Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V05/P152–V05/P153

/ السؤال الثاني : ما المراد من الهداية في قوله : { كما هداكم } ؟ . الجواب : منهم من قال : إنها خاصة ، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه . السؤال الثالث : الضمير في قوله : { من قبله } إلى ماذا يعود ؟ . الجواب : يحتمل أن يكون راجعا إلى { الهدى } والتقدير : وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين ، وقال بعضهم : إنه راجع إلى القرآن ، والتقدير : واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين . أما قوله تعالى : { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } فقال القفال رحمة الله عليه : فيه وجهان أحدهما : وما كنتم من قبله إلا الضالين والثاني : قد كنتم من قبله من الضالين ، وهو كقوله : { إن كل نفس لما عليها حافظ } ( الطارق : 4 ) وقوله : { وإن نظنك لمن الكاذبين } ( الشعراء 186 ) . ! 7 < { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < البقرة : ( 199 ) ثم أفيضوا من . . . . . > > فيه قولان الأول : المراد به الإفاضة من عرفات ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس ، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها : أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها : أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل الله فلا نحل حرم الله وثالثها : أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم ، لكان ذلك يوهم نقصا في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم ، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمرا لهم بأن يقفوا في عرفات ، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس ، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات ، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها ، وأمر سائر الناس بالوقوف بها ، وعلى هذا التأويل فقوله : { من حيث أفاض الناس } يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات ، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإضافة من عرفات من يقول قوله : { ثم أفيضوا } أمر عام لكل الناس ، وقوله : / { من حيث أفاض الناس } المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدي به ، وهو كقوله تعالى : { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) يعني نعيم بن مسعود { إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور ، ومنه قوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله ، وهو أن يكون قوله : { من حيث أفاض الناس } عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديما ، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات .

قسم V05/P153–V05/P154

القول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله : { من حيث أفاض } المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس ، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالا : أما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله : { فإذا أفضتم من عرفات } ( البقرة : 198 ) لمكان { ثم } فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله { فإذا أفضتم من عرفات } كان هذا عطفا للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات / ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله ، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها . قلنا : هذا وإن كان محتملا إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه . وأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ { من حيث } في قوله : { من حيث أفاض الناس } على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان . أجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن { ثم } ههنا على مثال ما في قوله تعالى : / { وما أدراك ما العقبة فك رقبة } ( البلد : 13 ) إلى قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة { ثم } ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه . وأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جدا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملا في الآخر على سبيل المجاز . أما قوله : { من حيث أفاض الناس } فقد ذكرنا أن المراد من { الناس } إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام ، واحتج بقراءة سعيد بن جبير { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ { الناس } بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه .

قسم V05/P154–V05/P155

أما قوله تعالى : { واستغفروا الله } فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب . فإن قيل : كيف أمر بالإستغفار مطلقا ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار . والجواب : أنه إن كان مذنبا فالإستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الإستغفار أيضا تداركا لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضا واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الإستغفار لازما من هذه الجهة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) . وأما قوله تعالى : { إن الله غفور رحيم } قد علمت أن غفورا يفيد المبالغة ، وكذا الرحيم ، ثم في الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب ، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة / فهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر ، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه . / المسألة الثانية : اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون : إنها عند الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله : { ثم أفيضوا } على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه الله : ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال : ( يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله ) فقال أصحابه : يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئا لم يجد لي به : سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي ) اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين . ! 7 < { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا } . > 7 ! < < البقرة : ( 200 ) فإذا قضيتم مناسككم . . . . . > > فيه مسائل :

قسم V05/P155–V05/P156

المسألة الأولى : روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون بالمنثور من الكلام ، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه ، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم ، وروى القفال في ( تفسيره ) عن ابن عمر قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ) وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام ، نظير الأول قوله تعالى : { فقضاهن سبع سماوات فى يومين فإذا قضيت الصلواة } وقال عليه الصلاة والسلام : ( وما فاتكم فاقضوا ) ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضي بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى : { وقضى ربك } ( الإسراء : 23 ) وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضا ذلك كقوله : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب } ( الإسراء : 4 ) يعني أعلمناهم . / إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم } لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله : { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله } كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله : { فإذا قضيتم مناسككم } مشعر بالفراغ والاتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج . المسألة الثالثة : ( المناسك ) جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة ، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف . إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات ، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء .

قسم V05/P156–V05/P157

المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فاذكروا الله } يدلى على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر ، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشويق / على حسب اختلافهم في وقته أولا وآخرا ، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات ، ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة ، فكأنه تعالى قال : فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء ، ومنهم من قال : بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار ، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال ، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى الله تعالى ، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهده العبادة : قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصودا بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله ، والتقدير : فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية ، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله ، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة / القلب بذكر الملك الجبار . أما قوله تعالى : { كذكركم ءاباءكم } ففيه وجوه أحدها : وهو قول جمهور المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى : { فاذكروا الله كذكركم أباكم } يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء ، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقا فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور ، وكل ذلك من أمهات المهلكات ، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم ، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي وثانيها : قال الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم ، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) قالوا وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه ، أمه أمه ، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه وثالثها : قال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر ، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله ورابعها : قال ابن الأنباري في هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم ، فقال تعالى : عظموا الله كتعظيمكم آبائكم وخامسها : قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية ، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك ، وهذا هو المراد بقوله : { أو أشد ذكرا } وسادسها : أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكرا له بالتعظيم ، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك وسابعها : يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكره إلى إجابة الدعاء عند الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل / وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره وثامنها : روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء .

قسم V05/P157–V05/P158

واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد ، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه / في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه ، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين . أما قوله تعالى : { أو أشد ذكرا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : عامل الإعراب في { أشد } قيل : الكاف ، فيكون موضعه جرا وقيل : { اذكروا } فيكون موضعه نصبا ، والتقدير : اذكروا الله مثل ذكركم آباءكم ، واذكروه { أشد ذكرا } من آبائكم . المسألة الثانية : قوله : { أو أشد ذكرا } معناه : بل أشد ذكرا ، وذلك لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة ، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية ، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله تعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم ، قال القفال رحمه الله : ومجاز اللغة في مثل هذا معروف ، يقول الرجل لغيره : افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه ، لا يريد به التشكيك ، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه . ! 7 < { فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا وما له فى الا خرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الا خرة حسنة وقنا عذاب النار أولائك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } . > 7 < البقرة : ( 201 - 202 ) ومنهم من يقول . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج ، ثم أمر بعدها بالذكر ، فقال : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره ، وأن يقتصر على ذكره فقال : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا } ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال : { فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا } وما أحسن هذا الترتيب ، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها ، ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله ، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر / فقال : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) ثم قال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } فقدم الذكر على الدعاء .

قسم V05/P158–V05/P159

إذا عرفت هذا فنقول : بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما : أن يكون دعاؤهم مقصورا على طلب الدنيا والثاني : الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة ، وقد كان في التقسيم قسم ثالث ، وهو من يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة ، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا ؟ والأكثرون على أنه غير مشروع ، وذلك أن الإنسان خلق محتاجا ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة ، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة ، روى القفال في ( تفسيره ) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض ، فقال : ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال : كنت أقول . اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا ، فقال النبي عليه السلام : ( سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } ) قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي . واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن ، أو على منبت شعرة واحدة ، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروما عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال بذكره ، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه ، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز ، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين ، وأهمل هذا القسم الثالث . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟ فقال قوم : هم الكفار ، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم أرزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد ، وعن أنس كانوا يقولون : اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر ، فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة ، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب ، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه الله أنه قال : أهل النار يستغيثون ثم يقولون : أفيضوا علينا من الماء ، أو مما رزقكم الله في الدنيا ، طلبا للمأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة ، وقال آخرون : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم ، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف ، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني ، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة ، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة ، وإن كان الفاعل مسلما ، كما روى في قوله : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } ( آل عمران : 77 ) أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ( إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم / ثم معنى ذلك على وجوه أحدها : أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني : لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه والثالث : لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك والله أعلم .

قسم V05/P159–V05/P160

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ربنا ءاتنا فى الدنيا } حذف مفعول { أتانا } من الكلام لأنه كالمعلوم ، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث : روحانية ، وبدنية ، وخارجية أما الروحانية فإثنان : تكميل القوة النظرية بالعلم ، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة ، وأما البدنية فإثنان : الصحة والجمال ، وأما الخارجية فإثنان : المال ، والجاه ، فقوله : { فى الدنيا حسنة } يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان من الدنيا ، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا ، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا ، ثم قال تعالى في حق هذا الفريق { له فى الاخرة من خلاق } أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى } ( الشورى : 20 ) ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا ؟ قال بعضهم : إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان وليا لله تعالى مستحقا للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفا حيا فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجابا ، لكن تلك الإجابة قد تكون مكرا واستدراجا . أما قوله تعالى : { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة ، والأمن ، والكفاية والولد الصالح ، والزوجة الصالحة ، والنصرة على الأعداء ، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق ، وما أشبهه ( حسنة ) فقال : { إن تصبك حسنة تسؤهم } ( التوبة : 50 ) وقيل في قوله : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ( التوبة : 52 ) أنهما الظفر والنصرة والشهادة ، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثوب ، والخلاص من العقاب ، وبالجملة فقوله : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة / روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا ، فقال : ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه وثانيها : أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله / وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئا من أمر الدنيا ، فقال بعض الصحابة : بلى يا رسول الله إنه قال : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنه يقول : آتنا في الدنيا عملا صالحا وهذا متأكد بقوله تعالى : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } ( الفرقان : 74 ) وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها : قال قتادة : الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين ، وعن الحسن : الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى ، وفي الآخرة الجنة ، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل ، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال : { فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا } وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة .

قسم V05/P160–V05/P161

فإن قيل : أليس أنه لو قيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير ؟ قلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقا لقضائك وقدرك فأعطني ذلك ، فلو قال : اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما ، وقد بينا أنه غير جائز ، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين . أما قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { أولائك } فيه قولان أحدهما : إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال : { وما له فى الاخرة من خلاق } . والقول الثاني : أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه ، فمن أنكر البحث وحج التماسا لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه ، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى } ( الشورى : 20 ) . أما قوله تعالى : { لهم نصيب مما كسبوا } ففيه سؤالات : / السؤال الأول : قوله : { لهم نصيب مما كسبوا } يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه ؟ الجواب : المراد : لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله : { من } في قوله : { مما كسبوا } لابتداء الغاية لا للتبعيض . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل ؟ الجواب : نعم . ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي . السؤال الثالث : ما الكسب ؟ الجواب : الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه ، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة ، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح : إنها كسب فلان ، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب ، لأن لا يراد إلا الربح ، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام . أما قوله تعالى : { والله سريع الحساب } ففيه مسائل . المسألة الأولى : { سريع } فاعل من السرعة ، قال ابن السكيت : سرع يسرع سرعا وسرعة فهو سريع { والحساب } مصدر كالمحاسبة ، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال : حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت ، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره ، والاحتساب الاعتداد بالشيء ، وقال الزجاج : الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم : حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان .

قسم V05/P161–V05/P162

المسألة الثانية : اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسبا لخلقه على وجوه أحدها : أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم ، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها ، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب ، قالوا : ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه ، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور ، ونقل عن ابن عباس أنه قال : إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم ، فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم . والقول الثاني : أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى : { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا } ( الطلاق : 8 ) ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز ، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة . والقول الثالث : أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب / فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة ، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به ، فهذ هو المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه . المسألة الثالثة : ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها أحدها : أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوما ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه ، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعا في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم ، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتا دالا على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنه تعالى يخلق شيئا ، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات ، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر / ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة وثانيها : أن معنى كونه تعالى : { سريع الحساب } أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب ، فأعلم الله تعالى أنه { سريع الحساب } أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين ، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد ، ولا إلى فكرة وروية ، وهذا معنى الدعاء المأثور ( يا من لا يشغله شأن عن شأن ) وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى { سريع الحساب } كونه تعالى عالما بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها : أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة . ! 7 < { واذكروا الله فىأيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلاإثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } . > 7 ! < <

قسم V05/P162–V05/P163

البقرة : ( 203 ) واذكروا الله في . . . . . > > اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين أحدهما : أن ذلك كان أمرا مشهورا فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك ، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني : لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الآيام دليلا عليه ، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال : { واذكروا الله فى أيام معدودات } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات ، والأيام المعلومات فقال هنا : { واذكروا الله فى أيام معدودات } وقال في سورة الحج : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات } ( الحج : 28 ) فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر ، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وهي أيام التشريق ، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات ، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة ، ثم قال بعده : { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } وهذا يقتضي أن يكون المراد { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } من هذه الأيام المعدودات ، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق ، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، والقفال أكد هذا بما روى في ( تفسيره ) عن عبد الرحمن بن نعمان الذيلمي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديا فنادى : ( الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه ) وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، قال الواحدي رحمة الله عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها : يوم النفر ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني : يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث : يوم النفر الثاني ، وهذه الآيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر ، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التبكير إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه . المسألة الثانية : المراد بالذكر في هذه الأيام : الذكر عند الجمرات ، فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك ، إلا أنهم اختلفوا في مواضع : الموضع الأول : أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى ، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف .

قسم V05/P163–V05/P164

القول الأول : أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله ، والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما / ورد في حق الحاج ، قال تعالى : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } ثم قال : { واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } وهذا إنما يحصل في حق الحاج ، فدل على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج / وسائر الناس تبع لهم في ذلك ، ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى ، فإنهم يلبون قبل ذلك ، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيد بهذا الزمان . القول الثاني : للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر ، إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة . والقول الثالث : للشافعي رضي الله عنه أن يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة ، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر فتكون التكبيرات بعد ثمان صلوات وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة . والقول الرابع : أنه يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة ، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق ، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة ، وهو قول أكابر الصحابة ، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس ، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح ، وعليه عمل الناس بالبلدان ، ويدل عليه وجوه الأول : ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة ، ثم أقبل علينا فقال : الله أكبر ، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق والثاني : أن الذي قاله أبو حنيفة أخذ بالأقل ، وهذا القول أخذ بالأكثر ، والتكثير في التكبير أولى لقوله تعالى : { اذكروا الله ذكرا كثيرا } ( الأحزاب : 41 ) الثالث : أن هذا هو الأحوط ، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها والرابع : أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق ، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام التشريق . فإن قيل : هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة . قلنا : فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع ، وأيضا لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق ؛ صح أن يضاف التكبير إليها .

قسم V05/P164–V05/P165

الموضع الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثا نسقا أي متتابعا ، وهو قول مالك ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يكبر مرتين ، حجة الشافعي ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، قال : رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا ، ولأنه زيادة في التكبير ، فكان أولى لقوله تعالى : { اذكروا الله ذكرا كثيرا } ثم قال الشافعي رضي الله عنه : ويقول بعد الثلاث : ( لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ) ثم قال : وما زاد من ذكر / الله فهو حسن ، وقال في التلبية : وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها ، وههنا يكبر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت ، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة ، فينبغي أن يفعل ذلك . أما قوله تعالى : { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } ففيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل ؟ . الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) : تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ، يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله . السؤال الثاني : قوله : { ومن تأخر فلا إثم عليه } فيه إشكال ، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج ، فما معنى قوله : { فلا إثم عليه } فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل . والجواب : من وجوه : أحدها : أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم ، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول : القصر عزيمة ، والإتمام غير جائز ، فلما كان هذا الإحتمال قائما ، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين ، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة ، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة ، ولا إثم عليه في الأمرين جميعا وثانيها : قال بعض المفسرين : إن منهم من كان يتعجل ، ومنهم من كان يتأخر ، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله ، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج ، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج ، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم ، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها : أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث ، فكأنه قيل : إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث ، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه ، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ورابعها : أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق ، فالطبيب يقول له : الآن إن تناولت السم فلا ضرر ، وإن لم تتناول فلا ضرر ، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار ، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى وحد ، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفرا لكل الذنوب ، لا بيان أن التعجل وتركه سيان ، ومما يدل على كونه الحج سببا / قويا في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) وخامسها : أن كثيرا من العلماء قالوا : الجوار مكروه ، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه ، وإذا كان غائبا إزداد شوقه إليه ، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل ، وأيضا من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى ، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر ؟ فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما وسادسها : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما قال : { ومن تأخر فلا إثم عليه } لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية ، كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقوله : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان ، فإذا حمل على موافقة اللفظ م لا يصح في المعنى ، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى ، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه .

قسم V05/P165–V05/P166

السؤال الثالث : هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة ؟ . الجواب : نعم ، كما كان في قوله : { فإذا أفضتم من عرفات } ( البقرة : 198 ) دليل على وقوفهم بها . واعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم ، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي ، وقول كثير من فقهاء التابعين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر / لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد . أما قوله تعالى : { لمن اتقى } ففيه وجوه أحدها : أن الحاج يرجع مغفورا له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب ، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق . وثانيها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا قبل حجه ، كما قال تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر وثالثها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج ، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق ) واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله : { لمن اتقى } ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره ، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوما ، وربما صار عمله محبطا ، وهذا ضعيف من وجهين الأول : أنه تقييد للفظ المطلق / بغير دليل الثاني : أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام ، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق ، فقد تحلل قبل رمي الجمار فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم ، لكن ذاك ليس للإحرام ، لكن اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام ، فسقط هذا الوجه . أما قوله تعالى : { واتقوا الله } فهو أمر في المستقبل ، وهو مخالف لقوله : { لمن اتقى } الذي أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار ، وقد علمت أن التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحرمات . فأما قوله : { واعلموا أنكم إليه تحشرون } فهو تأكيد للأمر بالتقوى ، وبعث على التشديد فيه ، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة ، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار ، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى ، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف ، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور ، والمراد بقوله : { إليه } أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه ، ولا يستطيع أحد دفعا عن نفسه ، كما قال تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله } ( الإنفطار : 19 ) . ! 7 < { ومن الناس من يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى فى الا رض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد } . > 7 <

قسم V05/P166–V05/P167

البقرة : ( 204 - 206 ) ومن الناس من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو الذي يقول : { ربنا ءاتنا فى الدنيا } ومسلم وهو الذي يقول : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) بقي المنافق فذكره في هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية ، أما / الأولون فقد اختلفوا على وجوه : فالرواية الأولى : أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله : { يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه } غير أنه كان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله : { وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } وقال آخرون المراد بقوله تعالى : { يعجبك قوله } هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمدا ابن أختكم ، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه : أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه } مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح . والرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبها بذلك على حال هؤلاء الشهداء .

قسم V05/P167–V05/P168

القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفا بتلك الصفات / والتحقيق في المسألة أن قوله : { ومن الناس } إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله : { ويشهد الله } لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول : فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوما ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان / موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها : أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله : { يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا } وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله : { وقال إنما اتخذتم } لأن الإنسان إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعا من المذمة وثانيها : قوله : { ويشهد الله على ما فى قلبه } وهذ لا دلالة فيه على حالة منكرة ، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق ، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد ، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقا ، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائيا وثالثها : قوله : { وهو ألد الخصام } وهذا أيضا لا يوجب النفاق ورابعها : قوله : { وإذ تولى سعى فى الارض ليفسد فيها } والمسلم الذي يكون مفسدا قد يكون كذلك وخامسها : قوله : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } فهذا أيضا لا يقتضي النفاق ، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي ، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقا إلا أن المنافق داخل في الآية ، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفا بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي ، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول : الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة . الصفة الأولى : قوله : { يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا } والمعنى : يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس .

قسم V05/P168–V05/P169

أما في قوله : { وقال إنما اتخذتم } ففيه وجوه أحدهما : أنه نظير قول القائل : يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني : أن يكون التقدير : يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام ، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفا من هيبة الله وقهر كبريائه . الصفة الثانية : قوله : { ويشهد الله على ما فى قلبه } فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه / بالاستشهاد بالله / ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين ، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما قلت ، فهذا يكون استشهادا بالله ولا يكون يمينا ، وعامة القراء يقرؤن { ويشهد الله } بضم الياء ، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره ، وقرأ ابن محيصن { يشهد الله على ما فى قلبه } بفتح الياء ، والمعنى : أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره . فالقراءة الأولى : تدل على كونه مرائيا وعلى أنه يشهد الله باطلا على نفاقه وريائه . وأما القراءة الثانية : فلا تدل إلا على كونه كاذبا ، فأما على كونه مستشهدا بالله على سبيل الكذب فلا ، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم . الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وهو ألد الخصام } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الألد : الشديد الخصومة ، يقال : رجل ألد ، وقوم لد ، وقال الله تعالى : { وتنذر به قوما لدا } ( مريم : 97 ) وهو كقوله : { بل هم قوم خصمون } ( الزخرف : 58 ) يقال : منه لد يلد ، بفتح اللام في يفعل منه ، فهو ألد ، إذا كان خصما ، ولددت الرجل ألده بضم اللام ، إذا غلبته بالخصومة ، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه ، ولديدي الوادي ، وهما جانباه ، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه . وأما { الخصام } ففيه قولان أحدهما : وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى المخاصمة ، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة ، فيكون المعنى : وهو شديد المخاصمة ، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما : أنه بمعنى { فى } والتقدير : ألد في الخصام والثاني : أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة . والقول الثاني : أن الخصام جمع خصم ، كصعاب وصعب ، وضخام وضخم ، والمعنى : وهو أشد الخصوم خصومة ، وهذا قول الزجاج ، قال المفسرون : هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضا قوله : { ويل لكل همزة } ( الهمزة : 1 ) وقوله : { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم } ( القلم : 10 11 ) ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة ، قال مجاهد { ألد الخصام } معناه : طالب لا يستقيم ، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل ، شديد القصوة في معصية الله ، عالم اللسان جاهل العمل . المسألة الثانية : تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية ، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديدا في الجدل ، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم ، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله : { ولا جدال في الحج } ( البقرة : 197 ) .

قسم V05/P169–V05/P170

الصفة الرابعة : قوله تعالى : { وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام ، وأنه يقرر / صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام ، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال : { وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها } ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { وإذا تولى } فيه قولان : أحدهما : معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد ، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين أحدهما : ما كان من اتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب ، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم . والوجه الثاني في تفسير الفساد : أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين ، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر ، وهذا المعنى يسمى فسادا ، قال تعالى : حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 127 ) أي يردوا قومك عن دينهم ، ويفسدوا عليهم شريعتهم ، وقال أيضا : { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ( غافر : 26 ) وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض } ( البقرة : 11 ) ما يقرب من هذا الوجه ، وإنا سمي هذا المعنى فسادا في الأرض لأنه يوقع الإختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض ، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء ، قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض ، وقطع الارحام ، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن ، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب ، لأنه تعالى قال : { ويهلك الحرث والنسل } والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة . القول الثاني : في تفسير قوله : { وإذا تولى } وإذا صار واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان نفاقه ، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد . المسألة الثانية : قوله : { سعى فى الارض } أي اجتهد في إيقاع القتال ، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس ، ومنه يقال : فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } ( التوبة : 47 ) .

قسم V05/P170–V05/P171

المسألة الثالثة : من فسر الفساد بالتخريب قال : إنه تعالى ذكره أولا على سبيل الإجمال ، وهو قوله : { ليفسد فيها } ثم ذكره ثانيا على سبيل التفصيل فقال : { ويهلك الحرث والنسل } ومن فسر / الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم ، وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا ذكر تعالى أولا من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله : { ليفسد فيها } ثم ذكر ثانيا إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله : { ويهلك الحرث والنسل } ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال : المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال تعالى : { أفرءيتم ما تحرثون تزرعونه أم } ( الواقعة : 63 ) وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف النبات ، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به : محرث ، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة : الولد ، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج فسقط ، والقطعة منها إذا سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى : { إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) أي يسرعون ، لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه / والناس نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال : إن سبب نزول الآية : أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعا ، فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم } ( البقرة : 223 ) أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض ، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد ، وأما النسل فالمراد منه الصبيان . واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول . إهلاك النبات والحيوان ، وعلى التفسير الثاني : إهلاك الحيوان بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه ، فإذن قوله : { ويهلك الحرث والنسل } من الألفاظ الفصيحة جدا الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) وقال : { أخرج منها ماءها ومرعاها } ( النازعات : 31 ) . فإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل ، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟ . قلنا : إن قوله : { سعى فى الارض ليفسد فيها } دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك ، ثم قوله : { ويهلك الحرث والنسل } إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك ، فإن تقدير الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلاما مبتدأ منقطعا عن الأول ، دل على وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود . المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { ويهلك الحرث والنسل } على أن الفعل للحرث والنسل ، وقرأ / الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو : أبى يأبى ، وروي عنه { ويهلك } على البناء للمفعول .

قسم V05/P171–V05/P172

المسألة الخامسة : استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى : { والله لا يحب الفساد } قالوا : والمحبة عبارة عن الإرادة ، والدليل عليه قوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } ( النور : 19 ) والمراد بذلك أنهم يريدون ، وأيضا نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال : ( إن الله أحب لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا ، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ) فجعل الكراهة ضد المحبة ، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضدا للإرادة ، وأيضا لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه ، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون المحبة ، قالوا : وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله : { والله لا يحب الفساد } جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله : { وما الله يريد ظلما للعباد } ( غافر : 31 ) بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال : { والله لا يحب الفساد } إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد وجب أن لا يكون خالقا له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه بوجهين الأول : أن المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه والثاني : إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة ، ولكن قوله : { والله لا يحب الفساد } لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول : أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح ، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع ، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل ، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال : إنه لا يريده والثاني : أنه عالم بوقوع الفساد فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال : إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا وذلك محال . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة } معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم . واعلم أن هذا التفسير ضعيف ، لأن قوله : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة } ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة ، فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص .

الأسئلة