Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Sección V01/P121–V01/P123

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلها في كل جمعة مرة ، و ذكر أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه لم يكن يدع هذه الصلاة كل يوم بعد الزوال وأخبر عن فضلها ما يجل وصفه ، وإن قرأ المسبحات الست في يوم الجمعة أو ليلتها ، فحسن ، وليس يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السور بأعيانها إلا يوم الجمعة وليلتها ، فإنا روينا أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة وسورة المنافقين ، وقد روي أنه كان يقرأ بهاتين السورتين في صلاة الجمعة وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة سجدة لقمان وسورة هل أتى على الإنسان واستماعه إلى علم اليقين والمعرفة وحضور مجالس الذكر أفضل من صلاته وصلاته أفضل من حضوره مجالس القصاص وروينا في حديث أبي ذر حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وفي خبر آخر لأن يتعلم أحدكم بابا من العلم أو يعلمه خير له من صلاة ألف ركعة وفي خبر قيل : يا رسول الله ومن قراءة القرآن فقال : وهل ينفع القرآن إلا بعلم والصلاة إذا عدم مجلس العلم بالله والتفقه في دين اللهه عز وجل أزكى من حضور مجلس القصص ومن الاستماع إلى القصاص فإن القصص كان عندهم بدعة وكانوا يخرجون القصاص من الجامع ، روي أن ابن عمر جاء ذات يوم إلى مجلسه في المسجد فإذا قصاص يقص فقال له : قم من مجلسي فقال لاأقوم وقد جلست فيه أو قال : قد سبقتك إليه قال : فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة فأقامه فلو كان ذلك من السنة لما حل لابن عمر أن يقيمه من مجلسه سيما وقد سبقه إلى الموضع كيف وهو الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا قال : فكان ابن عمر إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه . وروينا ثم يجلس فيه وقد روينا أن قاصا كان يجلس بفناء حجرة عائشة يقص فأرسلت إلى ابن عمر أن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي قال : فضربه ابن عمر حتى كسر عصا على ظهره ثم طرده وليحذر أن يمر بين يدي المصلي وإن كان مروره لا يقطع الصلاة ففي الخبر لأن يقف أربعين سنة خير له من أن يمر بين يدي المصلي وقد جاء فيه وعيد شديد لأن يكون الرجل رمادا تذروه الرياح خير له من أن يمر بين يدي المصلي وقد سوى في ذلك بين المار والمصلي في الوعيد ففي حديث زيد بن خالد الجهني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه وليدن المصلي من اسطوانة أو جدار فإذا فعل ذلك فلا يدعن أحدا أن يمر بين يديه وليدفعه ما استطاع ، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ، وكان أبو سعيد يدفع من يمر بين يديه حتى يصرعه فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه مروان فيخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك فإن لم يتفق له اسطوانة فليجعل شيئا بين يديه يكون طوله عظم الذراع ، وقد قيل : إن كان حبلا ممدودا فحاجز بينه وبين المارة ، وقد قيل أربع من الجفاء : أن يبول الرجل قائما ، أو يصلي في الصف الثاني ويترك الأول فارغا ، أو يمسح جبهته في صلاته ، أو يصلي بسبيل من يمر بين يديه ، وقد كان الحسن يقول : تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم وليقرب من الإمام وينصت ويسمع ويستقبله بوجهه كذلك السنة إلا أن يخاف أن يسمع أو يرى منكرا من لبس نقش سواد أو حرير أوديباج أو جميل سلاح ثقيل ولا يستطيع تغييره ليبعد حينئذ فهو أسلم ولا يلغو ولا يتكم في خطبة الإمام وإن بعد ولايجلس في حلقة من يتكلم والإمام يخطب ولا يقول لآخر اسكت ولكن يومئ إليه إيماء أو يحصبه بحصاة فإن لغا والإمام يخطب بطلت جمعته ولا يتكلم في العلم في خطبة الإمام ومن لم يقرب من الإمام ولم يستمع فلينصت وإن بعد كذلك المستحب .

Sección V01/P123–V01/P124

وقد روينا عن عثمان وعلي رضوان الله عليهما : من استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد ، وفي حديث أبي ذر لما سأل أبيا والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : متى أنزلت هذه السورة فأومأ إليه أن اسكت ، فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبي : اذهب فلا جمعة لك ، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صدق أبي ، وكذلك جاء في الخبر : من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت أومه فقد لغا ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له وليقطع الصلاة إذا قام المؤذنون للأذان بين يدي الإمام . فقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليهم : تكره الصلاة في أربع ساعات ، بعد الفجر ، وبعد العصر ، ونصف النهار ، والصلاة والإمام يخطب ، وقد جاء في الأثر خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وسجود العامة عند قيام المؤذنين للأذان قبل الخطبة ليس بسنة فإن وافق ذلك سجوده في صلاته أو سجود قرآن فلا بأس أن يمتد في الدعاء إلى فراغهم لأنه وقت مفضل ولا أعرف في ذلك أثرا غير أنه مباح ، ومن العلماء من كره الصلاة في المقصورة لأجل أنها قصرت على السلطان وأوليائه وذلك بدعة عند أهل الورع ابتدعت في المساجد لأنها غير مطلقة لجملة الناس ، فلذلك نقل في الخبر : كان الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة . وروي : رأيت أنس بن مالك يصلي في المقصورة وعمران بن حصين أيضا ومنهم من لم يكره ذلك ورأيت فيه فضلا لأجل السنة في الدنو من الإمام واستماع الذكر فإن أطلقت للعامة زالت الكراهة عنها وإن خص بها أولياء السلطان تركت عليهم فإن صلى سبعا يصلي فيها فإن بعض العلماء كره الصلاة في فناء المنبر من قبل أن المنبر يقطع الصفوف وكان عندهم أن تقدمة الصفوف إلى فناء المنبر بدعة وكان الثوري يقول : الصف الأول : هو الخارج من بين يدي المنبر ومن خشي الفتنة والآفة في قربه من الإمام بأن يسمع ما يجب عليه إنكاره أو يرى ما يلزم الأمر فيه أو النهي عنه من لبس حرير أو لبس ديباج أو الصلاة في السلاح الثقيل للشغل كان بعده من الصفوف المقدمة أصلح لقلبه وأجمع لهمه لقلة ملاقاة الناس ولترك النظر إليهم ، فالأصلح للقلب والأجمع للهم هو الأفضل حينئذ وقد كان جماعة من العلماء والعباد يصلون في أواخر الصفوف إيثارا للسلامة وقيل لبشر بن الحرث : نراك تبكر يوم الجمعة وتصلي في أواخر الصفوف فقال : يا هذا إنما نريد قرب القلوب لا قرب الأجساد ، ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يستمع إلى خطبة أبي جعفر فلما جاءه بعد الصلاة قال : شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد قلت : يا أبا عبد الله أليس في الخبر إذن واستمع فقال ويحك ذاك للخلفاء الراشدين المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب لك إلى الله عز وجل .

Sección V01/P124–V01/P125

وقد روينا عن أبي الدرداء فضيلة في الصف المؤخر قال سعيد بن عامر صليت إلى جنبه فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف فلما صلينا قلت له أليس يقال خيرا الصفوف أولها قال : نعم إلا أن هذه أمة مرحومة منظور إليها من بين الأمم وإن الله عز وجل إذا نظر إلى عبد منهم في الصلاة غفر لمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن تغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه وقد رفعه بعض الرواة أن أبا الدرداء سمع النبي صلى الله عليه وسلم : يقول ذلك : والصدقة مستحبة مفضلة يوم الجمعة خاصة فإنها تضاعف إلا على من سأل والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه قال صالح بن أحمد : سأل مسكين يوم الجمعة والإمام يخطب وكان بجنب أبي فأعطاه رجل قطعة ولم يعرفه ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي وقال ابن مسعود : إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه ، ومن العلماء من كره الصدقة على سؤال الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل قائما من غير أن يتخطى المسلمين أو قاعدا في مكان . وروينا عن كعب الأحبار : من شهد الجمعة ثم انصرف يتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وخشوعهما وسجودهما ثم يقول : اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم لم يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه ، وقد روينا عن بعض السلف على غير هذا الوصف قال : من أطعم مسكينا في يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام اللهم إني أسألك ببسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أن تغفر لي وترحمني وأن تعافيني من النار ثم دعا بما بدا له استجيب له وإن سمع قراءة الإمام لم يقرأ في صلاته إلا سورة الحمد لا غير وإن لم يسمع قراءته قرأ سورة مع الحمد إن أحب فأما من سمع قراءة الإمام وقرأ معه سورة الجمعة أو غيرها من السور فقد خالف الأمة وعصى رسولا صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه مذهب أحد من المسلمين فإذا سلم من صلاة الجمعة قرأ وهو ثان رجله قبل أن يتكلم الحمد سبع مرات وقل هو الله أحد سبعا والمعوذتين سبعا سبعا ، ففي ذلك أثر عن بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة وكان ذلك حرزا له من الشيطان واستحب له أن يقول بعد صلاة الجمعة : اللهم يا غني ، ياحميد ، يا مبدئ ، يا معيد ، يا رحيم ، ياودود ، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك ، يقال : من داوم علي هذا الدعاء أغناه الله عز وجل عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب ، وقد روي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، وروى أبو هريرة أنه كان يصلي بعدها أربعا ، وروى علي وعبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعدها ستا فإذا صلى العبد ست ركعات فقد استوعب جميع الروايات وأكره شراء الماء في المسجد للشرب أو لتسبيله لئلا يكون مبتاعا في المسجد فقد كره الشراء والبيع في المسجد فإن بايعه أو دفع إليه القطعة خارجا من المسجد وشرب أو سبل في المسجد فلا بأس وقد جاء عن بعض السلف أنه كره الصلاة في رحاب الجامع عن بعض الصحابة أنه كان يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب ويقول : لا تجوز الصلاة في الرحاب فهذا عندي على ضربين وهو أن الصلاة في رحاب الجامع الزوائد فيه المتصلة بالصفوف المحيط بها حائط الجامع الأعظم كالصلاة في وسطه غير مكروهة ، والصلاة في رحابه المتفرقة في أفنيته التي هي من وراء جدر الجامع كله مكروهة ، و كذلك الصلاة في الطرقات المنفردة عن الجامع غير المتصلة بالصفوف لحجز طريق أو بعد مكان فلا يجوز ، وهذا الذي كرهه من كان ينهي عن الصلاة فيه ، فإذا صلى الجمعة انتشر في أرض الله عز وجل يطلب من فضل الله عز وجل ومن الفضل طلب العلم واستماعه ، ويقال : هو مزيد يوم الجمعة للعالم والمتعلم ، قال الله عز وجل : ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) النساء : 311 قال الله تعالى ( ولقد آتينا داود منا فضلا ) سبأ : 01 ، يعني بدليل نظيرها من الآية الأخرى في قوله تعالى : ( ولقد آتينا داود و سليمان علما وقالا الجمد لله الذي فضلنا ) النمل : 15 .

Sección V01/P125–V01/P126

وروينا عن أنس بن مالك في قوله عز وجل : ( فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : 01 ، قال أما أنه ليس بطلب دنيا ولكنه عيادة مريض وشهود جنازة وتعلم علم وزيارة أخ في الله عز وجل فإن الذكر بالعلم وتعليم الناس إياه والتذكير بالله عز وجل والدعوة إليه في يوم الجمعة له فضل على سائر الأيام لأنه يوم المزيد ، فللقلوب فيه إقبال وتحديد ، وكذلك السعي إليه والاستماع له وحضور مجالس الذكر يوم الجمعة لا مجالس القصاص أفضل من سائر الأيام ، والمستمع شريك القائل في الأجر وقد قيل إنه أقرب للرحمة وقد كره العلماء الجلوس إلى القصاص سيمايوم الجمعة خاصة لأنهم يثبطون عن الغدو إلى الجامع في الساعة الأولى والثانية لأن الكتاب ورد بالفضل فيهما ، فمن اتفق له عالم بالله عز وجل يذكره به ويدله عليه من علماء الآخرة الزاهدين في الدنيا يوم الجمعة غدوة في الجامع أو بعد صلاة الجمعة جلس إليه واستمع منه وإن حضر مفت يتكلم بعلم الدين وكان العبد محتاجا إلى ذلك وجالسه فهو الأفضل فإن مجالس العلماء في الجامع من زين يوم الجمعة ومن تمام فضله . قال الحسن : الدنيا ظلمة إلا مجالس العماء ، فإن لم يتفق له ذلك أحيا ما بين الصلاتين وهو الورد الخامس من النهار ، ويستحب صلاة العصر في الجامع إلا لسبب لا بد منه مانع ، وإن قعد إلى غروب الشمس فهو أثوب للساعة المنتظرة من آخر النهار إذا أمن الفتنة والتصنع والكلام فيما لا يعنيه ، ويقال : من صلى العصر في الجامع كان له ثواب حجة ومن صلى المغرب كان له ثواب عمرة فإن خشي دخول الآفة عليه أو لم يأمن التصنع والخوض فيما لا يعنيه انصرف إلى منزله ذاكرا لله عز وجل مفكرا في آلائه وحسن نعمائه فراعى غروب الشمس بالأذكار والتسبيح والاستغفار في منزله أو مسجد حيه فذلك حينئذ أفضل له ، وقال بعض السلف : أوفر الناس نصيبا يوم الجمعة من راعاها وانتظرها من الأمس وأخس الناس منها نصيبا من يصبح يوم الجمعة فيقول : أيش اليوم وقد كان بعضهم يبيت ليلة الجمعة في الجامع لأجل صلاة الجمعة ومنهم من كان يبيت ليلة السبت في الجامع لمزيد الجمعة وكثير من السلف من كان يصلي الغداة يوم الجمعة في الجامع ويقعد ينتظر صلاة الجمعة لأجل البكور ليستوعب فضل الساعة الأولى ولأجل ختم القرآن وعامة المؤمنين كانوا ينحرفون من صلاة الغداة في مساجدهم فيتوجهون إلى جوامعهم ويقال : أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجوامع .

Sección V01/P126–V01/P128

قال : وكنت ترى يوم الجمعة سحرا وبعد صلاة الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج يزدحمون فيها إلى الجامع كما ترون اليوم في الأعياد حتى درس ذلك وقل وجهل وترك أولا يستحي المؤمن أن أهل الذمة يبكرون إلى كنائسهم وبيعهم قبل خروجه إلى جامعه أولا يعتبر بأهل الأطعمة المباعة في رحاب الجامع أنهم يغدون إلى الدنيا والناس قبل غدوه هو إلى الله تعالى وإلى الآخرة فينبغي أن يسابقهم إلى مولاه ويسارعهم إلى ماعنده من زلفاه ، ويجب أن يكون للمؤمن يوم الجمعة مزيد في الأوراد والأعمال وليتفرغ فيه لربه عز وجل ويجعله يوم آخر إن لم يكن له يوم السبت فيوم الجمعة في الأوراد المتصلة والمزيد من الأذكار على المعلوم منها فلا يكون الجمعة كالسبت في تجارة الدنيا والشغل بأسبابها وأكره له التأهب ليوم الجمعة في باب الدنيا من يوم الخميس من إعداد المأكول والترفه من النعمة والأكل والشرب ، فقد روينا حديثا من طريق أهل البيت فيه نظر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يأتي على أمتي زمان يتأهبون لجمعتهم في أمر دنياهم عشية الخميس كما يتأهب اليهود لسبتها عشية الجمعة وإنما كان المؤمنون يتأهبون فيه للآخرة بالأوراد الحسنة يزدادون من الأوراد المتصلة ، وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : من أخذ مهنأه من الدنيا في هذه الأيام لم ينل مهنأه في الآخرة منها يوم الجمعة وقال أيضا : يوم الجمعة من الآخرة ليس هو من الدنيا ، وقال بعضهم : لولا يوم الجمعة ما أحببت البقاء في الدنيا فهو عند الخصوص يوم العلوم والأنوار ويوم الخدمة والأذكار لأنه عند الله عز وجل يوم المزيد بالنظر إليه في المزار . وروينا حديثا غريبا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوا أشغالكم يوم الجمعة فإنه يوم صلاة وتهجد . وروينا عن جعفر الصادق قال : يوم الجمعة لله عز وجل ليس فيه سفر ، قال الله تعالى : ( وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : 10 وما ذكرناه من الصلاة والسور المقروءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الذكر في يوم الجمعة فإنه يستحب في ليلتها وهي من أفضل الليالي فلا يدعن ذلك من وجد إليه سبيلا ، فإن للصادق المريد في كل وقت مفضل من الله عز وجل مزيدا فإذا أحب الله تعالى عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقت عبدا استعمله في الأوقات المفضلة بسئ الأعمال ليكون أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت ومما يختص به يوم الجمعة من الذكر والتمجيد بالأسماء فصول أربعة : أولها : الأربعون اسما التي دعا بها إدريس صلى الله عليه وسلم خصه الله تعالى بها وذكر الحسن البصري أن موسى صلى الله عليه وسلم قد كان دعا بهن وأنها كانت من دعاء محمد صلى الله عليه وسلم . والفصل الثاني : كان إبراهيم بن أدهم الزاهد يدعو بها كل يوم جمعة عشر مرات إذا أصبح وإذا أمسى فكان ذلك من عمله في يومه . والفصل الثالث : روينا عن علي رضي الله عنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يمجد نفسه في كل يوم وليلة . والفصل الرابع : تسبيحات أبي المعمر وهو سليمان التيمي الذي كان رأى الشهيد بعد قتله في المنام فقيل له : ما أفضل ما رأيت هناك من الأعمال ؟ فقال : رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله عز وجل بمكان ، فأما هذان الفصلان من تمجيد الرب سبحانه وتعالى نفسه ، وتسبيحات أبي المعتمر فقد ذكرناهما في أول الكتاب فيما اخترنا من الأدعية المختارة بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس في كل يوم فاستثقلنا إعادتها ههنا ، وأما الفصلان الآخران فنحن ذاكروهما .

Sección V01/P128–V01/P129

ذكر دعاء إدريس النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا الحسن بن يحيى الشاهد : حدثنا القاسم بن داود القراطيسي حدثنا عبد الله بن محمد القرشي حدثنا محمد بن سعيد المؤذن حدثنا سلام الطويل عن الحسن البصري قال : لما بعث الله عز وجل إدريس إلى قومه علمه هذه الأسماء فأوحى الله إليه : قلهن سرا في نفسك ولا تبدهن للقوم فيدعوني بهن ، قال : وبهن دعا ، فرفعه الله عز وجل مكانا عليا ثم علمهن الله عز وجل موسى عليه السلام ثم علمهن الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وبهن دعا في غزوة الأحزاب قال الحسن : وكنت مستخفيا من الحجاج فدعوت الله بهن فحبسه عني ولقد دخل علي ست مرات فأدعو الله بهن فأخذ الله عز وجل بأبصارهم عني فادع الله عز وجل بهن لالتماس المغفرة لجميع الذنوب ثم سل حاجتك من أمر آخرتك ودنياك فإنك تعطاه إن شاء الله تعالى فإنهن أربعون اسما عدد أيام التوبة سبحانك لا إله إلاأنت ، يا رب كل شيء ، ووارثه ، ورازقه ، وراحمه ، يا إله الآلهة ، الرفيع جلاله ، يا الله المحمود في كل فعاله ، يا رحمن كل شيء وراحمه ، ياحي حين لا حي في ديمومة ملكه وبقائه ، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ولايؤده ، ياواحد ، الباقي في أول كل شيء وآخره ، يا دائم فلا فناء ولا زوال لملكه ، ياصمد من غير شبيه ولا شيء كمثله ، يا بارىء فلا شئ كفؤه ولا مكان لوصفه ، يا كبير أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته ، يابارئ النفوس بلامثال خلا من غيره ، يا زاكي الطاهر من كل آفة تقدسه ، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله ، يانقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله ، ياحنان أنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلما ، يا ذا الإحسان قد عم كل الخلائق منه ، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا لرهبته ، يا خالق من في السموات والأرض وكل إليه معاده ، يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاده ، يا تام فلاتصف الألسن كل جلال ملكه وعزه ، يا مبدع البدائع لم يبلغ في إنشائها عونا من خلقه ، يا علام الغيوب فلا يفوته شيء من خلقه ولا يؤده ، يا حليم ذا الأناة فلا يعادله شيء من خلقه ، يا معيد ما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته من مخافته ، ياحميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه ، يا عزيز المنيع الغالب على أمره فلا شيء يعادله ، يا قاهر ذا البطش الشديد أنت الذي لا يطاق انتقامه ، يا قريب المتعالي فوق كل شيء علو ارتفاعه ، يا مذل كل جبار عنيد بقهر عزيز سلطانه ، يانور كل شيء وهداه ، أنت الذي فلق الظلمات بنوره ، يا عالي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه ، يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا شيء يعادله من خلقه ، يا مبدئ البرايا ومعيدها بعد فنائها بقدرته ، يا جليل المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده ، يا محمود فلا تبلغ الأوهام كنه ثنائه ومجده ، ياكريم العفو ذا العدل أنت الذي ملأ كل شيء عدله ، يا عظيم ذا الثناء الفاخر وذا العز والمجد والكبرياء فلا يذل عزه ، يا عجيب فلا تنطق الألسن بكنه آلائه وثنائه ، يا غياثي عند كل كربة ويا مجيبي عند كل دعوة ، أسألك اللهم يا رب الصلاة على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأمانا من عقوبات الدنيا والآخرة وأن تحبس عني أبصار الظالمين المريدين بي السوء وأن تصرف قلوبهم عن شر ما يضمرون بي إلى خير ما لا يملكه غيرك ، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان ولاحول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . ذكر دعاء إبراهيم بن أدهم

Sección V01/P129–V01/P131

حدثنا أحمد بن الموصلي الوكيل بن الموكل حدثنا : جعفر بن نصير الخواص الخراساني حدثني إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم قال : كان إبراهيم بن أدهم يقول هذا الدعاء في يوم الجمعة إذا أصبح ويقوله إذا أمسى مثل ذلك مرحبا بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب الشهيد يومنا هذا يوم عيد اكتب لنا ما نقول بسم الله الحميد المجيد الرفيع الودود الفعال في خلقه ما يريد أصبحت بالله مؤمنا وبلقائه مصدقا وبحجته معترفا ومن ذنبي مستغفرا ولربوبية الله خاضعا ولسوى الله عز وجل في الإلهية جاحدا وإلى الله فقيرا وعلى الله متوكلا وإلى الله منيبا ، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه ورسله وحملة عرشه ومن خلق ومن هو خالقه بأنه هو الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن الجنة حق والنار حق والحوض حق والشفاعة حق ومنكرا ونكيرا حق ولقاءك حق ووعدك حق والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله ، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر ، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف اللهم يا رب عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك أنا لك وإليك أستغفرك وأتوب اليك ، آمنت اللهم بما أرسلت من رسول ، وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا خاتم كلامي ومفتاحه وعلى أنبيائه ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين ، اللهم أوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشروبا رويا سائغا هنيئا ، لا نظمأ بعده أبدا واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين ولاناكثين ولا مرتابين ولامفتونين ولا مغضوبا علينا ولا ضالين ، اللهم اعصمني من فتن الدنيا ووفقني لماتحب وترضى من العمل وأصلح لي شأني كله وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تضلني وإن كنت ظالما سبحانك سبحانك يا علي ، ياعظيم ، يا بار ، يا رحيم ، ياعزيز ، يا جبار ، سبحان من سبحت له السموات بأكنافها ، وسبحان من سبحت له الجبال بأصواتها ، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها ، وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها ، وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراقها ، وسبحان من سبحت له الشجر بأصولها ونضارتها ، وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن ، سبحانك سبحانك يا حي ، يا حليم ، سبحانك لا إله إلا أنت وحدك ، لا شريك لك تحيي وتميت وأنت حي لا تموت ، بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير ، فإذا دعا بهده الأدعية الأربع يوم الجمعة فقد كمل الله عز وجل عمله وتم عليه فضله فإذا عمل بخير ما ذكرناه من الأعمال والأذكار واجتنب سيء ما ذكرناه من الأقوال والأفعال فهو من أهل الجمعة وممن له المزيد بها نصيبا موفورا وكان عمله الخالص وذكره الصادق عند الله عز وجل مشكورا ، وهذا آخر كتاب الجمعة وهيئاتها وآدابها . الفصل الثاني والعشرون فيه كتاب الصيام وترتيبه ووصف الصائمين وذكر ما يستحب للعبد من الصيام وطرقات الصائمين في الصوم ووصف صوم الخصوص

Sección V01/P131–V01/P132

قال الله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 351 ، جاء في التفسير : الصبر يعني الصوم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي رمضان شهرالصبر لأن الصبر حبس النفس عن الهوى وإيقافها وحبسها على أمر المولى ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الصبر نصف الإيمان والصوم نصف الصبر ، وقال الله تعالى : ( واستعينوا بالصبر ) البقرة : 351 ، قيل : معناه على مجاهدة النفس وقيل : على مصابرة العدو ، وقال بعض العلماء : استعينوا بالصبر على الزهادة في الدنيا بالصوم ، لأن الصائم كالزاهد العابد ، فالصوم مفتاح الزهد في الدنيا وباب العبادة للمولى لأنه منع النفس عن ملاذها وشهواتها من الطعام والشراب كما منعها الزاهد العابد بدخوله في الزهد وشغله بالعبادة ، ولذلك جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما في المعنى فقال : إن الله عز وجل يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول : أيها الشاب التارك شهوته من أجلي المبتذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي ، وقال في الصائم : مثل ذلك يقول عز وجل : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي ، ففي الصوم عون على مجاهدة النفس وقطع حظوظها ومنع عادتها وفيه إضعاف لها ونقصان لهواها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، فأضافه عز وجل إليه تفضيلا له تخصيصا كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) الجن : 18 وكما قال : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) النمل : 91 فلما كانت المساجد أحب بيوت الدنيا إليه وكانت مكة أشرف البلاد عنده أضافها إلى ذكره وله كل شيء كذلك لما كان الصيام أفضل الأعمال عنده وأحبها إليه لأن فيه خلقا من أخلاق الصمدية ولأنه من أعمال السر بحيث لا يطلع عليه إلا هو أضافه لنفسه ، وقيل : ما في عمل ابن آدم شيء إلا ويقع فيه قصاص ويذهب برد المظالم إلا الصوم فإنه لا يدخله قصاص ، ويقول الله عز جل يوم القيامة : هذا لي فلا يقتص منه أحد شيئا ، يقال : ما من عمل إلا وله جزاء معلوم إلا الصوم فإنه لا تعلم نفس ماجزاؤه ويكون أجره بغير حساب يفرغ له إفراغا ويجازف مجازفة وهو أحد الوجوه في قوله عز وجل : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة : 71 ، قيل : كان عملهم الصيام ، وكذلك في تأويل قوله عز وجل : السائحون قيل هم الصائمون كأنهم ساحوا إلى ربهم عز وجل بجوعهم وعطشهم وتركوا قرة أعين أبناء الدنيا من أكلهم وشربهم فآواهم مولاهم فيما أخفي لهم من قرة أعين جزاء لعملهم ، وقال تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 01 ، قيل : الصائمون والصبر اسم من أسماء الصوم فلما أخفي ذكره بالصوم في نفسه أخفى الله عز وجل جزاءه إياه عن غير نفسه .

Sección V01/P132–V01/P133

وفي الحديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، فالصوم ذكر الله عز وجل وهو سر وليس أستحب للعبد أن يزيد على إفطار أربعة أيام نسقا فإن ذلك يقسي القلب ويغير الحال ويولد العادات ويفتق الشهوات ولأنه لم يؤمر ولم يندب إلى أن يوالي بين إفطار أكثر من أربعة أيام متوالية وهي النحر وأيام التشريق ، ويستحب له أن يصوم يوما ويفطر يوما أو يصوم يومين ويفطر يومين وذلك صوم نصف الدهر وإن أحب فليصم يومين ويفطر يوما وذلك صوم ثلثي الدهر فإن أحب فليصم يوما ويفطر يومين وهذا صيام ثلث الدهر ، هذه طريق الصائمين وفيها روايات حذفنا ذكر فضائلها للاختصار ، فإن صام ثلاثا من أول الشهر وثلاثا من وسطه وثلاثا من آخره فحسن ، فإن صام الأثانين والأخمسة والجمع فذلك خير كبير وأقل من ذلك أن يصوم الأيام البيض وأول يوم من الشهر وآخر يوم منه ، وأفضل الصيام ما كان في الأشهر الحرم وأفضل ذلك ماوقع في العشرين منها وهو المحرم وذو الحجة وبعد ذلك ما كان في شعبان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام فيه حتى يصله بشهر رمضان ولايدع أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وليواظب على صوم الاثنين والخميس ، وفي الخبر : أفضل الصيام بعد شهر رمضان وشهر الله المحرم وصوم النصف الأول من شهر شعبان مستحب ، وقد كانوا يفطرون النصف الأخير منه ، وقد روينا خبر : إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يدخل رمضان وليفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز ، ولا يجوز أن يستقبل رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق ذلك يوم اثنين أو خميس قد كان يصومه ، وقد كان بعض الصحابة يكره أن يصام رجب كله لئلا يضاهي به شهر رمضان وكانوا يستحبون أن يفطروا منه أياما وقد كره قوم صيام الدهر كله وردت أخبار في كراهته وقد تأول ذلك بأنهم كانوا يصومون السنة كلها مع يوم العيد وأيام التشريق فوردت الكراهة لذلك ، وإن كان يريد صلاح قلبه وانكسار نفسه واستقامة حاله في صوم الدهر فليصمه ، فهو حينئذ كالواجب عليه إذا كان تقواه وصلاحه فيه ، فقد روينا عن سعيد عن قتادة عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين معناه لم يكن له فيها موضع وقد دلت الأصول على فضل صوم الدهر وقد صامه طبقات من السلف الصالح من الصحابة والتابعين بإحسان إلا أن يكون الرجل يرغب عن السنة ولا يرى الرخصة في الإفطار فيكره له صوم الدهر للمعاندة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسعة في الدين وأخبر الله عز وجل بأنه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، وفي لفظ آخر : يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته ، وقد دلت الأخبار على فضل صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ويفطر يوما وذلك ليكون العبد بين حالين حال صبر وحال شكر ، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها فقلت : أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ومن ذلك منازلته عليه السلام لعبد الله بن عمرو في الصوم وهو يقول : إني أريد أفضل من ذلك حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم : صم يوما وافطر يوما قال : أريد أفضل من ذلك قال : لا أفضل من ذلك ، وروي في الخبر : صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين يوما من غيره وصوم يوم من رمضان أفضل من صوم ثلاثين يوما من شهر حرام ، وفي حديث : من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله تعالى له عبادة سبعمائة عام ، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان بل كان يفطر منه وقد وصل مرة شعبان برمضان وفصل صوم رمضان مرارا من شعبان ، وما ذكرنا من أنواع الصوم فهو صيام جماعة من السلف الصالح وفي كل منه ورد فيه فضائل يكثر ذكرها وكذلك في جميع ما نذكره من أعمال القلوب والجوارح في الأيام والليالي وكذلك فيما نذكره من أخلاق الإيمان وأوصاف الموقنين ، وقدجاءت في أكثر ذلك فضائل ومثوبات إلا أنا لم نقصد تعديد ذلك وليس مذهبنا الاشتغال بذكر فضائل الأعمال إنما طريقنا تهذيب قلوب العمال ، فبطهارة القلوب وحقيقة الإيمان تزكو الأعمال وتقرب العاملون من ذي الجلال ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .

Sección V01/P133

ال وتقرب العاملون من ذي الجلال ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .

Sección V01/P133

ذكر صوم الخصوص من الموقنين

Sección V01/P133–V01/P136

اعلم وفقك الله تعالى أن الصوم عند الصائمين هو صوم القالب فأما صوم الخصوص من الموقنين فإن الصوم عندهم هو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية ثم صوم السمع والبصر واللسان عن تعدي الحدود وصوم اليد والرجل عن البطش والسعي في أسباب النهي ، فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك وقته في جملة يومه وصار له في كل ساعة من نهاره وقت وقد عمر يومه كله بالذكر ، ولمثل هذا قيل : نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وقد قرن الله عز وجل الاستماع إلى الباطل والقول بالإثم إلى أكل الحرام ولولا أن في المسموعات والمقولات حراما على المستمع والإصغاء إليه وحراما على القائل النطق به ما قرنهما إملي أكل الحرام وهو من الكبائر ، فقال تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت ، وقال سبحانه وتعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ) المائدة : 36 ، فالعبد الحافظ لحدود الله عز وجل إن أفطر بالأكل والجماع فهو صائم عند الله في الفضل للأتباع ومن صام عن الأكل والجماع وتعدى الحدود وأضاع فهو مفطر عند الله عز وجل صائم عند نفسه ، لأن ما أضاع أحب إلى الله عز وجل وأكثر مما حفظ ، ومثل من صام من الأكل وأفطر بمخالفة الأمر بسائر الجوارح مثل من مسح كل عضو من أعضائه في وضوئه ثلاثا ثلاثا ثم صلى فقد وافق الفضل في العدد إلا أنه تارك للفرض من الغسل فصلاته مردودة عليه لجهله وهو مغتر بفعله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل عضو من أعضائه في وضوئه مرة مرة فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للفرض محسن في العمل فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل ولعمله بالعلم ، ومثل من صام من الأكل والجماع وحفظ جوارحه عن الآثام كمثل من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا فقد تمم الفرض وأحسن بتكملة الفضل فهذا كما قال تعالى تماما على الذي أحسن ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء ، كذلك هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم عليه السلام وقد قال الله تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) الحج : 87 أي عليكم بها فائتموا واقتدوا به فيها ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ، وجاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما الجوع والعطش في آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحا وقال : قل لهما قيئا فيه ما أكلتما قال : فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما عريضا وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه ، فعجب الناس من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتان صامتا عما أحل الله عز وجل لهما وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل عليهما قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلا يغتابان الناس فهذا ما أكلا من لحومهم ، وكان أبو الدرداء يقول : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين وكل محظور عليك أن تتفوه به فمحظور عليك أن تستمع إليه وكل حرام عليك أن تفعله فمكروه أن تنظر إليه أو يخطر ببالك ، وقد سوى الله عز وجل بين المستمع والقائل في قوله تعالى : ( إنكم إذا مثلهم ) النساء : 041 ومثل الصائم مثل التوبة لأن الصبر من أوصافها وإنما كانت التوبة مكفرة لما سلف من السيئات لأجل أنه صبر عما سلف من سئ العادات ثم اعتقد ترك العود إلى مثل ما سلف بصيانة جوراحه التي كانت طرائق المكروهات ، كذلك كان الصيام جنة من النار وفضيلة من درجات الأبرار ، إذا صبر عليه الصائم فحفظ جوارحه فيه من المآثم فإذا أمرحها في الآثام كان كالتائب المتردد الناقض للميثاق لم تكن توبته نصوحا ولا كان صوم هذا صالحا وصحيحا ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصوم جنة من النار ما لم يخرقها بكذب أو غيبة وأمره في قوله عليه السلام : إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولايجهل وان امرؤ شاتمه فليقل : إني صائم ، وفي لفظ آخر لايجعل يوم صومه ويوم فطره سواء أي يتحفظ في صومه لحرمته ، وفي خبر : آخر الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته ، فحفظ الأمانة من صيانة الجوارح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لماتلا هذه الآية : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) النساء : 58 وضع يده على سمعه وبصره قال السمع أمانة والبصر أمانة فذلك مجاز قوله فليقل : إني صائم ، أي يذكر الأمانة التي حمل فيؤديها إلى أهلها ومن حفظ الأمانة أن يكتمها فإن أفشاها من غير حاجة فهي خيانة لأن مودعها قد لا يجب أن يظهرها وحقيقة حفظ السر نسيانه وضياع السر أن يكثر خزانه فحقيقة الصائم أن يكون ناسيا لصومه لا ينتظر الوقت شغلا عنه بالمؤقت .

Sección V01/P136

الفصل الثالث والعشرون فيه كتاب محاسبة النفس ومراعاة الوقت

Sección V01/P136–V01/P137

قال الله عز وجل : ( ونضع الموازين القسط ليوم القىامة ) الأنبياء : 47 إلى قوله : ( أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) الأنبياء 47 وقرئت : آتينا بها ممدودة أي جازينا بها فالتخويف بهذا الحرف أشد وأبلغ ، وقال تعالى يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم الآية ، وأوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما عند موته ، فقال : إن الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء وإن الباطل خفيف وهومع خفته وبيء وإن لله عز وجل حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لايقبله بالنهار وإنك لو عدلت على الناس كلهم وجرت على واحد منهم لمال جورك بعدلك فإن حفظت وصيتي لم يكن شئ أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن شيء أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على الله تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية وإنما خف الحساب في الآخرة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وثقلت موازين قوم في الآخرة وزنوا أنفسهم في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، فمحاسبة النفس تكون بالورع والموازنة تكون بمشاهدة اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد ، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال له : اتق الله أينما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ، ووجدت هذه الوصية في كتاب الله عز وجل لعباده بقوله عز وجل : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) النساء : 131 . والكلمة الثانية في قوله تعالى : ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 أي يدفعون بعمل الحسنة ويتبعونها السيئة المتقدمة تكفرها ، والكلمة الثالثة في قوله تعالى : وقولوا للناس حسنا ) البقرة : 83 وقد أخبر الله عز وجل عن وصية عباده الصالحين بثلاث فقال : ( إن الإنسان لفي خسر ) العصر : 2 أي لفي خسران ونقص بفوت أوقاته وفقد أرباحه ، ثم استثنى فقال : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 3 . وقال في الوصف الثالث : ( وتواصوا بالمرحمة ) البلد : 17 واتباع الحق بمخالفة الهوى فيه الصلاح ، إذ في موافقة الهوى الفساد ، والصبر قوام الأمر ، وبمقداره يكون الريح والرحمة للخلق باب الرحمة من الخالق ومفتاح حسن الخلق ومعها حسن الظن وسلامةالقلب وعندها ينتفي الحسد والغل ويوجد التواضع والذل ، وهذا وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم لصحبة نبيه عليه السلام وأنزل عليهم السكينة وأيدهم بروح منه فقال : ( رحماء بينهم ) الفتح : 29 وقال تعالى في حقيقة الرحمة : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) الاسراء : 24 وقال في مثله عن وصف أحبابه لإخوانهم : أذلة على المؤمنين ، فهذه الثلاثة مفاتيح رقة القلب ومغالق القسوة وفي الرقة الإقبال على الله عز وجل وعلى الدار الآخرة والتيقظ لأمره والتفكر في وعده ووعيده وفي القسوة الإعراض وطول الغفلة فمحاسبة النفس تكون بالورع وموزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد .

Sección V01/P137–V01/P138

وروينا عن علي رضي الله عنه : أما بعد فإن المرء يسره درك مالم يكن ليفوته ويسوءه فوت مالم يكن ليدركه ، فمانا لك من دنياك فلا تكترث به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ماخلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت ، وقال أيضا : الهوى شريك العمى ، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الذم وفي الصدق السلامة ، رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولايعدمك من حبيب سوء الظن ، نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به نفسك سبب بينك وبين الله عز وجل إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق رزقان ، رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك وإن كنت جازعا على ما أتلفت من يديك فلا تجزعن على مالم يصل إليك واستدلل على مالم يكن بما كان فإن الأمور أشباه ، وقال عبد الله بن عباس : لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الكسل وآفة اللب العجب وآفة الظرف الصلف وآفة التجارة الكذب وآفة السخاء التبذير ، وآفة الجمال الخيلاء وآفة الدين الرياء وآفة الإسلام الهوى ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آفة أمتي الدينار والدرهم ، وروينا عن وبرة السلمي عن مجاهد قال : أوصاني ابن عباس بخمس لهن أحسن من الدرهم الموقوف ومن الذهب الموصوف قال : لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أقرب لك من السلامة ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى له موضعا ، فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فلقي عنتا ، ولا تمارين حليما ولاسفيها أما الحليم فيقليك وأما السفيه فيؤذيك ، واخلف أخاك إذا غاب عنك بمثل ماتحب أن يخلفك به إذا غبت عنه واعفه مما تحب أن يعفيك منه واعمل بعمل رجل يعلم أنه مكافأ بالإحسان مأخوذ بالإساءة ، وفي وصية العباس لابنه عبد الله قال : يا بني إني أرى هذا الرجل يقدمك على الأشياخ ويكرمك فاحفظ عني هذه الخصال لا تفشين له سرا ولا تعصين له أمرا ولاتغتابن عنده أحدا ولا يطلعن منك على خيانة ولا يجربن عليك كذبة ، هذا في روايتين دخلت إحداهما في الأخرى قال في إحداهما : قلت للشعبي : كل واحدة منهن خير من ألف ، فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف ، وقال يوسف بن أسباط : كان يقال ثلاث من كن فيه فقد استكمل إيمانه من إذا رضي لم يخرج رضاه إلى باطل وإذا غضب لم يخرج غضبه عن حق وإذا قدر لم يأخذ ماليس له ، وقد روينا مسندا من طريق ، وقال سري بن المغلس : ثلاث يستبين بهن اليقين ، القيام بالحق في مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر الله عز وجل عند نزول البلاء ، والرضا بالقضاء عند زوال النعمة نعوذ بالله منه ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض عليه أمران : أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا ، وفي الخبر المشهورثلاث منجيات وثلاث مهلكات ، فأما المنجيات فخشية الله في السر والعلانية وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ، وروينا في الخبر التكرم التقوى والشرف التواضع والغنى اليقين ، وفي الحديث الآخر : الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم ، وفي حديث عمار أسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالموت واعظا وكفى بالخشية علما وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا .

Sección V01/P138–V01/P140

روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخطباء وخطيب الخطباء وحكيم الحكماء في خطبة الوداع كلمات جامعات موجزات في الوعظ والتذكرة والتزهد والتبصرة وينتظم جميع معاني ما قيل في معناها رواه أبان بن عياش عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته فقال : يا أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن من نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة ، طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة ، طوبى لمن أذل نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم حديث جامع لهذه المعاني المبثوثة مختصر في اللفظ والمعنى يقال إنه نصف العلم وهو قوله من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه ، وما لم يؤمر به العبد فرضا ولم يندب إليه فضلا ولا يحتاج إليه مباحا فهو مما لايعنيه وفي حديث آخر هو نصف الورع قوله صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الإثم جوار القلوب أي دع ما تشكن فيه من قول أو فعل فإن فيه غنيمة أو سلامة إلى شيء أنت على يقين من الفضيلة فيه أو السلامة معه وما حز في قلبك ولم ينشرح له فدعه فإن ذلك إثم وإن قل ودق ، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم في الوصف المبسوط من أوصاف المؤمنين كوصف الله تعالى أولياءه في الكلام المشروح أنه بينما هو جالس صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ سجد فأطال ثم رفع رأسه مادا يديه فقال : اللهم أكرمنا ولاتهنا وزدنا ولا تنقصنا وأعزنا ولا تذلنا ، قلنا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أنزلت علي آيات من أقامها دخل الجنة ثم تلا علينا قدأفلح المؤمنون إلى آخر العشر . وروينا عنه في حديث مجمل أن رجلا سأله فقال : يا رسول الله متى أعلم أني من أهل الجنة ، وفي لفظ آخر أني مؤمن حقا ، فقال : إذا كنت بهذه الأوصاف ، ثم تلا عليه : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت ، وروينا عنه صلى الله عليه وسلم في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له من عباده بالإخلاص في التوحيد والعمل فقال صلى الله عليه وسلم : لو لم تنزل علي إلا هذه الآية كانت تكفي ، ثم قرأ آخر سورة الكهف ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ) الكهف 110 إلى آخرها ، فكان هذا أفصل الخطاب وبلاغا لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة ونفي الشرك بالخلق هو اليقين بتوحيد الخالق ، وقد قال الله وهو أحسن القائلين في وصف أوليائه الخائفين : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) المؤمنون : 57 - 58 إلى قوله : ( وهم لها سابقون ) المؤمنون : 16 ، فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة وتستحوذ على معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية والإشفاق وختمها بالوجل والإنفاق وجعل موجبها اليقين وهو الذي رجحت به موازين المتقين صيره آخر وصفهم ونهاية نعتهم وهو قوله تعالى : ( أنهم إلى ربهم راجعون ) المؤمنون : 60 أي لأجل يقينهم بمرجعهم إليه خافوه وأشفقوا وآمنوا به وأخلصوا وأتوه نفوسهم وأموالهم فهذا كقوله في الكلام المختصر : ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ) البقرة : 223 فللخائفين الأمن من الخوف عند اللقاء وحسن المنقلب والبشرى بالقرب لديه والزلفى ، فصورة المحاسبة أن يقف العبد وقفة عند ظهور الهمة وابتداء الحركة ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب والاضطراب وهو تصرف الجسم فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضي نية أو عقدا أو عزما أو فعلا أو سعيا إن كان عز وجل وبه وفيه معنى عز وجل أي خالصا لأجله ومعنى به أي بمشاهدة قربه لا بمقاربة نفسه وهواه ومعنى فيه أي في سبيله وطلب رضاه عنه وما ندب عنده أمضاه وسارع في تنفيذه وإن كان لعاجل دنيا أو عارض هوى أو لهو وغفلة سرى بطبع البشرية ووصف الجبلية نفاه وسارع في نفيه ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه والمحادثة له فيولد فيه هما رديا يصعب عليه بعد حين طرحه وينتج منه فكرا دنيا يعسر بعد وقت نفيه ويؤثر ذلك في قلبه أثرا يستبين له بعد حين فعله ، معنى قولنا : إن كان الله تعالى أي خالصا لأجله ومعنى قولنا به أي بمشاهدة قربه لا بمقارنة نفسه ووصفه وهواه ومعنى قولنا فيه أي في سبيله وطلب ماعنده لا لأجل عاجل حظه فإن اشتبه عليه الخاطر فلم ينكشف له ماورد به أمحمود هو الله عز وجل فيه رضاه وعلى العبد فيه سبق وتنفيذ أم مكروه وليس لله فيه محبة وللعبد في نفيه مزيد وقربة فيكون أشكال ذلك لأحد معان ثلاث ؛ ضعف يقين عن نقص معرفة بالمبتلي ، أو قلة علم عن جهل بغامض الحكم الباطل ، أو لغلبة هوى كامن في النفس متولد من طبائع الحس ، وقد قال بعض العلماء : ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر هذا العاقل يعرفه ولكن العالم من يعرف خير الشرين يعني يفعله إذا اضطر إليه وعرف شر الخيرين يعني فاجتنبه لما يؤول إليه واعلم أن حكم الله فيما اشتبه من الأمور الإمساك والوقوف وأن لا يقدم العبد على ذلك بعقد ولا عزم إن كان من أعمال القلوب ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن كان من عمل الجوارح بل يقف ويوقف الأمر حتى يتبين له وهو صورة الورع لأن الورع هو الجبن والتأخر عن الإقدام على المشكلات وعن الهجوم في الشبهات لا بقول ولا بفعل ولا بعقد حتى تنكشف وانكشافها بغامض العلم لغموضها وتدقيق معرفة المعاني لدقتها وخفائها كما جاء في الخبر : أعلم الناس أعرفهم بالحق إذا اختلف الناس ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات .

Sección V01/P140–V01/P143

وجاء عن ابن مسعود في وصف كثرة الشبهات : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المئبت كما وقف طائفة من الصحابة عن القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليه الحال منهم سعد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم ، فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان متعبا لهواه معجبا برأيه وهذا من معنى الخبر الذي جاء في ذم من كان هذا وصفه ، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك فلم يذم بوجود الشح لأنه صفة النفس وإنما ذم من أطاع النفس في شحها بإمساك محبوبها على إيثار محبة الله عز وجل من الإنفاق ومثله وهوى متبع فلم يغب بوجود الهوى لأنه روح النفس مستكن فيها وإنما عيب باتباعه وكذلك قوله : وإعجاب كل ذي رأي برأيه لم ينقصه بوجود رأيه مما رآه من الأمر لأنه نتيجة عقله وثمرة فهمه وإنما نقصه بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه وبنور هداه وبإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارا برأيه ، وقد قال الله عز وجل : ( فلا تزكوا أنفسكم ) النجم 32 : وقد وصف أهل الرأي من أوليائه في قوله عز وجل : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) الحجر 75 : ، وقال تعالى : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) يوسف : 108 ، وجاء في الأثر : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح ، وجاء : أنتم شهداء الله في أرضه ، وعن بعض السلف : أفضل العبادة الرأي الحسن ؛ فأما ما أشكل لتجاذب الأمثال ولم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف ولا تمضي حتى ينكشف ، وأما ما اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين من الحرام والحلال ثم ترده إلى أشبههما به وهذا ظاهر مثل ماأحلت طائفة النظر إلى الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه مشتبه قال الله عز وجل : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) الأنعام : 99 ، وقال : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) النور : 30 فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس ومثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى القرآن حلالا والاستماع إلى الغناء حراما وكانت القصائد بالغناء أشبه فكرهناه لغير أهله ، وكذلك القول في تلحين القرآن : إذا جاوز الحد في مد المقصور وقصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني ومثل لبس القطن ولبس الحرير فكرهنا لبس الملحم والعمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها والقطع بظاهر الأمر عليها وهو معنى قول الله عز وجل عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد وتهدده عليه بمساءلة الجوارح عنه في قوله تعالى : ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 ، أي لا تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال : ( إن السمع والبصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) الإسراء : 36 وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على صاحبه فقد أساء كيف وقد جاء في الخبر : من حدث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه الله عز وجل من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، هذا لكشف ستر الله على عباده ومحبته للساترين منهم ، ولذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه : اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا متشابها فنتبع الهوى ، وكذلك روينا عن عيسى عليه السلام : إنما الأمور ثلاثة : أمر استبان لك رشده فاتبعه ، وأمر استبان غيه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه ، وقد كان من دعاء علي رضى الله عنه : اللهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم فنعمة الله سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلا وبيان الضلال ضلالا مثل نعمه في إظهار الحق وبيان الصدق لأنه باب من اليقين ، ، ولذلك تجمل الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله من تفصيل آياته في قوله سبحانه وتعالى : ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) الأنعام : 55 فنصب سبيل على إضمار اسمه ورفعه على كشف دلالاته وتبيان طرقه وقد وعد الله ذلك للمتقين وقدمه على تكفير السيئات والمغفرة وأخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ) الأنفال : 29 أي نورا في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات ومثله ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا أي من كل أمر أشكل على الناس ورزقه من حيث لا يحتسب علم بغير تعليم بل إلهام وتوفيق من لدن الخبير العليم ، وقد وعد ذلك المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم وهو الكبر والحسد ، وحرم ذلك المنافقين الذين لايصدقون بالآيات والقدر والغائبات فقال عز وجل في ذلك : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) البقرة : 213 فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فصنع الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء وما يعيد على العبد من الأحكام ، وقد يكون الباطل اسما للعدو ويكون وصفا للنفس ألم تسمع قوله عز وجل : ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) سبأ : 49 أي : لما جاء الحق أبدى الباطل وأعاده فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا وقد قيل إن الباطل يعني به إبليس ههنا فتدبروا وقال : ( إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ) النحل : 104 وكما أن الله عز وجل في البيان نعمة لأنه لاتقع إلا بقدرة كما قال : فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فكذلك على العبد فيه شكر وقد يكون سببا للإنعام بالبيان وعلى الله المزيد على الشكر ، كما قال : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) المائدة : 98 ، وقال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف : ( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) الأعراف : 58 فإذا وقف العبد في الشبهات عن الإمضاء وأوقف الخاطر على الابتداء حتى يكشفه الله عز وجل له بمزيد علم أو قوة يقين أو كشف حجاب الهوى فقد وفق للصواب وهو من معنى قوله عز وجل : ( آتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ص : 20 وداخل في قوله : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 هذا إذا لم يرد بالطلب ولم يجعل لعالم آخر فيه مكان كشفه للعبد بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه وجعل للعلماء مكانا للدلالة عليه اضطره أن يسأل عالما بالله وبباطن أحكامه عارفا بلطيف حجابه وخفي كشفه فيكشف له على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه لتحقيق قوله : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل : 43 ولتصديق قوله الرحمن فاسأل به خبيرا والله تعالى هو المسير الأول والمبين الآخر إلا أن السير والسؤال على العبد والهدى والبيان على الهادي المبين ، كما قال : ( قل سيروا في الأرض فانظروا ) النمل : 69 وقال تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب ) يونس : 94 الآية ، ثم قال : ( إن علينا بيانه ) القيامة : 19 إن علينا للهدى وعلى الله قصد السبيل كذلك سننه التي قد خلت من قبل ولا تبديل لها ولا تحويل ، ألم تسمع قول الله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) البقرة : 31 فهذا هو المجتبي للتعليم الآخذ نصيبه من الله عز وجل بتفهيم المصطفى لمكان التخصيص ، ثم قال : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) البقرة : 33 ، فلما أنبأهم بأسمائهم ترك آدم ورد إليه وذكر نفسه بالعلم منه بعد أن دل بالواسطة عليه ، فقال : ألم أقل لكم إني أعلم ولم يقل إن آدم يعلم فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه لمكان رتبته وأخذت الملائكة أنصبتها من الله عز وجل من نصيب آدم بواسطته والله هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو الخلاق ، هل من خالق غير الله يرزقكم ؟

Sección V01/P143–V01/P146

والعبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من حيث هي طرق وسبب لهم ، وهذا حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب ، والتحقيق بالمحاسبة هو أول المراقبة عن رؤية رقيب ، والمقام من المراقبة هو حال من أحوال الموقنين ، وعلم اليقين هو آخر علم الإيمان وآخر نصيب العبد من علم اليقين أعني نهايته أول عين اليقين وهو شهادة المعرفة والمعرفة على هذا الوصف أول المشاهدة ؛ وهذا هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ببعد النفس فيستولي عليها فيغيب بعدها في قربه وينتبه عقله تحت ظنه وتنطوي حكمته في قدرته كمحو نور القمر في ضياء الشمس والله غالب على أمره وعلم معاني الأسماء والصفات وتعريف الأخلاق وباطن أحكام الذات يكون في مقامات القرب بمرآة نور الوجه فيرفع نور حكم المكان ويشهد كأن رفع كون المرآة ويشهد الوجه بنورها وتغيب المرآة عن كونها فيكون العبد قائما بقصر قيوميته فيصير العبد شبه ميتة مشاهدا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور المرآة لا بجسمها ولا يكون هذا إلا بعد معاينة وصف وبعد حسن المراقبة في جميع المعاملة وحسن الأدب في محاضرة الرب بتنفييذ خواطر الخبر وسرعة نفي خواطر السر حتى لا يبقى شئ منها وهذا حال المشاهدة والقرب ، وذلك يخرج العبد إلى صفاء القلب بعلم اليقين ، وصفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق فإن عصاه عصى الحق وفي ترك هذا والغض عنه كدر القلب وفي كدره ظلمته وذلك مقامات في القسوة وهي أول البعد وبلغني أن ما من فعلة وإن صغرت إلا وينشر لها ثلاثة دواوين : الديوان الأول لم والثاني كيف ، والثالث لمن ، فمعنى لم أي لم فعلت ؟ وهذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم العبودية أي أكان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن ا لديوان الثاني ، فقيل له : كيف فعلت هذا ؟ وهو مكان المطالبة بالعلم وهو البلاء الثاني أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته أبعلم أم بجهل ؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملا إلا من طريقته وطريقة العلم ، فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث فقيل لمن ؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية وهو البلاء الثالث وهم بغية الله عز وجل من خلقه الذين قال في حقهم : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) الحجر : 40 وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ماسواه وهي لا إله إلا الله وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه الله عز وجل خالصا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في الفعل فجميع ماأردت به سواه فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك وجهل ما لمولاك إذ كنت عبدا لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي وإذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقول له : ويلك أما سمعتني أقول إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه فهده أمثال القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون توبيخ الله عز وحل للغافلين بعزائم كلامه وغليظ خطابه أشد عليهم وأوجع لهم من أليم عقابه ، وذلك أن الله تعالى استخلص الدين لنفسه ولم يشرك فيه أحدا من خلقه فقال : ( ألا الله الدين الخالص ) الزمر : 3 يعني الطريق الموحد غير المشترك الصافي غير الكدر لأن الإخلاص التصفية من أكدار الهوى والشهوة وضده الشرك وهو الخلط بغيره من النفس والناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص من بين الفرث والدم فتمت به النعمة فقال : ( نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ) النحل : 66 فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به النعمة علينا ، فكذلك ينبغي أن يكون عملنا له خالصا من الهوى والشهوة لنستحق به الأجر والحظوة منه مع القيام بواجب الحق علينا فكما أنا لو رأينا في اللبن الذي أنعم به علينا فرثا أو دما عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطا من رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله وكما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعاما ذللها لنا منها ركوبنا ومأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملا صالحا كما أمرنا بعد إذ أنعم الله علينا ، فقال : ( كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) المؤمنون : 51 فمن جهل ما جعل الله لنفسه وترك ماأمر به من الإخلاص بالدين لوجهه استوجب المقت لجهله واستحق العقاب لمخالفته وفي تدبر ماقلناه الهرب من الخلق والبكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد ووقف وأريد بالحضور فلم يصرف .

Sección V01/P146

.

Sección V01/P146

الفصل الرابع والعشرون في ذكر ماهية الورد للمريد ووصف حال العارف بالمزيد

Preguntas