Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمة الله عليه ، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : ثابت ، احتج أبو حنيفة بالنصوص : أولها : هذه الآية ، فان قوله : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي ، سواء حصل التفرق أو لم يحصل . وثانيها : قوله : { أوفوا بالعقود } فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه . وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه ) وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع ، فوجب أن يحصل الحل . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه ) جوز بيعه بعد القبض ، وخامسها : ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان ، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان ، ولم يشترط فيه الافتراق . وسادسها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق ، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد . واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص ، لكنه يقول : أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه ، فنحن أيضا نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وتأويلات أصحاب / أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات والله أعلم . قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا وإنما قال : { أنفسكم } لقوله عليه السلام : ( المؤمنون كنفس واحدة ) ولأن العرب يقولون : قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم . واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم ؟ فانكره بعضهم وقال : إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه ، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم ، وهو الألم الشديد والذم العظيم ، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم ، وهو استحقاق العذاب العظيم ، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة ، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند ، وذلك لا يتأتى من المؤمن ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر ، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك ، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة ، وأيضا ففيه احتمال آخر ، كأنه قيل : لا تفعلوا ما تستحقون به القتل : من القتل والردة والزنا بعد الاحصان ، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة ، وقيل : إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما ، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة . ثم قال : { ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذالك على الله يسيرا } . واعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : { ومن يفعل ذالك } إلى ماذا يعود ؟ على وجوه : الأول : قال عطاء : إنه خاص في قتل النفس المحرمة ، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . الثاني : قال الزجاج : إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة . والثالث : قال ابن عباس : إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع . المسألة الثانية : إنما قال : { ومن يفعل ذالك عدوانا } لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض ، وقد يكون ذلك حقا كالقود ، وفي جملة ما تقدم أخذ المال ، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها ، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة . قالوا : / وقوله : { فسوف نصليه نارا } وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال : بتخليدهم ، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ، لأنه لا قائل بالفرق . والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع ، إلا أن الذي نقوله ههنا : ان هذا مختص بالكفار ، لأنه قال : { ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما } ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير ، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله ، ولا شك أن من كان كذلك كان كافرا لا يقال : أليس أنه وصفهم بالايمان فقال : { ذلك بأن الذين كفروا } فكيف يمكن أن يقال : المراد بهم الكفار ؟ لأنا نقول : مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة ، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا : أنهم كانوا مؤمنين ، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان ، فاذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام . فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه ؟ والله أعلم . ثم أنه تعالى ختم الآية فقال : { وكان ذالك على الله يسيرا } . واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية ، وحينئذ يمتنع أن يقال : ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض / بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى : { وهو أهون عليه } أو يكون معناه المبالغة في التهديد ، وهو أن أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه . ! 7 < { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } . > 7 ! < < النساء : ( 31 ) إن تجتنبوا كبائر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : من الناس من قال : جميع الذنوب والمعاصي كبائر . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة ، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله ، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الاسلام ، أو جاحدا فريضة ، أو مكذبا بقدر . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الحجة الأولى : هذه الآية ، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر . / الحجة الثانية : قوله تعالى : { وكل صغير وكبير مستطر } ( القمر : 53 ) وقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) .
الحجة الثالثة : ان الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر ، كقوله : { الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس } وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر . الحجة الرابعة : قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ( الحجرات : 7 ) وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة : أولها : الكفر ، وثانيها : الفسوق . وثالثها : العصيان ، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف ، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر ، فالكبائر هي الفسوق ، والصغائر هي العصيان . واحتج ابن عباس بوجهين : أحدهما : كثرة نعم من عصى . والثاني : إجلال من عصى ، فان اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية ، كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها ، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر ، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة . والجواب من وجهين : الأول : كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها ، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، وكل ذلك يوجب خفة الذنب . الثاني : هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب ، ولكن بعضها أكبر من بعض ، وذلك يوجب التفاوت . إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر ، فالقائلون بذلك فريقان : منهم من قال : الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها ، ومنهم من قال : هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها ، بل بحسب حال فاعليها ، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين . أما القول الأول : فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديدا ، ونحن نشير إلى بعضها ، فالأول : قال ابن عباس : كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة ، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف . الثاني : قال ابن مسعود : افتتحوا سورة النساء ، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة ، ثم قال : مصداق ذلك : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) الثالث : قال قوم : كل عمد فهو كبيرة . واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة . أما الأول : فلأن كل ذنب لا بد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل ، / فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه . وأما الثاني : فهو أيضا ضعيف ، لأن الله تعالى ذكر كثيرا من الكبائر في سائر السور / ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة . وأما الثالث : فضعيف أيضا ، لأنه ان أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله ، فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه ، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه ، وان أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية ، فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون أنه معصية ، وهو مع ذلك كفر كبير ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة . وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال : فهذا كله قول من قال : الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها .
وأما القول الثاني : وهو قول من يقول : الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار أحوال فاعليها ، فهؤلاء الذين يقولون : إن لكل طاعة قدرا من الثواب ، ولكل معصية قدرا من العقاب ، فاذا أتى الانسان بطاعة واستحق بها ثوابا ، ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا ، فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعادلا ويتساويا ، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد ، لأنه تعالى قال : { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } ( الشورى : 7 ) ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير . والقسم الثاني : أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته ، وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب ، ويفضل من الثواب شيء ، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة ، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير . والقسم الثالث : أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته ، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب ، ويفضل من العقاب شيء ، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة ، وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط ، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة . وهذا قول جمهور المعتزلة . واعلم أن هذا الكلام مبني على ول كلها باطلة عندنا . أولها : أن هذا مبنى على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا ، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا الكتاب أن / صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا اذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل ، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب ، وكون المعصية موجبة للعقاب ، وثانيها : أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة ، فان ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر ، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر ، فان أصروا وقالوا : بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقط أبطلوا على أنفسهم أصلهم ، فانهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين ، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم ، فان دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه ، وحينئذ يبطل عليهم كل هذه القواعد ، وثالثها : أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد ، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات ، فكان أداء الطاعات أدار لما وجب بسبب النعم السابقة ، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئا آخر ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا ، وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فان عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها ، فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر ، وذلك أيضا باطل . ورابعها : أن هذا الكلام مبني على القول بالاحباط ، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة / فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة اليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق .
المسألة الثانية : اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا ؟ فالأكثرون قالوا : إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر ، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر ، فاذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة ، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراءا له بالاقدام على تلك الصغائر ، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة ، أما إذا لم يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر ، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة ، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجرا له عن الاقدام عليه . قالوا : ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان ، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة ، ووقت الموت في جميع الأوقات . والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة ، وأن لا يبين أن الكبائر ليست / إلا كذا وكذا ، فانه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة ، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة ، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة . روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ما تعدون الكبائر ) فقالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : ( الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات ) وعن عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها : استحلال آمين البيت الحرام ، وشرب الخمر ، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها : القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله ، والأمن من مكر الله . وذكر عن ابن عباس أنها سبعة ، ثم قال : هي إلى السبعين أقرب . وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال : قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد ، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر ، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته ، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر ، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام .
وأجاب أصحابنا من وجوه : الأول : انكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث إنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت ، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها ، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل . لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل ، وعندنا انه دلالة ظنية ضعيفة ، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وهذا أيضا ضعيف ، ويدل عليه آيات : إحداها : قوله : { واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون } ( البقرة : 172 ) فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد . وثانيها : قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته } ( البقرة : 283 ) وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك . وثالثها : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } ( البقرة : 282 ) والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا . ورابعها : { ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده . وخامسها : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ( النور : 33 ) والاكراه على البغاء محرم ، سواء أردن التحصن أو لم يردن . وسادسها : { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل ، وسابعها : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } والقصر جائز ، سواء حصل الخوف أو لم يحصل وثامنها : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضا حق الثنتين ، وتاسعها : قوله : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله } ( النساء : 35 ) وذلك جائز سواء حصل / الخوف أو لم يحصل . وعاشرها : قوله : { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } ( النساء : 35 ) وقد يحصل التوفيق بدون إرادتيهما ، والحادي عشر : قوله : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ( النساء : 130 ) وقد يحصل الغنى بدون ذلك التفرق ، وهذا الجنس من الآيات فيه كثرة ، فثبت أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، والعجب أن مذهب القاضي عبد الجبار في أصول الفقه هو أن المعلق بكملة ( إن ) على الشيء لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ثم إنه في التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية ، وذلك يدل على أن حب الانسان لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي .
الوجه الثاني من الجواب : قال أبو مسلم الاصفهاني : إن هذه الآية إنما جاءت عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات ، وعن عضل النساء وأخذ أموال اليتامى وغير ذلك ، فقال تعالى : إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في ارتكابها سالفا . وإذا كان هذا الوجه محتملا ، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة . وطعن القاضي في هذا الوجه من وجهين : الأول : أن قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } عام ، فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز . الثاني : أن قوله : إن باجتنابهم في المستقبل هذه المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد ؛ لأنه لا يخلو حالهم من أمرين اثنين : إما أن يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم ، فالتوبة قد أزالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر ، أو لا يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم ، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك السيآت ؟ هذا لفظ القاضي في تفسيره . والجواب عن الأول : أنا لا ندعي القطع بأن قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } محمول على ما تقدم ذكره ، لكنا نقول : إنه محتمل ، ومع هذا الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما ذكروه . وعن الثاني : أن قولك : من أين أن اجتناب هذا الكبائر يوجب تكفير تلك السيئات ؟ سؤال لا استدلال على فساد هذا القسم ، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال ، وإذا حضر هذا الاحتمال بطل ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم . الوجه الثالث : من الجواب عن هذا الاستدلال : هو أنا إذا أعطيناهم جميع مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول : إن من لم يجتنب الكبائر لم تكفر سيآته ، وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد ، وعمومات الوعيد ليست قليلة ، فما ذكرناه جوابا عن سائر العمومات كان جوابا عن تمسكهم بهذه الآية ، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا الباب ، وإذا كان كذلك لم يبق لقول الكعبي : إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه المسألة وجه . الوجه الرابع : أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيرا ، بالنسبة إلى شيء ، ويكون / صغيرا بالنسبة إلى شيء آخر ، وكذا القول في الصغائر ، إلا أن الذي يحكم بكونه كبيرا على الاطلاق هو الكفر ، وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الكفر ؟ وذلك لأن الكفر أنواع كثيرة : منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وشرائعه / فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفورا ، وهذا الاحتمال منطبق موافق لصريح قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وإذا كان هذا محتملا ، بل ظاهرا سقط استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر ، وعندنا أنه لا يجب عليه شيء ، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان ، وقد تقدم ذكر دلائل هذه المسألة . ثم قال تعالى : { وندخلكم مدخلا كريما } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ المفضل عن عاصم { يكفر ويدخلكم } بالياء في الحرفين على ضمير الغائب ، والباقون بالنون على استئناف الوعد ، وقرأ نافع { مدخلا } بفتح الميم وفي الحج مثله ، والباقون بالضم ، ولم يختلفوا في { مدخل صدق } بالضم ، فبالفتح المراد موضع الدخول ، وبالضم المراد المصدر وهو الادخال ، أي : ويدخلكم إدخالا كريما ، وصف الادخال بالكرم بمعنى أن ذلك الادخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال الله فيهم : { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } ( الفرقان : 34 ) المسألة الثانية : أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل لا بد معه من الطاعات ، فالتقدير : ان أتيتم بجميع الواجبات ، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة . ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب ، بل ههنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي ، وهو فضل الله وكرمه ورحمته ، كما قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } ( يونس : 58 ) والله أعلم . ! 7 < { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء عليما } . > 7 ! < < النساء : ( 32 ) ولا تتمنوا ما . . . . . > > اعلم أن في النظم وجهين : الأول : قال القفال رحمه الله : انه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل النفس ، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات ، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له ، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد ، واذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس ، فإما إذا رضي بما قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال . الوجه الثاني : في كيفية النظم : هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس ، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهرا عن الأفعال القبيحة ، وهو الشريعة . ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد ، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة ، وذلك هو الطريقة . ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : التمني عندنا عبارة عن ارادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون ، ولهذا قلنا : انه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا . وقالت المعتزلة : النهي عن قول القائل : ليته وجد كذا ، أو ليته لم يوجد كذا ، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا ، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . المسألة الثانية : اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية ، أو بدنية ، أو خارجية . أما السعادات النفسانية فنوعان : أحدهما : ما يتعلق بالقوة النظرية ، وهو : الذكاء التام والحدس الكامل ، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية . وثانيهما : ما يتعلق بالقوة العملية ، وهي : العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة ، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة . وأما السعادات البدنية : فالصحة والجمال ، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة .
وأما السعادات الخارجية : فهي كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر ، وكثرة الأصدقاء والأعوان ، والرياسة التامة ، ونفاذ القول ، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم ، مطاع الأمر فيهم ، فهذا هو الاشارة إلى مجامع السعادات ، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه ، وبعضها كسبية ، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله ، فانه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات ، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه ، ويكون الفوز / بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه ، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها . المسألة الثانية : أن الانسان اذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لانسان ، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها ، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ، ثم يعرض ههنا حالتان : إحداهما : أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان ، والأخرى : أن لا يتمنى ذلك ، بل يتمنى حصول مثلها له . أما الأول فهو الحسد المذموم ، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه : الاحسان إلى عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم ، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين ، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الانسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته / وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة ، ويزيل عن قلبه نور الايمان ، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين ، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا ، فانه يقطع المودة والمحبة والموالاة ، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها ، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } . واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان ، أما على مذهب أهل السنة والجماعة ، فهو أنه تعالى فعال لما يريد : { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) فلا اعتراض عليه في فعله . ولا مجال لأحد في منازعته ، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه ، واذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة ، وطرق الاعتراضات مردودة . وأما على مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود ، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم ، ولهذا المعنى قال : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض } ( الشورى : 27 ) وعلى التقديرين فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه ، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال : ( من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي ) فهذا هو الكلام فيما اذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الانسان ، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها ) والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد . أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا : هذا أيضا لا يجوز ، لأن تلك النعمة / ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا ، فلهذا السبب قال المحققون : إنه لا يجوز للانسان أن يقول : اللهم أعطني دارا مثل دار فلان ، وزوجة مثل زوجة فلان ، بل ينبغي أن يقول : اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي . وإذا تأمل الانسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ذكر الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله : { فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا } ( البقرة : 201 ) وروى قتادة عن الحسن أنه قال : لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال ، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية : { واسألوا الله من فضله } .
المسألة الرابعة : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : قال مجاهد قالت أم سلمة : يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو ، ولهم من الميراث ضعف ما لنا ، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية ، الثاني : قال السدي : لما نزلت آية المواريث قال الرجال : نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء : نرجو أن يكون الوزر علينا علينا نصف ما على الرجال كما في الميراث فنزلت الآية : الثالث : لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء : نحن أحوج لأنا ضعفاء ، وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية . الرابع : أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : رب الرجال والنساء واحد ، وأنت الرسول الينا واليهم ، وأبونا آدم وأمنا حواء . فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا ، فنزلت الآية . فقالت : وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فاذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر / فاذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس ) . ثم قال تعالى : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } . واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا ، وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة ، وأن يكون ما يتعلق بهما . أما الاحتمال الأول : ففيه وجوه : الأول : أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا ، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له . الثاني : كل نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به ، وأن يترك الاعتراض ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز . الثالث : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بهذه الآية ، وبين أن لكل واحد منهم نصيبا ، ذكرا كان أو أنثى ، صغيرا كان أو كبيرا . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الآية : ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه وجوه : الأول : المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه ، فلا تتمنوا خلاف / ذلك . الثاني : لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات ، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره : لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك . الثالث : للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على النساء ، وللنساء نصيب مما اكتسبن ، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن ، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش ، فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب . وأما الاحتمال الثالث : فهو أن يكون المراد من الآية : كل هذه الوجوه : لأن هذا اللفظ محتمل ، ولا منافاة . ثم قال تعالى : { واسألوا الله من فضله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي : { واسألوا الله من فضله } بغير همز ، بشرط أن يكون أمرا من السؤال ، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء ، والباقون بالهمز في كل القرآن . أما الأول : فنقل حركة الهمزة إلى السين ، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها . وأما الثاني : فعلى الأصل . واتفقوا في قوله : { وليسئلوا } أنه بالهمزة ، لأنه أمر لغائب . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله : { من فضله } في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا في قياس قول سيبويه ، والصفة قائمة مقامه ، كأنه قيل : واسألوا الله نعمته من فضله .
المسألة الثالثة : قوله : { واسألوا الله من فضله } تنبيه على أن الانسان لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء ، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الاطلاق . ثم قال : { إن الله كان بكل شىء عليما } والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين ، فليقتصر السائل على المجمل ، وليحترز في دعائه عن التعيين ، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر والله أعلم . ! 7 < { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الا خ وبنات الا خت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الا ختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 ! < < النساء : ( 33 ) ولكل جعلنا موالي . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثا ، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما . أما الأول : فهو أن قوله : { ولكل جعلنا موالى مما ترك } أي : ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته ، ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل : هم الوالدان والأقربون ، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله : { مما ترك } . وأما الثاني : ففيه وجهان : الأول : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالى ، أي : ورثة و { جعلنا } في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين ، لأن معنى { جعلنا } خلقنا . الثاني : أن يكون التقدير : ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، فقوله : { موالى } على هذا القول يكون صفة ، والموصوف يكون محذوفا ، والراجع إلى قوله : { ولكل } محذوفا ، والخبر وهو قوله : { نصيب } محذوف أيضا ، وعلى هذا التقدير يكون { جعلنا } معتديا إلى مفعولين ، والوجهان الأولان أولى ، لكثرة الاضمار في هذا الوجه . المسألة الثانية : لفظ مشترك بين معان : أحدها : المعتق ، لأنه ولى نعمته في عتقه ، ولذلك يسمى مولى النعمة . وثانيها : العبد المعتق ، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه ، وهذا كما يسمى الطالب غريما ، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه ، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له . وثالثها : الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين . ورابعها : ابن العم ، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما . وخامسها : المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى : { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) وسادسها : العصبة ، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى ، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر ) . ثم قال تعالى : { والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : عقدت بغير ألف وبالتخفيف ، والباقون بالألف والتخفيف ، وعقدت : أضافت العقد إلى واحد ، والاختيار : عاقدت ، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين .
/ المسألة الثانية : الأيمان . جمع يمين ، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد ، وأن يكون معناه القسم ، فان كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه : أحدها : أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي ، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين ، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم ، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد . والوجه الثاني : في المجاز : وهو أن التقدير : والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم ، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه ، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه . الثالث : أن التقدير : والذين عاقدتهم ، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول ، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد . أما عاقدتهم ، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول ، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد . أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة إلى القسم ، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الاضافة ، والقول في بقية المجازات كما تقدم . المسألة الثالثة : من الناس من قال : هذه الآية منسوخة ، ومنهم من قال : إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها : فالأول : هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم : الحلفاء في الجاهلية ، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول : دمي دمك وسلمي سلمك ، وحربي حربك ، وترثني وأرثك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث ، فنسخ ذلك بقوله تعالى : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) وبقوله : { يوصيكم الله } الثاني : أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له ، وهم المسمون بالأدعياء ، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ . الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه ، وكانت تلك المؤاخاة سببا للتوارث . واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة سببا للتوارث بقوله : { ولكل جعلنا } ثم ان الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي تلوناها .
القول الثاني : قول من قال : الآية غير منسوخة ، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها : الأول : تقدير الآية : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم ، أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم ، فقوله : { والذين عقدت أيمانكم } معطوف على قوله : { الوالدان والاقربون } والمعنى : ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به ، وسمى الله تعالى الوارث مولى . والمعنى لا تدفعوا المال إلى الحليف ، بل إلى المولى والوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية ، وهذا تأويل أبي علي الجبائي . الثاني : المراد بالذين عاقدت أيمانكم : الزوج والزوجة ، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح } ( البقرة : 235 ) فذكر تعالى الوالدين والأقربين ، وذكر معهم الزوج والزوجة ، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة ، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا ، وهو قول أبي مسلم الاصفهاني . الثالث : أن يكون المراد بقوله : { والذين فى أيمانكم } الميراث الحاصل بسبب الولاء ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا . الرابع : أن يكون المراد من { الذين عقدت أيمانكم } الحلفاء ، والمراد بقوله : { ولكل جعلنا } النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة ، والمخالصة في المخالطة ، فلا يكون المراد التوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا . الخامس : نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن ، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ماله ، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا . السادس : قال الاصم : إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل ، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم ذكره ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده . المسألة الرابعة : القائلون بأن قوله : { والذين عقدت أيمانكم } مبتدأ ، وخبره قوله : { ولكل جعلنا } قالوا : إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن ( الذي ) معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله : { ولكل جعلنا } ويجوز أن يكون منصوبا على قولك : زيدا فاضربه . المسألة الخامسة : قال جمهور الفقهاء : لا يرث المولى الأسفل من الأعلى . وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال : يرث ، لما روى ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له ، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق ، ولأنه داخل في قوله تعالى : { والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } . والجواب عن التمسك بالحديث : أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره ، لأنه كان مالا لا وارث له ، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء .
المسألة السادسة : قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما : من اسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره ، انه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يرثه حجة الشافعي : أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم ، فقد جعلنا له موالى وهم العصبة ، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة ، وإما العامة وهم جماعة المسلمين ، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ما لم توجد العصبة الخاصة ، واحتج / أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده ، ثم إنه تعالى نسخه بقوله : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فاذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان . والجواب : أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث ، بل بينا أن الآية دالة على أنه لا يرث ، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل . ثم قال تعالى : { إن الله كان على كل شىء شهيدا } وهو كلمة وعد للمطيعين ، وكلمة وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد ، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات ، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه . وعلى التقدير الأول : الشهيد هو العالم ، وعلى التقدير الثاني : هو المخبر . ! 7 < { الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حفظات للغيب بما حفظ الله واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } . > 7 < النساء : ( 34 ) الرجال قوامون على . . . . . > > اعلم أنه تعالى قال : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث ، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث ، لأن الرجال قوامون على النساء ، فانهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر ، أمر الله الرجال أن يدفعوا اليهن المهر ، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر ، فكأنه لا فضل ألبتة ، فهذا هو بيان كيفية النظم . وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : القوام ؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر ، يقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار ، فانه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية ، وأنه لطمها وان أثر اللطمة باق في وجهها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر ) فنزلت هذه الآية : { الرجال قوامون على النساء } أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن ، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير ) ورفع القصاص ، ثم انه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين ، أحدهما : قوله تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض } ( النساء : 34 ) .
واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، بعضها صفات حقيقة ، وبعضها أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين : إلى العلم ، وإلى القدرة ، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر ، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة ، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي ، وان منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الامامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق ، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه ، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث ، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج ، وإليهم الانتساب ، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء . والسبب الثاني : لحصول هذه الفضيلة : قوله تعالى : { وبما أنفقوا من أموالهم } يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها ، ثم انه تعالى قسم النساء قسمين ، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن مسعود { فالصالحات قانتات حفظات للغيب } . المسألة الثانية : قوله : { قانتات حفظات للغيب } فيه وجهان : الأول : قانتات ، أي مطيعات لله ، { حفظات للغيب } أي قائمات بحقوق الزوج ، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج . الثاني : أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته ، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة ، وأصل القنوت دوام الطاعة ، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق / أزواجهن ، وظاهر هذا إخبار ، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة . واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها ، لأن الله تعالى قال : { فالصالحات قانتات } والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق ، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة ، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة . قال الواحدي رحمه الله : لفظ القنوت يفيد الطاعة ، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج ، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله : { حفظات للغيب } واعلم أن الغيب خلاف الشهادة ، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب ، وذلك من وجوه : أحدها : أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها ، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره ، وثانيها : حفظ ماله عن الضياع ، وثالثها : حفظ منزله عما لا ينبغي ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( خير النساء إن نظرت اليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ) ، وتلا هذه الآية . المسألة الثالثة : ( ما ) في قوله : { بما حفظ الله } فيه وجهان : الأول : بمعنى الذي ، والعائد اليه محذوف ، والتقدير : بما حفظه الله لهن ، والمعنى أن عليهن ان يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن ، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن ، فقوله : { بما حفظ الله } يجري مجرى ما يقال : هذا بذاك ، أي هذا في مقابلة ذاك .
والوجه الثاني : أن تكون ( ما ) مصدرية ، والتقدير : بحفظ الله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن ، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله ، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل . والثاني : أن المعنى : هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره ، فان المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها ، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول . واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات ، فقال : { واللاتى تخافون نشوزهن } . واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل . قال الشافعي رضي الله عنه : { واللاتى تخافون نشوزهن } النشوز قد يكون قولا ، وقد يكون فعلا ، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت ، والفعل مثل أن كانت تقوم اليه إذا دخل عليها ، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها ، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك ، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها ، فحينئذ ظن نشوزها / ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز . وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف ، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع ، ومنه يقال للأرض المرتفعة : ونشز ونشر . ثم قال تعالى : { فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : أما الوعظ فانه يقول لها : اتقي الله فان لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه ، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا ، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية ، فان أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها / وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا ، وأيضا فاذا هجرها في المضجع فان كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز ، وان كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران ، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها ، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة ، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك ، ثم عند هذه الهجرة ان بقيت على النشوز ضربها . قال الشافعي رضي الله عنه : والضرب مباح وتركه أفضل . روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم ، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم ، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن ، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم ) ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا . قال الشافعي رضي الله عنه : فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب ، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة ، بأن يكون مفرقا على بدنها ، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن ، وأن يكون دون الأربعين . ومن أصحابنا من قال : لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد ، ومنهم من قال : ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده ، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا ، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه .
وأقول : الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الاقدام على الطريق الأشق والله أعلم . المسألة الثانية : اختلف أصحابنا قال بعضهم : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب ، فان ظاهر / اللفظ وان دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : يعظها بلسانه ، فان انتهت فلا سبيل له عليها ، فان أبت هجر مضجعها ، فان أبت ضربها ، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز ، أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل . وقال بعض أصحابنا : تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو يضربها . ثم قال تعالى : { فإن أطعنكم } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب { فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقا على سبيل التعنت والايذاء { إن الله كان عليا كبيرا } وعلوه لا بعلو الجهة ، وكبره لا بكبر الجثة ، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من وجوه : الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن ، وأكبر درجة منهن . الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم . فان الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق . الثالث : أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فانهن لا يقدرن على ذلك . الرابع : أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فاذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها . الخامس : أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر / ولم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض . ! 7 < { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ إن الله كان عليما خبيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 35 ) وإن خفتم شقاق . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها ، ثم يهجرها ، ثم يضربها ، بين أنه لم / يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال : { وإن خفتم شقاق بينهما } إلى آخر الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : { خفتم } أي علمتم . قال : وهذا بخلاف قوله : { واللاتى تخافون نشوزهن } فان ذلك محمول على الظن ، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز ، فقد حصل العلم بكونها ناشزة : فوجب حمل الخوف ههنا على العلم . طعن الزجاج فيه فقال : { خفتم } ههنا بمعنى أيقنتم خطأ ، فانا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين . وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما ، الا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك ، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى . ويمكن أن يقال : وجود الشقاق في الحال معلوم ، ومثل هذا لا يحصل منه خوف ، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا ؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك محال ، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل . المسألة الثانية : للشقاق تأويلان : أحدهما : أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه . الثاني : أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة . المسألة الثالثة : قوله : { شقاق بينهما } معناه : شقاقا بينهما ، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها ، يقال : يعجبني صوم يوم عرفة ، وقال تعالى : { بل مكر اليل والنهار } ( سبأ : 33 ) . المسألة الرابعة : المخاطب بقوله : { فابعثوا حكما من أهله } من هو ؟ فيه خلاف : قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله ، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية اليه ، وقال آخرون : المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله : { خفتم } خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية ، فوجب حمله على الكل ، فعلى هذا يجب أن يكون قوله : { فإن خفتم } خطابا لجميع المؤمنين . ثم قال { فابعثوا } فوجب أن يكون هذا أمرا لآحاد الآمة بهذا المعنى ، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد ، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح . وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر ، ولكل أحد أن يقوم به . المسألة الخامسة : إذا وقع الشقاق بينهما ، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها ، أو يشكل ، فان كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه ، وان كان منه ، فان كان قد فعل فعلا حلالا / مثل التزوج بامرأة أخرى ، أو تسري بجارية ، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق ، فان قبلت وإلا كان نشوزا ، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب ، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابها ، فالقول أيضا ما قلناه . المسألة السادسة : قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين ، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها ، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب ، وأشد طلبا للصلاح ، فان كانا أجنبيين جاز . وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ، ليعرف أن رغبته في الاقامة على النكاح / أو في المفارقة ، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع .
المسألة السابعة : هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما ، مثل أن يطلق حكم الرجل ، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها ؟ للشافعي فيه قولان : أحدهما : يجوز ، وبه قال مالك واسحق . والثاني : لا يجوز ، وهو قول أبي حنيفة . وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه ، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه ، ومع كل واحد منهما جمع من الناس ، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، ثم قال للحكمين : تعرفان ما عليكما ؟ عليكما ان رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا ، فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه . فقال الرجل : أما الفرقة فلا ، فقال علي : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به . قال الشافعي رضي الله عنه : وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل . أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال : عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وأقل ما في قوله : عليكما ، أن يجوز لهما ذلك . وأما دليل القول الثاني : أن الزوج لما لم يرض توقف على ، ومعنى قوله : كذبت ، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي . ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين . والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم ، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين ، لم يضف اليهما إلا الاصلاح ، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض اليهما . المسألة الثامنة : قوله : { وإن خفتم شقاق بينهما } أي شقاقا بين الزوجين ، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما ، وهو الرجال والنساء . / ثم قال تعالى : { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : { إن يريدا } وجوه : الأول : ان يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير . الثاني : ان يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الثالث : إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الرابع : إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه . المسألة الثانية : أصل التوفيق الموافقة ، وهي المساواة في أمر من الأمور ، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة ، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى ، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين . ثم قال تعالى : { إن الله كان عليما خبيرا } والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق . النوع التاسع : من التكاليف المذكورة في هذه السورة : ! 7 < { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . > 7 ! < < النساء : ( 36 ) واعبدوا الله ولا . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع .
النوع الأول : قوله : واعبدوا الله } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : { } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } . / النوع الثاني : قوله : { ولا تشركوا به شيئا } وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله : { واعبدوا الله } أمر بالاخلاص في العبادة بقوله : { ولا تشركوا به شيئا } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا ، ولهذا قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( البينة : 5 ) . النوع الثالث : قوله : { وبالوالدين إحسانا } واتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : { فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ) أي فاضربوها ، ويقال : أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير : أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها : في هذه الآية ، وثانيها : قوله : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وثالثها : قوله : { أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير } ( لقمان : 14 ) وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان اليهما . ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } ( الإسراء : 23 ) وقال : { ووصينا الإنسان أجرا حسنا } وقال في الوالدين الكافرين : { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا } ( لقمان : 15 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أكبر } وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : ( هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع وأستاذنهما فان أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما ) . واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا . النوع الرابع : قوله تعالى : { الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى } وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : { والارحام } .
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟