Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
الزخرف : ( 78 ) لقد جئناكم بالحق . . . . . > > < > ( الزخرف 78 ) < > يحتمل أن يكون هذا من قول مالك لهم أي إنكم ماكثون في النار لأنا جئناكم في الدنيا بالحق فلم تقبلوا ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم اليوم أي بينا لكم الأدلة وأرسلنا إليكم الرسل ( ولكن أكثركم ) قال بن عباس : ولكن أكثركم أي ولكن كلكم وقيل : أراد بالكثرة الرؤساء والقادة منهم وأما الأتباع فما كان لهم أثر ( للحق ) أي للإسلام ودين الله ( كارهون ) < < الزخرف : ( 79 ) أم أبرموا أمرا . . . . . > > < > ( الزخرف 79 ) < > قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبه بدمه فنزلت هذه الآية وقتل الله جميعهم ببدر أبرموا أحكموا والإبرام الإحكام أبرمت الشيء أحكمته وأبرم الفتال إذا أحكم الفتل وهو الفتل الثاني والأول سحيل كما قال : من سحيل ومبرم فالمعنى : أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا قاله بن زيد ومجاهد قتادة : أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث الكلبي : أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب وأم بمعنى بل وقيل : أم أبرموا عطف على قوله : أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقيل : أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا أم سمعوا فأعرضوا لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب < < الزخرف : ( 80 ) أم يحسبون أنا . . . . . > > < > ( الزخرف 80 ) < > قوله تعالى : ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ) أي ما يسرونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم ( بلى ) نسمع ونعلم ( ورسلنا لديهم يكتبون ) أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم وروي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا وقال الثاني : إذا جهرتم سمع وإذا أسررتم لم يسمع وقال الثالث : إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم قاله محمد بن كعب القرظي : وقد مضى هذا المعنى عن بن مسعود في سورة فصلت < < الزخرف : ( 81 ) قل إن كان . . . . . > > < > ( الزخرف 81 : 82 ) <
> قوله تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) اختلف في معناه فقال بن عباس والحسن والسدي : المعنى ما كان للرحمن ولد ف إن بمعنى ما ويكون الكلام على هذا تاما ثم تبتدئ : فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له والوقف على العابدين تام وقيل : المعنى قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده ولكن يستحيل أن يكون له ولد وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده وهذه مبالغة في الاستبعاد أي لا سبيل إلى اعتقاده وهذا ترقيق في الكلام كقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين والمعنى على هذا : فأنا أول العابدين لذلك الولد لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد وقال مجاهد : المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده على أنه لا ولد له وقال السدي أيضا : المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده على أن له ولدا ولكن لا ينبغي ذلك قال المهدوي : ف إن على هذه الأقوال للشرط وهو الأجود وهو اختيار الطبري لأن كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى وقيل : إن معنى العابدين الآنفين وقال بعض العلماء : لو كان كذلك لكان العبدين وكذلك قرأ أبو عبد الرحمن واليماني فأنا أول العبدين بغير ألف يقال : عبد يعبد عبدا ( بالتحريك ) إذا أنف وغضب فهو عبد والاسم العبدة مثل الأنفة عن أبي زيد قال الفرزدق : أولئك أجلاسي فجئنى بمثلهم وأعبد أن أهجو كليبا بدارم وينشد أيضا : أولئك ناس إن هجوني هجوتهم وأعبد أن يهجى كليب بدارم قال الجوهري : وقال أبو عمرو وقوله تعالى : فأنا أول العابدين من الأنف والغضب وقاله الكسائي والقتبي حكاه الماوردي عنهما وقال الهروي : وقوله تعالى : فأنا أول العابدين قيل هو من عبد يعبد أي من الآنفين وقال بن عرفة : إنما يقال عبد يعبد فهو عبد وقلما يقال عابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ ولكن المعنى فأنا أول من يعبد الله عز وجل على أنه واحد لا ولد له وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها فقال له علي : قال الله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال في آية أخرى : وفصاله في عامين لقمان فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد قال عبد الله بن وهب : يعني ما استنكف ولا أنف وقال بن الأعرابي : فأنا أول العابدين أي الغضاب الآنفين وقيل : فأنا أول العابدين أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم أبو عبيدة : معناه الجاحدين وحكى : عبدني حقي أي جحدني وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ولد بضم الواو وإسكان اللام الباقون وعاصم ولد وقد تقدم ( سبحان رب السماوات والأرض ) أي تنزيها له وتقديسا نزه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنزيه ( عما يصفون ) أي عما يقولون من الكذب < < الزخرف : ( 83 ) فذرهم يخوضوا ويلعبوا . . . . . > > < > ( الزخرف 83 ) < > قوله تعالى : ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا ) يعني كفار مكة حين كذبوا بعذاب الآخرة أي أتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم ( حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) إما العذاب في الدنيا أو في الآخرة وقيل : إن هذا منسوخ بآية السيف وقيل : هو محكم وإنما أخرج مخرج التهديد وقرأ بن محيصن ومجاهد وحميد وبن القعقاع وبن السميقع حتى يلقوا بفتح الياء وإسكان اللام من غير ألف وفتح القاف هنا وفي الطور والمعارج الباقون يلاقوا < <
الزخرف : ( 84 ) وهو الذي في . . . . . > > < > ( الزخرف 84 ) < > هذا تكذيب لهم في أن لله شريكا وولدا أي هو المستحق للعبادة في السماء والأرض وقال عمر رضي الله عنه وغيره : المعنى وهو الذي في السماء إله في الأرض وكذلك قرأ والمعنى أنه يعبد فيهما وروي أنه قرأ هو وبن مسعود وغيرهما وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله وهذا خلاف المصحف وإله رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهو الذي في السماء هو إله قاله أبو علي وحسن حذفه لطول الكلام وقيل : في بمعنى على كقوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل طه أي على جذوع النخل أي هو القادر على السماء والأرض ( وهو الحكيم العليم ) تقدم < > ( الزخرف 85 ) < > ( تبارك ) تفاعل من البركة وقد تقدم ( وعنده علم الساعة ) أي وقت قيامها ( وإليه ترجعون ) قرأ بن كثير وحمزة والكسائي وإليه يرجعون بالياء الباقون بالتاء وكان بن محيصن وحميد ويعقوب وبن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم وضم الباقون < < الزخرف : ( 86 ) ولا يملك الذين . . . . . > > < > ( الزخرف 86 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إلا من شهد بالحق ) من في موضع الخفض وأراد بالذين يدعون من دونه عيسى وعزيرا والملائكة والمعنى ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة قاله سعيد بن جبير وغيره قال : وشهادة الحق لا إله إلا الله وقيل : من في محل رفع أي ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة يعني الآلهة في قول قتادة أي لا يشفعون لعابديها إلا من شهد بالحق يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله ( وهم يعلمون ) حقيقة ما شهدوا به قيل : إنها نزلت بسبب أن النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا : إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله : ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق أي اعتقدوا أن الملائكة أو الأصنام أو الجن أو الشياطين تشفع لهم ولا شفاعة لأحد يوم القيامة ( إلا من شهد بالحق ) يعني المؤمنين إذا أذن لهم قال بن عباس : إلا من شهد بالحق أي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقيل : أي لا يملك هؤلاء العابدون من دون الله أن يشفع لهم أحد إلا من شهد بالحق فإن من شهد بالحق يشفع له ولا يشفع لمشرك وإلا بمعنى لكن أي لا ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق فهو استثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا لأن في جملة الذين يدعون من دونه الملائكة ويقال : شفعته وشفعت له مثل كلته وكلت له وقد مضى في البقرة معنى الشفاعة واشتقاقها فلا معنى لإعادتها وقيل : إلا من شهد بالحق إلا من تشهد له الملائكة بأنه كان على الحق في الدنيا مع علمهم بذلك منه بأن يكون الله أخبرهم به أو بأن شاهدوه على الإيمان الثانية قوله تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) يدل على معنيين : أحدهما أن الشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة والثاني أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ( وقد مضى في البقرة < < الزخرف : ( 87 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > < < الزخرف : ( 87 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > <
> ( الزخرف 87 ) < > قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) أي لأقروا بأن الله خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا ( فأنى يؤفكون ) أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون عنها حتى أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له يقال : أفكه يأفكه أفكا أي قلبه وصرفه عن الشيء ومنه قوله تعالى : قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا وقيل : أي ولئن سألت الملائكة وعيسى من خلقهم لقالوا الله فأنى يؤفكون أي فأنى يؤفك هؤلاء في ادعائهم إياهم آلهة < > ( الزخرف 87 ) < > في قيله ثلاث قراءات : النصب والجر والرفع فأما الجر فهي قراءة عاصم وحمزة وبقية السبعة بالنصب وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وبن هرمز ومسلم بن جندب فمن جر حمله على معنى : وعنده علم الساعة وعلم قيله ومن نصب فعلى معنى : وعنده علم الساعة ويعلم قيله وهذا اختيار الزجاج وقال الفراء والأخفش : يجوز أن يكون ( قيله ) عطفا على قوله : أنا لا نسمع سرهم ونجواهم قال بن الأنباري : سألت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد بأي شيء تنصب القيل فقال : أنصبه على وعنده علم الساعة ويعلم قيله فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على ترجعون ولا على يعلمون ويحسن الوقف على يكتبون وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى : لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله كما ذكرنا عنهما فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على يكتبون وأجاز الفراء والأخفش أيضا : أن ينصب على المصدر كأنه قال : وقال قيله وشكا شكواه إلى الله عز وجل كما قال كعب بن زهير : تمشى الوشاة جنابيها وقيلهم إنك يا بن أبي سلمى لمقتول أراد : ويقولون قيلهم ومن رفع قيله فالتقدير : وعنده قيله أو قيله مسموع أو قيله هذا القول الزمخشري : والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم : أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ولعمرك ويكون قوله : إن هؤلاء قوم لا يؤمنون جواب القسم كأنه قال : وأقسم بقيله يارب أو قيله يا رب قسمي إن هؤلاء قوم لا يؤمنون وقال بن الأنباري : ويجوز في العربية وقيله بالرفع على أن ترفعه بإن هؤلاء قوم لا يؤمنون المهدوي : أو يكون على تقدير وقيله قيله يارب فحذف قيله الثاني الذي هو خبر وموضع يا رب نصب بالخبر المضمر ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع حذف بعض الموصول وبقي بعضه لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور والهاء في قيله لعيسى وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقد جرى ذكره إذ قال : قل إن كان للرحمن ولد وقرأ أبو قلابة يا رب بفتح الباء والقيل مصدر كالقول ومنه الخبر ( نهى عن قيل وقال ( ويقال : قلت قولا وقيلا وقالا وفي النساء ومن أصدق من الله قيلا < < الزخرف : ( 88 ) وقيله يا رب . . . . . > > < > ( الزخرف 88 ) <
> قال قتادة : أمر بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخا بالسيف ونحوه عن بن عباس قال : فاصفح عنهم أعرض عنهم ( وقل سلام ) أي معروفا أي قل لمشركي أهل مكة فسوف تعلمون ثم نسخ هذا في سورة براءة بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية وقيل : هي محكمة لم تنسخ وقراءة العامة فسوف يعملون بالباء ) على أنه خبر من الله تعالى لنبيه بالتهديد وقرأ نافع وبن عامر تعلمون ( بالتاء ) على أنه من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين بالتهديد وسلام رفع بإضمار عليكم قاله الفراء ومعناه الأمر بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم حكاه النقاش وروي شعيب بن الحبحاب أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم والله أعلم < > تفسير سورة الدخان < > مكية باتفاق إلا قوله تعالى : إنا كاشفوا العذاب قليلا وهي سبع وخمسون آية وقيل تسع وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال : ( من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين ( رفعه الثعلبي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له ( وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك ( وعن أبي أمامة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة ( بسم الله الرحمن الرحيم < < الدخان : ( 1 ) حم > > < > ( الدخان 1 : 3 ) < > إن جعلت ( حم ) جواب القسم تم الكلام عند قوله : المبين ثم تبتدئ إنا أنزلناه وإن جعلت إنا كنا منذرين جواب القسم الذي هو الكتاب وقفت على منذرين وابتدأت فيها يفرق كل أمر حكيم وقيل : الجواب إنا أنزلناه وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم والهاء في أنزلناه للقرآن ومن قال : أقسم بسائر الكتب فقوله : إنا أنزلناه كنى به عن غير القرآن على ما تقدم بيانه في أول الزخرف والليلة المباركة ليلة القدر ويقال : ليلة النصف من شعبان ولها أربعة أسماء : الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك وليلة القدر ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب وروي قتادة عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة من رمضان وأنزل الإنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان ( ثم قيل : أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب اتفاق الأسباب وقيل : كان ينزل في كل ليلة القدر ما ينزل في سائر السنة وقيل : كان ابتداء الإنزال في هذه الليلة وقال عكرمة : الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان والأول أصح لقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر قال قتادة وبن زيد : أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة وهذا المعنى قد مضى في البقرة عند قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ويأتي آنفا إن شاء الله تعالى < < الدخان : ( 4 ) فيها يفرق كل . . . . . > > < > ( الدخان 4 ) <
> قال بن عباس : يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق وقاله قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم وقيل : إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران قاله بن عمر قال المهدوي : ومعنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل وقال عكرمة : هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد وروي عثمان بن المغيرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى ( وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن الله ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا يقول ألا مستغفر فأغفر له ألا مبتلي فأعافيه ألا مسترزق فأرزقه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر ( ذكره الثعلبي وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ( وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى : حديث عائشة لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث وقال : يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير قلت : وقد ذكر حديث عائشة مطولا صاحب كتاب العروس واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة النصف من شعبان وأنها تسمى ليلة البراءة وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال : سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال : يا أبا سعيد أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي قال : أي والله الذي لا إله إلا هو إنها في كل رمضان إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها وقال بن عباس : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج يقال : يحج فلان ويحج فلان وقال في هذه الآية : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وهذه الإبانة لإحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق وقد ذكرنا هذا المعنى آنفا وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر ومنهم من قال : إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فنص على أن ميقات نزوله رمضان ثم عين من زمانه الليل ها هنا بقوله : في ليلة مباركة فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها الزمخشري : وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت وعن بعضهم : يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته وقرئ نفرق بالتشديد ويفرق كل على بنائه للفاعل ونصب كل والفارق الله عز وجل وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه نفرق بالنون ( وكل أمر حكيم ) كل شأن ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة < <
الدخان : ( 5 ) أمرا من عندنا . . . . . > > < > ( الدخان 5 : 6 ) < > قوله تعالى : ( أمرا من عندنا ) قال النقاش : الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده وقال بن عيسى : هو ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده وهو مصدر في موضع الحال وكذلك ( رحمة من ربك ) وهما عند الأخفش حالان تقديرهما : أنزلناه آمرين به وراحمين المبرد : أمرا في موضع المصدر والتقدير : أنزلناه إنزالا الفراء والزجاج : أمرا نصب ب يفرق مثل قولك يفرق فرقا فأمر بمعنى فرق فهو مصدر مثل قولك : يضرب ضربا وقيل : يفرق يدل على يؤمر فهو مصدر عمل فيه ما قبله إنا كنا مرسلين رحمة من ربك قال الفراء : رحمة مفعول بمرسلين والرحمة النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج : رحمة مفعول من أجله أي أرسلناه للرحمة وقيل : هي بدل من قوله أمرا وقيل : هي مصدر الزمخشري : أمرا نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال : أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كائنا من لدنا وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا وفي قراءة زيد بن علي أمر من عندنا على هو أمر وهي تنصر انتصابه على الاختصاص وقرأ الحسن رحمة على تلك هي رحمة وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له < < الدخان : ( 7 ) رب السماوات والأرض . . . . . > > < > ( الدخان 7 : 9 ) < > قوله تعالى : ( رب السماوات والأرض ) قرأ الكوفيون رب بالجر الباقون بالرفع ردا على قوله : إنه هو السميع العليم وإن شئت على الابتداء والخبر لا إله إلا هو أو يكون خبر ابتداء محذوف تقديره : هو رب السماوات والأرض والجر على البدل من ربك وكذلك : ربكم ورب آبائكم الأولين بالجر فيهما رواه الشيزري عن الكسائي الباقون بالرفع على الاستئناف ثم يحتمل أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن الله خلق السماوات والأرض أي إن كنتم موقنين به فاعلموا أن له أن يرسل الرسل وينزل الكتب ويجوز أن يكون الخطاب مع من لا يعترف أنه الخالق أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق وأنه الذي يحيي ويميت وقيل : الموقن ها هنا هو الذي يريد اليقين ويطلبه كما تقول : فلان ينجد أي يريد نجدا ويتهم أي يريد تهامة ( لا إله إلا هو يحيي ويميت ) أي هو خالق العالم فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء وهو يحيي ويميت أي يحيي الأموات ويميت الأحياء ( ربكم ورب آبائكم الأولين ) أي مالككم ومالك من تقدم منكم واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب ( بل هم في شك يلعبون ) أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم : إن الله خالقهم وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما يعن لهم من غير حجة وقيل : يلعبون يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء استهزاء ويقال لمن أعرض عن المواعظ : لاعب وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته < < الدخان : ( 10 ) فارتقب يوم تأتي . . . . . > > < > ( الدخان 10 : 11 ) <
> قوله تعالى : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) ارتقب معناه انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين قاله قتادة وقيل : معناه احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين ولذلك سمي الحافظ رقيبا وفي الدخان أقوال ثلاثة : الأول أنه من أشراط الساعة لم يجيء بعد وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم وهو من آثار جهنم يوم القيامة وممن قال إن الدخان لم يأت بعد : علي وبن عباس وبن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وبن أبي مليكة وغيرهم وروي أبو سعيد الخدري مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ذكره الماوردي وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال : ( ما تذكرون ( قالوا : نذكر الساعة قال : ( إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ( في رواية عن حذيفة ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس ( وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول الآيات خروجا الدجال ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا ( قلت : يا نبي الله وما الدخان قال هذه الآية : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره ( فهذا قول القول الثاني أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا قاله بن مسعود قال : وقد كشفه الله عنهم ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي قال البخاري : حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال : قال عبد الله : إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فأنزل الله تعالى : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم قال : فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل : يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت قال : ( لمضر إنك لجريء ( فاستسقى فسقوا فنزلت : إنكم عائدون فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية فأنزل الله عز وجل : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون قال : يعني يوم بدر قال أبو عبيدة : والدخان الجدب القتبي : سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان القول الثالث إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة قاله عبد الرحمن الأعرج ( يغشى الناس ) في موضع الصفة للدخان فإن كان قد مضى على ما قال بن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة وإن كان من أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم هذا ( عذاب أليم ) أي يقول الله لهم : هذا عذاب أليم فمن قال : إن الدخان قد مضى فقوله : هذا عذاب أليم حكاية حال ماضية ومن جعله مستقبلا فهو حكاية حال آتية وقيل : هذا بمعنى ذلك وقيل : أي يقول الناس لذلك الدخان : هذا عذاب أليم وقيل : هو إخبار عن دنو الأمر كما تقول : هذا الشتاء فأعد له < <
الدخان : ( 12 ) ربنا اكشف عنا . . . . . > > < > ( الدخان 12 ) < > أي يقولون ذلك : اكشف عنا العذاب ف إنا مؤمنون أي نؤمن بك إن كشفته عنا قيل : إن قريشا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا ثم نقضوا هذا القول قال قتادة : العذاب هنا الدخان وقيل : الجوع حكاه النقاش قلت : ولا تناقض فإن الدخان لم يكن إلا من الجوع الذي أصابهم على ما تقدم وقد يقال للجوع والقحط : الدخان ليبس الأرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة الأمطار ولهذا يقال لسنة الجدب : الغبراء وقيل : إن العذاب هنا الثلج قال الماوردي : وهذا لا وجه له لأن هذا إنما يكون في الآخرة أو في أهل مكة ولم تكن مكة من بلاد الثلج غير أنه مقول فحكيناه < < الدخان : ( 13 ) أنى لهم الذكرى . . . . . > > < > ( الدخان 13 : 14 ) < > قوله تعالى : ( أنى لهم الذكرى ) أي من أين يكون لهم التذكر والاتعاض عند حلول العذاب ( وقد جاءهم رسول مبين ) يبين لهم الحق والذكرى والذكر واحد قاله البخاري ( ثم تولوا عنه ) أي أعرضوا قال بن عباس : أي متى يتعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه وقيل : أي أنى ينفعهم قولهم : إنا مؤمنون بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة فقد صارت المعارف ضرورية وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة ( وقالوا معلم مجنون ) أي علمه بشر أو علمه الكهنة والشياطين ثم هو مجنون وليس برسول < < الدخان : ( 15 ) إنا كاشفو العذاب . . . . . > > < > ( الدخان 15 ) < > قوله تعالى : ( إنا كاشفوا العذاب قليلا ) أي وقتا قليلا وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه قاله بن مسعود فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم عادوا إلى تكذيبه ومن قال : إن الدخان منتظر قال : أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة ثم من قضى عليه بالكفر يستمر على كفره ومن قال هذا في القيامة قال : أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر وقيل : معنى ( إنكم عائدون ) إلينا أي مبعوثون بعد الموت وقيل : المعنى إنكم عائدون إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا < < الدخان : ( 16 ) يوم نبطش البطشة . . . . . > > < > ( الدخان 16 ) <
> قوله تعالى : ( يوم ) محمول على ما دل عليه ( منتقمون ) أي ننتقم منهم يوم نبطش وأبعده بعض النحويين بسبب أن ما بعد إن لا يفسر ما قبلها وقيل : إن العامل فيه منتقمون وهو بعيد أيضا لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها ولا يحسن تعلقه بقوله : عائدون ولا بقوله : إنا كاشفوا العذاب إذ ليس المعنى عليه ويجوز نصبه بإضمار فعل كأنه قال : ذكرهم أو اذكر ويجوز أن يكون المعنى فإنهم عائدون فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى ولهذا وصل هذا بقصة فرعون فإنهم وعدوا موسى الإيمان إن كشف عنهم العذاب ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا وقيل : إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون كلام تام ثم ابتدأ : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون أي ننتقم من جميع الكفار وقيل : المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش فحذف واو العطف كما تقول : اتق النار اتق العذاب و ( البطشة الكبرى ) في قول بن مسعود : يوم بدر وهو قول بن عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك وقيل : عذاب جهنم يوم القيامة قاله الحسن وعكرمة وبن عباس أيضا واختاره الزجاج وقيل : دخان يقع في الدنيا أو جوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة الماوردي : ويحتمل أنها قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا ويقال : انتقم الله منه أي عاقبه والاسم منه النقمة والجمع النقمات وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة فالعقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة والنقمة قد تكون قبلها قاله بن عباس وقيل : العقوبة ما تقدرت والانتقام غير مقدر < < الدخان : ( 17 ) ولقد فتنا قبلهم . . . . . > > < > ( الدخان 17 ) < > أي ابتليناهم ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الأمر بالطاعة والمعنى : عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا وقيل : فتناهم عذبناهم بالغرق وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير : ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم أي أغرقناهم لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسل والواو لا ترتب ومعنى ( كريم ) أي كريم في قومه وقيل : كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح وقال الفراء : كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام < < الدخان : ( 18 ) أن أدوا إلي . . . . . > > < > ( الدخان 18 : 19 ) < > قوله تعالى : ( أن أدوا إلي عباد الله ) قال بن عباس : المعنى جاءهم فقال : اتبعوني ف عباد الله منادى وقال مجاهد : المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب ف عباد الله على هذا مفعول وقيل : المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي ( إني لكم رسول أمين ) أي أمين على الوحي فاقبلوا نصحي وقيل : أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه ( وألا تعلوا على الله ) أي لا تتكبروا عليه ولا ترتفعوا عن طاعته وقال قتادة : لا تبغوا على الله بن عباس : لا تفتروا على الله والفرق بين البغي والافتراء : أن البغي بالفعل والافتراء بالقول وقال بن جريج : لا تعظموا على الله يحيى بن سلام : لا تستكبروا على عبادة الله والفرق بين التعظيم والاستكبار : أن التعظيم تطاول المقتدر والاستكبار ترفع المحتقر ذكره الماوردي ( إني آتيكم بسلطان مبين ) قال قتادة : بعذر بين وقال يحيى بن سلام بحجة بينة والمعنى واحد أي برهان بين < < الدخان : ( 20 ) وإني عذت بربي . . . . . > > < > ( الدخان 20 ) <
> كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار بالله قال قتادة : ترجمون بالحجارة وقال بن عباس : تشتمون فتقولوا ساحر كذاب وأظهر الذال من عذت نافع وبن كثير وبن عامر وعاصم ويعقوب وأدغم الباقون والإدغام طلبا للتخفيف والإظهار على الأصل ثم قيل : إني عذت بالله فيما مضى لأن الله وعده فقال : فلا يصلون إليكما وقيل : إني أعوذ كما تقول نشدتك بالله وأقسمت عليك بالله أي أقسم < < الدخان : ( 21 ) وإن لم تؤمنوا . . . . . > > < > ( الدخان 21 ) < > قوله تعالى : ( وإن لم تؤمنوا لي ) أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني فاللام في لي لام أجل وقيل : أي وإن لم تؤمنوا بي كقوله : فآمن له لوط العنكبوت أي به ( فاعتزلون ) أي دعوني كفافا لا لي ولا علي قاله مقاتل وقيل : أي كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا وقيل : فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي والمعنى متقارب والله أعلم < < الدخان : ( 22 ) فدعا ربه أن . . . . . > > < > ( الدخان 22 ) < > قوله تعالى : ( فدعا ربه ) فيه حذف أي فكفروا فدعا ربه ( أن هؤلاء ) بفتح أن أي بأن هؤلاء ( قوم مجرمون ) أي مشركون قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان < < الدخان : ( 23 ) فأسر بعبادي ليلا . . . . . > > < > ( الدخان 23 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( فأسر بعبادي ليلا ) أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي أي بمن آمن بالله من بني إسرائيل ( ليلا ) أي قبل الصباح ( إنكم متبعون ) وقرأ أهل الحجاز فاسر بوصل الألف وكذلك بن كثير من سرى الباقون فأسر بالقطع من أسرى وقد تقدم وتقدم خروج فرعون وراء موسى في البقرة والأعراف وطه والشعراء ويونس وإغراقه وإنجاء موسى فلا معنى للإعادة الثانية أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف والخوف يكون بوجهين : إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا فهو من أستار الله تعالى وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو جدب فيتخذ السري مصلحة من ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسري ويدلج ومترفق ويستعجل بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها ( وقد مضى في أول النحل والحمد لله < < الدخان : ( 24 ) واترك البحر رهوا . . . . . > > < > ( الدخان 24 ) <
> قال بن عباس : ( رهوا ) أي طريقا وقاله كعب والحسن وعن بن عباس أيضا سمتا الضحاك والربيع : سهلا عكرمة : يبسا لقوله : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا وقيل : مفترقا مجاهد : منفرجا وعنه يابسا وعنه ساكنا وهو المعروف في اللغة وقاله قتادة والهروي وقال غيرهما : منفرجا وقال بن عرفة : وهما يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلف لفظاهما لأنه إذا سكن جريه انفرج وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السلام والرهو عند العرب : الساكن يقال : جاءت الخيل رهوا أي ساكنة قال : والخيل تمزع رهوا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد الجوهري : ويقال افعل ذلك رهوا أي ساكنا على هينتك وعيش راه أي ساكن رافه وخمس راه إذا كان سهلا ورها البحر أي سكن وقال أبو عبيد : رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح ومنه قوله تعالى : واترك البحر رهوا والرهو : السير السهل يقال : جاءت الخيل رهوا قال بن الأعرابي : رها يرهو في السير أي رفق قال القطامي في نعت الركاب : يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ولا الصدور على الأعجاز تتكل والرهو والرهوة : المكان المرتفع والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء وهو من الأضداد وقال أبو عبيد : الرهو : الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره وفي الحديث أنه قضى أن ( لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة ولا ركح ولا رهو ( والجمع رهاء والرهو : المرأة الواسعة الهن حكاه النضر بن شميل والرهو : ضرب من الطير ويقال هو الكركي قال الهروي : ويجوز أن يكون رهوا من نعت موسى وقاله القشيري أي سر ساكنا على هينتك فالرهو من نعت موسى وقومه لا من نعت البحر وعلى الأول هو من نعت البحر أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فلا تأمره بالانضمام حتى يدخل فرعون وقومه قال قتادة : أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له هذا وقيل : ليس الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين يقال : رها ما بين الرجلين أي فرج فقوله : رهوا أي منفرجا وقال الليث : الرهو مشي في سكون يقال : رها يرهو رهوا فهو راه وعيش راه : وادع خافض وافعل ذلك سهوا رهوا أي ساكنا بغير شدة وقد ذكرناه آنفا ( إنهم ) أي إن فرعون وقومه ( جند مغرقون ) أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه < < الدخان : ( 25 ) كم تركوا من . . . . . > > < > ( الدخان 25 : 27 ) <
> قوله تعالى : ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ) ( كم ) للتكثير وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في الشعراء مستوفي ( ونعمة كانوا فيها فاكهين ) النعمة ( بالفتح ) : التنعيم يقال : نعمه الله وناعمه فتنعم وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى والنعمة ( بالكسر ) : اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك وكذلك النعمى فإن فتحت النون مددت وقلت : النعماء والنعيم مثله وفلان واسع النعمة أي واسع المال جميعه عن الجوهري وقال بن عمر : المراد بالنعمة نيل مصر بن لهيعة : الفيوم بن زياد : أرض مصر لكثرة خيرها وقيل : ما كانوا فيه من السعة والدعة وقد يقال : نعمة ونعمة ( بفتح النون وكسرها ) حكاه الماوردي قال : وفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما أنها بكسر النون في الملك وبفتحها في البدن والدين قاله النضر بن شميل الثاني أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة قاله بن زياد قلت : هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة فكهين بغير ألف ومعناه أشرين بطرين قال الجوهري : فكه الرجل ( بالكسر ) فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا والفكه أيضا الأشر البطر وقرئ ونعمة كانوا فيها فكهين أي أشرين بطرين وفاكهين أي ناعمين القشيري : فاكهين لاهين مازحين يقال : إنه لفاكه أي مزاح وفيه فكاهة أي مزح الثعلبي : وهما لغتان كالحاذر والحذر والفاره والفره وقيل : إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة والفاكهة : فضل عن القوت الذي لا بد منه < < الدخان : ( 28 ) كذلك وأورثناها قوما . . . . . > > < > ( الدخان 28 ) < > قال الزجاج : أي الأمر كذلك فيوقف على كذلك وقيل : إن الكاف في موضع نصب على تقدير نفعل فعلا كذلك بمن نريد إهلاكه وقال الكلبي : كذلك أفعل بمن عصاني وقيل : كذلك كان أمرهم فأهلكوا ( وأورثناها قوما آخرين ) يعني بني إسرائيل ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين فصاروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث ونظيره : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها الآية < < الدخان : ( 29 ) فما بكت عليهم . . . . . > > < > ( الدخان 29 ) <
> قوله تعالى : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) أي لكفرهم ( وما كانوا منظرين ) أي مؤخرين بالغرق وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء والأرض أي عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق وبكته الليالي الشاتيات قال الشاعر فالريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامه وقال آخر : والشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وقالت الخارجية : أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على بن طريف وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد وقيل : في الكلام إضمار أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة كقوله تعالى : واسأل القرية يوسف بل سروا بهلاكهم قاله الحسن وروي يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه ثم تلا فما بكت عليهم السماء والأرض ( يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم لأجله ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك وقال مجاهد : إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا قال أبو يحيى : فعجبت من قوله فقال : أتعجب وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل وقال علي وبن عباس رضي الله عنهما : إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء وتقدير الآية على هذا : فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض وهو معنى قول سعيد بن جبير وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه : أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد وقال شريح الحضرمي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة قيل : من هم يا رسول الله قال هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ثم قال ألا لا غربة على مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بكت عليهم السماء والأرض ثم قال ألا إنهما لا يبكيان على الكافر ( قلت : وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال : حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عطاء الخرساني قال : ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت وقيل : بكاؤهما حمرة أطرافهما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعطاء والسدي والترمذي محمد بن علي وحكاه عن الحسن قال السدي : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال : لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر قال يزيد واحمرارها بكاؤها وقال محمد بن سيرين : أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وقال سليمان القاضي : مطرنا دما يوم قتل الحسين قلت : روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن بن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الشفق الحمرة ( وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا : الشفق شفقان : الحمرة والبياض فإذا غابت الحمرة حلت الصلاة وعن أبي هريرة قال : الشفق الحمرة وهذا يرد ما حكاه بن سيرين وقد تقدم في سبحان عن قرة بن خالد قال : ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي وحمرتها بكاؤها وقال محمد بن علي الترمذي : البكاء إدرار الشيء فإذا أدرت العين بمائها قيل بكت وإذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت لأن المؤمن نور ومعه نور الله فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك فإن فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت باغبرارها لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن فإذا قبض المؤمن منها درت بغبرتها وقال أنس : لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن وقال نصر بن عاصم : إن أول الآيات حمرة تظهر وإنما ذلك لدنو الساعة فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين وقيل : بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن قلت : والقول الأول أظهر إذ لا استحالة في ذلك وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم كما بيناه في سبحان ومريم وحم فصلت فكذلك تبكي مع ما جاء من الخبر في ذلك والله أعلم بصواب هذه الأقوال < <
الدخان : ( 30 ) ولقد نجينا بني . . . . . > > < > ( الدخان 30 : 31 ) < > يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون من قتل الأبناء واستخدام النساء واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة ( من فرعون ) بدل من العذاب المهين فلا تتعلق من بقوله : من العذاب لأنه قد وصف وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل وقيل : أي أنجيناهم من العذاب ومن فرعون ( إنه كان عاليا من المسرفين ) أي جبارا من المشركين وليس هذا علو مدح بل هو علو في الإسراف كقوله : إن فرعون علا في الأرض وقيل : هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله < < الدخان : ( 32 ) ولقد اخترناهم على . . . . . > > < > ( الدخان 32 ) < > قوله تعالى : ( ولقد اخترناهم ) يعني بني إسرائيل ( على علم ) أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم ( على العالمين ) أي عالمي زمانهم بدليل قوله لهذه الأمة : كنتم خير أمة أخرجت للناس وهذا قول قتادة وغيره وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم حكاه بن عيسى والزمخشري وغيرهما ويكون قوله : كنتم خير أمة أي بعد بني إسرائيل والله أعلم وقيل : يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون < < الدخان : ( 33 ) وآتيناهم من الآيات . . . . . > > < > ( الدخان 33 ) < > قوله تعالى : ( وآتيناهم من الآيات ) أي من المعجزات لموسى ( ما فيه بلاء مبين ) قال قتادة : الآيات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى ويكون هذا الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل وقيل : إنها العصا واليد ويشبه أن يكون قول الفراء ويكون الخطاب متوجها إلى قوم فرعون وقول ثالث إنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به قاله عبد الرحمن بن زيد ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل وفي قوله : بلاء مبين أربعة أوجه : أحدها نعمة ظاهرة قاله الحسن وقتادة كما قال الله تعالى : وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا وقال زهير : فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو الثاني عذاب شديد قاله الفراء الثالث اختبار يتميز به المؤمن من الكافر قاله عبد الرحمن بن زيد وعنه أيضا : ابتلاؤهم بالرخاء والشدة ثم قرأ ونبلوكم بالشر والخير فتنة < < الدخان : ( 34 ) إن هؤلاء ليقولون > > < > ( الدخان 34 : 36 ) < > قوله تعالى : ( إن هؤلاء ليقولون ) يعني كفار قريش ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) ابتداء وخبر مثل : إن هي إلا فتنتك إن هي إلا حياتنا الدنيا ( وما نحن بمنشرين ) أي بمبعوثين ( فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) أنشر الله الموتى فنشروا وقد تقدم والمنشورون المبعوثون قيل : إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل قال : يا محمد إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا : أحدهما قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف فكأنه قال : إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف وهو كقول قائل : لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء فلم لا يرجع من مضى من الآباء حكاه الماوردي ثم قيل : فأتوا بآبائنا مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحده كقوله : رب ارجعون قاله الفراء وقيل : مخاطبة له ولأتباعه < < الدخان : ( 37 ) أهم خير أم . . . . . > > <
> ( الدخان 37 : 39 ) <
> قوله تعالى : أهم خير أم قوم تبع هذا استفهام إنكار أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء وقيل : المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالا أم قوم تبع وقيل : أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين وكسرى للفرس وقيصر للروم وقال أبو عبيدة : سمي كل واحد منهم تبعا لأنه يتبع صاحبه قال الجوهري : والتبابعة ملوك اليمن واحدهم تبع والتبع أيضا الظل وقال يرد المياه حضيرة ونفيضة ورد القطاة إذا اسمأل التبع والتبع أيضا ضرب من الطير وقال السهيلي : تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر وحضرموت وإن ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع قاله المسعودي فمن التبابعة : الحارث الرائش وهو بن همال ذي سدد وأبرهة ذو المنار وعمرو ذو الأذعار وشمر بن مالك الذي تنسب إليه سمرقند وأفريقيس بن قيس الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان وبه سميت إفريقية والظاهر من الآيات : أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره ولذلك قال عليه السلام : ( ولا أدري أتبع لعين أم لا ( ثم قد روي عنه أنه قال : ( لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا ( فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه وهو والله أعلم أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد وقال شعرا أودعه عند أهلها فكانوا يتوارثوه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فأدوه إليه ويقال : كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد وفيه : شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وبن عم وذكر الزجاج وبن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له بصنعاء ويقال بناحية حمير في الإسلام فوجد فيه امرأتان صحيحتان وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب هذا قبر حبي ولميس ويروى أيضا : حبي وتماضر ويروى أيضا : هذا قبر رضوي وقبر حبي ابنتا تبع ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما قلت : وروى بن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه : أما بعد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك ورب كل شيء وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام فإن أدركتك فبها ونعمت وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام ثم ختم الكتاب ونقش عليه : لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم من تبع الأول وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في اللمع اللؤلؤية شرح العشر بينات النبوية للفارابي رحمه الله وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة لا يزيد ولا ينقص واختلف هل كان نبيا أو ملكا فقال بن عباس : كان تبع نبيا وقال كعب : كان تبع ملكا من الملوك وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم وقالت عائشة رضي الله عنها : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من حمير سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها حكاه الماوردي وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري وكان سار بالجنود حتى عبر الحيرة وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد وقال الكلبي : تبع هو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب وإنما سمي تبعا لأنه تبع من قبله وقال سعيد بن جبير : هو الذي كسا البيت الحبرات وقال كعب : ذم الله قومه ولم يذمه وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم لأنهم كانوا مجرمين كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك وافتخر أهل اليمن بهذه الآية إذ جعل الله قوم تبع خيرا من قريش وقيل : سمي أولهم تبعا لأنه اتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر قوله تعالى : ( والذين من قبلهم أهلكناهم ) الذين في موضع رفع عطف على قوم تبع أهلكناهم صلته ويكون من قبلهم متعلقا به ويجوز أن يكون من قبلهم صلة الذين ويكون في الظرف عائد إلى الموصول وإذا كان كذلك كان أهلكناهم على أحد أمرين : إما أن يقدر معه قد فيكون في موضع الحال أو يقدر حذف موصوف كأنه قال : قوم أهلكناهم والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين ويجوز أن يكون والذين من قبلهم ابتداء خبره أهلكناهم ويجوز أن يكون الذين في موضع جر عطفا على تبع كأنه قال : قوم تبع المهلكين من قبلهم ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل دل عليه أهلكناهم والله أعلم قوله تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) أي غافلين قاله مقاتل وقيل : لاهين وهو قول الكلبي ( وما خلقناهما إلا بالحق ) أي إلا بالأمر الحق قاله مقاتل وقيل : إلا للحق قاله الكلبي والحسن وقيل : إلا لإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته وقد مضى هذا المعنى في الأنبياء ( ولكن أكثرهم ) يعني أكثر الناس ( لا يعلمون ) ذلك < <
الدخان : ( 40 ) إن يوم الفصل . . . . . > > < > ( الدخان 40 ) < > ( يوم الفصل ) هو يوم القيامة وسمي بذلك لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه دليله قوله تعالى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم الممتحنة ونظيره قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ف يوم الفصل ميقات الكل كما قال تعالى : إن يوم الفصل كان ميقاتا النبأ أي الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن والفصل بينهما : فريق في الجنة وفريق في السعير وهذا غاية في التحذير والوعيد ولا خلاف بين القراء في رفع ميقاتهم على أنه خبر إن واسمها يوم الفصل وأجاز الكسائي والفراء نصب ميقاتهم ب إن ويوم الفصل ظرف في موضع خبر إن أي إن ميقاتهم يوم الفصل < < الدخان : ( 41 ) يوم لا يغني . . . . . > > < > ( الدخان 41 : 42 ) < > قوله تعالى : ( يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ) يوم بدل من يوم الأول والمولى : الولي وهو بن العم والناصر أي لا يدفع بن عم عن بن عمه ولا قريب عن قريبه ولا صديق عن صديقه ( ولا هم ينصرون ) أي لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته ونظير هذه الآية : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية ( إلا من رحم الله ) من رفع على البدل من المضمر في ينصرون كأنك قلت : لا يقوم أحد إلا فلان أو على الابتداء والخبر مضمر كأنه قال : إلا من رحم الله فمغفور له أو فيغنى عنه ويشفع وينصر أو على البدل من مولى الأول كأنه قال : لا يغني إلا من رحم الله وهو عند الكسائي والفراء نصب على الاستثناء المنقطع أي لكن من رحم الله لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين ويجوز أن يكون استثناء متصلا أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض ( إنه هو العزيز الرحيم ) أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه كما قال : شديد العقاب ذي الطول فقرن الوعد بالوعيد < < الدخان : ( 43 ) إن شجرة الزقوم > > < > ( الدخان 43 : 46 ) <
> قوله تعالى : ( إن شجرة الزقوم ) كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء إلا حرفا واحدا في سورة الدخان إن شجرة الزقوم طعام الأثيم قاله بن الأنباري و ( الأثيم ) الفاجر قاله أبو الدرداء وكذلك قرأ هو وبن مسعود وقال همام بن الحارث : كان أبو الدرداء يقرئ رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل يقول : طعام اليتيم فلما لم يفهم قال له : طعام الفاجر قال أبو بكر الأنباري : حدثني أبي قال حدثنا نصر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن بن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال : علم عبد الله بن مسعود رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فقال الرجل : طعام اليتيم فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ فلما رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له : أما تحسن أن تقول طعام الفاجر قال بلى قال فافعل ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريعا للمتعلم وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الزمخشري : وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة وهي أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا قالوا : وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة لأن في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض مالا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر وروي علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية وشجرة الزقوم : الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسماها الشجرة الملعونة فإذا جاع أهل النار والتجئوا إليها فأكلوا منها فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل وهو النحاس المذاب وقراءة العامة تغلي بالتاء حملا على الشجرة وقرأ بن كثير وحفص وبن محيصن ورويس عن يعقوب يغلي بالياء حملا على الطعام وهو في معنى الشجرة ولا يحمل على المهل لأنه ذكر للتشبيه والأثيم الآثم من أثم يأثم إثما قاله القشيري وبن عيسى وقيل هو المشرك المكتسب للإثم قاله يحيى بن سلام وفي الصحاح : وقد أثم الرجل ( بالكسر ) إثما ومأثما إذا وقع في الإثم فهو آثم وأثيم وأثوم أيضا فمعنى طعام الأثيم أي ذي الإثم الفاجر وهو أبو جهل وذلك أنه قال : يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم وإنما هو الثريد بالزبد والتمر فبين الله خلاف ما قاله وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل قلت : وهذا لا يصح عن مجاهد وهو مردود بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة الصافات وسبحان أيضا < < الدخان : ( 47 ) خذوه فاعتلوه إلى . . . . . > > < > ( الدخان 47 : 48 ) <
> قوله تعالى : ( خذوه ) أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم ( فاعتلوه ) أي جروه وسوقوه والعتل : أن تأخذ بتلابيب الرجل فتعتله أي تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية عتلت الرجل أعتله وأعتله عتلا إذا جذبته جذبا عنيفا ورجل معتل ( بالكسر ) وقال يوصف فرسا : نفرعه فرعا ولسانا نعتله وفيه لغتان عتله وعتنه ( باللام والنون جميعا ) قاله بن السكيت وقرأ الكوفيون وأبو عمرو فاعتلوه بالكسر وضم الباقون ( إلى سواء الجحيم ) وسط الجحيم ( ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ) قال مقاتل : يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل بمقمع من حديد فيتفتت رأسه عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك فيه ماء حار حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه فيقول الملك : ذق العذاب ونظيره : يصب من فوق رؤوسهم الحميم < < الدخان : ( 49 ) ذق إنك أنت . . . . . > > < > ( الدخان 49 : 50 ) < > قوله تعالى : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال بن الأنباري : أجمعت العوام على كسر إن وروي عن الحسن عن علي رحمه الله ذق أنك بفتح أن وبها قرأ الكسائي فمن كسر إن وقف على ذق ومن فتحها لم يقف على ذق لأن المعنى ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم قال قتادة : نزلت في أبي جهل وكان قد قال : ما فيها أعز مني ولا أكرم فلذلك قيل له : ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال عكرمة : التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى ( فقال : بأي شيء تهددني والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه فقتله الله يوم بدر وأذله ونزلت هذه الآية أي يقول له الملك : ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك وقيل : هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والأمانة والإهانة والتنقيص أي قال له : إنك أنت الذليل المهان وهو كما قال قوم شعيب لشعيب : إنك لأنت الحليم الرشيد هود يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدم وهذا قول سعيد بن جبير ( إن هذا ما كنتم به تمترون ) أي تقول لهم الملائكة : إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا < < الدخان : ( 51 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( الدخان 51 : 53 ) < > قوله تعالى : ( إن المتقين في مقام أمين ) لما ذكر مستقر الكافرين وعذابهم ذكر نزل المؤمنين ونعيمهم وقرأ نافع وبن عامر في مقام بضم الميم الباقون بالفتح قال الكسائي : المقام المكان والمقام الإقامة كما قال : عفت الديار محلها فمقامها قال الجوهري : وأما المقام والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة وقد يكون بمعنى موضع القيام لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم لأن الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة نحو دحرج وهذا مدحرجنا وقيل : المقام ( بالفتح ) المشهد والمجلس و ( بالضم ) يمكن أن يراد به المكان ويمكن أن يكون مصدرا ويقدر فيه المضاف أي في موضع إقامة ( أمين ) يؤمن فيه من الآفات ( في جنات وعيون ) بدل من مقام أمين ( يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ) لا يرى بعضهم قفا بعض متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا والسندس : ما رق من الديباج والإستبرق : ما غلظ منه وقد مضى في الكهف < < الدخان : ( 54 ) كذلك وزوجناهم بحور . . . . . > > <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?