Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V14/P236

الأحزاب : ( 57 ) إن الذين يؤذون . . . . . > > < > ( الاحزاب 57 ) <

Sección V14/P236–V14/P239

> فيه خمس مسائل : الأولى اختلف العلماء في أذية الله بماذا تكون فقال الجمهور من العلماء : معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا يليق به كقول اليهود لعنهم الله : وقالت اليهود يد الله مغلولة والنصارى : المسيح بن الله والمشركون : الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه وفي صحيح البخاري قال الله تعالى : ( كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك ( الحديث وقد تقدم في سورة مريم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال الله تبارك وتعالى : ( يؤذيني بن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فأذا شئت قبضتهما ( هكذا جاء هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة في هذه الرواية وقد جاء مرفوعا عنه ( يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ( أخرجه أيضا مسلم وقال عكرمة : معناه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله المصورين ( قلت : وهذا مما يقوي قول مجاهد في المنع من تصوير الشجر وغيرها إذ كل ذلك صفة اختراع وتشبه بفعل الله الذي انفرد به سبحانه وتعالى وقد تقدم هذا في سورة النمل والحمد لله وقالت فرقة : ذلك على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله وأما أذية رسوله صلى الله عليه وسلم فهي كل ما يؤذيه من الأقوال في غير معنى واحد ومن الأفعال أيضا أما قولهم : فساحر شاعر كاهن مجنون وأما فعلهم : فكسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد وبمكة إلقاء السلي على ظهره وهو ساجد إلى غير ذلك وقال بن عباس : نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيي وأطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه الثانية قال علماؤنا : والطعن في تأمير أسامة بن زيد أذية له عليه السلام روى الصحيح عن بن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده ( وهذا البعث والله أعلم هو الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسامة وأمره عليهم وأمره أن يغزو أبني وهي القرية التي عند مؤتة الموضع الذي قتل فيه زيد أبوه مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فأمره أن يأخذ بثأر أبيه فطعن من في قلبه ريب في إمرته من حيث إنه كان من الموالي ومن حيث أنه كان صغير السن لأنه كان إذ ذاك بن ثمان عشرة سنة فمات النبي صلى الله عليه وسلم وقد برز هذا البعث عن المدينة ولم ينفصل بعد عنها فنفذه أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة وفي هذا الحديث أوضح دليل على جواز إمامة المولى والمفضول على غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما مولى أبي حذيفة على الصلاة بقباء فكان يؤمهم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش وروى الصحيح عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال : من استعملت على هذا الوادي قال : بن أبزي قال : ومن أين أبزي قال : مولى من موالينا قال : فاستخلفت عليهم مولى قال : إنه لقارئ لكتاب الله وإنه لعالم بالفرائض قال أما إن نبيكم قد قال : ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ( الرابعة كان أسامة رضي الله عنه الحب بن الحب وبذلك كان يدعى وكان أسود شديد السواد وكان زيد أبوه أبيض من القطن هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح وقال غير أحمد : كان زيد أزهر اللون وكان أسامة شديد الأدمة ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسن أسامة وهو صغير ويمسح مخاطه وينقي أنفه ويقول : ( لو كان أسامة جارية لزيناه وجهزناه وحببناه إلى الأزواج ( وقد ذكر أن سبب ارتداد العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما كان عليه السلام في حجة الوداع بجبل عرفة عشية عرفة عند النفر احتبس النبي صلى الله عليه وسلم قليلا بسبب أسامة إلى أن أتاه فقالوا : ما احتبس إلا لأجل هذا تحقيرا له فكان قولهم هذا سبب ارتدادهم ذكره البخاري في التاريخ بمعناه والله أعلم الخامسة كان عمر رضي الله عنه يفرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف ولإبنه عبد الله ألفين فقال له عبد الله : فضلت علي أسامة وقد شهدت ما لم يشهد فقال : إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ففضل رضي الله عنه محبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبوبه وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغض من أبغض وقد قابل مروان هذا الحب بنقيضه وذلك أنه مر بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مروان : إنما أردت أن نرى مكانك فقد رأينا مكانك فعل الله بك وقال قولا قبيحا فقال له أسامة : إنك آذيتني وإنك فاحش متفحش وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله تعالى يبغض الفاحش المتفحش ( فانظر ما بين الفعلين وقس ما بين الرجلين فقد آذى بنو أمية النبي صلى الله عليه وسلم في أحبابه وناقضوه في محابه قوله تعالى : ( لعنهم الله ) معناه أبعدوا من كل خير واللعن في اللغة : الإبعاد ومنه اللعان ( وأعد لهم عذابا مهينا ) تقدم معناه في غير موضع والحمد لله رب العالمين < <

Sección V14/P239–V14/P240

الأحزاب : ( 58 ) والذين يؤذون المؤمنين . . . . . > > < > ( الاحزاب 58 ) < > أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق وهذه الآية نظير الآية التي في النساء : ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد إحتمل بهتانا وإثما مبينا كما قال هنا وقد قيل : إن من الأذية تعييره بحسب مذموم أو حرفة مذمومة أو شيء يثقل عليه إذا سمعه لأن أذاه في الجملة حرام وقد ميز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسول وأذى المؤمنين فجعل الأول كفرا والثاني كبيرة فقال في أذى المؤمنين : ( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) وقد بيناه وروي أن عمر بن الخطاب قال لأبي بن كعب : قرأت البارحة هذه الآية ففزعت منها والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما أكتسبوا الآية والله إني لأضربهم وأنهرهم فقال له أبي : يا أمير المؤمنين لست منهم إنما أنت معلم ومقوم وقد قيل : إن سبب نزول هذه الآية أن عمر رأى جارية من الأنصار فضربها وكره ما رأى من زينتها فخرج أهلها فآذوا عمر باللسان فأنزل الله هذه الآية وقيل : نزلت في علي فإن المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه رضي الله عنه < < الأحزاب : ( 59 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الاحزاب 59 ) <

Sección V14/P240–V14/P244

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل لأزواجك وبناتك ) قد مضى الكلام في تفضيل أزواجه واحدة واحدة قال قتادة : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع خمس من قريش : عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وثلاث من سائر العرب : ميمونة وزينب بنت جحش وجويرية وواحدة من بني هارون : صفية وأما أولاده فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أولاد ذكور وإناث فالذكور من أولاده : القاسم أمه خديجة وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم وهو أول من مات من أولاده وعاش سنتين وقال عروة : ولدت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم القاسم والطاهر وعبد الله والطيب وقال أبو بكر البرقي : ويقال أن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله وإبراهيم أمه مارية القبطية ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وتوفي بن ستة عشر شهرا وقيل ثمانية عشر ذكره الدارقطني ودفن بالبقيع وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة ( وجميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة سوى إبراهيم وكل أولاده ماتوا في حياته غير فاطمة وأما الإناث من أولاده فمنهن : فاطمة الزهراء بنت خديجة ولدتها وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين وهي أصغر بناته وتزوجها علي رضي الله عنهما في السنة الثانية من الهجرة في رمضان وبنى بها في ذي الحجة وقيل : تزوجها في رجب وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير وهي أول من لحقه من أهل بيته رضي الله عنها ومنهن : زينب أمها خديجة تزوجها بن خالتها أبو العاصي بن الربيع وكانت أم العاصي هالة بنت خويلد أخت خديجة واسم أبي العاصي لقيط وقيل هاشم وقيل هشيم وقيل مقسم وكانت أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفيت سنة ثمان من الهجرة ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها ومنهن رقية أمها خديجة تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه : تبت يدا أبي لهب قال أبو لهب لابنه : رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن بنى بها وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها حين بايعه النساء وتزوجها عثمان بن عفان وكانت نساء قريش يقلن حين تزوجها عثمان : أحسن شخصين رأى إنسان رقية وبعلها عثمان وهاجرت معه إلى أرض الحبشة الهجرتين وكانت قد أسقطت من عثمان سقطا ثم ولدت بعد ذلك عبد الله وكان عثمان يكنى به في الإسلام وبلغ ست سنين فنقره ديك في وجهه فمات ولم تلد له شيئا بعد ذلك وهاجرت إلى المدينة ومرضت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر فخلف عثمان عليها فتوفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة وقدم زيد بن حارثة بشيرا من بدر فدخل المدينة حين سوى التراب على رقية ولم يشهد دفنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهن : أم كلثوم أمها خديجة تزوجها عتيبة بن أبي لهب أخو عتبة قبل النبوة وأمره أبوه أن يفارقها للسبب المذكور في أمر رقية ولم يكن دخل بها فلم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفيت رقية تزوجها عثمان وبذلك سمي ذا النورين وتوفيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرها ونزل في حفرتها علي والفضل وأسامة وذكر الزبير بن بكار أن أكبر ولد النبي صلى الله عليه وسلم : القاسم ثم زينب ثم عبد الله وكان يقال له الطيب والطاهر وولد بعد النبوة ومات صغيرا ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم بمكة ثم مات عبد الله الثانية لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء فتعرف الحرائر بسترهن فيكف عن معارضتهن من كان غذبا أو شابا وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة فتصيح به فيذهب فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية بسبب ذلك قال معناه الحسن وغيره الثالثة قوله تعالى : ( من جلابيبهن ) الجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار وروي عن بن عباس وبن مسعود أنه الرداء وقد قيل : إنه القناع والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن وفي صحيح مسلم عن أم عطية قلت : يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال : ( لتلبسها أختها من جلبابها ( الرابعة واختلف الناس في صورة إرخائه فقال بن عباس وعبيدة السلماني : ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها وقال بن عباس أيضا وقتادة : ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه وقال الحسن : تغطي نصف وجهها الخامسة أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت لأن له أن يستمتع بها كيف شاء ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال : ( سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن من يوقظ صواحب الحجر رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ( وروي أن دحية الكلبي لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قبطية فقال : ( اجعل صديعا لك قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به ( والصديع النصف ثم قال له : ( مرها تجعل تحتها شيئا لئلا يصف ( وذكر أبو هريرة رقة الثياب للنساء فقال : الكاسيات العاريات الناعمات الشقيات ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها عليهن ثياب رقاق فقالت عائشة : إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعينه وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قبطي معصفر فلما رأتها قالت : لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ( وقال عمر رضي الله عنه : ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها السادسة قوله تعالى : ( ذلك أدنى أن يعرفن ) أي الحرائر حتى لا يختلطن بالإماء فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية فتنقطع الأطماع عنهن وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى تعلم من هي وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة محافظة على زي الحرائر وقد قيل : إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء وهذا كما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( حتى قالت عائشة رضي الله عنها : لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لمنعهن من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل ( وكان الله غفورا رحيما ) تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل الأمر المشروع < <

Sección V14/P244

الأحزاب : ( 60 ) لئن لم ينته . . . . . > > < > ( الاحزاب 60 : 62 ) <

Sección V14/P244–V14/P247

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( لئن لم ينته المنافقون ) الآية أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد كما روى سفيان بن سعيد عن منصور عن أبي رزين قال : المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة قال : هم شيء واحد يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء والواو مقحمة كما قال : إلى الملك القرم وبن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم أراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة وقد مضى في البقرة وقيل : كان منهم قوم يرجفون وقوم يتبعون النساء للريبة وقوم يشككون المسلمين قال عكرمة وشهر بن حوشب : الذين في قلوبهم مرض يعني الذين في قلوبهم الزنى وقال طاوس : نزلت هذه الآية في أمر النساء وقال سلمة بن كهيل : نزلت في أصحاب الفواحش والمعنى متقارب وقيل : المنافقون والذين في قلوبهم مرض شيء واحد عبر عنهم بلفظين دليله آية المنافقين في أول سورة البقرة والمرجفون في المدينة قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوهم فيقولون إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنهم قد قتلوا أو هزموا وإن العدو قد أتاكم قاله قتادة وغيره وقيل كانوا يقولون : أصحاب الصفة قوم عزاب فهم الذين يتعرضون للنساء وقيل : هم قوم من المسلمين ينطقون بالأخبار الكاذبة حبا للفتنة وقد كان في أصحاب الإفك قوم مسلمون ولكنهم خاضوا حبا للفتنة وقال بن عباس : الإرجاف التماس الفتنة والإرجاف : إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به وقيل : تحريك القلوب يقال : رجفت الأرض أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفا والرجفان : الاضطراب الشديد والرجاف : البحر سمي به لاضطرابه قال الشاعر : المطعمون اللحم كل عشية حتى تغيب الشمس في الرجاف والإرجاف : واحد أراجيف الأخبار وقد أرجفوا في الشيء أي خاضوا فيه قال الشاعر : فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد وقال آخر : أبالأراجيف يابن اللؤم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور فالإرجاف حرام لأن فيه إذاية فدلت الآية على تحريم الإيذاء بالإرجاف الثانية قوله تعالى : ( لنغرينك بهم ) أي لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل وقال بن عباس : لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله عز وجل قد أغراه بهم ثم إنه قال عز وجل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره وإنه أمره بلعنهم وهذا هو الإغراء وقال محمد بن يزيد : قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع اتصال الكلام بها وهو قوله عز وجل : أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : خمس يقتلن في الحل والحرم فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وقيل : إنهم قد انتهوا عن الإرجاف فلم يغربهم ولام لنغرينك لام القسم واليمين واقعة عليها وأدخلت اللام في إن توطئة لها الثالثة قوله تعالى : ( ثم لايجاورونك فيها ) أي في المدينة ( إلا قليلا ) نصب على الحال من الضمير في يجاورونك فكان الأمر كما قال تبارك وتعالى لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء فهذا أحد جوابي الفراء وهو الأولى عنده أي لا يجاورونك إلا في حال قلتهم والجواب الآخر أن يكون المعنى إلا وقتا قليلا أي لا يبقون معك إلا مدة يسيرة أي لا يجاورونك فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا فيكون نعتا لمصدر أو ظرف محذوف ودل على أن من كان معك ساكنا بالمدينة فهو جار وقد مضى في النساء الرابعة قوله تعالى : ( ملعونين ) هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد وهو منصوب على الحال وقال بن الأنباري : قليلا ملعونين وقف حسن النحاس : ويجوز أن يكون التمام إلا قليلا وتنصب ملعونين على الشتم كما قرأ عيسى بن عمر : وامرأته حمالة الحطب وقد حكى عن بعض النحويين أنه قال : يكون المعنى أينما ثقفوا أخذوا ملعونين وهذا خطأ لا يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله وقيل : معنى الآية إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون وقد فعل بهم هذا فإنه لما نزلت سورة براءة جمعوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم ( فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد الخامسة قوله تعالى : ( سنة الله ) نصب على المصدر أي سن الله جل وعز فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي تحويلا وتغييرا حكاه النقاش وقال السدي : يعني أن من قتل بحق فلا دية على قاتله المهدوي : وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه حتى مات والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم وقد مضى هذا في آل عمران وغيرها < <

Sección V14/P247–V14/P248

الأحزاب : ( 63 ) يسألك الناس عن . . . . . > > < > ( الاحزاب 63 ) < > قوله تعالى : ( يسألك الناس عن الساعة ) هؤلاء المؤذون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعادا وتكذيبا موهمين أنها لاتكون ( قل إنما علمها عند الله ) أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله وليس في إخفاء الله وقتها عني ما يبطل نبوتي وليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله جل وعز ( وما يدريك ) أي ما يعلمك ( لعل الساعة تكون قريبا ) أي في زمان قريب وقال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ( وأشار إلى السبابة والوسطى خرجه أهل الصحيح وقيل : أي ليست الساعة تكون قريبا فحذف هاء التأنيث ذهابا بالساعة إلى اليوم كقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين ولم يقل قريبة ذهابا بالرحمة إلى العفو إذ ليس تأنيثها أصليا وقد مضى هذا مستوفي وقيل : إنما أخفي وقت الساعة ليكون العبد مستعدا لها في كل وقت < < الأحزاب : ( 64 ) إن الله لعن . . . . . > > < > ( الاحزاب 64 : 65 ) < > قوله تعالى : ( إن الله لعن الكافرين ) أي طردهم وأبعدهم واللعن : الطرد والإبعاد عن الرحمة وقد مضى في البقرة بيانه ( وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا ) فأنث السعير لأنها بمعنى النار ( لا يجدون وليا ولا نصيرا ) ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه < < الأحزاب : ( 66 ) يوم تقلب وجوههم . . . . . > > < > ( الاحزاب 66 : 67 ) < > قوله تعالى : ( يوم تقلب وجوههم في النار ) قراءة العامة بضم التاء وفتح اللام على الفعل المجهول وقرأ عيسى الهمداني وبن إسحاق : نقلب بنون وكسر اللام وجوههم نصبا وقرأ عيسى أيضا : تقلب بضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير وجوههم وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار فتسود مرة وتخضر أخرى وإذا بدلت جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا ( يقولون يا ليتنا ) ويجوز أن يكون المعنى : يقولون يوم تقلب وجوههم في النار يا ليتنا ( أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون وهذه الألف تقع في الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها وكذا السبيلا وقد مضى في أول السورة وقرأ الحسن : إنا أطعنا ساداتنا بكسر التاء جمع سادة وكان في هذا زجر عن التقليد والسادة جمع السيد وهو فعلة مثل كتبة وفجرة وساداتنا جمع الجمع والسادة والكبراء بمعنى وقال قتادة : هم المطعمون في غزوة بدر والأظهر العموم في القادة والرؤساء في الشرك والضلالة أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه ( فأضلونا السبيلا ) أي عن السبيل وهو التوحيد فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله : لقد أضلني عن الذكر < < الأحزاب : ( 68 ) ربنا آتهم ضعفين . . . . . > > < > ( الاحزاب 68 ) <

Sección V14/P248–V14/P249

> قوله تعالى : ( ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) قال قتادة : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وقيل : عذاب الكفر وعذاب الإضلال أي عذبهم مثلي ما تعذبنا فإنهم ضلوا وأضلوا ( والعنهم لعنا كبيرا ) قرأ بن مسعود وأصحابه ويحيى وعاصم بالباء الباقون بالثاء واختاره أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس لقوله تعالى : أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وهذا المعنى كثير وقال محمد بن أبي السرى : رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان وكأن رجلا يناظرني فيمن يبغض أصحاب محمد فقال : والعنهم لعنا كثيرا ثم كررها حتى غاب عني لا يقولها إلا بالثاء وقراءة الباء ترجع في المعنى إلى الثاء لأن ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار < < الأحزاب : ( 69 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الاحزاب 69 ) <

Sección V14/P249–V14/P251

> لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى واختلف الناس فيما أوذي به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى فحكى النقاش أن اذيتهم محمدا عليه السلام قولهم : زيد بن محمد وقال أبو وائل : أذيته أنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال : ( رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ( وأما أذية موسى صلى الله عليه وسلم فقال بن عباس وجماعة : هي ما تضمنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه قال : ( كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هو آدر وأبرص أو به آفة فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى عريانا يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه وهو من أحسنهم خلقا وأعد لهم صورة وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك وتعالى : فبرأه الله مما قالوا ( أخرجه البخاري ومسلم بمعناه ولفظ مسلم : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمح موسى عليه السلام بإثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا ( قال أبو هريرة : والله إنه بالحجر ندب ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر فهذا قول وروي عن بن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : آذوا موسى بأن قالوا : قتل هارون وذلك أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى : أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حبا فآذوه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر القتل وقد قيل : إن الملائكة تكلمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرخم وأنه تعالى جعله أصم أبكم ومات هارون قبل موسى في التيه ومات موسى قبل إنقضاء مدة التيه بشهرين وحكى القشيري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ثم مات وقد قيل : إن أذية موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون والصحيح الأول ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرأه الله من جميع ذلك مسألة في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عريانا دليل على جواز ذلك وهو مذهب الجمهور ومنعه بن أبي ليلى واحتج بحديث لم يصح وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخلوا الماء إلا بمئزر فإن للماء عامرا ( قال القاضي عياض : وهو ضعيف عند أهل العلم قلت : أما أنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن علي دخل غديرا وعليه برد له متوشحا به فلما خرج قيل له قال : إنما تسترت ممن يراني ولا أراه يعني من ربي والملائكة فإن قيل : كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء من يعقل قيل : لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل وحجر منادى مفرد محذوف حرف النداء كما قال تعالى : يوسف أعرض عن هذا وثوبي منصوب بفعل مضمر التقدير : أعطني ثوبي أو اترك ثوبي فحذف الفعل لدلالة الحال عليه قوله تعالى : ( وكان عند الله وجيها ) أي عظيما والوجيه عند العرب : العظيم القدر الرفيع المنزلة ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه وقرأ بن مسعود : وكان عبدا لله وقيل : معنى وجيها أي كلمه تكليما قال أبو بكر الأنباري في ( كتاب الرد ) : زعم من طعن في القرآن أن المسلمين صحفوا وكان عند الله وجيها وأن الصواب عنده وكان عبدا لله وجيها وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة علمه وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت : وكان عبدا نقص الثناء على موسى عليه السلام وذلك أن وجيها يكون عند أهل الدنيا وعند أهل زمانه وعند أهل الآخرة فلا يوقف على مكان المدح لأنه إن كان وجيها عند بني الدنيا كان ذلك إنعاما من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله : وكان عند الله وجيها استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله فمن غير اللفظة صرف عن نبي الله أفخر الثناء وأعظم المدح < <

Sección V14/P251–V14/P252

الأحزاب : ( 70 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الاحزاب 70 : 71 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) أي قصدا وحقا وقال بن عباس : أي صوابا وقال قتادة ومقاتل : يعني قولوا قولا سديدا في شأن زينب وزيد ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحل وقال عكرمة وبن عباس أيضا : القول السداد لا إله إلا الله وقيل : هو الذي يوافق ظاهره باطنه وقيل : هو ما أريد به وجه الله دون غيره وقيل : هو الإصلاح بين المتشاجرين وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض والقول السداد يعم الخيرات فهو عام في جميع ما ذكر وغير ذلك وظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين ثم وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة ( ومن يطع الله ورسوله ) أي فيما أمر به ونهى عنه ( فقد فاز فوزا عظيما ) < < الأحزاب : ( 72 ) إنا عرضنا الأمانة . . . . . > > < > ( الاحزاب 72 : 73 ) <

Sección V14/P252–V14/P257

> لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين أمر بالتزام أوامره والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله : حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها ( فالأمانة هي الفرائض التي اؤتمن الله عليها العباد وقد اختلف في تفاصيل بعضها على أقوال فقال بن مسعود : هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها وروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال وقال أبي بن كعب : من الأمانة أن إئتمنت المرأة على فرجها وقال أبو الدرداء : غسل الجنابة أمانة وأن الله تعالى لم يأمن بن آدم على شيء من دينه غيرها وفي حديث مرفوع ( الأمانة الصلاة ( إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل وكذلك الصيام وغسل الجنابة وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها فلا تلبسها إلا بحق فإن حفظتها حفظتك فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واللسان أمانة والبطن أمانة واليد أمانة والرجل أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له وقال السدي : هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله وخيانته إياه في قتل أخيه وذلك أن الله تعالى قال له : ( يا آدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ( قال : ( اللهم لا ( قال : ( فإن لي بيتا بمكة فأته فقال للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض : احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للجبال كذلك فأبت فقال لقابيل : احفظ ولدي بالأمانة فقال نعم تذهب وترجع فتجد ولدك كما يسرك فرجع فوجده قد قتل أخاه فذلك قوله تبارك وتعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها الآية وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال قالت : وما فيها قيل لها : إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فقالت لا قال مجاهد : فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه قال : وما هي قال : إن أحسنت أجرتك وإن أسأت عذبتك قال : فقد تحملتها يارب قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر وروى علي بن طلحة عن بن عباس في قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال قال : الأمانة الفرائض عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ولكن تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير وقيل : لما حضرت آدم صلى الله عليه وسلم الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق فعرضها فلم يقبلها إلا بنوه وقيل : هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السماوات والأرض والجبال والخلق من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها قاله بعض المتكلمين ومعنى عرضنا أظهرنا كما تقول : عرضت الجارية على البيع والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السماوات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن ( فأبين أن يحملنها ) أي أن يحملن وزرها كما قال جل وعز : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ( وحملها الإنسان ) قال الحسن : المراد الكافر والمنافق ( إنه كان ظلوما ) لنفسه ( جهولا ) بربه فيكون على هذا الجواب مجازا مثل : واسأل القرية وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السماوات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها وأشفقت وقالت : لا أبتغي ثوابا ولا عقابا وكل يقول : هذا أمر لا نطيقه ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له قاله الحسن وغيره قال العلماء : معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام والعرض على الإنسان إلزام وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل أي أن السماوات والأرض على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل وهذا كقوله : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ثم قال : وتلك الأمثال نضربها للناس قال القفال : فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل وجب حمله عليه وقال قوم : إن الآية من المجاز أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها وأنها لو تكلمت لآبت وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله إنا عرضنا الأمانة الآية وهذا كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه وقيل : عرضنا بمعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها : وقيل : إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام وذلك أن الله تعالى لما استخلفه على ذريته وسلطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش وعهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل فقبله ولم يزل عاملا به فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده ويقلده من الأمانة ما تقلده فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنه شفقا من عذاب الله ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط ولم يهب منه ما تهيبت السماوات والأرض والجبال إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تقلد لربه قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلاف ما قال وإن نظرنا إلى ظاهره وجدناه بخلاف ما قال وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيدا مما قال وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة إلا أنه يومئ في مقالته إلى أنه سلطه على جميع ما في الأرض وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال فما تصنع السماوات والأرض والجبال بالحلال والحرام وما التسليط على الأنعام والطير والوحش وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء منهم ثم ذكر أن الإنسان حملها أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك فسماه ظلوما أي لنفسه جهولا بما فيها وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السماوات والأرض والجبال ليحملنها وقال لهن : إن هذه الأمانة ولها ثواب وعليها عقاب قالوا : يارب لا طاقة لنا بها وأقبل الإنسان من قبل أن يدعى فقال للسموات والأرض والجبال : ما وقوفكم قالوا : دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها قال : فحركها بيده وقال : والله لو شئت أن أحملها لحملتها فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لازددت قالوا : دونك فحملها حتى بلغ بها حقويه ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لزددت قالوا : دونك فحملها حتى وضعها على عاتقه فلما أهوى ليضعها قالوا : مكانك أن هذه الأمانة ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها وحملتها أنت من غير أن تدعى لها فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة إنك كنت ظلوما جهولا وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها ( وحملها الإنسان ) أي التزم القيام بحقها وهو في ذلك ظلوم لنفسه وقال قتادة : للأمانة جهول بقدر ما دخل فيه وهذا تأويل بن عباس وبن جبير وقال الحسن : جهول بربه قال : ومعنى حملها خان فيها وقال الزجاج : والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل وقال بن عباس وأصحابه والضحاك وغيره : الإنسان آدم تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة وعن بن عباس أن الله تعالى قال له : أتحمل هذه الأمانة بما فيها قال وما فيها قال : إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت قال : أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى له : إني سأعينك قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك وقال قوم : الإنسان النوع كله وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا وقال السدي : الإنسان قابيل فالله أعلم ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) اللام في ليعذب متعلقة ب حمل أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع فهي لام التعليل لأن العذاب نتيجة حمل الأمانة وقيل ب عرضنا أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم الله وإيمان المؤمن ليثيبه الله ( ويتوب الله ) قراءة الحسن بالرفع يقطعه من الأول أي يتوب الله عليهم بكل حال ( وكان الله غفورا رحيما ) خبر بعد خبر ل كان ويجوز أن يكون نعتا لغفور ويجوز أن يكون حالا من المضمر والله أعلم بالصواب <

Sección V14/P257–V14/P259

> تفسير سورة سبأ < > مكية في قول الجميع إلا آية واحدة اختلف فيها وهي قوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الآية فقالت فرقة : هي مكية والمراد المؤمنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قاله بن عباس وقالت فرقة : هي مدنية والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة كعبد الله بن سلام وغيره قاله مقاتل وقال قتادة : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنون به كائنا من كان وهي أربع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < سبأ : ( 1 ) الحمد لله الذي . . . . . > > < > ( سبا 1 ) < > قوله تعالى : ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) الذي في موضع خفض على النعت أو البدل ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني وحكى سيبويه الحمد لله أهل الحمد بالرفع والنصب والخفض والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله إذ النعم كلها منه وقد مضى الكلام فيه في أول الفاتحة ( وله الحمد في الآخرة ) قيل : هو قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وقيل : هو قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى ( وهو الحكيم ) في فعله ( الخبير ) بأمر خلقه < < سبأ : ( 2 ) يعلم ما يلج . . . . . > > < > ( سبا 2 ) < > قوله تعالى : ( يعلم مايلج في الأرض ) أي ما يدخل فيها من قطر وغيره كما قال : فسلكه ينابيع في الأرض من الكنوز والدفائن والأموات وما هي له كفات ( وما يخرج منها ) من نبات وغيره ( وما ينزل من السماء ) من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات وقرأ علي بن أبي طالب وما ننزل بالنون والتشديد ( وما يعرج فيها ) من الملائكة وأعمال العباد قاله الحسن وغيره ( وهو الرحيم الغفور ) < < سبأ : ( 3 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > < > ( سبا 3 : 4 ) <

Sección V14/P259–V14/P260

> قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ) قيل : المراد أهل مكة قال مقاتل : قال أبو سفيان لكفار مكة : واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث فقال الله : ( قل ) يا محمد ( بلى وربي لتأتينكم ) وروى هارون عن طلق المعلم قال : سمعت أشياخنا يقرؤون قل بلى وربي ليأتينكم بياء حملوه على المعنى كأنه قال : ليأتينكم البعث أو أمره كما قال : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك فهؤلاء الكفار مقرون بالإبتداء منكرون الإعادة وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة على البعث وقالوا : وإن قدر لا يفعل فهذا تحكم بعد أن أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق وإذا ورد الخبر بشيء وهو ممكن في الفعل مقدور فتكذيب من وجب صدقه محال ( عالم الغيب ) بالرفع قراءة نافع وبن كثير على الابتداء وخبره لا يعزب عنه وقرأ عاصم وأبو عمرو عالم بالخفض أي الحمد لله عالم فعلى هذه القراءة لا يحسن الوقف على قوله : لتأتينكم وقرأ حمزة والكسائي : علام الغيب على المبالغة والنعت ( لا يعزب عنه ) أي لا يغيب عنه ويعزب أيضا قال الفراء : والكسر أحب إلي النحاس : وهي قراءة يحيى بن وثاب وهي لغة معروفة يقال : عزب يعزب ويعزب إذا بعد وغاب ( مثقال ذرة ) أي قدر نملة صغيرة ( في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) وفي قراءة الأعمش ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالفتح فيهما عطفا على ذرة وقراءة العامة بالرفع عطفا على مثقال ( إلا في كتاب مبين ) فهو العالم بما خلق ولا يخفى عليه شيء ( ليجزي ) منصوب بلام كي والتقدير : لتأتينكم ليجزي ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) بالثواب والكافرين بالعقاب ( أولئك ) يعني المؤمنين ( لهم مغفرة ) لذنوبهم ( ورزق كريم ) وهو الجنة < < سبأ : ( 5 ) والذين سعوا في . . . . . > > < > ( سبا 5 ) < > قوله تعالى : ( والذين سعوا في آياتنا ) أي في إبطال أدلتنا والتكذيب بآياتنا ( معاجزين ) مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة وظنوا أنا نهملهم فهؤلاء ( لهم عذاب من رجز أليم ) يقال : عاجزه وأعجزه إذا غالبه وسبقه و أليم قراءة نافع بالكسر نعتا للرجز فإن الرجز هو العذاب قال الله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء وقرأ بن كثير وحفص عن عاصم عذاب من رجز أليم برفع الميم هنا وفي الجاثية نعتا للعذاب وقرأ بن كثير وبن محيصن وحميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو معجزين مثبطين أي ثبطوا الناس عن الإيمان بالمعجزات وآيات القرآن < < سبأ : ( 6 ) ويرى الذين أوتوا . . . . . > > < > ( سبا 6 ) <

Sección V14/P260–V14/P262

> لما ذكر الذين سعوا في إبطال النبوة بين أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق قال مقاتل : الذين أوتوا العلم هم مؤمنو أهل الكتاب وقال بن عباس : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل جميع المسلمين وهو أصح لعمومه والرؤية بمعنى العلم وهو في موضع نصب عطفا على ليجزي أي ليجزي وليرى قاله الزجاج والفراء وفيه نظر لأن قوله : ليجزي متعلق بقوله : لتاتينكم الساعة ولا يقال : لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق فإنهم يرون القرآن حقا وإن لم تأتهم الساعة والصحيح إنه رفع على الإستئناف ذكره القشيري قلت : وإذا كان ليجزي متعلقا بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين فيحسن عطف ويرى عليه أي وأثبت أيضا ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق ويجوز أن يكون مستأنفا ( الذي ) في موضع نصب على أنه مفعول أول ل يرى ( هو الحق ) مفعول ثان وهو فاصلة والكوفيون يقولون هو عماد ويجوز الرفع على أنه مبتدأ والحق خبره والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك : كان أخوك هو زيد فزعم الفراء أن الإختيار فيه الرفع وكذا كان محمد هو عمرو وعلته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكرة في قولك : كان زيد هو جالس لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع ( ويهدي إلى سراط العزيز الحميد ) أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله ودل بقوله : العزيز على أنه لا يغالب وبقوله : الحميد على أنه لا يليق به صفة العجز < < سبأ : ( 7 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > < > ( سبا 7 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ) وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها ( ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ) هذا إخبار عمن قال : لا تأتينا الساعة أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم أي يقول لكم : إنكم تبعثون بعد البلي في القبور وهذا صادر عن فرط إنكارهم الزمخشري : فإن قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم فما معنى قولهم : هل ندلكم على رجل ينبئكم فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول في أمر مجهول قلت : كانوا يقصدون بذلك الطنز والهزؤ والسخرية فأخرجوه مخرج التحكي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي متجاهلين به وبأمره وإذا في موضع نصب والعامل فيها مزقتم قاله النحاس ولا يجوز أن يكون العامل فيها ينبئكم لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد إن لأنه لا يعمل فيما قبله وألا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولها وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا التقدير : إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم المهدوي : ولا يعمل فيه مزقتم لأنه مضاف إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف وأجازه بعضهم على أن يجعل إذا للمجازاة فيعمل فيها حينئذ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه وأكثر ما تقع إذا للمجازاة في الشعر ومعنى ( مزقتم كل ممزق ) فرقتم كل تفريق والمزق خرق الأشياء يقال : ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق < < سبأ : ( 8 ) أفترى على الله . . . . . > > < > ( سبا 8 ) <

Sección V14/P262–V14/P263

> قوله تعالى : ( أفترى على الله كذبا ) لما دخلت ألف الإستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها وكان فتح ألف الإستفهام فرقا بينها وبين ألف الوصل وقد مضى هذا في سورة مريم عند قوله تعالى : أطلع الغيب مستوفي ( أم به جنة ) هذا مردود على ماتقدم من قول المشركين والمعنى : قال المشركون أفترى على الله كذبا والإفتراء الإختلاق أم به جنة أي جنون فهو يتكلم بما لا يدري ثم رد عليهم فقال : ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) أي ليس الأمر كما قالوا بل هو أصدق الصادقين ومن ينكر البعث فهو غدا في العذاب واليوم في الضلال عن الصواب إذ صاروا إلى تعجيز الإله ونسبة الافتراء إلى من أيده الله بالمعجزات < < سبأ : ( 9 ) أفلم يروا إلى . . . . . > > < > ( سبا 9 ) < > أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم فاستدل بقدرته عليهم وأن السماوات والأرض ملكه وأنهما محيطتان بهم من كل جانب فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة وقرأ حمزة والكسائي إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط بالياء في الثلاث أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم أو السماء فتسقط عليهم كسفا الباقون بالنون على التعظيم وقرأ السلمي وحفص كسفا بفتح السين الباقون بالإسكان وقد تقدم بيانه وفي سبحان وغيرها ( إن في ذلك لآية ) أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا لآية أي دلالة ظاهرة ( لكل عبد منيب ) أي تائب رجاع إلى الله بقلبه وخص المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته < < سبأ : ( 10 ) ولقد آتينا داود . . . . . > > < > ( سبا 10 ) <

Sección V14/P263–V14/P266

> ( ولقد آتينا داود فضلا ) بين لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا بل أرسلنا الرسل وأيدناهم بالمعجزات وأحللنا بمن خالفهم العقاب ( آتينا ) أعطينا ( فضلا ) أي أمرا فضلناه به على غيره واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال : الأول النبوة الثاني الزبور الثالث العلم قال الله تعالى : ولقد آتينا داود وسليمان علما الرابع القوة قال الله تعالى : واذكر عبدنا داود ذا الأيد الخامس تسخير الجبال والناس قال الله تعالى : يا جبال أوبي معه السادس التوبة قال الله تعالى : فغفرنا له ذلك السابع الحكم بالعدل قال الله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض الآية الثامن إلانة الحديد قال تعالى : وألنا له الحديد التاسع حسن الصوت وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه وهو المراد بقوله تبارك وتعالى : يزيد في الخلق ما يشاء على ما يأتي إن شاء الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى : ( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ( قال العلماء : المزمار والمزمور الصوت الحسن وبه سميت آلة الزمر مزمارا وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع وقد مضى هذا في مقدمة الكتاب والحمد لله قوله تعالى : ( يا جبال أوبي معه ) أي وقلنا يا جبال أوبي معه أي سبحي معه لأنه قال تبارك وتعالى : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق قال أبو ميسرة : هو التسبيح بلسان الحبشة ومعنى تسبيح الجبال : هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه الصلاة والسلام وقيل : المعنى سيرى معه حيث شاء من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل قال بن مقبل : لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح وقرأ الحسن وقتادة وغيرهما : أوبي معه أي رجعي معه من آب يؤوب إذا رجع أوبا وأوبة وإيابا وقيل : المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه وأصغت إليه الطير فكأنها فعلت ما فعل وقال وهب بن منبه : المعنى نوحي معه والطير تساعده على ذلك فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة فأيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فترة فإذا دخلت الفترة إهتاج أي ثار وتحرك وقوي بمساعدة الجبال والطير وكان قد أعطى من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفا لصوته والطير بالرفع قراءة بن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وبن هرمز ومسلمة بن عبد الملك عطفا على لفظ الجبال أو على المضمر في أوبي وحسنه الفصل بمع الباقون بالنصب عطفا على موضع يا جبال أي نادينا الجبال والطير قاله سيبويه وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير وقال الكسائي : هو معطوف أي وآتيناه الطير حملا على ولقد آتينا داود منا فضلا النحاس : ويجوز أن يكون مفعولا معه كما تقول : استوى الماء والخشبة وسمعت الزجاج يجيز : قمت وزيدا فالمعنى أوبي معه ومع الطير ( وألنا له الحديد ) قال بن عباس : صار عنده كالشمع وقال الحسن : كالعجين فكان يعمله من غير نار وقال السدي : كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع يصرفه كيف شاء من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة وقاله مقاتل وكان يفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليل ثمنها ألف درهم وقيل : أعطي قوة يثني بها الحديد وسبب ذلك أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا وداود يظنه إنسانا وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له : ( ما قولك في هذا الملك داود ( فقال له الملك ( نعم العبد لولا خلة فيه ( قال داود : ( وما هي ( قال : ( يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله ( فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة لبوس كما قال جل وعز في سورة الأنبياء فألان له الحديد فصنع الدروع فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت معيشة منزله ويتصدق على الفقراء والمساكين وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح ويقال : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب ودرع المرأة مذكر مسألة في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والإستغناء عن غيرهم وكسب الحلال الخلي عن الإمتنان وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ( وقد مضى هذا في الأنبياء مجودا والحمد لله < <

Sección V14/P266–V14/P267

سبأ : ( 11 ) أن اعمل سابغات . . . . . > > < > ( سبا 11 ) < > قوله تعالى : ( أن اعمل سابغات ) أي دروعا سابغات أي كوامل تامات واسعات يقال : سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه ( وقدر في السرد ) قال قتادة : كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه أي لا تقصد الحصانة فتثقل والخفة فتزيل المنعة وقال بن زيد : التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لابسها وقال بن عباس : التقدير الذي أمر به هو في المسمار أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق ولا غليظا فيفصم الحلق روي يقصم بالقاف والفاء أيضا رواية ( في السرد ) السرد نسج حلق الدروع ومنه قيل لصانع حلق الدروع : السراد والزراد تبدل من السين الزاي كما قيل : سراط وزراط والسرد : الخرز يقال : سرد يسرد إذا خرز والمسرد : الإشفى ويقال سراد قال الشماخ فظلت تباعا خيلنا في بيوتكم كما تابعت سرد العنان الخوارز والسراد : السير الذي يخرز به قال لبيد : يشك صفاحها بالروق شزرا كما خرج السراد من النقال ويقال : قد سرد الحديث والصوم فالسرد فيهما أن يجيء بهما ولاء في نسق واحد ومنه سرد الكلام وفي حديث عائشة : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده لأحصاه قال سيبويه : ومنه رجل سرندي أي جريء قال : لأنه يمضي قدما وأصل ذلك في سرد الدرع وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء غير مختلف قال لبيد صنع الحديد مضاعفا أسراده لينال طول العيش غير مروم وقال أبو ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع ( واعملوا صالحا ) أي عملا صالحا وهذا خطاب لداود وأهله كما قال : اعملوا آل داود شكرا ( إني بما تعملون بصير ) < < سبأ : ( 12 ) ولسليمان الريح غدوها . . . . . > > < > ( سبا 12 ) <

Sección V14/P267–V14/P270

> قوله تعالى : ( ولسليمان الريح ) قال الزجاج التقدير وسخرنا لسليمان الريح وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه : الريح بالرفع على الإبتداء والمعنى له تسخير الريح أو بالإستقرار أي ولسليمان الريح ثابتة وفيه ذلك المعنى الأول فإن قال قائل : إذا قلت أعطيت زيدا درهما ولعمرو دينار فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول وجاز أن يكون لم تعطه الدينار وقيل : الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل ( غدوها شهر ورواحها شهر ) أي مسيرة شهر قال الحسن : كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع ثم يروح من إصطخر ويبيت بكابل وبينهما شهر للمسرع قال السدي : كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين وروى سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه وجلس سفلة الإنس مما يليهم وجلس رؤساء الإنس مما يلي سفلة الإنس وجلس سفلة الجن مما يليهم وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه ثم تقلهم الريح والطير تظلهم من الشمس فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر فيبيت ببيت المقدس ثم قرأ بن عباس : غدوها شهر ورواحها شهر وقال وهب بن منبه : ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه كتبه بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس : نحن نزلنا وما بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام وقال الحسن : شغلت سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء غدوها شهر ورواحها شهر وقال بن زيد : كان مستقر سليمان بمدينة تدمر وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر وفيه يقول النابغة : إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد فمن أطاعك فأنفعه بطاعته كما أطاعك وادلله على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يشكر أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام : ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى الأوطان من أرض تدمر إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدو لآخر أناس شروا لله طوعا نفوسهم بنصر بن داود النبي المطهر لهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوما فمن خير معشر متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصر تظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفر قوله تعالى : ( وأسلنا له عين القطر ) القطر : النحاس عن بن عباس وغيره أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء وكانت بأرض اليمن ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله وكان لا يذوب ومن وقته ذاب وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان قال قتادة : أسال الله عينا يستعملها فيما يريد وقيل لعكرمة : إلى أين سالت فقال : لا أدري وقال بن عباس ومجاهد والسدي : أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن قال القشيري : وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده ولعله وهم من الناقل إذ في رواية عن مجاهد : أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته وقال الخليل : القطر : النحاس المذاب قلت : دليله قراءة من قرأ : من قطران ( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ) أي بأمره ( ومن يزرع منهم عن أمرنا ) الذي أمرناه به من طاعة سليمان ( نذقه من عذاب السعير ) أي في الآخرة قاله أكثر المفسرين وقيل ذلك في الدنيا وذلك أن الله تعالى وكل بهم فيما روى السدي ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته ومن في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل ويجوز أن يكون في موضع رفع كما تقدم في الريح < <

Sección V14/P270

سبأ : ( 13 ) يعملون له ما . . . . . > > < > ( سبا 13 ) <

Sección V14/P270–V14/P276

> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( من محاريب وتماثيل ) المحراب في اللغة : كل موضع مرتفع وقيل للذي يصلى فيه : محراب لأنه يجب أن يرفع ويعظم وقال الضحاك : من محاريب أي من مساجد وكذا قال قتادة وقال مجاهد : المحاريب دون القصور وقال أبو عبيدة : المحراب أشرف بيوت الدار قال : وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيال وقال عدي بن زيد : كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنير وقيل : هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة كما قال : إذ تسوروا المحراب وقوله : فخرج على قومه من المحراب أي أشرف عليهم وفي الخبر ( أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله ويقول لجنوده إذا ركب : سبحوا الله إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال : هللوه إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال : كبروه إلى ذلك العلم الآخر فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة واحدة الثانية قوله تعالى : ( وتماثيل ) جمع تمثال وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام ثماثيل أشياء ليست بحيوان وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ( أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة نوح عليه السلام وقيل : التماثيل طلسمات كان يعملها ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا مادام ذلك التمثال قائما وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء قال : ويارب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال وقيل : إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح ويقال : إن اسفنديار كان منهم والله أعلم وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما الثالثة حكى مكي في الهداية له : أن فرقة تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية قال بن عطية : وذلك خطأ وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه قلت : ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله قال النحاس : قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح وقال قوم : قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد فكان الأصلح إزالتها الرابعة التمثال على قسمين : حيوان وموات والموات على قسمين : جماد ونام وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه لعموم قوله : وتماثيل وفي الإسرائيليات : أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان فإن قيل : لا عموم لقوله : وتماثيل فإنه إثبات في نكرة والإثبات في النكرة لا عموم له إنما العموم في النفي في النكرة قلنا : كذلك هو بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم وهو قوله : ما يشاء فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له فإن قيل : كيف استجاز الصور المنهي عنها قلنا : كان ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا والله أعلم وعن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما الخامسة مقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة ثم جاء ( إلا ما كان رقما في ثوب ( فخص من جملة الصور ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب : ( أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا ( ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز لقولها في النمرقة المصورة : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها فمنع منه وتوعد عليه وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم قاله بن العربي السادسة روى مسلم عن عائشة قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا ( قالت : وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير فكنا نلبسها وعنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قال : ( إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل ( وعنها : أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال : ( أخريه عني ( قالت فأخرته فجعلته وسادتين قال بعض العلماء : ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا لأن محل النبوة والرسالة الكمال فتأمله السابعة قال المزني عن الشافعي : إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح لم يدخل إن كانت منصوبة وإن كانت توطأ فلا بأس وإن كانت صور الشجر ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء واستثنى بعضهم ( ما كان رقما في ثوب ( لحديث سهل بن حنيف قلت : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن وقوله : ( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم ( ولم يستثن وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاث : بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ( يدل على المنع من تصوير شيء أي شيء كان وقد قال جل وعز : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها على ما تقدم بيانه فاعلمه الثامنة وقد استثنى من هذا الباب لعب البنات لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة وعنها أيضا قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي خرجهما مسلم قال العلماء : وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن ثم إنه لا بقاء لذلك وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له فرخص في ذلك والله أعلم قوله تعالى : ( وجفان كالجواب ) قال بن عرفة : الجوابي جمع الجابية وهي حفيرة كالحوض وقال : كحياض الإبل وقال بن القاسم عن مالك : كالجوبة من الأرض والمعنى متقارب وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل النحاس : وجفان كالجواب الأولى أن تكون بالياء ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها فلما كان يقال جواب ودخلت الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء وواحد الجوابي جابية وهي القدر العظيمة والحوض العظيم الكبير الذي يجبي فيه الشيء أي يجمع ومنه جبيت الخراج وجبيت الجراد أي جعلت الكساء فجمعته فيه إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال : الجوابي جمع جوبة والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر وقال الكسائي : جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته والجابية : الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل قال : تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق ويروى أيضا نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح ذكره النحاس قوله تعالى : ( وقدور راسيات ) قال سعيد بن جبير : هي قدور النحاس تكون بفارس وقال الضحاك : هي قدور تعمل من الجبال غيره : قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين أثافيها منها منحوتة هكذا من الجبال ومعنى راسيات ثوابت لا تحمل ولا تحرك لعظمها قال بن العربي : وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان يصعد إليها في الجاهلية بسلم وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله : كالجوابي لا تني مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضر قال بن العربي : ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد قوله تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) قد مضى معنى الشكر في البقرة وغيرها وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال : ( ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ( قال فقلنا : ما هن فقال : ( العدل في الرضا والغضب والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية ( خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة وروي أن داود عليه السلام قال : ( يارب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك ( فقال : ( ياداود الآن عرفتني ( وقد مضى هذا المعنى في سورة إبراهيم وأن الشكر حقيقته الإعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته والكفران استعمالها في المعصية وقليل من يفعل ذلك لأن الخير أقل من الشر والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير وقال مجاهد : لما قال الله تعالى اعملوا آل داود شكرا قال داود لسليمان : إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل قال : لا أقدر قال : فاكفني قال الفريابي أراه قال إلى صلاة الظهر قال نعم فكفاه وقال الزهري : اعملوا آل داود شكرا أي قولوا الحمد لله وشكرا نصب على جهة المفعول أي اعملوا عملا هو الشكر وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده ويبين هذا قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهو المراد بقوله وقليل من عبادي الشكور وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى أن اشكر لي أن المراد بالشكر الصلوات الخمس وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه فقالت له عائشة رضي الله عنها : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ( انفرد بإخراجه مسلم فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الإقتصار على عمل اللسان فالشكر بالأفعال عمل الأركان والشكر بالأقوال عمل اللسان والله أعلم قوله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم قال بن عطية : وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول : اللهم اجعلني من القليل فقال عمر : ما هذا الدعاء فقال الرجل : أردت قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور فقال عمر رضي الله عنه : كل الناس أعلم منك يا عمر وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك وقد قيل : إنه كان يأكل الرماد ويتوسده والأول أصح إذ الرماد ليس بقوت وروي أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع وهذا من الشكر ومن القليل فتأمله والله أعلم < <

Preguntas