فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول : فيه أسرار : الأول : أن الرجل إذا قال : يا هو فكأنه يقول : من أنا حتى أعرفك ومن أنا حتى أكون مخاطبا لك وما للتراب ورب الأرباب وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم ؟ فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول والخيالات فلهذا السبب خاطبه العبد بخطاب الغائبين ؛ فقال : يا هو . والفائدة الثانية : أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة والعدم ؛ ففيه أيضا دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى ؛ فهو محض العدم ؛ لأن القائل إذا قال : يا هو فلو حصل في الوجود شيئان لكان قولنا هو صالحا لهما جميعا فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله : هو فلما قال يا هو ؛ فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونفي صرف كما قال تعالى : ^ { كل شيء هالك إلا وجهه } ^ [ القصص : 88 ] وهذان المقامان في الفناء عن كل ما سوى الله مقامان في غاية الجلال ولا يحصلان إلا عند مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله : يا هو . والفائدة الثالثة : أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقا في معرفة الله تعالى ؛ لأنه إذا قال : يا رحمن ؛ فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها ؛ فيكون طالبا للحصة وكذلك إذا قال : يا كريم يا محسن يا غفار يا وهاب يا فتاح وإذا قال : يا ملك ؛ فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه إليه فيطلب شيئا منها وقس عليه سائر الأسماء أما إذا قال : يا هو ؛ فإنه يعرف أنه هو وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة فحينئذ يحصل في قلبه نور ذكره ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل .

قسم V01/P123–V01/P125

والفائدة الرابعة : أن جميع الصفات المعلومة عند الخلق إما صفات الجلال وإما صفات الإكرام أما صفات الجلال ؛ فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل وهذا فيه دقيقة ؛ لأن من خاطب السلطان فقال : أنت لست أعمى ولست أصم ولست كذا ولا كذا ويعد أنواع المعايب والنقصانات ؛ فإنه يستوجب الزجر والحجر والتأديب ويقال : إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب وأما صفات الإكرام ؛ فهي كونه خالقا للمخلوقات مرتبا لها على النظم الأكمل وهذا أيضا فيه دقيقة من وجهين : الأول لا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال المخلوق بمراتب لا نهاية لها فإذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه خالقا لهذه المخلوقات ؛ فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال جلال الخالق وذلك يقتضي تعريف الكامل المتعالي بطريق في غاية الخسة والدناءة وذلك سوء أدب والثاني : أن الرجل إذا أخذ يمدح السلطان القاهر بأنه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز أو قطرة ماء ؛ فإنه يستوجب الزجر والحجر ومعلوم أن نسبة جميع عالم المخلوقات من العرش إلى آخر الخلاء الذي لا نهاية له إلى ما في خزائن قدرة الله أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا فإذا كان ذلك سوء أدب ؛ فهذا أولى أن يكون سوء أدب فثبت أن مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الاعتراضات إلا أن ههنا سببا يرخص في ذكر هذه المدائح وهو أن النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال ؛ فالإنسان إذا أراد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتاج إلى أن ينبهها على كمال الحضرة المقدسة ولا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين أعني : ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فإذا حصلت هذه الحالة ؛ فعند ذلك يتنبه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ذلك يترك تلك الأذكار ويقول : يا هو كأن العبد يقول : أجل حضرتك أن أمدحك وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو بإسناد كمالات المخلوقات إليك فإن كمالك أعلى وجلالك أعظم بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي ولا أخاطبك أيضا بلفظة أنت ؛ لأن تلك اللفظة تفيد التيه والكبر حيث تقول الروح : إني قد بلغت مبلغا صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ؛ ولكني لا أزيد على قولي : هو ؛ ليكون إقرارا بأنه هو الممدوح لذاته بذاته ويكون إقرارا بأن حضرته أعلى وأجل من أن يناسبه حضور المخلوقات فهذه الكلمة الواحدة تنبه على هذه الأسرار في مقامات التجلي والمكاشفات فلا جرم كان هذا الذكر أشرف الأذكار لكن بشرط التنبيه لهذه الأسرار .

قسم V01/P125–V01/P126

الفائدة الخامسة : في هذا الذكر : أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة إنما قلنا : أن المواظبة على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله ؛ وذلك لأن كلمة هو ضمير الغائب إذا ذكر هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق ثم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان والجهة وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والإمكان ومعيوب بعيب الكون في إحاطة المكان والزمان فإذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات ؛ فعند هذا يعلم أن كل المحدثات والإبداعيات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى وعرف أن هذه الغيبة إنما حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء فعند هذا يعتقد أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحدثات واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر فصارت تلك الكمالات مشعورا بها من وجه دون وجه والشعور بها من بعض الوجوه يشوق إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات ؛ فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما كان أسهل ؛ كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل فثبت أن لفظ هو يفيد الشوق إلى الله تعالى وإنما قلنا : إن الشوق إلى الله أعظم المقامات ؛ وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة ؛ لأن بقدر ما يصل يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب مزيد الالتذاذ والابتهاج والسرور وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم المقامات فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة هو تورث الشوق إلى الله تعالى وثبت أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة ؛ فيلزم أن يقال : المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسنى الدرجات . الفائدة السادسة : في شرح جلالة هذا الذكر : واعلم أن المقصود لا يتم إلا بذكر مقدمتين : المقدمة الأولى : أن العلم على قسمين : تصور وتصديق أما التصور ؛ فهو أن تحصل في النفس صورة من غير أن تحكم النفس عليها بحكم البتة لا بحكم وجودي ولا بحكم عدمي أما التصديق ؛ فهو أن يحصل في النفس صورة مخصوصة ثم إن النفس تحكم عليها إما بوجود شيء أو عدمه إذا عرفت هذا فنقول : التصور مقام التوحيد وأما التصديق فإنه مقام التكثير . المقدمة الثانية : أن التصور على قسمين : تصور يتمكن العقل من التصرف فيه وتصور لا يمكنه التصرف فيه : أما القسم الأول فهو تصور الماهيات المركبة فإنه لا يمكنه تصور الماهيات المركبة إلا بواسطة استحضار ماهيات أجزاء ذلك المركب وهذا التصرف عمل وفكر وتصرف من بعض الوجوه وأما القسم الثاني فهو تصور الماهيات البسيطة المنزهة عن جميع جهات التركيبات فإن الإنسان لا يمكنه أن يعمل عملا يتوسل به إلى استحضار . . . تلك الماهية فثبت بما ذكرنا أن التصديق يجري مجرى التكثير بالنسبة إلى التصور وأن التصور توحيد بالنسبة إلى التصديق وثبت أيضا أن تصور الماهية البسيطة هو النهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة وإذا عرفت هذا فنقول : قولنا في الحق سبحانه وتعالى يا هو هذا تصور محض خال عن التصديق ثم إن هذا التصور تصور لحقيقة منزهة عن جميع جهات التركيب والكثرة فكان قولنا يا هو نهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة وهو أعظم المقامات .

قسم V01/P126

الفائدة السابعة : أن تعريف الشيء إما أن يكون بنفسه أو بالأجزاء الداخلة فيه أو بالأمور الخارجة عنه أما القسم الأول - وهو تعريفه بنفسه - فهو محال ؛ لأن المعرف سابق على المعرف فتعريف الشيء بنفسه يقتضي تقدم العلم به على العلم به وذلك محال وأما القسم الثاني - وهو تعريفه بالأمور الداخلة فيه - فهذا في حق الحق محال ؛ لأن هذا إنما يجري في الماهية المركبة وذلك في حق الحق محال وأما القسم الثالث - وهو تعريفه بالأمور الخارجة عنه - فهذا أيضا باطل محال ؛ لأن أحوال الخلق لا يناسب شيء منها شيئا من أحوال القديم الواجب لذاته ؛ لأنه تعالى مخالف بذاته المخصوصة وبهويته المعينة لكل ما سواه ولما كان كذلك امتنع أن تكون أحوال الخلق كاشفة عن ماهية الله تعالى وحقيقته المخصوصة فإذا كان كذلك فقد انسدت أبواب التعريفات بالنسبة إلى هويته المخصوصة وماهيته المعينة فلم يبق طريق إليه إلا من جهة واحدة وهو أن يوجه الإنسان حدقة عقله وروحه إلى مطلع نور تلك الهوية على رجاء أنه ربما أشرق ذلك النور حال ما كانت حدقة عقله متوجهة إليها فيستسعد بمطالعة ذلك النور فقول الذاكر يا هو توجيه لحدقة العقل والروح إلى الحضرة القدسية على رجاء أنه ربما حصلت له تلك السعادة . الفائدة الثامنة : أن الرجل إذا دخل على الملك المهيب والسلطان القاهر ووقف بعقله على كمال تلك المهابة وعلى جلال تلك السلطنة فقد يصير بحيث تستولي عليه تلك المهابة وتلك السلطة فيصير غافلا عن كل ما سواه حتى إنه ربما كان جائعا فينسى جوعه وربما كان به ألم شديد فينسى ذلك الألم في تلك الحالة وربما رأى أباه أو ابنه في تلك الحالة ولا يعرفهما وكل ذلك لأن استيلاء تلك المهابة عليه أذهله عن الشعور بغيره فكذلك العبد إذا قال يا هو وتجلى لعقله وروحه ذرة من نور جلال تلك الهوية وجب أن يستولي على قلبه الدهشة وعلى روحه الحيرة وعلى فكره الغفله فيصير غائبا عن كل ما سوى تلك الهوية معزولا عن الألتفات إلى شيء سواها وحينئذ لا يبقى معه في تلك الحالة إلا أن يقول بعقله هو وبلسانه هو فإذا قال العبد هو وواظب على هذا الذكر فهذا منه تشبه بتلك الحالة على رجاء أنه ربما وصل إلى تلك الحالة فنسأل الله تعالى الكريم أن يسعدنا بها . الفائدة التاسعة : من فوائد هذا الذكر العالي : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

الأسئلة