Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Sección V01/P146–V01/P148

اعلم أن الورد اسم لوقت من ليل أو نهار يرد على العبد مكررا فيقطعه في قربة إلى الله ويورد فيه محبوبا يرد عليه في الآخرة ؛ والقربة اسم لأحد معنيين : أمر فرض عليه أو فضل ندب إليه ، فإذا فعل ذلك في وقت من ليل أو نهار ودوام عليه فهو ورد قدمه يرد عليه غدا إذا قدم ، وأيسر الأوراد صلاة أربع ركعات أو قراءة سورة من المثاني أو سعي في معاونة على بر وتقوى ، قال أنس بن سيرين : كان لمحمد بن سيرين في كل ليلة سبعة أوراد ، فكان إذا فاته منها شيء قضاه بالنهار فسمي العمل الموظف المؤقت وردا ، وقال المعتمر بن سليمان : ذهبت ألقن أبي عند الموت فأومأ إلي بيده دعني فإني في وردي الرابع فسمي الحزب من أحزاب القرآن لوقت ما وردا ، فمن العمال من كان يجعل الأوراد من أجزاء القرآن ومنهم من كان يجعله من أعداد الركوع وفوق هؤلاء من العلماء كانوا يجعلون الأوراد من أوقات الليل والنهار ، فإن قطع الوقت بآية أو ركعة أو فكرة أو شهادة فذاك ورده ، وأما العارفون فإنهم لم يوقتوا الأوراد ولم يقسموا الأوقات بل جعلوا الورد واحدا لمولاهم وجعلوا حاجاتهم من الدنيا ضرورتهم ، وصيروا الوقت متساويا لسيدهم وتصريفهم لمصالحهم يدخل عليهم فوضعوا رقابهم في رق العبودية وصفوا أقدامهم في مصاف الخدمة فكانوا في كل وقت بحكم مايستعملون وبوصف ما به يطالبون ذلك وردهم وتلك علامتهم عن حسن اختيار الله عز وجل لهم وجميل توليه إياهم لا يكلهم إلى نفوسهم ولا يوليهم بعضهم وهو يتولى الصالحين مشاهدتهم ذكرهم وقرب الحبيب حبهم ليس يشهدون فضيلة في غير محبوبهم ولا يرجون قربة بغير معروفهم ؛ به يتقربون إليه ، وإليه ، به يسبحون له ، وعليه يتوكلون له ، ومنه يخافون عنه ، وإياه يحبون منه لو أسقطوا الأعمال كلها غير ماتعلق بالتوحيد ثبوته ما نقص من توحيدهم ذرة ولو تركوا أوراد المريدين كلهم ما أثر في قلوبهم بقسوة ولا فترة لأنهم لا يزيدون بالأعمال فينقصون بها ولا يتفقدون قلوبهم وأحوالهم بالأوراد فيعرفون النقصان والمزيد منها ولا تجتمع قلوبهم بسبب ولا تقوى نفوسهم بطلب فتتشتت لفقد سبب ويضعف يقينهم لطلب هذه المعاني هي أحوال المريدين وجملة تغييرهم في شيئين : ضيقهم بالخالق فهربوا منه ، واتساعهم بالخلق فاستراحوا إليه ، ولو دام قربهم منه لدامت راحتهم به ولو وقفت شهادتهم عليه لما نظروا إلى سواه ، وأما العارفون فقد فرغ لهم من قلوبهم واجتمعت المتفرقات بمجامعها لهم وأقامهم القائم لهم بشهادتهم له فلهم بكل شيء مزيد ومن كل شيء توحيد ، كل خاطر بهم يردهم إليه وكل منظور إليه يدلهم عليه وكل نظرة وحركة طريق لهم إليه ، فتوحيدهم في مزيد ويقينهم في تجديد بغير تغيير ولا تصريد ولا إيقاف ولا تحديد ، ولربما طلب أحدهم التسبب بالأسباب فيجمعه بها رب الأرباب لأنه مراد بالاجتماع وإنما استروح بالشتات لاستجمام ماهو في قلبه آت ثقة منه بحبيبه وتمكنا عند محبوبه إذ قد علم أنه طالب فطرح نفسه ليحمله فحمله بما تولاه ولم يكله إلى نفسه وهواه ، فهذه مقامات لأهلها لا يعرفها سواهم ولا تصلح إلا لهم ولا تليق إلا بهم ولا يقاس عليها ولا يدعى مكانها ولا تنتظر فتترك لها الأوراد ولا تتوقع فيقصر لأجلها في الاجتهاد والمرادون بها محمولون بها مواجهون بعلمها مسلوك بهم طريقها مزودون زادها وهي محبوسة عليهم مقصورة لهم فهم لها سابقون ، فأولياء الله عابدوه وقد عكفوا بقلوبهم لمن عبدوه ونظروا إلى معبودهم الذي عكفوا عليه ففهموا عنه فصل الخطاب بما آتاهم من شهادة حكمه حكم الكتاب إذ يقول : ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) طه : 97 بعد قوله للغافلين فصيرهم معرضا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين مع قوله : ( أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) ص : 6 ، إن هذا الشيء يراد إلى قوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) الطور : 84 ، فعلموا أن الإخلاص الذي أمروا به هو العبادة ولا عبادة إلا بمجانبة الهوى وبعدها الإنابة إلى المولى ، أما سمعت قوله عز وجل : ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ) الزمر : 17 وأيقنوا أن الصلاة عماد الدين ولا صلاة إلا للمتقين ولا تقوى إلا بإنابة ، كما قال تعالى : ( منيبين إليه واتقوه ) الروم : 31 ثم قال : ( وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ) الروم 31 فهذه عبادة العارفين على سنة النبيين فإنابتهم مشاهدتهم لمذكورهم كقوله في وصف ضدهم : ( كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى ) الكهف : 101 فهم عن كشف من ذكره إذ كانوا بضد وصفهم وحقيقة ذكرهم نسيانهم لسوى مذكورهم بمعنى قوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الكهف : 24 فأخرجهم الذكر له إلى الفرار إليه كما فهموا عنه إذ يقول : ( لعلكم تذكرون ) الأنعام : 152 ففروا إلى الله فلما هربوا أواهم بقربه ووهب لهم هداية إلى حبه ونشر لهم من رحمته وطواهم في قبضبته فلم يرهم إلا هم ولم يعرفهم سواهم ، وقد قال تعالى : ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ) الكهف : 16 وقال تعالى : ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) الصافات : 99 .

Sección V01/P148

ذكر الأوراد وما يرجى بها من الازدياد

Sección V01/P148–V01/P149

ولكن بمواصلة الأوراد المرسومة والأعمال الموقتة المعلومة يستبين للمريد النقصان من المزيد ويعرف قوة العزم والشره من وهن العادة والفترة في الأوراد أيضا فضيلة وهو أن العامل إذا شغل عنها بمرض أو سفر كتب له الملك مثل ثواب ما كان يعمل في الصيحة ، وقد يكون نوم العارف أفضل من صلاة الجاهل لأن هذا النائم سالم وهو ذلك الزاهد العالم إذا استيقظ وجد وهذا الصائم القائم لا يؤمن عليه الآفات وتطرقه الأعداء في العبادات وهو ذلك الجاهل المغتر إذا وجد فقد ، وقد روينا في خبر نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح وفي الحديث عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ، وروينا في خبر مقطوع لو وقعت هذه على هذه يعني السماء على الأرض ما ترك العالم علمه لشيء ولو فتحت الدنيا على عابد ترك عبادة ربه ولأن العالم قد يكاشف في نومه بالآيات والعبر ويكشف له الملكوت الأعلى والأسفل ويخاطب بالعلوم ويشاهد القدرة من معنى ما تشهده الأنبياء في يقظتهم فيكون نوم العارف يقظة لأن قلبه حياة ويكون يقظة الغافل نوما لأن قلبه موات فيعدل نوم العالم يقظة الجاهل وتقرب يقظة الجاهل الغافل من نوم العالم ، كيف وقد جاء في خبر أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال : هذا جبل أحد ولا يعلم خلق وزنه وإن من أمتي من تكون التسبيحة منه والتهليلة أوزن عند الله عز وجل منه ، وفي حديث ابن مسعود إذ قال لعمر : ما أنكرت أن يكون عمل عبد في يوم واحد أثقل من في السموات والأرض ثم وصف ذلك بأنه هو العاقل عن الله عز وجل الموقن العالم به ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت : ما كان يخص رمضان بشيء دون غيره ولا كان يزيد في رمضان على سائر السنة شيئا وقال أنس بن مالك : ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما من الليل إلا رأيته ولا تريد أن تراه قائما إلا رأيته ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام قدر ما قام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام ثم يخرج إلى الصلاة ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط إلا رمضان ولاقام ليلة إلى الصبح حتى ينام منها ، قالت : وكان يصوم من الشهر ويفطر ويقوم من الليل وينام ، وفي الخبر الآخر : كان يصوم ، حتى تقول لايفطر ويفطر حتى تقول لا يصوم وكان يصبح صائما ثم يفطر ويصبح مفطرا ثم يصوم وفي الخبر الآخر : كان يدخل من الضحى فيقول : هل عندكم من شيء ؟ فإن قدم إليه شيء أكل وإلا قال إني صائم وخرج يوما فقال إني صائم ثم دخل ، فقلنا : يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال : أما إني كنت أردت الصوم ولكن قريبه وكان ورده صلى الله عليه وسلم حكم ما ورد عليه فعن هذا المعدن يكون تصريف العارفين ومن هذا المعنى تكون مشاهدة الموقنين ليسوا مع الله بإيراد توقيت ولا يقطع على تحديد كما قيل لبعضهم بأي شيء عرفت الله عز وجل ؟

Sección V01/P149–V01/P151

فقال : بفسخ العزائم وحل العقد ولكن الأوراد طريق العمال والوظف أحوال العباد منها دخلوا وفيها يرفعون إلى أن يشهدوا الواحد فتكون الأوراد كلها وردا واحدا ويكونون بشهادتهم قائمين ، قال بعض العلماء من السلف الإيمان ثلاثمائة خلق وثلاثة عشر على أعداد الأنبياء المرسلين كل مؤمن على خلق منها هو طريقه إلى الله عز وجل ووجهته من الله عز وجل ونصيبه وفي كل طريقه من المؤمنين طبقة وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وقال عالم آخر الطرق إلى الله عز وجل بعدد المؤمنين ، وقال بعض العارفين : الطرق إلى الله بعدد الخليقة يعني أن للشهيد بكل خلق طريقا فقد صارت المكونات للمكون طرقات . وروينا في الخبر : الإيمان ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون طريقة من لقي الله عز وجل بالشهادة على طريقة منها دخل الجنة ، ومن هذا قوله عز وجل : ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) الإسراء : 84 فدل أنهم كلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض بمعنى أنه أقرب إلى الله عز وجل وأفضل ، وقد ندب إلى القرب في الأمر بطلبه وأخبر عن المقربين بالمنافسة في طلب القرب فقال : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 يعني القرب ، وقال تعالى فيما أخبر : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ) الاسراء : 57 فأقرب الخلق من الله عز وجل أعلاهم عند الله عز وجل وأعلاهم عنده أعرفهم به وأفضلهم لديه . وروينا في التفسير : ( قل كل يعمل على شاكلته ) الإسراء : 84 ، قال : على وحدانيته ؛ يعني بذلك على توحيده الذي يوحد الله عز وجل به ويعرفه منه ، والشاكلة الطريقة والخلق قد شاكله وقد شكل فيه ومن ذلك قول علي رضي الله عنه : لكل مؤمن سيد من عمله فهذا السيد من العمل هو الذي يرجو به المؤمن النجاة ويفضل به عند مولاه ، وقال بعض العلماء : كان عباد الكوفة أربعة ؛ أحدهم صاحب ليل ولم يكن صاحب نهار ، والآخر صاحب نهار ولم يكن صاحب ليل ، وبعضهم صاحب سر ولم يكن صاحب علانية ، والآخر صاحب علانية ولم يكن صاحب سر ، وقد كان بعضهم يفضل عبادة النهار على عبادة الليل لما فيها من مجاهدة النفس وكف الجوارح لأن النهار مكان حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين فإذا سكن العبد عند حركة الغافلين وموضع ظهور الجاهلين كان هو التقي المجاهد والفاضل العابد ، وقد قيل إن العبادة ليست الصوم والصلاة حسب بل أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم وتقوى الله عز وجل عند اكتساب الدرهم وهذا من أعمال النهار ، وقد قال الله عز وجل : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) الأنعام 60 رأى ماكسبت جوارحكم فعلق الاجتراح بالنهار ثم يبعثكم فيه فإذا لم يعلم من عبد اجتراحا بالنهار ولم يبعثه فيه في مخالفة فمن أفضل منه ؟ وكان الحسن يقول : أشد الأعمال قيام الليل بالمداومة على ذلك ومداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطرائق العابدين وهي مزيد

Sección V01/P151

الفصل الخامس والعشرون في ذكر تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين

Sección V01/P151–V01/P153

اعلم أن النقصان يبدو من الغفلة والغفلة تنشأ من آفات النفس والنفس مجبولة على الحركة وقد أمرت بالسكون وهو ابتلاؤها لتفتقر إلى مولاها وتبرأ من حولها وقواها ومثل ذلك قوله تعالى : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) آل عمران : 102 لتفزعوا إليه فتقولوا : ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ، وكما قال : ( وكان الإنسان عجولا ) الإسراء : 11 ( خلق الإنسان عجل ) الأنبياء : 37 ثم قال : ( سأريكم آياتي فلاتستعجلون ) الأنبياء : 37 قال : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) النحل : 1 فأخبر عن وصفه بالعجلة ثم أمره بتركها للبلوى ، فإن نزلت السكينة وهي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى بإذن منفسها وإن حجب القلب بالغفلة وهي علامة على الإفتقار والتضرع تحركت النفس بطبعها ، فإن سكنت عن حركتها فبالمنة والفضل وإن تحركت بوصفها فبالابتلاء والعدل ، فأول البلاء اختلافها وأول اختلافها خلافها ومقدمته الهمة وبابه السمع وهو طريق إلى الكلام والنظر والقول طريق إلى الشهوة والشهوة مفتاح الخطيئة والخطيئة مقام من النار حتى يزحزح عنها الجبار بالتوبة في الدنيا والعفو في العقبى ، وقد تكون المخالفة على المحب العارف أشد من النار كما حدثت عن بعضهم قال : لأن أبتلي بدخول النار أحب إلي من أن أبتلي بمعصية ، قيل : ولم ؟ قال : لأن في المعصية خلاف ربي تعالى وسخطه وفي النار إظهار قدرته وانتقامه لنفسه قال : فسخطه أعز علي وأعظم من تعذيب نفسي ، وكذلك حدثونا في معناه عن بعض الموقنين من العمال أنه قال : ركعتان تتقبل مني أحب إلي من دخول الجنة ، قيل : وكيف ؟ قال : لأن في الركعتين رضا ربي عز وجل ومحبته وفي الجنة رضاي وشهوتي فرضا ربي عز وجل أحب إلي من محبتي ، وقد قال وهيب بن الورد المكي في لبن سئل أن يشر به فلم يفعل لأنه سأل عن أصله فلم يستطبه فقالت له أمه : اشرب فإني أرجو إن شربته أن يغفر الله لك ، فقال : ما أحب أني شربته وأن الله غفر لي ، قالت : ولم ؟ قال : لا أحب أن أنال مغفرته بمعصيته ، فجملة وصف النفس معنيان ، الطيش والشره ، فالطيش عن الجهل والشره عن الحرص ، وهما فطرة النفس فمثلها في الطيش كمثل كرة أو جوزة في مكان أملس مصوب سكونها بالمنة فإن أشرت إليها أو حركتها أدنى حركة تحركت بوصفها وهو خفتها واستدارتها وصورتها في الشره المتولدة من الحرص ، إنها على صورة الفراشة إنها تقع في النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها الضوء وفيه هلاكها فإذا وصلت إلى شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على الغاية منه وتطلب عين الضوء وجملته وهونفس المصباح فتحرق ، ولو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت فكذلك النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة وفي شرهها الذي ينتج من الحرص والطمع ، والحرص والطمع هما اللذان كانا سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة لأنه طمع في الخلود فحرص على الأكل وكان ذلك عن الجهل ، فكانت معصيته سبب عمارة الدنيا فصارت الطاعة سبب عمارة الآخرة ، فلذلك قيل : حب الدنيا رأس كل خطيئة فصار الزهد أصل كل طاعة ، فانظر كيف أخرج من الجنة بعد أن جعل فيها بذنب واحد وأنت تريد أن تدخلها ولم تملك النظر إليها بذنوب كثيرة ، وفي الحديث الآخر : الإيمان عريان فلياسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم ، من ثم قيل : إن الجنة طيبة لا يسكنها إلا الطيب فمتى طابوا لها دخلوها ، ألم تسمع إلى وفاته بين ذلك في قوله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ) ، النحل : 23 ، وقال تعالى : ( وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتتم فادخلوه خالدين ) ، الزمر : 73 لأنه قال : ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) التوبة : 72 والذنوب خبائث كما قال : ( ويحرم عليهم الخبائث ) الأعراف : 157 فلما طابوا لها طابت لهم وقد أجمل ذلك بقوله تعالى : ( الخبيثات للخبيثين ) النور : 26 وبقوله : ( والطيبات للطيبين ) النور : 26 ، وقد مثل بعضهم النفس في شرهها بمثل ذباب مر على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقبله وآخر مر به فدنا من بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالما وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير القز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا ، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو نظره إلى ماله في ميزان غيره ، ومما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال : قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا جملا مشويا ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة وجعلها في فيه لفظها ثم اعتزل وقال : كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل ، فقلنا : لا نأكل إن لم تأكل معنا ، فقال : أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف ، قال : فكرهنا أن نأكل دونه ، فقلنا : لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق اأنكم اشتريتموه ، قال : فمزقناه للكلاب ، قال : ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض ؟

Sección V01/P153

فقال : أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه شرها ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت أكله لأجل شره النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا في التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم تدارك البائع بعد وقوعه لصدق المشتري وحسن نيته . قز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا ، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو نظره إلى ماله في ميزان غيره ، ومما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال : قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا جملا مشويا ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة وجعلها في فيه لفظها ثم اعتزل وقال : كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل ، فقلنا : لا نأكل إن لم تأكل معنا ، فقال : أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف ، قال : فكرهنا أن نأكل دونه ، فقلنا : لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق اأنكم اشتريتموه ، قال : فمزقناه للكلاب ، قال : ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض ؟ فقال : أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه شرها ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت أكله لأجل شره النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا في التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم تدارك البائع بعد وقوعه لصدق المشتري وحسن نيته .

Sección V01/P153–V01/P154

وجبلات النفس الأربعة هي أصول ماتفرع من هواها وهي مقتضى ما فطرها عليه مولاها : أولها الضعف وهو مقتضى فطرة التراب ، ثم البخل وهو مقتضي جبلة الطين ، ثم الشهوة وموجبها الحمائم ، الجهل وهو ما اقتضاه موجب الصلصال وهذه الصفات على معاني تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج ففيه بدء الأمت والإعوجاج ، ذلك تقدير العزيز العليم ، ثم إن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة : أولها معاني صفات الربوبية نحو الكبر والجبرية وحب المدح والعز والغنى ومبتلاة بأخلاق الشياطين مثل الخداع والحيلة والحسد والظنة ومبتلاة بطبائع إليها ثم وهو حب الأكل والشرب والنكاح وهي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف والتواضع والذل بمعنى ما قلناه ، قيل : إنها خلقت متحركة وأمرت بالسكوت وإني لها بذلك إن لم يتداركها المالك وكيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها بالخير فلا يكون العبد عبدا مخلصا حتى يكون للمعاني الثلاث مخلصا فإذا تحقق بأوصاف العبودية كان خالصا من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية ، فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في المعاملة عند العاملين ، وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب وذلك أنه لا يكون عندهم عبدا حتى يكون مما سوى الله عز وجل حرا فيكف يكون عبد رب وهو عبد عبد لأن ما قاده إليه فهو إلهه وماترتب عليه فهو ربه وهذا شرك في الإلهية عند المتألهين ومرج بالربوبية عند الربانيين فهو متعوس منكوس بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول : تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الحلة ، فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم : إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا أصحاب النفوس الأمارة بالسوء المسولة الموافقة للهوى المخالفة للمولى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر وصفهم أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية هم عباد الرحمن أهل العلم والحكمة علمهم من لدنه واختارهم لنفسه ولا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية وبأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم ، فعندهاكان بدلا مقربا والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها وتسخر له فيسلط عليها فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها وضيق عليها ولا توسع لها فإن ملكتها ملكتك وإن لم تضيق عليها اتسعت عليك فإن أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها واحتبسها عن معتاد بلاها فإن لم تمسكها انطلقت بك وإن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها وحبس مواد شهواتها وإلا قويت عليك فصرعتك فأول الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة وتراقب حسبتها في كل وقت وتقف عند كل همة من خواطرها فإن كانت الهمة لله عز وجل سابقت الموت وبادرت الفوت في إمضائها وإن كانت الهمة لغير الله تعالى سابقت وبادرت في محوها لئلا تثبت وعملت في الإستبدال بها كيلا تستبدل بك ، وفي تأويل الخبر المروي البر يزيد في العمر وهو معنى الدعاء المشهور من قول الناس : جعل الله في عمرك البركة ، وقد بورك له في عمره ، فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك من عمره الطويل بغفلته فيرتفع لك في سنة ما لا يرتفع له في عشرين سنة وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب الحاق برفيع الدرجات وتدارك ما فات عند أذكارهم وأعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات ، فكل ذرة من ذكر بتسبيح أو تهليل أو حمد أو تدبر وتبصرة وتفكر وتذكرة بمشاهدة قرب ووجد برب ونظرة إلى حبيب ودنو إلي قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين الذين هم بنفوسهم واجدون وللخلق مشاهدون مثل العارفين فيما ذكرته من قيامهم بمشاهدتهم ورعايتهم لأمانتهم وعهدهم في وقت قربهم وحضورهم مثل العامل في ليلة القدر العمل فيها لمن وافقها خير من ألف شهر ، وقد قال بعض العلماء كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر .

Sección V01/P154–V01/P156

وروينا عن علي رضي الله عنه : أنه قال كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد وكان الحسن إذا تلا قوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) ، الحاقة : 24 قال : يا إخواني هي والله أيامكم هذه فاقطعوها بالجد والاجتهاد ولا تضيعوها فخلوها فراغا من حسن المعاملة وبطالتك فيها عن الشغل بمعادك المحصول عليك منها ، كما قال المبطلون : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها يعني في الأيام الخالية التي هي محصولهم ومرجعهم ومثواهم ، وكما قالت النفس الأمارة بالسوء : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله يعني أيام الدنيا التي ضيعت العمر فيها فخلت من الثواب والجزاء غدا ، وهذا أحد الوجهين في قوله الأيام الخالية ، والوجه الآخر الخالية أي الماضية خلت أوقاتها وخلدت أحكامها وذهبت شهواتها وبقيت عقوباتها فإن قصرت عن هذه المحاسبة للحسيب ولم يكن لك مقام المراقبة للرقيب ولا مكان المحاسبة للحبيب فلا يفوتنك مقام الورعين ولا تبن عن حال التائبين وهو أن تجعل لك وردين في اليوم والليلة لمحاسبة النفس وموافقتها مرة بعد صلاة الضحى لما مضى من ليلتك وماسلف من غفلتك ، فإن رأيت نعمة شكرت الله وإن رأيت بلية استعفرت فإن وجدت في حالك أوصاف المومنين التي وصفهم الله عزوجل ومدحهم عليها رجوت وطمعت واستبشرت ، وإن وجدت من قلبك وحالك وصفا من أوصاف المنافقين أو خلقا من أخلاق الجاهلين التي ذمهم الله عز وجل بها ومقتهم عليها حزنت وأشفقت وتبت من ذلك واستغفرت ، والمرة الثانية أن تحاسب نفسك بعد الوتر وقبل النوم لمامضى من يومك من طول غفلتك وسوء معاملتك ومافعلته من أعمالك كيف فعلتها وماتركته من سكوتك وصمتك لم تركته ولمن تركته فتنعقد الزيادة والنقصان وتعرف بذلك التكلف والإخلاص من حركتك وسكونك فما تحركت فيه وسكنت لأجل الله عز وجل به فهو الإخلاص ثوابك فيه على الله عز وجل عند مرجعك إليه فأعمل في الشكر على نعمة التوفيق وحسن العصمة من التهلكة وما سكنت فيه أو تحركت لهواك وعاجل دنياك فهو التكلف ، الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هو والأتقياء من أمته برآء من التكلف وقد استوجبت فيه العقاب عند نشر الحساب إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب فاعمل حينئذ في الاستغفار بعد حسن التوبة وجميل الاعتذار وخف أن يكون قد وكلك إلى نفسك فتهلك ، فلعل مشاهدة هذين المعنيين من خوف ما سلف منك والطمع في قبول ما أسلفت يمنعك من المنام ويطرد عنك الغفلة فتحيي ليلتك بالقيام فتكون ممن وصف الله عز وجل في قوله : ( تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 قد قال بعض السلف : كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه ، وقد قال بعض العلماء : من علامة المقت أن يكون العبد ذاكرا لعيوب غيره ناسيا لعيوب نفسه ماقتا للناس على الظن محبا لنفسه على اليقين وترك محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عز وجل والغافلون في الدنيا هم الخاسرون في العقبي لأن العاقبة للمتقين قال الله عز وجل : ( وأولئك هم الغافلون ) النحل : 108 لاجرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون وطول الغفلة من العبد عن طبائع االقلب من المعبود والغفلة في الظاهر غلاف القلب في الباطن ، تقول العرب غفله وغلفه بمعنى كماتقول جذب وجبذ وخشاف وخفاش وطبائع القلب عن ترادف الذنب بعضه فوق بعض وهوالران الذي يتعقب الكسب فيكون عقوبة له .

Sección V01/P156–V01/P158

قال الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوايكسبون ) المطففين : 14 ، قيل : الكاسب الخبيثة وأكل الحرام ، وفي التفسير : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب ، وأصل الرين الميل والغلبة وهو التغطية أيضا ، يقال : ران عليه النعاس إذا غلبه ورانت الخمر على عقله أي غطته ، ومن هذا قول عمر رضي الله عنه في سابق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين به أي مال به الدين فغلبه ، وأصل ترادف الذنوب من إغفال المراقبة وإهمال المحاسبة وتأخير التوبة والتسويف بالاستقامة وترك الاستغفار والندم ، وأصل ذلك كله هوحب الدنيا وإيثارها على أمر الله عز وجل وغلبة الهوى على القلب ، ألم نسمع إلى قوله عز وجل : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) النحل : 107 إلى قوله عز وجل : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) النحل : 108 وقال في دليل الخطاب : ( ونهى النفس عن الهوى ) النازعات : 40 يعني عن إيثار الدنيا لأن صريح الكلام وقع في وصفهم بالطغيان وإيثار الحياة الدنيا ، ثم قال : ( طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) محمد : 16 ، فاتباع الهوى عن طبائع القلب وطبائع القلب عن عقوبة الذنب وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب ، أما سمعته يقول : لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون وقد جعل علي رضي الله عنه الغفلة مقاما من مقامات الكفر فقال في حديثه الطويل : فقام إليه سلمان فقال : أخبرنا عن الكفر على ما بني فقال : على أربع مقامات : على الشك ، والجفاء ، والغفلة ، والعمى ، فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملك للعبد وهو سمع القلب لأن طول الغفلة يصمه عن السمع وعدم سمع الكلام من الملك عقوبة الخطايا وتثبيت الملك للعبد على الخير والطاعة وحي من الله عز وجل إليهم وتفضيل للعبد ، أما سمعت قول الله عز وجل : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) الأنفال : 12 ، وفي الخبر : إن آدم عليه السلام حجب عن سمع كلام الملائكة فاستوحش بذلك فقال : يا رب مالي لا أسمع كلام الملائكة ؟ فقال : خطيئتك يا آدم ، فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم يفهم كلام الملك ، وإذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم إنما يستجيب الذين يسمعون ، وقال الحسن : إن بين العبد وبين الله عزوجل حدا محدودا من الذنوب فإذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه للخير أبدا فبادر أيها المجاوز للحدود بالتوبة والرجوع قبل أن تبلغ الحد فتلقى عيا وجهدا ، وفي حديث ابن عمر الطابع معلق بقائم عرش الرحمن فإذا انتهكت المحارم بعث الله عزوجل بالطابع على القلوب فأعماها وهذا هوالقفل الذي قال الله عز وجل : ( أفلا يتدبرون القرآن ) النساء : 82 أم على قلوب أقفالها واعلم أن القسوة التي يهدد الله عز وجل عليها بالويل المتولدة من طول الغفلة في قوله عزوجل ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) الزمر : 22 وقد قرنها الله عز وجل بالنفاق وأخبر أنه يجعل إلقاء الشيطان فتنة لأهل النفاق والقسوة ، فإلقاءالشيطان يكثر عند قلة إلهام الملك كماذكرنا آنفا ينتظم ذلك قوله عز وجل : ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ) الحج : 53 أي وللقاسية قلوبهم أيضا ، والقسوة ثمرة البعد والبعد عقوبة الخيانة والله لا يحب الخائنين ، فذلك من تدبر الخطاب من قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) المائدة : 13 أي فبنقضهم الميثاق وماصلة في الكلام فهذا هوالخيانة ، لعناهم أي أبعدناهم وجعلنا قلوبهم قاسية بترادف الذنوب بعد القسوة من الكذب والنسيان وكثرة الإطلاع على الخيانة منهم والبهتان فأصيبوا بالذنوب فوقع الطابع على القلوب فصمت عن سمع كلام المحبوب ، كما قال : ( أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم ) الأعراف : 100 ، فجلاء هذا الطابع التقوى فهو مفتاح السمع كما قال : اتقوا الله واسمعوا والله تعالى الموفق .

Sección V01/P158

الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة

Sección V01/P158–V01/P159

أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين ، وذلك إن من كان مقامه المراقبة كان حاله المحاسبة ومن كان مقامه المشاهدة كان وصفه المراقبة فأول شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت وإن قصر من أحد ثلاثة معان : أن يكون لله عز وجل عليه فرض ، والفرض على ضربين شيء أمر بفعله أو شيء أمر بتركه وهو اجتناب المنهي ، والمعنى الثاني ندب حث عليه وهو المسابقة بخير يقربه إلى الله عز وجل والمسارعة بعمل بر يبتدره قبل فوته ، والمعنى الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وليس للمؤمن وقت رابع فإن أحدث وقتا رابعا فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد أحدث في دين الله سبحانه وتعالى ومن أحدث في دين الله فقد سلك غير طريق المتقين ، ألم تسمع إلى قوله عز وجل : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان : 62 فهل ترى بين هذين وقتا يجهل أو هوى كما لا ترى بين الليل والنهار وقتا ثالثا ، فالذكر الإيمان والعلم ، فهذان ينتظمان جهل أعمال القلوب والشكر والعمل بأخلاق الإيمان وأحكام العلوم ، وهذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح ، قال الله عز وجل : ( اعملوا آل داودشكرا ) سبأ : 12 وقال : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) آل عمران : 123 وقال : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) البقرة : 151 إلى قوله : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 وقال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 416 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ففسر الشكر بالعمل كما فسر الله عزوجل العمل بالشكر ، والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه معين عليهما وبه استقامة العبد فيهما ، وقد كان بعض العلماء يقول : لنا في معاصي الطاعات هم وشغل عن معاصي المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت هل عز وجل فيه فرض من أمر أو نهي ؟ فيبدأ بذلك حتى يفرغ منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب وفضائل فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن يومه لأمسه ومن ساعته ليومه ومن دنياه لآخرته ، كما أمره مولاه في قوله سبحانه وتعالى : ( ولاتنس نصىبك من الدنيا ) القصص : 77 أي لا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك وهو أن تحسن كما أحسن الله إليك ولا تطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الد نيا ولا تترك أن تأخذ نصيبك من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الدي أعد لأحبابه كما قال : ( نسوا الله فنسيهم ) التوبة : 67 أي تركوه فتركهم ، وتركهم له ترك نصيبهم منه وتركه عز وجل لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ العبد الفطن فيأخذ من عمره ووقته فيجعله لآخرته التي أيقن بها ثم يأخذ من وقته أعلى ما فيه مما يختص به الوقت ولا يوجد إلا فيه ويفوت دركه بفوت وقته وهو نأفضل ما يقدر عليه مما أداه علمه إليه فيجعله لمولاه ، ثم إن العبد لا يخلو في كل وقت وإن قل من أحد مقامين ، مقام نعمة ، أو مقام بلية فحاله عن مقام النعمة الشكر وحاله عن مقام البلية الصبر ، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين شهود نعمة أو شهود منعم من حيث لا يخلو من وجود مالك وحضور مملوك فعليه الخدمة للموجود وعليه الحضور في خدم المعبود والمراقبةعلامة الحضور والمحاسبة دليل المراقبة ويكون له أيضا في أدنى أوقاته وهو الوقت الثالث الذي هو لمباحه وهو أدنى أحوال المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا فارغا من دنياه ولا يعود عليه شيء من ذكرمولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ العاقبة للمتقين فإن شهد منعما اقتطعه الحياء بالسكينة والوقار للهيبة وهذا مخصوص بخصوص ، وإن شهد نعمة استغرقه بالشكر والاعتبارفكان لديه تبصرة وتذكار ، وهذا العموم الخصوص قال الله عزوجل في وصف الأولين : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 ففروا إلى الله ، وقال في المقام الثاني : ( ولاتجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟

Sección V01/P159–V01/P161

: ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟ : ( قل لمن الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وقد روينا في الأثر من صفات العاقل وحال المراقب وحشو الأوقات بما ينبغي أن تملأ به جمل ما ذكرناه من حديث أبي ذر الطويل ولا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وبمعناه وعلى العاقل أن يكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه عز وجل ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب ، فإن في هذه الساعة عونا له على الساعات وفيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل ومن علامة العاقل أن يكون مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه وفي بعضها مكرما لإخوانه فأول وقت المباح من الأوقات فالنوائب والحاجات تطرقه به والفاقات تدخله عليه فلا يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد في مشاهدة الملك على أربع مقامات : كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله فمنهم من ينظر إلى الملك بعين التبصرة والعبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب وهم أولو الأيدي والأبصار الذين أقامهم مقام الإعتبار وهذا مقام العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين الرحمة والحكمة وهذا مقام الخائفين ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله بعين المقت والبغضة وهذا مقام الزاهدين ومنهم من ينظر إلى الملك بعين الشهوة والغبطة وهذا مقام الهالكين وهم أبناء الدنيا الذين لها يسعون وعلى فوتها يتحسرون ، فإن أعطى العبدالنظر إلى الملك بعين العبرة والحكمة أدخله الملك على الملك فاستغنى به عما سواه وإن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين الرحمة اغتبط بمقامه وعظمت لربه تعالى عليه النعمة وإن أعطى الزاهد النظر إلى الملك بعين البغضة أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوضه من فوت الملك الصغير درك الملك الكبير ، ومن ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة والحسرة أوقعه الملك في الهلكة فسلك طريق المهالك ، ومن شاهد معنى خلق من أخلاق الذوات أو معنى وصف من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود نعيم أو عذاب وهو مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف وهذه شهادة العارفين من كل ماشهدوه من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق والأوصاف لأنه أظهرها عنه ليستدل عليه بها وينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من شهوات النفس بعين الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين وهوت به الريح في مكان سحيق وتنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب وتقعده عند الحبيب في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فمن فاته القرب وقع في التيه والبعد فهو اليائس المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرا من أمسه وغده شرا من يومه ، فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده وبقاءه عن السبيل يصده ووجده لهواه يفقده وظهور نفسه عليه من السوابق يقعده لأنه إذا كان في إدبار وكان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت وقت واحد وفوت شيء واحد لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد لأنه ينشأ وقتا بعد وقت وإنما يفوت جزءا جزءا على حكمة من الله عز وجل وتمهل واستدراج منه وقتا بعد وقت ويوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد الدراج في الدرج مرقاة مرقاة ، كذلك يشغله في وقت عنه ويفرغه وقتا آخر لغيره ويذكره في وقت سواه وينسيه وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه وذكره يومئذ كنسيانه وعلى هذا سائر أوقاته تارة يقطعه عنه وتارة يصله بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت وتنقضي الأوقات إلى الموت وفي ذلك يسبل عليه الستر ليغتر ويسبغ عليه النعم كيلا يعلم ويديم له العوافي لئلا يفطن ويبسط له الأمل ليزداد من سوء العمل ويقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل وينشر له الرجاء ويطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم ويأخذهم بغتة في حال غمرتهم كما قال : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) النمل : 50 ومن معنى ماذكرناه قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) الأنعام : 44 أي لماتركوا ما وعظوا به وخوفوا أسبغنا عليهم النعم وأنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب وأنسيناهم الإستغفار ، ثم قال : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) الأنعام : 44 أي سكنوا إلى ذلك واطمأنوا ولم يريدوا التحويل عنه ولا الاستعتاب منه : ( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 .

Sección V01/P161–V01/P163

( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) النور : 39 . وقد كان أبو محمد يقول لايبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من هذا الأمر حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي في الظاهر والباطن ، والصبر على ذلك إلى الممات ، وكان الحسن يقول : والله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت والله ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين إنما المؤمن المداوم على أمر الله ، الخائف من مكر الله ، إنما الإيمان شدة في لين وعزم في يقين واجتهاد في صبر وعلم في زهد وكان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الأحقاف : 13 يقول قد قالها الناس ثم رجعوا ، فمن استقام على أمر الله في السر والعلانية والعسر واليسر ولم يخف في الله لومة لائم وقال مرة استقاموا والله لربهم ولم يروغوا روغان الثعالب ، وقال بعض العلماء : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان الثوري وغيره : إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ووقوفه على حده وأحكامه لحاله التي أقيم فيها ، فابتداؤه بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك وورع يحجزه عن الهوى في ذلك ولا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد حوز السلامة كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت عليه السلامة كان من الفضل أبعد والى الإغترار أقرب وقد تلتبس الفضائل بالفرائض لدقة معانيها وخفي علومها فيقدم العبد النفل وهو يحسب أنه الواجب ، فمن ذلك أن أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عز وجل بالغيب أفضل له فلما سلم جاءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مامنعك أن تجيبني حين دعوتك فقال : كنت أصلي فقال : ألم تسمع الله عز وجل يقول : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه وهو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل وكان إجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة له فهو مطيع الله عز وجل في الغيب باختياره وإجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع لله تعالى في الشهادة بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته لنفسه كفضل الفرض على النفل ، وقد قال سبحانه : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) النساء : 80 وقال تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : 10 والله تعالى معه في المكانين معا وهو عند الرسول عليه السلام على يقين ، فعبادة الله عز وجل ههنا أبلغ في مرضاته وأثوب له في آخرته ، وفي هذا الحديث دليل أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه وكلية ما تعلق به حتى تخص السنة أو الإجماع بعض شأنه ومن ذلك أن قول الله عز وجل : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ، إن ظاهره مقصور على الاستجابة للرسول لله بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا الإجابة له في التصويت خاصة في الصلاة وهذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن المعلى عليه وتأوله من الآية فأشكل عليه ، ومثل هذا فعل عمار في التيمم لما نزلت آية الإباحة للتيمم في صلاة الفجر وهم في سفر ، فقال عز وجل : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) النساء : 43 ولم يكن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال : فتيممنا إلى المناكب واستوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين ، وفي خبر : إلى الزندين باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض اليد في المسح وكذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه السنة ، فمن ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تآخيا في العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه : هلم اليوم فلننفرد عن الناس ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟

Sección V01/P163–V01/P164

فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟ فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ورينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر وقينة تغنيه فتسور عليه وقال : ماأقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحال ، فقام إليه الرجل فقال : ياأمير المؤمنين أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم فقال له : قل فقال : إن كنت قد عصيت الله عز وجل في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث ، قال : وماهي ؟ قال : قد تجسست وقد نهاك الله عز وجل عن ذلك وتسورت وقد قال الله عز وجل ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) البقرة : 189 ودخلت بغير إذن وقد قال الله عز وجل ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور : 27 فقال عمر : صدقت فهل أنت غافر لي ذلك فقال : غفر الله لك فخرج عمر وهو يبكي حتى علا نشيجه وهو يقول : ويل لعمر إن لم يغفر الله له ، تجد الرجل كان يتخفى بهذا عن ولده وجاره فالآن يقول : رآني أمير المؤمنين ونحو ذلك ، وجاء في الخبر : إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كان صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ولكن إظهار عمله من حيث لايؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل المؤمن وحرمته على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل وإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه إن كان صادقا في دعائك .

Sección V01/P164–V01/P165

وبمعنى هذا من خفي الأعمال ما يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة فيقرأ في نفسه سرا لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مر بآية فيها سجدة سجد بين الملأ فكنا نعرف بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول : إن هذا قدأظهر عمله إذ فعل ما يدل عليه فلو ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه قد أظهر ما أخفاه فهذا يدل على جهله بالمعاملة ، وقد سمعت بعض العلماء يطعن على هذا بفعله بمعنى ما ذكرناه من القول وهكذا يكون علم المريدين القصيرين العلم وليس الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل الفقه بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين والعامل الذي نقل عنه هذا الفعل فقيه مخلص وذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما أخفى إذ ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لايكون إلا ظاهرا لم يصلح أن يترك قربة إلى الله عز وجل من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به ويقرأ كما ندب إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عز وجل كما أخفى لأجله ولأنه ترك مراقبة الناس ولم يترك عمله لأجلهم ولو كان الفضل في ترك السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله وهو يصلي أن يقعد لأجلهم . وقد وردت السنة في ذلك أن له أجرين : أجر السر وأجر العلانية ، كيف وقد كانوا يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم فشرك ، وقد قيل : لا تعمل للرياء و لا تترك العمل للحياء ، فالحياء من الخلق شرك كما إن الحياء من الخالق إيمان . وأيضا لو أنه أطاع العدو في ترك العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في العمل لأجلهم ، ومثل هذا كمثل من كان يصوم ويصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلي مقيما فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ليدع مانواه من العكوف في المسجد لأجل نظرهم إليه ولم يضره ظهور عمله لثباته على نيته ولمزيد من الاعتكاف إذا كان عالما متمكنا ، وأيضا فان الإمام المتمكن المقتدى به لايضره ظهور الناس على أعماله إذا لم يقصد ذلك ولم يحب مدحهم وربما كان له أجر ، إن في ذلك لتنبيه الغافلين عن الذكر وتشويق العاملين إلى البر كيف وعند بعض العلماء أن سجود القرآن فرض وأن على من سمع آية سجدة أو تلاها وكان على غير وضوء أن يسجد لها إذا توضأ ، ونحو هذه المعاني ما هو حال للعبد وأولى به من حال غيره ما رواه أبو نصر التمار أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال : قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء ؟ فقال له بشر : كم أعددت للنفقة ؟ قال : ألفي درهم قال : فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، قال : ابتغاء مرضاة الله عز وجل قال : فإن أصبت رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عز وجل أتفعل ذلك ؟

Sección V01/P165–V01/P168

قال نعم : قال : اذهب فأعطها عشرة أنفس ؛ مدين يقضي بها دينه ، وفقير يرم شعثه ، ومعيل يحيي عياله ، ومربي يتيم يفرحه ، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل ، فإن ادخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج وتعين رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال : ياأبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر وأقبل عليه ، وقال له : المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس إلى أن تقضي به وطرا ويشرع إليه فظاهرت أعمال الصالحات وقد آلى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين ، وفي نحوه قيل لبشر أيضا إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء ، وقد يكون اختفاء الأوجب من الفرائض والتباسه بالفضائل محنة من الله عز وجل لعباده وحكمة له فيهم فيرتكبون التأويل للسعة ويتركون الضيق لخفائه عليهم لينفذ فيهم العلم ويجري عليهم الحكم ويكون ذلك تأديبا لهم وتعريفا ومزيدا في التسليم وتوفيقا ، وقد قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلى الله عليه وسلم ووعظه وزجره في قوله تعالى : ( عبس وتولى ) ( أن جاءه الأعمى ) ( ومايدريك لعله يزكى ) عبس : 1 - 2 - 3 ، يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغتم في عمره كغمه حين أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه الحبيب الرشيد ومع ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك للمؤمنين ونبه على فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس وتولى : أي انظروا أيها المؤمنون ، أو اعجبوا إلى الذي عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، ولذلك روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ بهم إلا بسورة عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عنده وعند قومه ومثله قوله عز وجل عاتبا على رسوله صلى الله عليه وسلم ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) التوبة 43 ونحوه : ( لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ) التحريم : 1 وبمعناه قوله عز وجل : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب : 37 حتى قالت عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن كتم هذه الآية ، ومن أعجب ما سمعت في هذا المعنى ماحدثونا في الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما قبضه الله عز وجل خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس ويعظمونه برهة من الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه وترك شريعتهم وتكبر في الأرض وطغى وقال بني جدي داود وأبي سليمان مسجدا فما لي لا أبني مسجدا مثل ما بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس وادعى على الله عز وجل أنه أمره بذلك وصرف الناس إليه وبذل لهم الأموال وأخرب مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس في دينه رغبة ورهبة ، قال : فابتعث الله نبيا من بعض أهل القرى فقال : اركب أتانك هذه وأت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى صوتك : يامسجد الضرار إن الله عز وجل حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن أهلك فيك وليشدخنهم بخشبك وجندلك ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك وناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه يضربونه بالخشب ويشجونه بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ذلك أذى كثير وضرب عظيم ثم كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها وقد أدى الرسالة وصبر على الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق سمع به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله وسلم عليه فقال : إنك قد أديت رسالة ربك وإنك أمضيت أمره وإنك قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت جائع عطشان تسيل دماؤك على جسدك وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح واغسل جسدك وثيابك فقال إن الله عز وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا آكل ولا أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فإني من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك في الدين فلا أرى الله عز وجل عني بذلك إلا القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم وتستظل عندهم ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ولا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوة والنبوة قال : فصدقه وانصرف معه إلى منزله ، فلما وضع الطعام بين يديه وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي الذي دعاه إلى منزله قل له : آثرت شهوتك وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها ولولا أنك اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني ، فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع فافترسه وانتصب السبع مقعيا على قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى بينه وبينه قال : فكفنه وواراه وانصرف برحله وأتانه إلى أهله ، فقال : يارب عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان أجهده البلاء فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز وجل إليه ليست هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة ، إنه خالف أمري وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ودرجة فوق نبوته فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين ، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلى به وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه المعاني دقائق العلوم

Sección V01/P168

الفصل السابع والعشرون فيه كتاب أساس المريدين

Sección V01/P168–V01/P170

قال بعض العلماء : الخلق محجوبون بثلاث ؛ حب الدرهم ، وطلب الرياسة وطاعة النساء ، وقال بعض العارفين : الذي قطع العباد عن الله عز وجل ثلاثة أشياء ؛ قلة الصدق في الإرادة ، ، والجهل بالطريق ، ونطق علماء السوء بالهوى ، وقال بعض علمائنا : إذا كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والاختلاف موجودا لم ينكشف الحق ، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد ، واعلم أن المريد لابد له من خصال سبع : الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بد له من التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بد له من المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بد له من مجالسة عالم بالله وعلامة ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه ولا بد له من طعمة حلال لا يذمها العلم وعلامة ذلك الحلال المطالبة عنه وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بد له من قرين صالح يؤازره على ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر والتقوى ونهيه إياه عن الإثم والعدوان ، فهذه الخصال السبع قوت الإرادة لا قوام لها إلا بها ويستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه ؛ أولها الجوع ، ثم السهر ، ثم الصمت ، ثم الخلوة ، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب ، فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيض وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدو منه لأن في غلظ القلب سلطانه والفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه ، والعلماء منهم قالوا : الدم هو مكان النفس وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا : ياموسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش ، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا : إذا مات في الماء من الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس والصراصر والعناكب ، ففي الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدو وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها ، وفي خبر عن عيسى عليه السلام : يامعشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب ، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ما في الجوع إيثار الصمت وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء ، وقال سهل رحمه الله : اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال ، وبها صار الإبدال إبدالا إخماص البطون والصمت والسهر والاعتزال عن الناس ، وقال : من لم يصبر على الجوع والضر لم يتحقق بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي استنارته معاينة الغيب وفي جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على البياض والرقة فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب ويرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلا ويكون العاجل غائبا ويصير الغائب حاضرا والحاضر آفلا يطلبه ويرغب فيه فلا يحب الآفل ولا يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ويظهر له بواطن الأسرار ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول : عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون ، وكذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤن في قوله : القلوب أربعة ؛ قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا وتجرده من الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب وقال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي .

Sección V01/P170–V01/P171

قال بعض علمائنا : من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل : استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي . وأما الصمت فإنه يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله عز وجل به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجا ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد ، وقد قال بعض السلف : تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت ، وقال بعضهم : جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك علي فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهل علي فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت ، وقال عقبة بن عامر : يارسول الله فيم النجاة ؟ قال : أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال صلى الله عليه وسلم في الخبر الجامع المختصر : من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في آخر وصيته : ألا أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله ، هذا وأومأ بيده إلى لسانه فقلت : يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال : ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه ، قال : قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال : قل ربي الله ثم استقم قال : قلت فما أتقى بعد ذلك ، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط آخر فأخبرني بأضر شيء علي فقال هذا وأومأ إلى لسانه ، وفي الخبر لا يتقي العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه . وفي الحديث لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وقال ابن مسعود : ليس شيء أحق بطول سجن من لسان ، وقال بعض السلف : فتشت الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان ، وقال بعض العلماء : مااستقام لسان عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله وقال بعض الحكماء : إذا كثر العقل قل الكلام ، وإذا قل العقل كثر الكلام ، وقال أحمد بن حنبل : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال بعض هذه الطائفة : من تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت ، وقال ذو النون المصري : الخوف يقلق والحياء يسكت ، وقال بعض العارفين : قد جزئ العلم على قسمين : نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وقال الحسن عن أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت وهو : أول العبادة ، والتواضع ، وذكر الله عز وجل ، وقلة الشيء ، وقال حماد بن زيد : قلت لأيوب : العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟

Preguntas