Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : { ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } ( البقرة : 185 ) فأمر بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر ، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ، ويجيب دعاءه ، ولا يخيب رجاءه والثاني : أن أمر بالتكبير أولا ثم رغبه في الدعاء ثانيا ، تنبيها على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل ، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال أولا : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعرا : 78 ) إلى قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) فكذا ههنا أمر بالتكبير أولا ثم شرع بعده في الدعاء ثانيا الثالث : إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم ، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبرا لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم . المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : ما روي عن كعب أنه قال ، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، قال : يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط ، قال : يا موسى اذكرني على كل حال ، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثانيها : أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ، فقال عليه السلام : ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ) ورابعها : ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي الله ؟ فأنزل هذه الآية وخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وسادسها : ما ذكره ابن عباس ، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه الآية وسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أين ربنا ؟ فأنزل الله هذه الآية وثامنها : ما ذكرنا أن قوله : { كما كتب على الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) لما اقتضى تحريم الأكل بعد / النوم ، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل الله هذه الآية .
واعلم أن قوله : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى ، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالا عن ذات الله تعالى ، أو عن صفاته ، أو عن أفعاله ، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه / فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات ، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعا على كونه تعالى سميعا ، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء ، وهل أذن في الدعاء ، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء ، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة ، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا ، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين ، كما قال تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ( الإسراء : 110 ) وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا ، وهل يفعله ما نسأله عنه فقوله سبحانه : { وإذا سألك عبادي عني } يحتمل كل هذه الوجوه ، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول : أن ظاهر قوله : { عني } يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله { والثاني } أن السؤال متى كان مبهما والجواب مفصلا ، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين ، فلما قال في الجواب : { عني فإني قريب } علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، ولقائل أيضا أن يقول بل السؤال كان على الفعل ، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم ، وهل يحصل مقصود ، بدليل أنه لما قال : { فإني قريب } قال : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } فهذا هو شرح هذا المقام . أما قوله تعالى : { فإني قريب } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان ، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين : المطلوب الأول : في بيان أن هذا القريب ليس قربا بحسب المكان ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه لو كان في المكان مشارا إليه بالحس لكان منقسما ، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد . ولو كان منقسما لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره ، فلو كان في مكان لكان مفتقرا إلى غيره ، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق ، وذلك في حق الخالق القديم محال ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني : أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات ، أو غير متناه عن جهة دون جهة ، أو كان متناهيا من كل الجوانب والأول : محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني : محال أيضا / لهذا الوجه ، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهيا والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه ، فيلزم منه كونه تعالى مركبا من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك .
وأما القسم الثالث : وهو أن يكون متناهيا من كل الجوانب ، فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا ، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث : وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا بالجهة ، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريبا من الكل ، بل كان يكون قريبا من حملة العرش وبعيدا من غيرهم ، ولكان إذا كان قريبا من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيدا من عمرو الذي هو بالمغرب ، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريبا من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا بحسب الجهة ، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم ، أو المراد من هذا القرب : العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } ( الحديد : 4 ) وقال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق : 16 ) وقال : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادله : 7 ) والمسلمون يقولون إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : لا يبعد أن يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلا بالتشبيه ، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته ، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : أين ربنا ؟ صح أن يكون الجواب : فإني قريب ، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : هل يسمع ربنا دعاءنا ؟ صح أن يقول في جوابه : فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع كلامه ، وإن سألوه كيف ندعوه برفع الصوت أو بأخفائه ؟ صح أن يجيب بقوله : فإني قريب ، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء ؟ صلح هذا الجواب أيضا ، وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا ؟ صلح أن يجيب بقوله : فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول التوبة منهم ، فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على جميع التقديرات . المسألة الثانية : الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت . واعلم أن قوله تعالى : { فإني قريب } فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع ، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها ، بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضا لأجله كان الجوهر جوهرا / والسواد سوادا والعقل عقلا والنفس نفسا ، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية ، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها ، فإن قيل : تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سوادا فنقول ؛ فكذلك أيضا لا يمكن جعل الوجود وجودا لأنه ماهية ، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل ، والوجود ماهية أيضا فلا يكون بالفاعل ، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضا ماهية فلا تكون بالفاعل ، فإذن لم يقع شيء ألبتة بالفاعل ، وذلك باطل ظاهر البطلان ، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل ، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه . أما قوله تعالى : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وقالون عن نافع { الداعى إذا } بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها فالأولى على الوصل والثانية على التخفيف . المسألة الثانية : قال أبو سليمان الخطابي : الدعاء مصدر من قولك : دعوت الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول : سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم : رجل عدل . وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة . وأقول : اختلف الناس في الدعاء ، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة ، واحتجوا عليه من وجوه أحدها : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع ، فلا حاجة إلى الدعاء ، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا حاجة أيضا إلى الدعاء وثانيها : أن حدوث الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته ، وإلا لزم إما التسلسل ، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم / فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان واجب الوقوع ، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان ممتنع الوقوع ، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء ألبتة أثر ، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا : الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئا منها ، فأي فائدة في الدعاء ، وقال عليه الصلاة والسلام قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاما وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( جف القلم بما هو كائن ) وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أربع قد فرغ منها : العمر والرزق والخلق والخلق ) وثالثها : أنه سبحانه علام الغيوب : { يطاع يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور } ( غافر : 19 ) فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء ؟ ولهذا السبب قالوا إن جبريل عليه / السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى درجات الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك ورابعها : أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه وخامسها : ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر وسادسها : أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب وسابعها : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال رواية عن الله سبحانه وتعالى : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء .
وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : إن الدعاء أهم مقامات العبودية ، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول : أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية ، أما الأصولية فقوله : { ويسئلونك عن الروح } ( الإسراء : 85 ) { ويسئلونك عن الجبال } ( طه : 105 ) { ويسئلونك عن الساعة } ( النازعات : 42 ) وأما الفروعية فمنها في البقرة على التوالي { يسئلونك ماذا ينفقون } ( البقرة : 219 ) { يسئلونك عن الشهر الحرام } ( البقرة : 217 ) { يسئلونك عن الخمر والميسر } ( البقرة : 219 ) { يسألونك عن اليتامى } ( البقرة : 220 ) { ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) وقال أيضا : { يسألونك عن الانفال } ( الأنفال : 1 ) { ويسألونك عن ذى القرنين } ( الكهف : 83 ) { ويستنبئونك أحق هو } ( يونس : 53 ) { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : 176 ) . إذا عرفت هذا : فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد : قل وفي صورة واحدة جاء الجواب بقوله : فقل مع فاء التعقيب ، والسبب فيه أن قوله تعالى : { يسألونك عن الجبال } سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى : { فقل ينسفها ربى نسفا } ( طه : 105 ) كأنه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكنا في الكل وجواز عدمه يدل على امتناع قدمه ، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء التعقيب ، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ولم ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول : كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني : أن قوله : { وإذا سألك عبادي عني } يدل على أن العبد له وقوله : { فإني قريب } يدل على أن الرب للعبد وثالثها : لم يقل : فالعبد مني قريب ، بل قال : أنا منه قريب ، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء ، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن يقرب بفضله وبرحمته من العبد ، والقرب من الحق إلى العبد / لا من العبد إلا الحق فلهذا قال : { فإني قريب } والرابع : أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير الله فإنه لا يكون داعيا له فإذا فني عن الكل صار مستغرقا في معرفة الأحد الحق ، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظا لحقه وطالبا لنصيبه ، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية ، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتا إلى غرض نفسه لم يكن قريبا من الله تعالى ، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله ، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله ، فكان الدعاء أفضل العبادات . الحجة الثانية في فضل الدعاء : قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) .
الحجة الثالثة : أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل يغضب فقال : { فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 43 ) وقال عليه السلام : ( لا ينبغي أن يقول أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي ) وقال عليه السلام : ( الدعاء مخ العبادة ) وعن النعمان بن بشير أنه عليه السلام قال : ( الدعاء هو العبادة ) وقرأ { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } فقوله : ( الدعاء هو العبادة ) معناه أنه معظم العبادة وأفضل العبادة ، كقوله عليه السلام ( الحج عرفة ) أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم . الحجة الرابعة : قوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) وقال : { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم } ( الفرقان : 77 ) والآيات كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن . والجواب عن الشبهة الأولى : أنها متناقضة ، لأن إقدام الإنسان على الدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء ، وإن كان معلوم العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة ، ثم نقول : كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول ، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تنم العبودية ، وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في الكل ، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه أم أمر يستأنفه ؟ فقال : بل شيء قد فرغ منه . فقالوا : ففيم العمل إذن ؟ قال : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد ، فلم يعطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال : ( كل ميسر لما خلق له ) يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوه ، إلا أنك تحب أن تعلم ههنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة مسألة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك . / والجواب عن الشبهة الثانية : أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام ، بل إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية . وعن الثالثة : أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء . وعن الرابعة : أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد رضى بما قدره الله وقضاه ، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية الشبه في هذا الباب . المسألة الثالثة : في الآية سؤال مشكل مشهور ، وهو أنه تعالى قال : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وقال في هذه الآية : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } وكذلك { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النمل : 62 ) ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب .
والجواب : أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة ، وهو قوله تعالى : { بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } ( الأنعام : 41 ) ولا شك أن المطلق محمول على المقيد ، ثم تقرير المعنى فيه وجوه أحدها : أن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضا ، إما إسعافا بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء ، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يعطي سكينة في نفسه ، وإنشراحا في صدره ، وصبرا يسهل معه احتمال البلاء الحاضر ، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة ، وهو نوع من الاستجابة وثانيها : ما روى القفال في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاثة : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، إما أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا ) . وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال ، لأنه تعالى قال : { ادعونى أستجب لكم } ولم يقل : أستجب لكم في الحال فإذا استجاب له ولو في الآخرة كان الوعد صدقا وثالثها : أن قوله : { ادعونى أستجب لكم } يقتضي أن يكون الداعي عارفا بربه وإلا لم يكن داعيا له ، بل لشيء متخيل لا وجود له ألبتة ، فثبت أن الشرط الداعي أن يكون عارفا بربه ومن صفات الرب سبحانه أن لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته فإذا علم أن صفة الرب هكذا استحال مه أن يقول بقلبه وبعقله : يا رب افعل الفعل الفلاني لا محالة ، بل لا بد وأن يقول : افعل هذا الفعل إن كان موافقا لقضائك وقدرك وحكمتك ، وعند هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطا بهذه الشرائط وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوها كثيرة أحدها : أن يكون الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله كقول العبد : يا ألله الذي لا إله إلا أنت ، وهذا إنما سمي دعاء لإنك عرفت الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه ، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ولما سمي هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ومثله كثير وقال ابن الأنباري : { أجيب } ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة ، فلهذا السبب يقام كل واحد / منهما مقام الآخر ، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله فكذا ههنا قوله : { أجيب دعوة الداع } أي أسمع تلك الدعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } على هذا الوجه زال الإشكال وثانيها : أن يكون المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضا لا إشكال ، وثالثها : أن يكون المراد من الدعاء العبادة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( الدعاء هو العبادة ) ومما يدل عليه قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) فظهر أن الدعاء ههنا هو العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال : { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله } ( الشورى : 26 ) وعلى هذا الوجه الإشكال زائل ورابعها : أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجها على هذا التفسير لم يكن متوجها على التفسيرات الثلاثة المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } مختص بالمؤمنين { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته ، صفة مدح وتعظيم ، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين ، والفاسق واجب الإهانة في الدين ، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق ، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة . أما قوله تعالى : { فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : وجه الناظم أن يقال : إنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا ، فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلى من كل الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد : أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب ، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة . المسألة الثانية : قال الواحدي : أجاب واستجاب بمعنى واحد : قال كعب الغنوي : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أهل المعنى : الإجابة من العبد لله الطاعة ، وإجابة الله لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه ، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به . / المسألة الثالثة : إجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله : { فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى } تكرارا محضا ، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدما على الطاعات ، وكان حق النظم أن يقول : فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، فلم جاء على العكس منه ؟ . وجوابه : أن الإستجابة عبارة عن الإنقياد والإستسلام ، والإيمان عبارة عن صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات . أما قوله تعالى : { لعلهم يرشدون } فقال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { يرشدون } بفتح الشين وكسرها ، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي : اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك ، يقال : فلان رشيد ، قال تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا } ( النساء : 6 ) وقال : { أولئك هم الرشدون } ( الحجرات : 7 ) . ! 7 < { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذالك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } . > 7 < البقرة : ( 187 ) أحل لكم ليلة . . . . . > > @88@ فيه مسائل :
/ المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء ، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية ، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة ، بل كانت ثابتة في شرع النصارى ، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم ، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة ، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه . الحجة الأولى : أن قوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم ، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا ، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا . الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله { أحل لكم } فائدة . الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم . الحجة الرابعة : قوله تعالى : { فتاب عليكم وعفا عنكم } ولولا أن ذلك كان محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صح قوله : { فتاب عليكم وعفا عنكم } . الحجة الخامسة : قوله تعالى : { فالن باشروهن } ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله : { فالن باشروهن } فائدة . الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال : أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب . وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا ، فقوله : { أحل لكم } معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم .
وأما الحجة الثالثة : فضعيف أيضا ، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام ، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم ، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم ، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها ، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور ، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع ، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا ، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة ، ومنعوها من المراد ، وأصل الخيانة النقص ، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب ، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى . وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان ، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا كقوله : { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) . وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة ، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال : { فالن باشروهن } . وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه ، وأيضا ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول ، وذلك على خلاف قول الله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } لأن ظاهره هو المباشرة ، لأنه افتعال من الخيانة ، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة . المسألة الثانية : القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع ، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة ، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية ، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم ، واختلفوا في اسمه ، فقال معاذ : اسمه أبو صرمة ، وقال البراء : قيس بن صرمة ، وقال الكلبي : أبو قيس بن صرمة ، وقيل : صرمة بن أنس ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال : يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت فأيقظوني ، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من مثله . رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة ، فأتيت امرأتي ، فقال عليه الصلاة والسلام : لم تكن جديرا بذلك يا عمر ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } أي أحل الله وقرأ عبد الله { الرفوث } .
المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة ، ومنه قول العباس بن مرادس : فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الأحن الصدور وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من { لكم ليلة الصيام } ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة . المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش ، وأنشد الزجاج : ورب أسراب حجيج كقلم عن اللغا ورفث التكلم يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى : { فلا رفث ولا فسوق } ( البقرة : 197 ) وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم : وهن يمشين بنا هميسا أن يصدق الطير ننك لميسا فقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء ، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه . فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) { فلما تغشاها } ( الأعراف : 189 ) { أو لامستم النساء } ( النساء : 43 ) { دخلتم بهن } ( النساء : 23 ) { فأتوا حرثكم } ( البقرة : 223 ) { من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 236 ) { فما استمتعتم به منهن } ( النساء : 24 ) { ولا تقربوهن } ( البقرة : 222 ) . جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم ، والله اعلم . المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) . المسألة السابعة : قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن { ليلة } نصب على الظرف ، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث ، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله ، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ ، وأما الذي بعده في قوله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود } فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ ، وأما الذي يقول : إن قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } يفيد حل الرفث في الليل ، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله : { كلوا واشربوا } . / أما قوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، سمي كل واحد منهما لباسا ، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن ، وقال ابن زيد : عن لباس لكن وأنتم لباس لهن ، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل ، كما جاء في الخبر ( من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه ) وثالثها : أنه تعالى جعلها لباسا للرجل ، من حيث إنه يخصها بنفسه ، كما يخص لباسه بنفسه ، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت ، لو لم تكن المرأة حاضرة ، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه ، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا ، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور . المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله { هن } لأنه يجري مجرى المصدر ، وفعال من مصادر فاعل ، وتأويله : هن ملابسات لكم . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : فإن قلت : ما موقع قوله : { هن لباس لكم } فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن ، وضعف عليكم اجتنابهن ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن . أما قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له ، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك ، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر ، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة ، وناقض العهد خائن ، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر ، ومنه قوله تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة } ( الأنفال : 58 ) أي نقضا للعهد ، ويقال للرجل المدين : إنه خائن ، لأنه لم يف بما يليق بدينه ، ومنه قوله تعالى : { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وقال : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل } ( الأنفال : 71 ) ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة ، وإذا علمت معنى الخيانة ، فقال صاحب ( الكشاف ) : الاختيان من الخيانة ، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة .
المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم ، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت فيماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر ، والذي تقدم هو ذكر الجماع ، والذي تأخر قوله : { فالن باشروهن } فيجب أن يكون المراد بهذه / الخيانة الجماع ، ثم ههنا وجهان : أحدهما : علم الله أنكم كنتم تسرون بالمعصية في الجماع بعد العتمة والأكل بعد النوم وتركبون المحرم من ذلك وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه وقد خان الله ، لأنه جلب إليها العقاب ، وعلى هذا القول يجب أن يقطع على أنه وقع ذلك من بعضهم لأنه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم ، لأن قوله : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } إن حمل على ظاهره وجب في جميعهم أن يكونوا مختانين لأنفسهم ، لكنا قد علمنا أن المراد به التبعيض للعادة والإخبار ، وإذا صح ذلك فيجب أن يقطع على وقوع هذا الجماع المحظور من بعضهم ، فمن هذا الوجه يدل على تحريم سابق وعلى وقوع ذلك من بعضهم ، ولأبي مسلم أن يقول قد بينا أن الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليه فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بطاعة الله ، ونحن حملناه على عدم الوفاء بما هو خير للنفس وهذا أولى ، لأن الله تعالى لم يقل : علم الله أنكم كنتم تختانون الله ، كما قال : { لا تخونوا الله } ( الأنفال : 27 ) ما قال : { كنتم تختانون أنفسكم } فكان حمل اللفظ على ما ذكرناه إن لم يكن أولى فلا أقل من التساوي وبهذا التقدير لا يثبت النسخ . القول الثاني : أن المراد : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة ومعناه : أن الله يعلم أنه لو دام ذلك التكليف الشاق لوقعوا في الخيانة ، وعلى هذا التفسير ما وقعت الخيانة ويمكن أن يقال التفسير الأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط وأن يقال بل الثاني أولى ، لأن على التفسير الأول يصير إقدامهم على المعصية سببا لنسخ التكليف ، وعلى التقدير الثاني : علم الله أنه لو دام ذلك التكليف لحصلت الخيانة فصار ذلك سببا لنسخ التكليف رحمة من الله تعالى على عباده حتى لا يقعوا في الخيانة . أما قوله تعالى : { فتاب عليكم } فمعناه على قول أبي مسلم فرجع عليكم بالاذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم وعلى قول مثبتي النسخ لا بد فيه من إضمار تقديره : تبتم فتاب عليكم فيه . أما قوله تعالى : { وعفا عنكم } فعلى قول أبي مسلم معناه وسع عليكم أن أباح لكم الأكل والشرب والمعاشرة في كل الليل ولفظ العفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف قال عليه السلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ) وقال ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) والمراد منه التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت ويقال : أتاني هذا المال عفوا ، أي سهلا فثبت أن لفظ العفو غير مشعر بسبق التحريم ، وأما على قول مثبتي النسخ فقوله : { عفا عنكم } لا بد وأن يكون تقديره : عفا عن ذنوبكم ، وهذا مما يقوي أيضا قول أبي مسلم لأن تفسيره لا يحتاج إلى الإضمار وتفسير مثبتي النسخ يحتاج إلى الإضمار . أما قوله تعالى : { فالن باشروهن } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا أمر وارد عقب الخطر فالذين قالوا : الأمر الوارد عقيب الخطر / ليس إلا للإباحة ، كلامهم ظاهر وأما الذين قالوا : مطلق الأمر للوجوب قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للاباحة بالإجماع .
المسألة الثانية : المباشرة فيها قولن : أحدهما : وهو قول الجمهور أنها الجماع ، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين وإنضمامهما ، ومنها ما روي أنه عليه السلام نهى أن يباشر الرجل الرجل ، والمرأة المرأة الثانية : وهو قول الأصم : أنه الجماع فما دونه وعلى هذا الوجه اختلف المفسرين في معنى قوله : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } فمنهم من حمله على كل المباشرات ولم يقصره على الجماع والأقرب أن لفظ المباشرة لما كان مشتقا من تلاصق البشرتين لم يكن مختصا بالجماع بل يدخل فيه الجماع فيما دون الفرج ، وكذا المعانقة والملامسة إلا أنهم إنما اتفقوا في هذه الآية على أن المراد به هو الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم ، ولأن الرفث المتقدم ذكره لا يراد به إلا الجماع إلا أنه لما كان إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه صارت إباحته دالة على إباحة ما عداه ، فصح ههنا حمل الكلام على الجماع فقط ، ولما كان في الاعتكاف المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه صلح اختلاف المفسرين فيه ، فهذا هو الذي يجب أن يعتمد عليه ، على ما لخصه القاضي . أما قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في الآية وجوها أحدها : وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام : ( تناكحوا تناسلوا تكثروا ) وثانيها : أنه نهى عن العزل ، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره العزل ، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها وثالثها : أن يكون المعنى : ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى : { فأتوهن من حيث أمركم الله } ورابعها : أن هذا التأكيد تقديره : فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم وخامسها : وهو على قول أبي مسلم : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، يعني هذه المباشرة التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم وسادسها : أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن وسابعها : أن قوله : { فالن باشروهن } إذن في المباشرة وقوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي / كتب الله لكم بقوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) وثامنها : قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها ، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه ، وعندي أنه لا بأس به ، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة ، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور ، أما إذا قضى وطره وصار فارغا من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية ، فتقدير الآية : فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية ، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الاخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر ، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة .
المسألة الثانية : { كتاب } فيه وجوه أحدها : أن { كتاب } في هذا الموضوع بمعنى جعل ، كقوله : { كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادله : 22 ) أي جعل ، وقوله : { فاكتبنا مع الشاهدين } ( آل عمران : 53 ) { خير للذين يتقون } ( الأعراف : 156 ) أي اجعلها وثانيها : معناه قضى الله لكم كقوله : { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } ( التوبة : 51 ) أي قضاه ، وقوله : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } وقوله : { لبرز الذين كتب عليهم القتل } أي قضى ، وثالثها : أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن ، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها : هو ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال . المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس { وابتغوا } وقرأ الأعمش { وابغوا } . أما قوله : { لكم وكلوا واشربوا } فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالليل بعد النوم ، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم ، فلو اقتصر تعالى على قوله : { فالن باشروهن } لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب ، فقرن إلى ذلك قوله : { وكلوا واشربوا } لتتم الدلالة على الإباحة . أما قوله تعالى : { حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر } ففيه مسائل : المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي ، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما ، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك ، وقال إنك لعريض القفا ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل ، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك لعريض القفا لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل ، ونقول : يدل قطعا على أنه تعالى كني بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل ، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب ، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط ، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب / وبالإجماع أنه ليس كذلك . وجوابه : أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية : { من الفجر } لكان السؤال لازما ، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجرا لأنه ينفجر منه النور ، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول / فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق ، فإن قيل : فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط ، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل . وجوابه : أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق ، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشرا بل يكون صغيرا دقيقا ، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقا ، والصادق يبدو دقيقا ، ويرتفع مستطيلا فزال السؤال ، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد ، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الإستعارة مع قوله تعالى : { من الفجر } .
المسألة الثانية : لا شك أن كلمة { حتى } لانتهاء الغاية ، فدلت هذه الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح ، ووزعم أبو مسلم الأصفهاني لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه الثلاثة ، فأما الأمور التي تذكرها الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط فليس شيء منها بمفطر ، قال لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الصبح ، فبقي ما عداها على الحل الأصلي ، فلا يكون شيء منها مفطرا والفقهاء قالوا إن الله تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن النفس تميل إليها ، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما ، والسعوط نادر فلهذا لم يذكرها . المسألة الثالثة : مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم ، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح . المسألة الرابعة : زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياسا لأول النهار على آخره ، فكما أن آخره بغروب القرص ، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص ، وقال في الآية أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل ، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض والسواد ، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مرادا فهذا غير جائز لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل ألبتة ، فثبت أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن حقيقة الليل في قوله : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشمس بدليل أن الله تعالى سمى ما بعد المغرب ليلا مع بقاء الضوء فيه فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك ، فيكون قبل طلوع الشمس ليلا ، وأن لا يوجد / النهار إلا عند طلوع القرص ، فهذا تقرير قول الأعمش ، ومن الناس من سلم أن أول النهار إنما يكون من طلوع الصبح فقاس عليه آخر النهار ، ومنهم من قال : لا يجوز الإفطار إلا بعد غروب الحمرة ، ومنهم من زاد عليه وقال : بل لا يجوز الإفطار إلا عند طلوع الكواكب ، وهذه المذاهب قد انقرضت ، والفقهاء أجمعوا على بطلانها فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها . المسألة الخامسة : { الفجر } مصدر قولك : فجرت الماء أفجره فجرا ، وفجرته تفجيرا . قال الأزهري : الفجر أصله الشق ، فعل هذا الفجر في آخر الليل هو إنشقاق ظلمة الليل بنور الصبح ، وأما قوله تعالى : { من الفجر } فقيل للتبعيض لأن المعتبر بعض الفجر لا كله ، وقيل للتبيين كأنه قيل : الخيط الأبيض الذي هو الفجر .
المسألة السادسة : أن الله تعالى لما أحل الجماع والأكل والشرب إلى غاية تبين الصبح ، وجب أن يعرف أن تبين الصبح ما هو ؟ فنقول : الطريق إلى معرفة تبين الصبح إما أن يكون قطيعا أو ظنيا ، أما القطعي فبأن يرى طلوع الصبح أو يتيقن أنه مضى من الزمان ما يجب طلوع الصبح عنده وأما الظني فنقول : إما أن يحصل ظن أن الصبح طلع فيحرم الأكل والشرب والوقاع فإن حصل ظن أنه ما طلع كان الأكل والشرب والوقاع مباحا ، فإن أكل ثم تبين بعد ذلك أن ذلك الظن خطأ وأن الصبح كان قد طلع عند ذلك الأكل فقد اختلفوا ، وكذلك إن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم تبين أنها ما كانت غاربة فقال الحسن : لا قضاء في الصورتين قياسا على ما لو أكل ناسيا ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في رواية المزني عنه : يجب القضاء لأنه أمر بالصوم من الصبح إلى الغروب ولم يأت به وأما الناسي فعند مالك يجب عليه القضاء ، وأما الباقون الذين سلموا أنه لا قضاء قالوا : مقتضى الدليل وجوب القضاء عليه أيضا ، إلا أنا أسقطناه عنه للنص ، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : أكلت وشربت وأنا صائم فقال عليه الصلاة والسلام : أطعمك الله وسقاك فأنت ضيف الله فتم صومك . والقول الثالث : أنه إذا أخطأ في طلوع الصبح لا يجب القضاء ، وإذا أخطأ في غروب الشمس يجب القضاء ، والفرق أن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان ، والثابت في الليل حل الأكل ، وفي النهار حرمته ، أما إذا لم يغلب على ظنه لا بقاء الليل ولا طلوع الصبح ، بل بقي متوقفا في الأمرين ، فههنا يكره له الأكل والشرب والجماع ، فإن فعل جاز ، لأن الأصل بقاء الليل والله أعلم . أما قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، فظاهر الآية أن الصوم ينتهي عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه ، وإنما يكون مقطعا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك ، وقد تجيء / هذه الكلمة لا للانتهاء كما قوله تعالى : { إلى المرافق } ( المائدة : 6 ) إلا أن ذلك على خلاف الدليل ، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار ، فيكون الليل خارجا عن حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه ، وقال أحمد بن يحيى : سبيل إلى الدخول والخروج ، وكلا الأمرين جائز ، تقول : أكلت السمكة إلى رأسها ، وجائز أن يكون الرأس داخلا في الأكل وخارجا منه ، إلا أنه لا يشك ذو عقل أن الليل خارج عن الصوم ، إذ لو كان داخلا فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذا بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل ، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روى عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقبل الليل من ههنا ، وأدبر النهار من ههنا ، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم ) فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت . فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شيئا ، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قيل : يا رسول الله تواصل ، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله ؟ فقال : إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، وقيل فيه معان أحدها : أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني : أن عليه الصلاة والسلام قال : إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلا ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ، أنه كان يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسا ، فلما كبر جدا جعلها ثلاثا ، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم ، وقيل : هو نهي تنزيه ، لأنه ترك للمباح ، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا تناول شيئا قليلا ولو قطرة من الماء ، فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف ، أو في سائر العبادات ، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدرا يزول به هذا الخوف .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الليل ما هو ؟ فمن الناس من قال : آخر النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس ، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفي بزوال الحمرة ، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب ، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء . المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم ، قالوا : الصوم في اللغة هو الإمساك ، وقد وجد ههنا فيكون صائما ، فيجب عليه إتمامه ، لقوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فوجب القول بصحته ، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله تعالى : { ما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله : { ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل ، ثم نقول : مقتضى هذا الدليل ، أن يصح صوم / الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا : الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال . المسألة الرابعة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا : لأن قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } أمر وهو للوجوب ، وهو يتناول كل الصيامات ، والشافعية قالوا : هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض ، فكان المراد منه صوم الفرض . الحكم السابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف قوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . اعلم أنه تعالى لما بين الصوم ، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة ، كان يجوز أن يظن في الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهارا لا ليلا ، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهارا وليلا ، فقال : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : الإعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه ، برا كان أو إثما ، قال تعالى : { يعكفون على أصنام لهم } ( الأعراف : 138 ) والإعتكاف الشرعي : المكث في بيت الله تقربا إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف ، وهو من الشرائع القديمة ، قال الله تعالى : { طهرا بيتى للطائفين والعاكفين } ( البقرة : 125 ) وقال تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . المسألة الثانية : لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ، وهو يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله : { ولا تباشروهن } منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها . فإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟
قلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذنا فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال : إنها لا تبطل الإعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، / فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب : أن النص مقدم على القياس . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه ، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى : { أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين } ( البقرة : 125 ) فبين ذلك البيت لجميع العاكفين ، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء : لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ، لما روى عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي ) وقال حذيفة : يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) وقال الزهري : لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة : لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز في جميع المساجد ، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، واحتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية لأن قوله : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } عام يتناول كل المساجد . المسألة الرابعة : يجوز الإعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه ، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم ، حجة الشافعي رضي الله عنه هذه الآية ، لأنه بغير الصوم عاكف والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو كان إعتكافه باطلا لما كان ممنوعا ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي الله عنهما بأمور ثلاثة الأول : لو كان الإعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان ، لأن الصوم الذي هو موجبه إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف ، أو صوم آخر سوى صوم رمضان ، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان ، علمنا أن الصوم لا يوجبه الإعتكاف والثاني : أنه لو كان الإعتكاف لا يجوز إلا مقارنا بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الإعتكاف لخروجه فيه عن الصوم ، ولما كان الأمر بخلاف ذلك ، علمنا أن الإعتكاف يجوز مفردا أبدا بدون الصوم والثالث : ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف الله ليلة فقال عليه الصلاة والسلام : أوف بنذرك ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه : لا تقدير لزمان الإعتكاف فلو نذر اعتكاف / ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج عن نذره باعتكافه ساعة ، كما لو نذر أن يتصدق مطلقا تصدق بما شاء من قليل أو كثير ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : وأحب أن يعتكف يوما وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف ، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض ، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لا بد منه ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو حبس النفس عليه ، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة ، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة . أما قوله تعالى : { تلك حدود الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { تلك } لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الإعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الإعتكاف إلا حدا واحدا ، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل . المسألة الثانية : قال الليث : حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري : ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حدا ، وسمي الحديد : حديدا لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الإشتقاق فنقول : المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة . أما قوله تعالى : { فلا تقربوها } ففيه إشكالان الأول : أن قوله تعالى : { تلك حدود الله } إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل { فلا تقربوها } والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ( البقرة : 229 ) وقال في آية المواريث { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } ( تلك وقال ههنا : { فلا تقربوها } فكيف الجمع بينهما ؟
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟