Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V15/P132–V15/P133

الصافات : ( 149 ) فاستفتهم ألربك البنات . . . . . > > < > ( الصافات 149 : 157 ) < > قوله تعالى : ( فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ) لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم احتج على كفار قريش في قولهم : إن الملائكة بنات الله فقال : فاستفتهم وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة أي فسل يا محمد أهل مكة ألربك البنات وذلك أن جهينة وخزاعة وبني مليح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله وهذا سؤال توبيخ ( أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ) أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثا وهذا كما قال الله عز وجل : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ثم قال : ( ألا إنهم من إفكهم ) وهو أسوأ الكذب ( ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ) في قولهم إن لله ولدا وهو الذي لا يلد ولا يولد وإن بعد ألا مكسورة لأنها مبتدأة وحكى سيبويه أنها تكون بعد أما مفتوح أو مكسورة فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا والكسر على أن تكون أما بمعنى ألا النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول يجوز فتحها بعد ألا تشبيها بأما وأما في الآية فلا يجوز إلا كسرها لأن بعدها الرفع وتمام الكلام لكاذبون ثم يبتدئ ( أصطفى ) على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال : ويحكم أصطفى البنات أي أختار البنات وترك البنين وقراءة العامة اصطفى بقطع الألف لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل : أطلع الغيب على ما تقدم وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة اصطفى بوصل الألف على الخبر بغير استفهام وإذا ابتدأ كسر الهمزة وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها لأن بعدها ( ما لكم كيف تحكمون ) فالكلام جار على التوبيخ من جهتين : إحداهما أن يكون تبيينا وتفسيرا لما قالوه من الكذب ويكون ما لكم كيف تحكمون منقطعا مما قبله والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما قال جل وعز : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا الأحقاف وقيل : هو على إضمار القول أي ويقولون اصطفى البنات أو يكون بدلا من قوله : ولد الله لأن ولادة البنات واتخاذهن اصطفاء لهن فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على لكاذبون ( أفلا تذكرون ) في أنه لا يجوز أن يكون له ولد ( أم لكم سلطان مبين ) حجة وبرهان ( فأتوا بكتابكم ) أي بحججكم ( إن كنتم صادقين ) في قولكم < < الصافات : ( 158 ) وجعلوا بينه وبين . . . . . > > < > ( الصافات 158 : 160 ) <

Sección V15/P133–V15/P136

> قوله تعالى : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) أكثر أهل التفسير أن الجنة ها هنا الملائكة روى بن أبي نجيح عن مجاهد قال : قالوا يعني كفار قريش الملائكة بنات الله جل وتعالى فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : فمن أمهاتهن قالوا : مخدرات الجن وقال أهل الاشتقاق : قيل لهم جنة لأنهم لا يرون وقال مجاهد : إنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة وروي عن بن عباس وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال : إنما قيل لهم جنة لأنهم خزان على الجنان والملائكة كلهم جنة نسبا مصاهرة قال قتادة والكلبي ومقاتل : قالت اليهود لعنهم الله إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم وقال مجاهد والسدي ومقاتل أيضا : القائل ذلك كنانة وخزاعة قالوا : إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن وقال الحسن : أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه قلت : قول الحسن في هذا أحسن دليله قوله تعالى : إذ نسويكم برب العالمين أي في العبادة وقال بن عباس والضحاك والحسن أيضا : هو قولهم إن الله تعالى وإبليس أخوان تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا قوله تعالى : ( ولقد علمت الجنة ) أي الملائكة ( إنهم ) يعني قائل هذا القول ( لمحضرون ) في النار قاله قتادة وقال مجاهد : للحساب الثعلبي : الأول أولى لأن الإحضار تكرر في هذه السورة ولم يرد الله به غير العذاب ( سبحان الله عما يصفون ) أي تنزيها لله عما يصفون ( إلا عباد الله المخلصين ) فإنهم ناجون من النار < < الصافات : ( 161 ) فإنكم وما تعبدون > > < > ( الصافات 161 : 163 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فإنكم وما تعبدون ) ما بمعنى الذي وقيل : بمعنى المصدر أي فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام وقيل : أي فإنكم مع ما تعبدون من دون الله يقال : جاء فلان وفلان وجاء فلان مع فلان ( ما أنتم عليه ) أي على الله ( بفاتنين ) بمضلين النحاس أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى : ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل وقال الشاعر : فرد بنعمته كيده عليه وكان لنا فاتنا أي مضلا الثانية في هذه الآية رد على القدرية قال عمرو بن ذر : قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر فقال عمر : لو أراد الله ألا يعصي ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة وإن في ذلك لعلما في كتاب الله عز وجل عرفه من عرفه وجهله من جهله ثم قرأ : فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من كتب الله عز وجل عليه أن يصلي الجحيم وقال : فصلت هذه الآية بين الناس وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي ولو علم الله جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم وعلى هذا قوله تعالى : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك أي لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي وقال لبيد بن ربيعة في تثبيت القدر فأحسن : إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل قال الفراء : أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل وأهل نجد يقولون أفتنته الثالثة روي عن الحسن أنه قرأ : إلا من هو صال الجحيم بضم اللام النحاس : وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقوله قال : هو محمول على المعنى لأن معنى من جماعة فالتقدير صالون فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتقاء الساكنين وقيل : أصله فاعل إلا أنه قلب من صال إلى صايل وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومة فهو مثل شفا جرف هار التوبة ووجه ثالث أن تحذف لام صال تخفيفا وتجري الإعراب على عينه كما حذف من قولهم : ما باليت به بالة وأصلها بالية من بالى كعافية من عافى ونظيره قراءة من قرأ وجنى الجنتين دان وله الجوار المنشآت أجرى الإعراب على العين والأصل في قراءة الجماعة صالي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في اللفظ < <

Sección V15/P136–V15/P137

الصافات : ( 164 ) وما منا إلا . . . . . > > < > ( الصافات 164 : 166 ) < > هذا من قول الملائكة تعظيما لله عز وجل وإنكارا منهم عبادة من عبدهم ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) قال مقاتل : هذه الثلاث الآيات نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى فتأخر جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أهنا تفارقني ( فقال : ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة : وما منا إلا له مقام معلوم الآيات والتقدير عند الكوفيين : وما منا إلا من له مقام معلوم فحذف الموصول وتقديره عند البصريين : وما منا ملك إلا له مقام معلوم أي مكان معلوم في العبادة قاله بن مسعود وبن جبير وقال بن عباس : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح وقالت عائشة رضي الله عنها : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم ( وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد ( خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال : لوددت أني كنت شجرة تعضد ويروى عن أبي ذر موقوفا وقال قتادة : كان يصلي الرجال والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية : وما منا إلا له مقام معلوم قال : فتقدم الرجال وتأخر النساء وإنا لنحن الصافون قال الكلبي : صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد فقال : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ( فقلنا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها قال ( يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف ( وكان عمر يقول إذا قام للصلاة : أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد الله بكم هدى الملائكة عند ربها ويقرأ : وإنا لنحن الصافون تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر وقد مضى في سورة [ الحجر ] بيانه وقال أبو مالك : كان الناس يصلون متبددين فأنزل الله تعالى : وإنا لنحن الصافون فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا وقال الشعبي : جاء جبريل أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ملك فارغ وقيل : أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفا ننتظر ما نؤمر به وقيل : أي نحن الصافون حول العرش وإنا لنحن المسبحون أي المصلون قاله قتادة وقيل : أي المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون والمراد أنهم يخبرون أنهم يعبدون الله بالتسبيح والصلاة وليسوا معبودين ولا بنات الله وقيل : وما منا إلا له مقام معلوم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للمشركين أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب وقيل : أي منا من له مقام الخوف ومنا من له مقام الرجاء ومنا من له مقام الإخلاص ومنا من له مقام الشكر إلى غيرها من المقامات قلت : والأظهر أن ذلك راجع إلى قول الملائكة وما منا إلا له مقام معلوم والله أعلم < < الصافات : ( 167 ) وإن كانوا ليقولون > > < > ( الصافات 167 : 170 ) <

Sección V15/P137–V15/P139

> عاد إلى الإخبار عن قول المشركين أي كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا : لو أن عندنا ذكرا من الأولين أي لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع لاتبعناه ولما خففت إن دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقا بين النفي والإيجاب والكوفيون يقولون : إن بمعنى ما واللام بمعنى إلا وقيل : معنى لو أن عندنا ذكرا أي كتابا من كتب الأنبياء ( لكنا عباد الله المخلصين ) أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة لله ( فكفروا به ) أي بالذكر والفراء يقدره على حذف أي فجاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر فكفروا به وهذا تعجيب منهم أي فقد جاءهم نبي وأنزل عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفوا بما قالوا ( فسوف يعلمون ) قال الزجاج : يعلمون مغبة كفرهم < < الصافات : ( 171 ) ولقد سبقت كلمتنا . . . . . > > < > ( الصافات 171 : 179 ) < > قوله تعالى : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) قال الفراء : أي بالسعادة وقيل : أراد بالكلمة قوله عز وجل : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي قال الحسن : لم يقتل من أصحاب الشرائع قط أحد ( إنهم لهم المنصورون ) أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة ( وإن جندنا لهم الغالبون ) على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب وقال الشيباني : جاء ها هنا على الجمع من أجل أنه رأس آية قوله تعالى : ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم ( حتى حين ) قال قتادة : إلى الموت وقال الزجاج : إلى الوقت الذي أمهلوا إليه وقال بن عباس : يعني القتل ببدر وقيل : يعني فتح مكة وقيل : الآية منسوخة بآية السيف ( وأبصرهم فسوف يبصرون ) قال قتادة : سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار وعسى من الله للوجوب وعبر بالإبصار عن تقريب الأمر أي عن قريب يبصرون وقيل : المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة ( أفبعذابنا يستعجلون ) كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم قوله تعالى : ( فإذا نزل بساحتهم ) أي العذاب قال الزجاج : وكان عذاب هؤلاء بالقتل ومعنى بساحتهم أي بدارهم عن السدي وغيره والساحة والسحسة في اللغة فناء الدار الواسع الفراء : نزل بساحتهم ونزل بهم سواء ( فساء صباح المنذرين ) أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم وخص الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي فقالوا : محمد والخميس ورجعوا إلى حصنهم فقال صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ( وهو يبين معنى فإذا نزل بساحتهم يريد النبي صلى الله عليه وسلم ( وتول عنهم حتى حين ) كرر تأكيدا وكذا ( وأبصر فسوف يبصرون ) تأكيدا أيضا < < الصافات : ( 180 ) سبحان ربك رب . . . . . > > < > ( الصافات 180 : 182 ) <

Sección V15/P139–V15/P141

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( سبحان ربك ) نزه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون ( رب العزة ) على البدل ويجوز النصب على المدح والرفع بمعنى هو رب العزة ( عما يصفون ) أي من الصاحبة والولد وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عن كل سوء ( وقد مضى في [ البقرة ] مستوفي الثانية سئل محمد بن سحنون عن معنى رب العزة لم جاز ذلك والعزة من صفات الذات ولا يقال رب القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعز فقال : العزة تكون صفة ذات وصفة فعل فصفة الذات نحو قوله : فلله العزة جميعا وصفه الفعل نحو قوله : رب العزة والمعنى رب العزة التي يتعاز بها الخلق فيما بينهم فهي من خلق الله عز وجل قال : جاء في التفسير إن العزة ها هنا يراد بها الملائكة قال : وقال بعض علمائنا : من حلف بعزة الله فإن أراد عزته التي صفته فحنث فعليه الكفارة وإن أراد التي جعلها الله بين عباده فلا كفارة عليه الماوردي : رب العزة يحتمل وجهين : أحدهما مالك العزة والثاني رب كل شيء متعزز من ملك أو متجبر قلت : وعلى الوجهين فلا كفارة إذا نواها الحالف الثالثة روي من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل أن يسلم : سبحان ربك رب العزة إلى آخر السورة ذكره الثعلبي قلت : قرأت على الشيخ الإمام المحدث الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكري بالجزيرة قبالة المنصورة من الديار المصرية قال أخبرتنا الحرة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الشعري بنيسابور في المرة الأولى أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر القارئ قال حدثنا أبو الحسن عبد القادر بن محمد الفارسي قال حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرائيني قال حدثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي قال حدثنا أبو زكريا يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن التميمي النيسابوري قال حدثنا هشيم عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) قال الماوردي : روى الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ) ذكره الثعلبي من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا الرابعة قوله تعالى : وسلام على المرسلين أي الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين ( وقيل : معنى وسلام على المرسلين أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر والحمد لله رب العالمين أي على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين وقيل : أي على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين وقيل : أي على هلاك المشركين دليله : فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين قلت : والكل مراد والحمد يعم ومعنى يصفون يكذبون والتقدير عما يصفون من الكذب تم تفسير الصافات < > تفسير سورة [ ص ] < > مكية في قول الجميع وهي ست وثمانون آية وقيل ثمان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < ص : ( 1 ) ص والقرآن ذي . . . . . > > < > ( ص 1 : 3 ) <

Sección V15/P141–V15/P148

> قوله تعالى : ( ص ) قراءة العامة ص بجزم الدال على الوقف لأنه حرف من حروف الهجاء مثل : الم والمر وقرأ أبي بن كعب والحسن وبن أبي إسحاق ونصر بن عاصم صاد بكسر الدال بغير تنوين ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض ومنه فأنت له تصدى عبس أي تعرض والمصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية فالمعنى صاد القرآن بعملك أي عارضة بعملك وقابله به فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين وقرأ عيسى بن عمر صاد بفتح الدال مثله : قاف ونون بفتح آخرها وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن أن يكون بمعنى اتل والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع ولأنه أخف الحركات والثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف كقولك : الله لأفعلن وقيل : نصب على الإغراء وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وقرأ بن أبي إسحاق أيضا صاد بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع : صاد وقاف ونون بضم آخرهن لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال نحو منذ وقط وقبل وبعد وص إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف كما أنك إذا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه وقال بن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن ص فقالا : لا ندري ما هي وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق بن عباس عن ص فقال : ص كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار وقال سعيد بن جبير : ص بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين وقال الضحاك : معناه صدق الله وعنه أن ص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى وقاله السدي وروي عن بن عباس وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن وعنه أنه اسم من أسماء القرآن وقال مجاهد : هو فاتحة السورة وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول وقد تقدم جميع هذا في [ البقرة ] قوله تعالى : ( والقرآن ) خفض بواو القسم والواو بدل من الباء أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره فإن فيه بيان كل شيء وشفاء لما في الصدور ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ( ذي الذكر ) خفض على النعت وعلامة خفضه الياء وهو اسم معتل والأصل فيه ذوي على فعل قال بن عباس : ومقاتل معنى ذي الذكر ذي البيان الضحاك ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين كما قال تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي شرفكم وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره وقيل : ذي الذكر أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين وقيل : ذي الذكر أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده وقيل : أي ذي الموعظة والذكر وجواب القسم محذوف واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم ص لأن معناه حق فهي جواب لقوله : والقرآن كما تقول : حقا والله نزل والله وجب والله فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله : والقرآن ذي الذكر حسنا وعلى في عزة وشقاق تماما قاله بن الأنباري وحكى معناه الثعلبي عن الفراء وقيل : الجواب بل الذين كفروا في عزة وشقاق لأن بل نفي لأمر سبق وإثبات لغيره قاله القتبي فكأنه قال : والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم أو والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق وهو كقوله : ق والقرآن المجيد بل عجبوا ق وقيل : الجواب كم أهلكنا ق كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا فلما تأخرت كم حذفت اللام منها كقوله تعالى : والشمس وضحاها الشمس ثم قال : قد أفلح الشمس أي لقد أفلح قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء بن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله : في عزة وشقاق وقال الأخفش : جواب القسم إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ونحو منه قوله تعالى : تالله إن كنا لفي ضلال مبين وقوله : والسماء والطارق إن كل نفس الطارق بن الأنباري : وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص وقال الكسائي : جواب القسم قوله : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار بن الأنباري : وهذا أقبح من الأول لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه وقيل الجواب قوله : إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ص وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر لتبعثن ونحوه قوله تعالى : ( بل الذين كفروا في عزة ) أي في تكبر وامتناع من قبول الحق كما قال جل وعز : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم والعزة عند العرب : الغلبة والقهر يقال : من عز بز يعني من غلب سلب ومنه : وعزني في الخطاب أراد غلبني وقال جرير : يعز على الطريق بمنكبيه كما ابترك الخليع على القداح أراد يغلب ( وشقاق ) أي في إظهار خلاف ومباينة وهو من الشق كأن هذا في شق وذلك في شق وقد مضى في [ البقرة ] مستوفي قوله تعالى : ( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) أي من قوم كانوا أمنع من هؤلاء وكم لفظة التكثير ( فنادوا ) أي بالاستغاثة والتوبة والنداء رفع الصوت ومنه الخبر : ( ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا ( أي أرفع ( ولات حين مناص ) قال الحسن : نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل النحاس : وهذا تفسير منه لقوله عز وجل : ولات حين مناص فأما إسرائيل فروي عن أبي إسحاق عن التميمي عن بن عباس ولات حين مناص قال : ليس بحين نزو ولا فرار قال : ضبط القوم جميعا قال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفرار والهزيمة فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله عز وجل : ولات حين مناص قال القشيري : وعلى هذا فالتقدير : فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه أي ليس الوقت وقت ما تنادون به وفي هذا نوع تحكم إذ يبعد أن يقال : كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار وقيل : المعنى ولات حين مناص أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه قال القشيري : وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في ولات حين مناص وقال الجرجاني : أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا منجى ولا فوت فلما قدم لا وأخر حين اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا مثل قولك : جاء زيد راكبا فإذا جعلته مبتدأ وخبرا اقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب فحين ظرف لقوله : فنادوا والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص قال الفراء : أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص يقال : ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وزاغ النحاس : ويقال : ناص ينوص إذا تقدم قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد والنوص الحمار الوحشي واستناص أي تأخر قاله الجوهري وتكلم النحويون في ولات حين وفي الوقف عليه وكثر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيرا مردود فقال سيبويه : لات مشبهة بليس والأسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص وحكى أن من العرب من يرفع بها فيقول : ولات حين مناص وحكى أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي ولات حين مناص لنا والوقف عليها عند سيبويه والفراء ولات بالتاء ثم تبتدئ حين مناص وهو قول بن كيسان والزجاج قال أبو الحسن بن كيسان : والقول كما قال سيبويه لأنه شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه وهو قول المبرد محمد بن يزيد وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة كما يقال ثمة وربه وقال القشيري : وقد يقال ثمت بمعنى ثم وربت بمعنى رب فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه كما قالوا في ثم ثمه عند الوصل صارت تاء وقال الثعلبي : وقال أهل اللغة : ولات حين مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة وإنما هي لا زيدت فيها التاء نحو رب وربت وثم وثمت قال أبو زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء وقال آخر : تذكر حب ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا ومن العرب من يخفض بها وأنشد الفراء : فلتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمن ولات ساعة مندم وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن ولات حين التاء منقطعة من حين ويقولون معناها وليست وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : الوقف عندي على هذا الحرف ولا والابتداء تحين مناص فتكون التاء مع حين وقال بعضهم : لات ثم يبتدئ فيقول : حين مناص قال المهدوي : وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين وهو خلاف قول المفسرين ومن حجة أبي عبيد أن قال : إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن وأنشد لأبي وجزة السعدي : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم وأنشد لأبي زبيد الطائي : طلبوا صلحنا ولا تأوان فأجبنا أن ليس حين بقاء فأدخل التاء في أوان قال أبو عبيد : ومن إدخالهم التاء في الآن حديث بن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان معك وكذلك قول الشاعر : نولي قبل نأي داري جمانا وصلينا كما زعمت تلانا قال أبو عبيد : ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين قال أبو جعفر النحاس : أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه كلها على خلاف ما أنشده وفي أحدها تقديران رواه أبو العباس محمد بن يزيد : العاطفون ولات ما من عاطف والرواية الثانية : العاطفون ولات حين تعاطف والرواية الثالثة رواها بن كيسان : العاطفونة حين ما من عاطف جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث الرواية الرابعة : العاطفونه حين ما من عاطف وفي هذه الرواية تقديران أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب كما تقول : الضاربون زيدا فإذا كنيت قلت الضاربوه وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونه فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله والتقدير الآخر العاطفونه على أن الهاء لبيان الحركة كما تقول : مر بنا المسلمونه في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف كما قرأ أهل المدينة : ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه لأنه يوقف عليه ( ولات أوان ) غير أن فيه شيئا مشكلا لأنه يروى ( ولات أوان ) بالخفض وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا أو منصوبا وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ ولات حين مناص بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ ولات حين مناص فبنى لات على الكسر ونصب حين فأما ( ولات أوان ) ففيه تقديران قال الأخفش : فيه مضمر أي ولات حين أوان قال النحاس : وهذا القول بين الخطإ والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال : تقديره ولات أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألا يعرب وكسره لالتقاء الساكنين وأنشده محمد بن يزيد ( ولات أوان ) بالرفع وأما البيت الثالث فبيت مولد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة على أن محمد بن يزيد رواه ( كما زعمت الآن ) وقال غيره : المعنى كما زعمت أنت الآن فأسقط الهمزة من أنت والنون وأما احتجاجه بحديث بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له : اذهب بها تلان إلى أصحابك فلا حجة فيه لأن المحدث إنما يروي هذا على المعنى والدليل على هذا أن مجاهدا يروي عن بن عمر هذا الحديث وقال فيه : اذهب فاجهد جهدك ورواه آخر : اذهب بها الآن معك وأما احتجاجه بأنه وجدها في الإمام تحين فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها وفي المصاحف كلها ولات فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعا وجمع مناص مناوص < <

Sección V15/P148–V15/P150

ص : ( 4 ) وعجبوا أن جاءهم . . . . . > > < > ( ص 4 : 5 ) < > قوله تعالى : ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) أن في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم قيل : هو متصل بقوله : في عزة وشقاق أي في عزة وشقاق وعجبوا وقوله : كم أهلكنا معترض وقيل : لا بل هذا ابتداء كلام أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم ( فقال الكافرون هذا ساحر ) أي يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس وقيل : يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته ( كذاب ) أي في دعوى النبوة قوله تعالى : ( أجعل الآلهة إلها واحدا ) مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا ( إن هذا لشيء عجاب ) أي عجيب وقرأ السلمي : عجاب بالتشديد والعجاب والعجاب والعجب سواء وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال : العجيب العجب والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب والطويل الذي فيه طول والطوال الذي قد تجاوز حد الطول وقال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه وكذلك الأعجوبة وقال مقاتل : عجاب لغة أزد شنوءة وروي سعيد بن جبير عن بن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعند رأس أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه قال : وشكوه إلى أبي طالب فقال : يا بن أخي ما تريد من قومك فقال : ( يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتودى إليهم بها الجزية العجم ( فقال : وما هي قال : ( لا إله إلا الله ( قال : فقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا قال : فنزل فيهم القرآن ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق حتى بلغ إن هذا إلا اختلاق خرجه الترمذي أيضا بمعناه وقال : هذا حديث حسن صحيح وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا : اقض بيننا وبين بن أخيك فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك قال : ( وماذا يسألونني ( قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ( فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قولوا لا إله إلا الله ( فنفروا من ذلك وقاموا فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله : كذبت قبلهم قوم نوح < < ص : ( 6 ) وانطلق الملأ منهم . . . . . > > < > ( ص 6 : 11 ) <

Sección V15/P150–V15/P153

> قوله تعالى : ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا ) الملأ الأشراف والانطلاق الذهاب بسرعة أي انطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض : أن امشوا أي امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه ( وأصبروا على آلهتكم ) وقيل : هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس وأمية بن خلف والعاص بن وائل وأبو معيط وجاءوا إلى أبي طالب فقالوا : أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا فاكفنا أمر بن أخيك وسفهاء معه فقد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إن قومك يدعونك إلى السواء والنصفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة ( فقال أبو جهل وعشرا قال : ( تقولون لا إله إلا الله ( فقاموا وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا الآيات أن امشوا أن في موضع نصب والمعنى بأن امشوا وقيل : أن بمعنى أي أي وانطلق الملأ منهم أي امشوا وهذا تفسير انطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ وقيل : المعنى انطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام : امشوا واصبروا على آلهتكم أي على عبادة آلهتكم إن هذا أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام ( لشيء يراد ) أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم وغير تنزل بهم وقيل : إن هذا لشيء يراد كلمة تحذير أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد فاحذروا أن تطيعوه وقال مقاتل : إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شق ذلك على قريش فقالوا : إن إسلام عمر في قوة الإسلام لشيء يراد قوله تعالى : ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) قال بن عباس والقرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي : يعنون ملة عيسى النصرانية وهي آخر الملل والنصارى يجعلون مع الله إلها وقال مجاهد وقتادة أيضا : يعنون ملة قريش وقال الحسن : ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان وقيل : أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمدا رسول حق ( إن هذا إلا اختلاق ) أي كذب وتخرص عن بن عباس وغيره يقال : خلق واختلق أي ابتدع وخلق الله عز وجل الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال قوله تعالى : ( أأنزل عليه الذكر من بيننا ) هو استفهام إنكار والذكر ها هنا القرآن أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم فقال الله تعالى : ( بل هم في شك من ذكري ) أي من وحيي وهو القرآن أي قد علموا أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم وإنما شكوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا ( بل لما يذوقوا عذاب ) أي إنما اغتروا بطول الإمهال ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ولما قالوا ذلك ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ ولما بمعنى لم وما زائدة كقوله : عما قليل وفبما نقضهم ميثاقهم قوله تعالى : ( أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ) قيل : أم لهم هذا فيمنعوا محمدا عليه السلام مما أنعم الله عز وجل به عليه من النبوة وأم قد ترد بمعنى التقريع إذا كان الكلام متصلا بكلام قبله كقوله تعالى : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه وقد قيل إن قوله : أم عندهم خزائن رحمة ربك متصل بقوله : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم فالمعنى أن الله عز وجل يرسل من يشاء لأن خزائن السماوات والأرض له ( أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ) أي فإن ادعوا ذلك ( فليرتقوا في الأسباب ) أي فليصعدوا إلى السماوات وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد يقال : رقي يرقى وارتقى إذا صعد ورقى يرقى رقيا مثل رمى يرمي رميا من الرقية قال الربيع بن أنس : الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره وقيل : الأسباب أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها قاله مجاهد وقتادة قال زهير : ولو رام أسباب السماء بسلم وقيل : الأسباب السماوات نفسها أي فليصعدوا سماء سماء وقال السدي : في الأسباب في الفضل والدين وقيل : أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة وهو معنى قول أبي عبيدة وقيل : الأسباب الحبال يعني إن وجدوا حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا وهذا أمر توبيخ وتعجيز ثم وعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال : ( جند ما هنالك ) ما صلة وتقديره هم جند ف جند خبر ابتداء محذوف ( مهزوم ) أي مقموع ذليل قد انقطعت حجتهم لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا ويقال : تهزمت القربة إذا انكسرت وهزمت الجيش كسرته والكلام مرتبط بما قبل أي بل الذين كفروا في عزة وشقاق وهم جند من الأحزاب مهزومون فلا تغمك عزتهم وشقاقهم فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وقد فعل بهم هذا في يوم بدر قال قتادة : وعد الله أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى ذلك في [ الأحزاب ] والأحزاب الجند كما يقال : جند من قبائل شتى وقيل : أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفار أي هؤلاء جند على طريقة أولئك كقوله قوله تعالى : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني أي على ديني ومذهبي وقال الفراء : المعنى هم جند مغلوب أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء وقال القتبي : يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم فهم لا يقدرون على أن يدعوا الشيء من آلهتهم ولا لأنفسهم شيئا من خزائن رحمة الله ولا من ملك السماوات والأرض < <

Sección V15/P153–V15/P154

ص : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > > < > ( ص 12 : 14 ) < > قوله تعالى : ( كذبت قبلهم قوم نوح ) ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث واختلف أهل العربية في ذلك على قولين : أحدهما أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث الثاني أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه كقوله تعالى : كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره المدثر ولم يقل ذكرها لأنه لما كان المضمر فيه مذكرا ذكره وإن كان اللفظ مقتضيا للتأنيث ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد وقد اختلف في تأويل ذلك فقال بن عباس : المعنى ذو البناء المحكم وقال الضحاك : كان كثير البنيان والبنيان يسمى أوتادا وعن بن عباس أيضا وقتادة وعطاء : أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها وعن الضحاك أيضا : ذو القوة والبطش وقال الكلبي ومقاتل : كان يعذب الناس بالأوتاد وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت وقيل : كان يشبح المعذب بين أربع سوار كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت وقيل : ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت وقال بن قتيبة : العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد يريدون دائما شديدا وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد قال الأسود بن يعفر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد وواحد الأوتاد وتد بالكسر وبالفتح لغة وقال الأصمعي : يقال وتد واتد كما يقال : شغل شاغل وأنشد : لاقت على الماء جذيلا واتدا ولم يكن يخلفها المواعدا قال : شبه الرجل بالجذل ( وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ) أي الغيضة وقد مضى ذكرها في [ الشعراء ] وقرأ نافع وبن كثير وبن عامر : ليكة بفتح اللام والتاء من غير همز وهمز الباقون وكسروا التاء وقد تقدم هذا ( أولئك الأحزاب ) أي هم الموصوفون بالقوة والكثرة كقولك فلان هو الرجل ( إن كل ) بمعنى ما كل ( إلا كذب الرسل فحق عقاب ) أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب وأثبت يعقوب الياء في عذابي وعقابي في الحالين وحذفها الباقون في الحالين ونظير هذه الآية قوله عز وجل : وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود فسمى هذه الأمم أحزابا < < ص : ( 15 ) وما ينظر هؤلاء . . . . . > > < > ( ص 15 : 16 ) <

Sección V15/P154–V15/P157

> قوله تعالى : ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ) ينظر بمعنى ينتظر ومنه قوله تعالى : انظرونا نقتبس من نوركم الحديد هؤلاء يعني كفار مكة إلا صيحة واحدة أي نفخة القيامة أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة وقيل : ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور كما قال تعالى : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية يس وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت وقيل : أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتدينين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة وقال عبد الله بن عمرو : لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله عز وجل على أهل الأرض ( ما لها من فواق ) أي من ترداد عن بن عباس مجاهد : ما لها رجوع قتادة : ما لها من مثنوية السدي : مالها من إفاقة وقرأ حمزة والكسائي : ما لها من فواق بضم الفاء الباقون بالفتح الجوهري : والفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال : ما أقام عنده إلا فواقا وفي الحديث : ( العيادة قدر فواق الناق ( وقوله تعالى : ما لها من فواق يقرأ بالفتح والضم أي مالها من نظرة وراحة وإفاقة والفيقة بالكسر اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين : صارت الواو ياء لكسر ما قبلها قال الأعشى يصف بقرة : حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت جاءت لترضع شق النفس لو رضعا والجمع فيق ثم أفواق مثل شبر وأشبار ثم أفاويق قال بن همام السلولي : وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل والأفاويق أيضا ما اجتمع في السحاب من ماء فهو يمطر ساعة بعد ساعة وأفاقت الناقة إفاقة أي اجتمعت الفيقة في ضرعها فهي مفيق ومفيقة عن أبي عمرو والجمع مفاويق وقال الفراء وأبو عبيدة وغيرهما : من فواق بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها كما يفيق المريض والمغشي عليه ومن فواق بضم الفاء من انتظار وقد تقدم أنهما بمعنى وهو ما بين الحلبتين قلت : والمعنى المراد أنها ممتدة لا تقطيع فيها وروى أبو هريرة قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في طائفة من أصحابه الحديث وفيه ( يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها يقول الله عز وجل : ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ( وذكر الحديث خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة قوله تعالى : ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) قال مجاهد : عذابنا وكذا قال قتادة : نصيبنا من العذاب الحسن : نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا وقاله سعيد بن جبير ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب بالجائزة قط قال الفراء : القط في كلام العرب الحظ والنصيب ومنه قيل للصك قط وقال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط قال الأعشى : ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق يعني كتب الجوائز ويروى : بأمته بدل بغبطته أي بنعمته وحاله الجليلة ويأفق يصلح ويقال : في جمع قط أيضا قططة وفي القليل أقط وأقطاط ذكره النحاس وقال السدي : سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به وقال إسماعيل بن أبي خالد : المعنى عجل لنا أرزاقنا وقيل : معناه عجل لنا ما يكفينا من قولهم : قطني أي يكفيني وقيل : إنهم قالوا ذلك استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم حين تلي عليهم بذلك القرآن وهو قوله تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه وأما من أوتي كتابه وراء ظهره الانشقاق وأصل القط القط وهو القطع ومنه قط القلم فالقط اسم للقطعة من الشيء كالقسم والقسم فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا وأقوى حقيقة قال أمية بن أبي الصلت : قوم لهم ساحة العراق وما يجبي إليه والقط والقلم ( قبل يوم الحساب ) أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول محمد وكل هذا استهزاء منهم < <

Sección V15/P157–V15/P158

ص : ( 17 ) اصبر على ما . . . . . > > < > ( ص 17 ) < > قوله تعالى : ( اصبر على ما يقولون ) أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لما استهزءوا به وهذه منسوخة بآية السيف قوله تعالى : ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد ) لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم وسلاه بكل ما تقدم ذكره ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء ليتسلى بصبر من صبر منهم وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء وقيل : المعنى اصبر على قولهم واذكر لهم أقاصيص الأنبياء لتكون برهانا على صحة نبوتك ذا الأيد ذا القوة في العبادة وكان يصوم يوما ويفطر يوما وذلك أشد الصوم وأفضله وكان يصلي نصف الليل وكان لا يفر إذا لاقى العدو وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى وقوله : عبدنا إظهارا لشرفه بهذه الإضافة ويقال : الأيد والآد كما تقول العيب والعاب قال : لم يك ينآد فأمسى انآدا ومنه رجل أيد أي قوي وتأيد الشيء تقوى قال الشاعر : إذا القوس وترها أيد رمى فأصاب الكلى والذوا يقول : إذا الله وتر القوس التي في السحاب رمى كلي الإبل وأسمنتها بالشحم يعني من النبات الذي يكون من المطر ( إنه أواب ) قال الضحاك : أي تواب وعن غيره : أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ( ويقال آب يئوب إذا رجع كما قال : وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يئوب فكان داود رجاعا إلى طاعة الله ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به < < ص : ( 18 ) إنا سخرنا الجبال . . . . . > > < > ( ص 18 ) <

Sección V15/P158–V15/P160

> فيه أربع مسائل : لأولى قوله تعالى : ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ) يسبحن في موضع نصب على الحال ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه قال مقاتل : كان داود إذا ذكر الله جل وعز ذكرت الجبال معه وكان يفقه تسبيح الجبال وقال بن عباس : يسبحن يصلين وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه وقال محمد بن إسحاق : أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن وما تصغي لحسنه الطير وتصوت معه فهذا تسبيح الجبال والطير وقيل : سخرها الله عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها لأنها دالة على تنزيه الله عن شبه المخلوقين وقد مضى القول في هذا في سبإ وفي سبحان عند قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال والله أعلم ( بالعشي والإشراق ) الإشراق أيضا ابيضاض الشمس بعد طلوعها يقال : شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت فكان داود يسبح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها الثانية روي عن بن عباس أنه قال : كنت أمر بهذه الآية بالعشي والإشراق ولا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال : ( يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق ( وقال عكرمة قال بن عباس : كان في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن يسبحن بالعشي والإشراق قال عكرمة : وكان بن عباس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلاها بعد وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس : إني أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوابين فقال بن عباس : وأنا أوجدك في القرآن ذلك في قصة داود يسبحن بالعشي والإشراق الثالثة صلاة الضحى نافلة مستحبة وهي في الغداة بإزاء العصر في العشي لا ينبغي أن تصلي حتى تبيض الشمس طالعة ويرتفع كدرها وتشرق بنورها كما لا تصلي العصر إذا اصفرت الشمس وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ( الفصال والفصلان جمع فصيل وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل والرمضاء شدة الحر في الأرض وخص الفصال هنا بالذكر لأنها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحر التي ترمض بها أمهاتها لقلة جلدها وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها قاله القاضي أبو بكر بن العربي ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك استعجالا لأجل شغله فيخسر عمله لأنه يصليها في الوقت المنهي عنه ويأتي بعمل هو عليه لا له الرابعة روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة ( قال حديث غريب وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ( وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ( وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : ( أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى ونوم على وتر ( لفظ البخاري وقال مسلم ( وركعتي الضحى ( وخرجه من حديث أبي الدرداء كما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وهذا كله يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره ثنتا عشرة والله أعلم وأصل السلامي ( بضم السين ) عظام الأصابع والأكف والأرجل ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله وروي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة سلامي فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار ( قال أبو توبة : وربما قال ( يمسي ( كذا خرجه مسلم وقوله : ( ويجزي من ذلك ركعتان ( أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان وذلك أن الصلاة عمل بجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل والله أعلم < <

Sección V15/P160

ص : ( 19 ) والطير محشورة كل . . . . . > > < > ( ص 19 : 20 ) <

Sección V15/P160–V15/P163

> قوله تعالى : ( والطير محشورة ) معطوف على الجبال قال الفراء : ولو قرئ والطير محشورة لجاز لأنه لم يظهر الفعل قال بن عباس : كان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه فاجتماعها إليه حشرها فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح الله معه وقيل : أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور ( كل له ) أي لداود ( أواب ) أي مطيع أي تأتيه وتسبح معه وقيل : الهاء لله عز وجل قوله تعالى : ( وشددنا ملكه ) أي قويناه حتى ثبت قيل : بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب وقيل : بكثرة الجنود وقيل : بالتأييد والنصر وهذا اختيار بن العربي فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان وقال بن عباس رضي الله عنه : كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل فإذا أصبح قيل : ارجعوا فقد رضى عنكم نبي الله والملك عبارة عن كثرة الملك فقد يكون للرجل ملك ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية وقد مضى هذا المعنى في [ براءة ] وحقيقة الملك في [ النمل ] مستوفي قوله تعالى : ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وآتيناه الحكمة ) أي النبوة قاله السدي مجاهد : العدل أبو العالية : العلم بكتاب الله تعالى قتادة : السنة شريح : العلم والفقه ( وفصل الخطاب ) قال أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة : يعني الفصل في القضاء وهو قول بن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل وقال بن عباس : بيان الكلام علي بن أبي طالب : هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقاله شريح والشعبي وقتادة أيضا وقال أبو موسى الأشعري والشعبي أيضا : هو قوله أما بعد وهو أول من تكلم بها وقيل : فصل الخطاب البيان الفاصل بين الحق والباطل وقيل : هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل والمعنى في هذه الأقوال متقارب وقول علي رضي الله عنه يجمعه لأن مدار الحكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : فأما علم القضاء فلعمر إلهك إنه لنوع من العلم مجرد وفصل منه مؤكد غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام ففي الحديث : ( أقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ( وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال عارفا بالحلال والحرام ولا يقوم بفصل القضاء يروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد فوقع فيها الأسد وازدحم الناس على الزبية فوقع فيها رجل وتعلق بآخر وتعلق الآخر بآخر حتى صاروا أربعة فجرحهم الأسد فيها فهلكوا وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال قال فأتيتهم فقلت : أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس تعالوا أقض بينكم بقضاء فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم وإن أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحق بالقضاء فجعل للأول ربع الدية وجعل للثاني ثلث الدية وجعل للثالث نصف الدية وجعل للرابع الدية وجعل الديات على من حفر الزبية على قبائل الأربعة فسخط بعضهم ورضي بعضهم ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة فقال : ( أنا أقضي بينكم ( فقال قائل : إن عليا قد قضى بيننا فأخبروه بما قضى علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القضاء كما قضى علي ( في رواية : فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء علي وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال : إن بن أبي ليلى وكان قاضيا بالكوفة جلد امرأة مجنونة قالت لرجل يا بن الزانيين حدين في المسجد وهي قائمة فقال : أخطأ من ستة أوجه قال بن العربي : وهذا الذي قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالرؤية إلا العلماء فأما قضية علي فلا يدركها الشادي ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف المتمادي وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ بيد أن الأول مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثة بالمجاذبة فله الدية بما قتل وعليه ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان بالاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة وأما الثالث فله نصف الدية وعليه النصف لأنه قتل واحدا بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه وهذا من بديع الاستنباط وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة : الأول أن المجنون لا حد عليه لأن الجنون يسقط التكليف وهذا إذا كان القذف في حالة الجنون وأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في حالة إفاقته والثاني قولها يا بن الزانيين فجلدها حدين لكل أب حد فإنما خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حد القذف يتداخل لأنه عنده حق الله تعالى كحد الخمر والزنى وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان أن الحد بالقذف حق للآدمي فيتعدد بتعدد المقذوف الثالث أنه جلد بغير مطالبة المقذوف ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول أنه حق لله تعالى ومن يقول إنه حق الآدمي وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي إذ لو كان حقا لله لما توقف على المطالبة كحد الزنى الرابع أنه والى بين الحدين ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما بل يحد لأحدهما ثم يترك حتى يندمل الضرب أو يستبل المضروب ثم يقام عليه الحد الآخر الخامس أنه حدها قائمة ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة قال بعض الناس : في زنبيل السادس أنه أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعا وفي القضاء في المسجد والتعزير فيه خلاف قال القاضي : فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء الذي وقعت الإشارة إليه على أحد التأويلات في الحديث المروي ( أقضاكم علي ( وأما من قال : إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم ولمحمد صلى الله عليه وسلم دون العرب وقد بين هذا بقوله : ( وأوتيت جوامع الكلم ( وأما من قال : إنه قوله أما بعد فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : ( أما بعد ( ويروى أن أول من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل وهو أول من آمن بالبعث وأول من توكأ على عصا وعمر مائة وثمانين سنة ولو صح أن داود عليه السلام قالها لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم وإنما كان بلسانه والله أعلم < <

Sección V15/P163

ص : ( 21 ) وهل أتاك نبأ . . . . . > > < > ( ص 21 : 25 ) <

Sección V15/P163–V15/P187

> فيه أربع وعشرون مسألة الأولى قوله تعالى : ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة لأن أصله المصدر قال الشاعر : وخصم غضاب ينفضون لحاهم كنفض البراذين العراب المخاليا النحاس : ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به ها هنا ملكان وقيل : تسوروا وإن كان اثنين حملا على الخصم إذ كان بلفظ الجمع ومضارعا له مثل الركب والصحب تقديره للاثنين ذوا خصم وللجماعة ذوو خصم ومعنى : تسوروا المحراب أتوه من أعلى سوره يقال : تسور الحائط تسلقه والسور حائط المدينة وهو بغير همز وكذلك السور جمع سورة مثل بسرة وبسر وهي كل منزلة من البناء ومنه سورة القرآن لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى وقد مضى في مقدمة الكتاب بيان هذا وقول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب يريد شرفا ومنزلة فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء بن العربي : والسؤر الوليمة بالفارسي وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : ( إن جابرا قد صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم ( والمحراب هنا الغرفة لأنهم تسوروا عليه فيها قاله يحيى بن سلام وقال أبو عبيدة : إنه صدر المجلس ومنه محراب المسجد وقد مضى القول فيه في غير موضع ( إذ دخلوا على داود ) جاءت إذ مرتين لأنهما فعلان وزعم الفراء : أن إحداهما بمعنى لما وقول آخر أن تكون الثانية مع ما بعدها تبيينا لما قبلها قيل : إنهما كانا إنسيين قاله النقاش وقيل : ملكين قاله جماعة وعينهما جماعة فقالوا : إنهما جبريل وميكائيل وقيل : ملكين في صورة إنسيين بعثهما الله إليه في يوم عبادته فمنعهما الحرس الدخول فتسوروا المحراب عليه فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين وهو قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصيم إذ تسوروا المحراب أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب قاله سفيان الثوري وغيره وسبب ذلك ما حكاه بن عباس أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم فقيل له : إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلي فيه فخذ حذرك فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير فجعل يدرج بين يديه فهم أن يتناوله بيده فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب فدنا منه ليأخذه فطار فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها بشعرها قال السدي : فوقعت في قلبه قال بن عباس : وكان زوجها غازيا في سبيل الله وهو أوريا بن حنان فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا فقدمه فيهم فقتل فلما انقضت عدتها خطبها داود واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده وكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب وتسور الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه ذكره الماوردي وغيره ولا يصح قال بن العربي : وهو أمثل ما روي في ذلك قلت : ورواه مرفوعا بمعناه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن يزيد الرقاشي سمع أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثا وأوصى صاحب البعث فقال : إذا حضر العدو قرب فلانا وسماه قال فقربه بين يدي التابوت قال وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله فقدم فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة ( وقال سعيد عن قتادة : كتب إلى زوجها وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء أن يأخذوا بحلقة الباب وفيه الموت الأحمر فتقدم فقتل وقال الثعلبي قال قوم من العلماء : إنما امتحن الله داود بالخطيئة لأنه تمنى يوما على ربه منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأله أن يمتحنه نحو ما امتحنهم ويعطيه نحو ما أعطاهم وكان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوم يقضي فيه بين الناس ويوم يخلو فيه بعبادة ربه ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال : يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي فأوحى الله تعالى إليه : إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها ابتلى إبراهيم بنمروذ وبالنار وبذبح ابنه وابتلى إسحاق بالذبح وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره ولم تبتل أنت بشيء من ذلك فقال داود عليه السلام : فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم فأوحى الله تعالى إليه : إنك مبتلي في شهر كذا في يوم الجمعة فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينا هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فوقف بين رجليه فمد يده ليأخذها فيدفعها لابن له صغير فطارت غير بعيد ولم تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت ونظر داود يرتفع في في إثرها ليبعث إليها من يأخذها فنظر امرأة في بستان على شط بركة تغتسل قاله الكلبي وقال السدي : تغتسل عريانة على سطح لها فرأى أجمل النساء خلقا فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها فزاده إعجابا بها وكان زوجها أوريا بن حنان في غزوة مع أيوب بن صوريا بن أخت داود فكتب داود إلى أيوب أن أبعث بأوريا إلى مكان كذا وكذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم قبل التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه أو يستشهد فقدمه ففتح له فكتب إلى داود يخبره بذلك قال الكلبي : وكان أوريا سيف الله في أرضه في زمان داود وكان إذا ضرب ضربة وكبر كبر جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله وكبرت ملائكة السماء بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى العرش فتكبر ملائكة العرش بتكبيره قال : وكان سيوف الله ثلاثة كالب بن يوفنا في زمن موسى وأوريا في زمن داود وحمزة بن عبد المطلب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كتب أيوب إلى داود يخبره أن الله قد فتح على أوريا كتب داود إليه : أن ابعثه في بعث كذا وقدمه قبل التابوت ففتح الله عليه فقتل في الثالثة شهيدا فتزوج داود تلك المرأة حين انقضت عدتها فهي أم سليمان بن داود وقيل : سبب امتحان داود عليه السلام أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم بغير مقارفة شيء قال الحسن : إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء جزءا لنسائه وجزءا للعبادة وجزءا لبني إسرائيل يذاكرونه ويذاكرهم ويبكونه ويبكيهم ويوما للقضاء فتذاكروا هل يمر على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود أنه يطيق ذلك فأغلق الباب على نفسه يوم عبادته وأمر ألا يدخل عليه أحد وأكب على قراءة الزبور فوقعت حمامة من ذهب بين يديه وذكر نحو ما تقدم قال علماؤنا : وفي هذا دليل وهي : الثانية على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كل يوم وأنه ليس للإنسان أن يترك وطء نسائه وإن كان مشغولا بالعبادة وقد مضى هذا المعنى في [ النساء ] وحكم كعب بذلك في زمن عمر بمحضره رضي الله عنهما وقد قال عليه السلام لعبدالله بن عمر : ( إن لزوجك عليك حقا ( الحديث وقال الحسن أيضا ومجاهد : إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيل حين استخلف : والله لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلى بهذا وقال أبو بكر الوراق : كان داود كثير العبادة فأعجب بعمله وقال : هل في الأرض أحد يعمل كعملي فأرسل الله إليه جبريل فقال : إن الله تعالى يقول لك : أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة كما تأكل النار الحطب فإن أعجبت ثانية وكلتك إلى نفسك قال : يا رب كلني إلى نفسي سنة قال : إن ذلك لكثير قال : فشهرا قال : إن ذلك لكثير قال : فيوما قال : إن ذلك لكثير قال : يا رب فكلني إلى نفسي ساعة قال : فشأنك بها فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائر بين يديه فكان من أمر المرأة ما كان وقال سفيان الثوري : قال داود ذات يوم : يا رب ما من يوم إلا ومن آل داود لك فيه صائم وما من ليلة إلا ومن آل داود لك فيها قائم فأوحى الله إليه : يا داود منك ذلك أو مني وعزتي لأكلنك إلى نفسك قال : يا رب اعف عني قال : أكلك إلى نفسك سنة قال : لا بعزتك قال : فشهرا قال : لا بعزتك قال : فأسبوعا قال : لا بعزتك قال : فيوما قال : لا بعزتك قال : فساعة قال : لا بعزتك قال : فلحظة فقال له الشيطان : وما قدر لحظة قال : كلني إلى نفسي لحظة فوكله الله إلى نفسه لحظة وقيل له : هي في يوم كذا في وقت كذا فلما جاء ذلك اليوم جعله للعبادة ووكل الأحراس حول مكانه قيل : أربعة آلاف وقيل : ثلاثين ألفا أو ثلاثة وثلاثين ألفا وخلا بعبادة ربه ونشر الزبور بين يديه فجاءت الحمامة فوقعت له فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان وأرسل الله عز وجل إليه الملكين بعد ولادة سليمان وضربا له المثل بالنعاج فلما سمع المثل ذكر خطيئته فخر ساجدا أربعين ليلة على ما يأتي الثالثة قوله تعالى : ( ففزع منهم ) لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم وقيل : لدخولهم عليه بغير إذنه وقيل : لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب قال بن العربي : وكان محراب داود عليه السلام من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه ادمي بحيلة إلا أن يقيم إليه أياما أو أشهرا بحسب طاقته مع أعوان يكثر عددهم وآلات جمة مختلفة الأنواع ولو قلنا : إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبرا عن ذلك : تسوروا المحراب إذ لا يقال تسور المحراب والغرفة لمن طلع إليها من درجها وجاءها من أسفلها إلا أن يكون ذلك مجازا وإذا شاهدت الكوة التي يقال إنه دخل منها الخصمان علمت قطعا أنهما ملكان لأنها من العلو بحيث لا ينالها إلا علوى قال الثعلبي : وقد قيل : كان المتسوران أخوين من بني إسرائيل لأب وأم فلما قضى داود بينهما بقضية قال له ملك من الملائكة : فهلا قضيت بذلك على نفسك يا داود قال الثعلبي : والأول أحسن أنهما كانا ملكين نبها داود على ما فعل قلت : وعلى هذا أكثر أهل التأويل فإن قيل : كيف يجوز أن يقول الملكان خصمان بغى بعضنا على بعض وذلك كذب والملائكة عن مثله منزهون فالجواب عنه أنه لا بد في الكلام من تقدير فكأنهما قالا : قدرنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق وعلى ذلك يحمل قولهما : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه داود على ما فعل والله أعلم الرابعة إن قيل : لم فزع داود وهو نبي وقد قويت نفسه بالنبوة واطمأنت بالوحي ووثقت بما آتاه الله من المنزلة وأظهر على يديه من الآيات وكان من الشجاعة في غاية المكانة قيل له : ذلك سبيل الأنبياء قبله لم يأمنوا القتل والأذية ومنهما كان يخاف ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا : إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى طه فقال الله عز وجل : لا تخافا وقالت الرسل للوط : لا تخف إنا رسل ربك لن يصلوا إليك وكذا قال الملكان هنا : لا تخف قال محمد بن إسحاق : بعث الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه مثلا ضربه الله له ولأوريا فرآهما واقفين على رأسه فقال : ما أدخلكما علي قالا : لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فجئناك لتقضي بيننا الخامسة قال بن العربي : فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم مطلبهما وهلا أدبهما وقد خلا عليه بغير إذن فالجواب عليه من أربعة أوجه : الأول أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن فكيون الجواب بحسب تلك الأحكام وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملا في هذه الأحكام حتى أوضحها الله تعالى بالبيان الثاني أنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب لاحتمل أن يكون الفزع الطارئ عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له الثالث أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر منه ويرى هل يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا وهل يقترن بذلك عذر لهما أم لايكون لهما عذر فيه فكان من آخر الحال ما انكشف أنه بلاء ومحنة ومثل ضربه الله في القصة وأدب وقع دعوى العصمة الرابع أنه يحتمل أن يكون في مسجد ولا إذن في المسجد لأحد إذ لا حجر فيه على أحد قلت : وقول خامس ذكره القشيري وهو أنهما قالا : لما لم يأذن لنا الموكلون بالحجاب توصلنا إلى الدخول بالتسور وخفنا أن يتفاقم الأمر بيننا فقيل داود عذرهم وأصغى إلى قولهم السادسة قوله تعالى : خصمان إن قيل : كيف قال : خصمان وقبل هذا : إذ تسوروا المحراب فقيل : لأن الاثنين جمع قال الخليل : كما تقول نحن فعلنا إذا كنتما اثنين وقال الكسائي : جمع لما كان خبرا فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة خبر الاثنان عن أنفسهما فقالا خصمان وقال الزجاج : المعنى نحن خصمان وقال غيره : القول محذوف أي يقول : خصمان بغى بعضنا على بعض قال الكسائي : ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز الماوردي : وكانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا باغيين ولا يتأتى منهما كذب وتقدير كلامهما ما تقول : إن أتاك خصمان قالا بغى بعضنا على بعض وقيل : أي نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض وعلى هذا يحتمل أن تكون الخصومة بين اثنين ومع كل واحد جمع ويحتمل أن يكون لكل واحد من هذا الفريق خصومة مع كل واحد من الفريق الآخر فحضروا الخصومات ولكن ابتدأ منهم اثنان فعرف داود بذكر النكاح القصة وأغنى ذلك عن التعرض للخصومات الأخر والبغي التعدي والخروج عن الواجب يقال : بغى الجرح إذا أفرط وجعه وترامى إلى ما يفحش ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة السابعة قوله تعالى : ( فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ) أي لا تجر قاله السدي وحكى أبو عبيد : شططت عليه وأشططت أي جرت وفي حديث تميم الداري : ( إنك لشاطي ) أي جائر علي في الحكم وقال قتادة : لا تمل الأخفش : لا تسرف وقيل : لا تفرط والمعنى متقارب والأصل فيه البعد من شطت الدار أي بعدت شطت الدار تشط وتشط شطا وشطوطا بعدت وأشط في القضية أي جار وأشط في السوم واشتط أي أبعد وأشطوا في طلبي أي أمعنوا قال أبو عمرو : الشطط مجاوزة القدر في كل شيء وفي الحديث : ( لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط ( أي لا نقصان ولا زيادة وفي التنزيل : لقد قلنا إذا شططا أي جورا من القول وبعدا عن الحق ( واهدنا إلى سواء الصراط ) أي أرشدنا إلى قصد السبيل الثامنة قوله تعالى : ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) أي قال الملك الذي تكلم عن أوريا إن هذا أخي أي على ديني وأشار إلى المدعي عليه وقيل : أخي أي صاحبي له تسع وتسعون نعجة وقرأ الحسن : تسع وتسعون نعجة بفتح التاء فيهما وهي لغة شاذة وهي الصحيحة من قراءة الحسن قاله النحاس والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب وقد يكنى عنها بالبقرة والحجرة والناقة لأن الكل مركوب قال بن عون : أنا أبوهن ثلاث هنه رابعة في البيت صغرا هنه ونعجتي خمسا توفيهنه ألا فتى سمح بغذيهنه طي النقا في الجوع يطويهنه ويل الرغيف ويله منهنه وقال عنترة : يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي فتجسسي أخبارها لي واعلم قالت رأيت من الأعادي غرة والشاة ممكنة لمن هو مرتم فكأنما التفتت بجيد جداية رشإ من الغزلان حر أرثم وقال آخر : فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبة قلبها وطحالها وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء قال الحسين بن الفضل : هذا من الملكين تعريض وتنبيه كقولهم ضرب زيد عمرا وما كان ضرب ولا نعاج على التحقيق كأنه قال نحن : خصمان هذه حالنا قال أبو جعفر النحاس : وأحسن ما قيل في هذا أن المعنى : يقول خصمان بغى بعضنا على بعض على جهة المسألة كما تقول : رجل يقول لامرأته كذا ما يجب عليه قلت : وقد تأول المزني صاحب الشافعي هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث بن شهاب الذي خرجه الموطأ وغيره : ( هو لك يا عبد بن زمعة ( على نحو هذا قال المزني : يحتمل هذا الحديث عندي والله أعلم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنى لا أنه قبل على عتبة قول أخيه سعد ولا على زمعة قول ابنه إنه ولد زنى لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره وقد أجمع المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره وقد ذكر الله سبحانه في كتابه مثل ذلك في قصة داود والملائكة إذ دخلوا عليه ففزع منهم قالوا : لا تخف خصمان ولم يكونوا خصمين ولا كان لواحد منهم تسع وتسعون نعجة ولكنهم كلموه على المسألة ليعرف بها ما أرادوا تعريفه فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حكم في هذه القصة على المسألة وإن لم يكن أحد يؤنسني على هذا التأويل في الحديث فإنه عندي صحيح والله أعلم التاسعة قال النحاس : وفي قراءة بن مسعود إن هذا أخي كان له تسع وتسعون نعجة أنثى وكان هنا مثل قوله عز وجل : وكان الله غفورا رحيما فأما قوله : أنثى فهو تأكيد كما يقال : هو رجل ذكر وهو تأكيد وقيل : لما كان يقال هذه مائة نعجة وإن كان فيها من الذكور شيء يسير جاز أن يقال : أنثى ليعلم أنه لا ذكر فيها وفي التفسير : له تسع وتسعون امرأة قال بن العربي : إن كان جميعهن أحرارا فذلك شرعه وإن كن إماء فذلك شرعنا والظاهر أن شرع من تقدم قبلنا لم يكن محصورا بعدد وإنما الحصر في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لضعف الأبدان وقلة الأعمار وقال القشيري : ويجوز أن يقال : لم يكن له هذا العدد بعينه ولكن المقصود ضرب مثل كما تقول : لو جئتني مائة مرة لم أقض حاجتك أي مرارا كثيرة قال بن العربي : قال بعض المفسرين : لم يكن لداود مائة امرأة وإنما ذكر التسعة والتسعين مثلا المعنى : هذا غني عن الزوجة وأنا مفتقر إليها وهذا فاسد من وجهين : أحدهما أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له ولا دليل يدل على أن شرع من قبلنا كان مقصورا من النساء على ما في شرعنا الثاني أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال : ( لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله ( وهذا نص العاشرة قوله تعالى : ( ولي نعجة واحدة ) أي امرأة واحدة : ( فقال أكفلنيها ) أي أنزل لي عنها حتى أكفلها وقال بن عباس : أعطنيها وعنه : تحول لي عنها وقاله بن مسعود وقال أبو العالية : ضمها إلي أكفلها وقال بن كيسان : اجعلها كفلي ونصيبي ( وعزني في الخطاب ) أي غلبني قال الضحاك : إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني يقال : عزة يعزه ( بضم العين في المستقبل ) عزا غلبه وفي المثل : من عز بز أي من غلب سلب والاسم العزة وهي القوة والغلبة قال الشاعر : قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح وقرأ عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير : وعازني في الخطاب أي غالبني من المعازة وهي المغالبة عازه أي غالبه قال بن العربي : واختلف في سبب الغلبة فقيل : معناه غلبني ببيانه وقيل : غلبني بسلطانه لأنه لما سأله لم يستطع خلافه كان ببلادنا أمير يقال له سير بن أبي بكر فكلمته في أن يسأل لي رجلا حاجة فقال لي : أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها فقلت : أما إذا كان عدلا فلا فعجبت من عجمته وحفظه لما تمثل به وفطنته كما عجب من جوابي له واستغفر به الحادية عشرة قوله تعالى : ( قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) قال النحاس : فيقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام لأنه قال : لقد ظلمك من غير تثبت ببينة ولا إقرار من الخصم هل كان هذا كذا أو لم يكن فهذا قول وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا وهو حسن إن شاء الله تعالى وقال أبو جعفر النحاس : فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم منهم عبد الله بن مسعود وبن عباس فإنهم قالوا : ما زاد داود صلى الله على نبينا وعليه على أن قال للرجل انزل لي عن امرأتك قال أبو جعفر : فعاتبه الله عز وجل على ذلك ونبهه عليه وليس هذا بكبير من المعاصي ومن تخطى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم ويلحقه فيه إثم عظيم كذا قال : في كتاب إعراب القرآن وقال : في كتاب معاني القرآن له بمثله قال رضي الله عنه : قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود عليه السلام وأوريا وأكثرها لا يصح ولا يتصل إسناده ولا ينبغي أن يجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : ما زاد داود عليه السلام على أن قال : أكفلنيها أي انزل لي عنها وروى المنهال عن سعيد بن جبير قال : ما زاد داود صلى الله عليه وسلم على أن قال : أكفلنيها أي تحول لي عنها وضمها إلي قال أبو جعفر : فهذا أجل ما روي في هذا والمعنى عليه أن داود عليه السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته فنبهه الله عز وجل على ذلك وعاتبه لما كان نبيا وكان له تسع وتسعون أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه قال بن العربي : وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله فهذا باطل قطعا فإن داود صلى الله عليه وسلم لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه وإنما كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه : انزل لي عن أهلك وعزم عليه في ذلك كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة كانت في الأهل أو في المال وقد قال سعيد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما : إن لي زوجتين أنزل لك عن أحسنهما فقال له : بارك الله لك في أهلك وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه وليس في القرآن أن ذلك كان ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها ولا ولادتها لسليمان فعمن يروى هذا ويسند وعلى من في نقله يعتمد وليس يأثره عن الثقات الأثبات أحد أما أن في سورة [ الأحزاب ] نكتة تدل على أن داود قد صارت له المرأة زوجة وذلك قوله : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل الأحزاب يعني في أحد الأقوال : تزويج داود المرأة التي نظر إليها كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش إلا أن تزويج زينب كان من غير سؤال للزوج في فراق بل أمره بالتمسك بزوجته وكان تزويج داود للمرأة بسؤال زوجها فراقها فكانت هذه المنقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم على داود مضافة إلى مناقبه العلية صلى الله عليه وسلم ولكن قد قيل : إن معنى سنة الله في الذين خلوا من قبل تزويج الأنبياء بغير صداق من وهبت نفسها لهم من النساء بغير صداق وقيل : أراد بقوله : سنة الله في الذين خلوا من قبل الأحزاب أن الأنبياء صلوات الله عليهم فرض لهم ما يمتثلونه في النكاح وغيره وهذا أصح الأقوال وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام نكح مائة امرأة وهذا نص القرآن وروي أن سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة جارية وربك أعلم وذكر الكيا الطبري في أحكامه في قول الله عز وجل : وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب الآية : ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الكبائر أن داود عليه السلام كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره يقال : هو أوريا فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه وزاهدين في الخاطب الأول ولم يكن بذلك داود عارفا وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة وعن الخطبة بها فلم يفعل ذلك من حيث أعجب بها إما وصفا أو مشاهدة على غير تعمد وقد كان لداود عليه السلام من النساء العدد الكثير وذلك الخاطب لا امرأة له فنبهه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسور الملكين وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض لكي يفهم من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه الطريقة ويستغفر ربه من هذه الصغيرة الثانية عشرة قوله تعالى : ( قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول قال بن العربي : وهذا مما لا يجوز عند أحد ولا في ملة من الملل ولا يمكن ذلك للبشر وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادعى والآخر سلم في الدعوى فوقعت بعد ذلك الفتوى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر ( وقيل : إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك وقيل : تقديره لقد ظلمك إن كان كذلك والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه قلت : ذكر هذين الوجهين القشيري والماوردي وغيرهما قال القشيري : وقوله : لقد ظلمك بسؤال نعجتك من غير أن يسمع كلام الخصم مشكل فيمكن أن يقال : إنما قال هذا بعد مراجعة الخصم الآخر وبعد اعترافه وقد روى هذا وإن لم تثبت روايته فهذا معلوم من قرائن الحال أو أراد لقد ظلمك إن كان الأمر على ما تقول فسكته بهذا وصبره إلى أن يسأل خصمه قال ويحتمل أن يقال : كان من شرعهم التعويل على قول المدعي عند سكوت المدعى عليه إذا لم يظهر منه إنكار بالقول وقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين له : ومما جاء في شكر النعمة المنتظرة إذا حضرت أو كانت خافية فظهرت : السجود لله عز وجل قال والأصل في ذلك قوله عز وجل : وهل أتاك نبأ الخصم إلى قوله : وحسن مآب أخبر الله عز وجل عن داود عليه السلام : أنه سمع قول المتظلم من الخصمين ولم يخبر عنه أنه سأل الأخر إنما حكى أنه ظلمه فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول ودعاه ذلك إلى ألا يسأل الخصم فقال له مستعجلا : لقد ظلمك مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول : كانت لي مائة نعجة ولا شيء لهذا فسرق مني هذه النعجة فلما وجدتها عنده قلت له ارددها وما قلت له أكفلنيها وعلم أني مرافعه إليك فجرني قبل أن أجره وجاءك متظلما من قبل أن أحضره لتظن أنه هو المحق وأني أنا الظالم ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه في ذلك الوقت وهو الفتنة التي ذكرناها وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه فاستغفر ربه وخر راكعا لله تعالى شكرا على أن عصمه بأن اقتصر على تظليم المشكو ولم يزده على ذلك شيئا من انتهار أو ضرب أو غيرهما مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه فقال : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة التي توخاه بها بعد المغفرة أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم والمبادرة إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه ثم جاء عن بن عباس أنه قال : سجدها داود شكرا وسجدها النبي صلى الله عليه وسلم اتباعا فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم ( بسؤال نعجتك ) أي بسؤاله نعجتلك فأضاف المصدر إلى المفعول وألقى الهاء من السؤال وهو كقوله تعالى : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي من دعائه الخير الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وإن كثيرا من الخلطاء ) يقال : خليط وخلطاء ولا يقال طويل وطولاء لثقل الحركة في الواو وفيه وجهان : أحدهما أنهما الأصحاب الثاني أنهما الشركاء قلت : إطلاق الخلطاء على الشركاء فيه بعد وقد اختلف العلماء في صفة الخلطاء فقال أكثر العلماء : هو أن يأتي كل واحد بغنمه فيجمعهما راع واحد والدلو والمراح وقال طاوس وعطاء : لا يكون الخلطاء إلا الشركاء وهذا خلاف الخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ( وروي ( فإنهما يترادان الفضل ( ولا موضع لتراد الفضل بين الشركاء فاعلمه وأحكام الخلطة مذكورة في كتب الفقه ومالك وأصحابه وجمع من العلماء لا يرون الصدقة على من ليس في حصته ما تجب فيه الزكاة وقال الربيع والليث وجمع من العلماء منهم الشافعي : إذا كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أخذت منهم الزكاة قال مالك : وإن أخذ المصدق بهذا ترادوا بينهم للاختلاف في ذلك وتكون كحكم حاكم اختلف فيه الرابعة عشرة قوله تعالى : ( ليبغي بعضهم على بعض ) أي يتعدى ويظلم ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فإنهم لا يظلمون أحدا ( وقبيل ما هم ) يعني الصالحين أي وقليل هم ف ما زائدة وقيل : بمعنى الذين وتقديره وقليل الذين هم وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقول في دعائه : اللهم اجعلني من عبادك القليل فقال له عمر : ما هذا الدعاء فقال أردت قول الله عز وجل : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم فقال عمر : كل الناس أفقه منك يا عمر الخامسة عشرة قوله تعالى : ( وظن داود أنما فتناه ) أي ابتليناه وظن معناه أيقن قال أبو عمرو والفراء : ظن بمعنى أيقن إلا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاين أن يكون الظن إلا بمعنى اليقين والقراءة فتناه بتشديد النون دون التاء وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتناه بتشديد التاء والنون على المبالغة وقرأ قتادة وعبيد بن عمير وبن السميقع فتناه بتخفيفهما ورواه علي بن نصر عن أبي عمرو والمراد به الملكان اللذان دخلا على داود عليه السلام السادسة عشرة قيل : لما قضى داود بينهما في المسجد نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك فلم يفطن داود فأحبا أن يعرفهما فصعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم داود عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك ونبهه على ما ابتلاه قلت : وليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآية وبها استدل من قال بجواز القضاء في المسجد ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي لما أقرهم داود على ذلك ويقول : انصرفا إلى موضع القضاء وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يقضون في المسجد وقد قال مالك : القضاء في المسجد من الأمر القديم يعني في أكثر الأمور ولا بأس أن يجلس في رحبته ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض ولا يقيم فيه الحدود ولا بأس بخفيف الأدب وقد قال أشهب : يقضي في منزله وأين أحب السابعة عشرة قال مالك رحمه الله : وكان الخلفاء يقضون بأنفسهم وأول من استقضى معاوية قال مالك : وينبغي للقضاة مشاورة العلماء وقال عمر بن عبد العزيز : لا يستقضي حتى يكون عالما بآثار من مضى مستشيرا لذوي الرأي حليما نزها قال : ويكون ورعا قال مالك : وينبغي أن يكون متيقظا كثير التحذر من الحيل وأن يكون عالما بالشروط عارفا بما لا بد له منه من العربية فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات والدعاوي والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب : أبقيت لك حجة فإن قال لا حكم عليه ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجه أو بينة وأحكام القضاء والقضاة فيما لهم وعليهم مذكورة في غير هذا الموضع الثامنة عشرة قوله تعالى : ( فاستغفر ربه ) اختلف المفسرون في الذنب الذي استغفر منه على أقوال ستة : الأول أنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها قال سعيد بن جبير : إنما كانت فتنته النظرة قال أبو إسحاق : ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها فصارت الأولى له والثانية عليه الثاني أنه أغزى زوجها في حملة التابوت الثالث أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعتب الله على داود إذ لم يتركها لخاطبها وقد كان عنده تسع وتسعون امرأة الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع على من هلك من الجند ثم تزوج امرأته فعاتبه الله تعالى على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر قال القاضي بن العربي : أما قول من قال : إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا يجوز على الأنبياء وكذلك تعريض زوجها للقتل وأما من قال : إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال لأن طموح النظر لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة فكيف بالأنبياء الذين هم وسائط الله المكاشفون بالغيب وحكى السدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لو سمعت رجلا يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ستين ومائة لأن حد قاذف الناس ثمانون وحد قاذف الأنبياء ستون ومائة ذكره الماوردي والثعلبي أيضا قال الثعلبي : وقال الحرث الأعور عن علي : من حدث بحديث داود على ما ترويه القصاص معتقدا جلدته حدين لعظم ما ارتكب برمي من قد رفع الله محله وارتضاه من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين قال بن العربي : وهذا مما لم يصح عن علي فإن قيل : فما حكمه عندكم قلنا : أما من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل وأما من نسب إليه ما دون ذلك من النظر والملامسة فقد اختلف نقل الناس في ذلك فإن صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه قتلته فإنه يناقض التعزير المأمور به فأما قولهم : إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة فلما رأته أسبلت شعرها فسترت جسدها فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع من الأمة لأن النظرة الأولى تكشف المنظور إليه ولا يأثم الناظر بها فأما النظرة الثانية فلا أصل لها وأما قولهم : إنه نوى إن مات زوجها تزوجها فلا شيء فيه إذ لم يعرضه للموت وأما قولهم : إنه خطب على خطبة أوريا فباطل يرده القرآن والآثار التفسيرية كلها وقد روي أشهب عن مالك قال : بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريبا من داود عليه السلام وهي من ذهب فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها فكانت قرب يده ثم صنع مثل ذلك مرتين ثم طارت واتبعها ببصره فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ولها شعر طويل فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه قال بن العربي : وأما قول المفسرين إن الطائر درج عنده فهم بأخذه واتبعه فهذا لا يناقض العبادة لأنه مباح فعله لا سيما وهو حلال وطلب الحلال فريضة وإنما اتبع الطير لذاته لا لجماله فإنه لا منفعة له فيه وإنما ذكرهم لحسن الطائر خرق في الجهالة أما أنه روي أنه كان طائرا من ذهب فاتبعه ليأخذه لأنه من فضل الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح : إن أيوب عليه السلام كان يغتسل عريانا فخر عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منه ويجعل في ثوبه فقال الله تعالى له : يا أيوب ألم أكن أغنيتك قال : بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك وقال القشيري : فهم داود بأن يأخذه ليدفعه إلى بن له صغير فطار ووقع على كوة البيت وقاله الثعلبي أيضا وقد تقدم التاسعة عشرة قوله تعالى : ( وخر راكعا وأناب ) أي خر ساجدا وقد يعبر عن السجود بالركوع قال الشاعر : فخر على وجهه راكعا وتاب إلى الله من كل ذنب قال بن العربي : لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع ها هنا السجود فإن السجود هو الميل والركوع هو الانحناء وأحدهما يدخل على الآخر ولكنه قد يختص كل واحد بهيئته ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر فسمى السجود ركوعا وقال المهدوي : وكان ركوعهم سجودا وقيل : بل كان سجودهم ركوعا وقال مقاتل : فوقع من ركوعه ساجدا لله عز وجل أي لما أحس بالأمر قام إلى الصلاة ثم وقع من الركوع إلى السجود لاشتمالهما جميعا على الانحناء ( وأناب ) أي تاب من خطيئته ورجع إلى الله وقال الحسين بن الفضل : سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز وجل : وخر راكعا فهل يقال للراكع خر قلت : لا قال : فما معنى الآية قلت : معناها فخر بعد أن كان راكعا أي سجد الموفية عشرين واختلف في سجدة داود هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أم لا فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر ص والقرآن ذي الذكر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأ بها فتشزن الناس للسجود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود ( ونزل وسجد وهذا لفظ أبي داود وفي البخاري وغيره عن بن عباس أنه قال : ص ليست من عزائم القرآن وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها وقد روي من طريق عن بن مسعود أنه قال : ص توبة نبي ولا يسجد فيها وعن بن عباس أنها توبة نبي ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به قال بن العربي : والذي عندي أنها ليست موضع سجود ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به ومعنى السجود أن داود سجد خاضعا لربه معترفا بذنبه تائبا من خطيئته فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد والله أعلم الحادية والعشرون قال بن خويز منداد : قوله وخر راكعا وأناب فيه دلالة على أن السجود للشكر مفردا لا يجوز لأنه ذكر معه الركوع وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكرا فأما سجدة مفردة فلا وذلك أن البشارات كانت تأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرا ولو كان ذلك مفعولا لهم لنقل نقلا متظاهرا لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة قلت : وفي سنن بن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين وخرج من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به خر ساجدا شكرا لله وهذا قول الشافعي وغيره الثانية والعشرون روى الترمذي وغيره واللفظ للغير : أن رجلا من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ : ص والقرآن ذي الذكر فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة فسمعها وهي تقول : اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا وارزقني بها شكرا قلت : خرج بن ماجه في سننه عن بن عباس قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فقال : إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول : اللهم احطط بها عني وزرا واكتب لي بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا قال بن عباس : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسجد فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة ذكره الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال : قلت يا رسول الله رأيتني في النوم كأني تحت شجرة والشجرة تقرأ ص فلما بلغت السجدة سجدت فيها فسمعتها تقول في سجودها : اللهم اكتب لي بها أجرا وحط عني بها وزرا وارزقني بها شكرا وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفسجدت أنت يا أبا سعيد ( فقلت : لا والله يا رسول الله فقال : ( لقد كنت أحق بالسجود من الشجرة ( ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ص حتى بلغ السجدة فسجد ثم قال مثل ما قالت الشجرة الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( فغفرنا له ذلك ) أي فغفرنا له ذنبه قال بن الأنباري : فغفرنا له ذلك تام ثم تبتدئ وإن له وقال القشيري : ويجوز الوقف على فغفرنا له ثم تبتدئ ذلك وإن له كقوله : هذا وإن للطاغين أي الأمر ذلك وقال عطاء الخرساني وغيره : إن داود سجد أربعين يوما حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر رأسه فنودي : أجائع فتطعم وأعار فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حر جوفه فغفر له وستر بها فقال : يا رب هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل تركت أولادهم أيتاما ونساءهم أرامل قال : يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة قال : يا رب هكذا تكون المغفرة الهينة ثم قيل : يا داود ارفع رأسك فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها رواه الوليد بن مسلم عن بن جابر عن عطاء قال الوليد : وأخبرني منير بن الزبير قال : فلزق مواضع مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله قال الوليد قال بن لهيعة : فكان يقول في سجوده سبحانك هذا شرابي دموعي وهذا طعامي في رماد بين يدي في رواية : إنه سجد أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة فبكى حتى نبت العشب من دموعه وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن داود مكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده : يا رب داود زل زلة بعد بها ما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلق من بعده فقال له جبريل بعد أربعين سنة يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به ( وقال وهب : إن داود عليه السلام نودي إني قد غفرت لك فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال : لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك قال يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا فقال الله لجبريل : اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فيتحلل منه فأنا أسمعه نداءه فلبس داود المسوح وجلس عند قبر أوريا ونادى يا أوريا فقال : لبيك من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني فقال : أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حل فإني عرضتك للقتل قال : عرضتني للجنة فأنت في حل وقال الحسن وغيره : كان داود عليه السلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين ويقول : تعالوا إلى داود الخطاء ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي حتى يبتل بدموعه وكان يذر عليه الرماد والملح فيأكل ويقول : هذا أكل الخاطئين وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر ثم صام بعده الدهر كله وقام الليل كله وقال : يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في كفه فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شيء إلا رآها فأبكته وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من دموعه وروى الوليد بن مسلم : حدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما مثل عيني داود مثل القربتين تنطفان ولقد خدد الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض ( قال الوليد : وحدثنا عثمان بن أبي العاتكة أنه كان في قول داود إذ هو خلو من الخطيئة شدة قوله في الخطائين أن كان يقول : اللهم لا تغفر للخطائين ثم صار إلى أن يقول : اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود معهم سبحان خالق النور إلهي خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني إلهي أخطأت خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها سبحان خالق النور إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت الأرض برحبها علي وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي وفي الخبر : أن داود عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبل بها الناس ليريهم نقش خطيئته فكان ينادي : إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلى روحي رب اغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم وكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها وكان إذا كان يوم نوحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران : ألا إن هذا يوم نوح داود فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده فيهبط السياح من الغيران والأودية وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عكف وبنو إسرائيل حول منبره فإذا أخذ في العويل والنوح وأثارت الحرقات منابع دموعه صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم ومات داود عليه السلام فيما قيل يوم السبت فجأة أتاه ملك الموت وهو يصعد في محرابه وينزل فقال : جئت لأقبض روحك فقال : دعني حتى أنزل أو أرتقي فقال : مالي إلى ذلك سبيل نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق فما أنت بمؤثر بعدها أثرا قال : فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال وكان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة وقيل : تسع وسبعون وعاش مائة سنة وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( وإن له عندنا لزلفى ة حسن مآب ) قال محمد بن كعب ومحمد بن قيس : ( وإن له عندنا لزلفى ) قربة بعد المغفرة ( وحسن مآب ) قالا : والله إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود وقال مجاهد عن عبد الله بن عمر : الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة وعن مجاهد : يبعث داود يوم القيامة وخطيئته منقوشة في يده : فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها محرزا إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى قال : ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له ها هنا ثم يرى فيقلق فيقال له ها هنا ثم يرى فيقلق فيقال له ها هنا حتى يقرب فيسكن فذلك قوله عز وجل : وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ذكره الترمذي الحكيم قال : حدثنا الفضل بن محمد قال حدثنا عبد الملك بن الأصبغ قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره قال الترمذي : ولقد كنت أمر زمانا طويلا بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله : ربنا عجل لنا قطنا والقط الصحيفة في اللغة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم فأما من أوتي كتابه بيمينه : وقال لهم ( إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها بشمائلكم ( قالوا : ربنا عجل لنا قطنا أي صحيفتنا قبل يوم الحساب قال الله تعالى : اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد فقص قصة خطيئته إلى منتهاها فكنت أقول : أمره بالصبر على ما قالوا وأمره بذكر داود فأي شيء أريد من هذا الذكر وكيف اتصل هذا بذاك فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه حتى هداني الله له يوما فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله وقالوا : ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب فأوجعه ذلك من استهزائهم فأمره بالصبر على مقالتهم وأن يذكر عبده داود سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تبعه الخصم وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه وهو حبيبه ووليه وصفيه فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا فكيف كان يحل بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف وقد أخبر الله عنهم فقال : فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف لم يقم لرؤية صورتها وقد روينا في الحديث : إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه قلق حتى يقال له ها هنا ثم يرى فيقلق ثم يقال ها هنا ثم يرى فيقلق ثم يقال ها هنا ثم يرى فيقلق حتى يقرب فيسكن < <

Sección V15/P187

ص : ( 26 ) يا داود إنا . . . . . > > < > ( ص 26 ) <

Sección V15/P187–V15/P190

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إنا جعلناك خليفة في الأرض ) أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين وقد مضى في [ البقرة ] القول في الخليفة وأحكامه مستوفي والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( فاحكم بين الناس بالحق ) أي بالعدل وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل فقيل له بعد هذا فاحكم بين الناس بالعدل ( ولا تتبع الهوى ) أي لا تقعد بهواك المخالف لأمر الله ( فيضلك عن سبيل الله ) أي عن طريق الجنة ( إن الذين يضلون عن سبيل الله ) أي يحيدون عنها ويتركونها ( لهم عذاب شديد ) في النار ( بما نسوا يوم الحساب ) أي بما تركوا من سلوك طريق الله فقوله : نسوا أي تركوا الإيمان به أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين ثم قيل : هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة وقيل : بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته الثالثة الأصل في الأقضية قوله تعالى : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقوله : وإن احكم بينهم بما أنزل الله وقوله تعالى : لتحكم بين الناس بما أراك الله وقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط الآية وقد تقدم الكلام فيه الرابعة قال بن عباس في قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قال : إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج عن صاحبه فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق والا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة أو غيرهما وقال بن عباس : إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام لأنه تقدم إليه خصمان فهوى أن يكون الحق لأحدهما وقال عبد العزيز بن أبي رواد : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علما إذا قضى بالحق عرف ذلك وإذا قصر عرف ذلك فقيل له : ادخل منزلك ثم مد يدك في جدارك ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه وإن قصرت عن الحق قصر بك فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان يريدانه فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه وكان أحدهما له صديقا وخدنا فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه فخر ساجدا وهو يقول : يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي فقيل له : أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت كاره وعن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ثم عادا فأقامهما ثم عادا ففصل بينهما فقيل له في ذلك فقال : تقدما إلي فوجدت لأحدهما مالم أجد لصاحبه فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك ثم عادا فوجدت بعض ذلك له ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما وقال الشعبي : كان بين عمر وأبي خصومة فتقاضيا إلى زيد بن ثابت فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته فقال عمر : هذا أول جورك أجلسني وإياه مجلسا واحدا فجلسا بين يديه الخامسة هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعمله لأن الحاكم لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر قال : لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له : احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم مالي عنده فقال لها : إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا وفي صحيح مسلم عن بن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى فرسا فجحده البائع فلم يحكم عليه بعلمه وقال : ( من يشهد لي ( فقام خزيمة فشهد فحكم خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في [ البقرة ] < <

Sección V15/P190–V15/P191

ص : ( 27 ) وما خلقنا السماء . . . . . > > < > ( ص 27 : 29 ) < > قوله تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) أي هزلا ولعبا أي ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا ( ذلك ظن الذين كفروا ) أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلا ( فويل للذين كفروا من النار ) ثم وبخهم فقال : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) والميم صلة تقديره : أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ( كالمفسدين في الأرض ) فكان في هذا رد على المرجئة لأنهم يقولون : يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه وبعده أيضا : ( نجعل المتقين كالفجار ) أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار قاله بن عباس وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد قوله تعالى : ( كتاب ) أي هذا كتاب ( أنزلناه إليك مبارك ) يا محمد ( ليدبروا ) أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ إذ لا يصح التدبر مع الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار وقال الحسن : تدبر آيات الله اتباعها وقراءة العامة ليدبروا وقرأ أبو جعفر وشيبة : لتدبروا بتاء وتخفيف الدال وهي قراءة علي رضي الله عنه والأصل لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفا ( وليتذكر أولو الألباب ) أي أصحاب العقول واحدها لب وقد جمع على ألب كما جمع بؤس على أبؤس ونعم على أنعم قال أبو طالب : قلبي إليه مشرف الألب وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر قال الكميت : إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلبي ظماء وألبب < < ص : ( 30 ) ووهبنا لداود سليمان . . . . . > > < > ( ص 30 : 33 ) <

Sección V15/P191–V15/P197

> قوله تعالى : ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب ) لما ذكر داود ذكر سليمان وأواب معناه مطيع ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها يقال : قوم أجواد وخيل جياد جاد الرجل بماله يجود جودا فهو جواد وقوم جود مثال قذال وقذل وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة وأجواد وأجاود وجوداء وكذلك امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور قال الشاعر : صناع بإشفاها حصان بشكرها جواد بقوت البطن والعرق زاخر وتقول : سرنا عقبة جوادا وعقبتين جوادين وعقبا جيادا وجاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة ( بالضم ) فهو جواد للذكر والأنثى من خيل جياد وأجياد وأجاويد وقيل : إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها وفي الصافنات أيضا وجهان : أحدهما أن صفونها قيامها قال القتبي والفراء : الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار ( أي يديمون له القيام حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة : لنا قبة مضروبة بفنائها عتاق المهارى والجياد الصوافن وهذا قول قتادة الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما قال الشاعر : ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا وقال عمرو بن كلثوم : تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا وهذا قول مجاهد قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس وكان أبوه أصابها من العمالقة وقال الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة وقاله الضحاك وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة بن زيد : أخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر وكانت لها أجنحة وكذلك قال علي رضي الله عنه : كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة وقيل : كانت مائة فرس وفي الخبر عن إبراهيم التيمي : أنها كانت عشرين ألفا فالله أعلم فقال : ( إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ) يعني بالخير الخيل والعرب تسميها كذلك وتعاقب بين الراء واللام فتقول : انهملت العين وانهمرت وختلت وخترت إذا خدعن قال الفراء : الخير في كلام العرب والخيل واحد النحاس : في الحديث ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ( فكأنها سميت خيرا لهذا وفي الحديث : لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أنت زيد الخير ( وهو زيد بن مهلهل الشاعر وقيل : إنما سميت خيرا لما فيها من المنافع وفي الخبر : إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب وقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس فقيل له : اخترت عزك فصار اسمه الخير من هذا الوجه وسمي خيلا لأنها موسومة بالعز وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطا وتناولا وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله فسمي عربيا وحب مفعول في قول الفراء والمعنى إني آثرت حب الخير وغيره يقدره مصدرا أضيف إلى المفعول أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي وقيل : إن معنى أحببت قعدت وتأخرت من قولهم : أحب البعير إذا برك وتأخر وأحب فلان أي طأطأ رأسه قال أبو زيد : يقال : بعير محب وقد أحب إحبابا وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت وقال ثعلب : يقال أيضا للبعير الحسير محب فالمعنى قعدت عن ذكر ربي وحب على هذا مفعول له وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : أحببت بمعنى لزمت من قوله : مثل بعير السوء إذ أحبا ( حتى توارت بالحجاب ) يعني الشمس كناية عن غير مذكور مثل قوله تعالى : ما ترك على ظهرها من دابة فاطر أي على ظهر الأرض وتقول العرب : هاجت باردة أي هاجت الريح باردة وقال الله تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم الواقعة أي بلغت النفس الحلقوم وقال تعالى : إنها ترمي بشرر كالقصر المرسلات ولم يتقدم للنار ذكر وقال الزجاج : إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر وقد جرى ها هنا الدليل وهو قوله : بالعشي والعشي ما بعد الزوال والتواري الاستتار عن الأبصار والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق قاله قتادة وكعب وقيل : هو جبل قاف وقيل : جبل دون قاف والحجاب الليل سمي حجابا لأنه يستر ما فيه وقيل : حتى توارت أي الخيل في المسابقة وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة لأن الشمس لم يجر لها ذكر وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار بيده لأنه كان يصلي حتى توارت الخيل وسترتها جدر الاصطبلات فلما فرغ من صلاته قال : ردوها علي فطفق مسحا أي فأقبل يمسحها مسحا وفي معناه قولان : أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله وقال قائل هذا القول : كيف يقتلها وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له وقيل : المسح ها هنا هو القطع أذن له في قتلها قال الحسن والكلبي ومقاتل : صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه وكانت ألف فرس فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم فقال : ردوها علي فردت فعقرها بالسيف قربة لله وبقي منها مائة فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل قال القشيري : وقيل : ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا فلم يذكره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحا فتذكر سليمان تلك الصلاة الفائتة وقال على سبيل التلهف : إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي أي عن الصلاة وأمر برد الأفراس إليه وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار ثم ذبحها في الحال ليتصدق بلحمها أو لأن ذلك كان مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله فأثنى الله عليه بهذا وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ورواحا وقد قيل : إن الهاء في قوله : ردوها علي للشمس لا للخيل قال بن عباس : سألت عليا عن هذه الآية فقال : ما بلغك فيها فقلت سمعت كعبا يقول : إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة قال : إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي أي آثرت حب الخير عن ذكر ربي الآية ردوها علي يعني الأفراس وكانت أربع عشرة فضرب سوقها وأعناقها بالسيف وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل فقال علي بن أبي طالب : كذب كعب لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس : ردوها يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون قلت : الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ويتعلق بذكرها حسب ما تقدم بيانه وكثيرا ما يضمرون الشمس قال لبيد : حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها والهاء في ردوها للخيل ومسحها قال الزهري وبن كيسان : كان يمسح سوقها وأعناقها ويكشف الغبار عنها حبا لها وقاله الحسن وقتادة وبن عباس وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤى وهو يمسح فرسه بردائه وقال : ( إني عوتبت الليلة في الخيل خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا وهو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس وقد مضى في [ الأنفال ] قوله عليه السلام : ( وامسحوا بنواصيها وأكفالها ( وروى بن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف قلت : وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا وهو استدلال فاسد لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد والمفسرون اختلفوا في معنى الآية فمنهم من قال : مسح على أعناقها وسوقها إكراما لها وقال : أنت في سبيل الله فهذا إصلاح ومنهم من قال : عرقبها ثم ذبحها وذبح الخيل وأكل لحمها جائز وقد مضى في [ النحل ] بيانه وعلى هذا فما فعل شيئا عليه فيه جناح فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا وقد قيل : إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك وقد قيل : إن مسحه أياها وسمها بالكي وجعلها في سبيل الله فالله أعلم وقد ضعف هذا القول من حيث أن السوق ليست بمحل للوسم بحال وقد يقال : الكي على الساق علاط وعلى العنق وثاق والذي في الصحاح للجوهري : علط البعير علطا كواه في عنقه بسمة العلاط والعلاطان جانبا العنق قلت : ومن قال إن الهاء في ردوها ترجع للشمس فذلك من معجزاته وقد اتفق مثل ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم خرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أصليت يا علي ( قال : لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس ( قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها بعد ما غربت طلعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر قال الطحاوي : وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات قلت : وضعف أبو الفرج بن الجوزي هذا الحديث فقال : وغلو الرافضة في حب علي عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله منها أن الشمس غابت ففاتت عليا عليه السلام العصر فردت له الشمس وهذا من حيث النقل محال ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد لا يرد الوقت ومن قال : إن الهاء ترجع إلى الخيل وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق ففيه دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع وقد مضى القول فيه في [ يوسف ] < <

Preguntas