Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V03/P032–V03/P035

> قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) حسبتم معناه ظننتم قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد وكان كما قال الله تعالى : ( وبلغت القلوب الحناجر ) وقيل : نزلت في حرب أحد نظيرها في آل عمران ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله واظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم أم حسبتم وأم هنا منقطعة بمعنى بل وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها وحسبتم تطلب مفعولين فقال النحاة : أن تدخلوا تسد مسد المفعولين وقيل : المفعول الثانى محذوف : أحسبتم دخولكم الجنة واقعا ولما بمعنى لم ومثل معناه شبه أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا وحكى النضر بن شميل أن مثل يكون بمعنى صفة ويجوز أن يكون المعنى : ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم أي من البلاء قال وهب : وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا موتى كان سبب موتهم الجوع والقمل ونظير هذه الآية ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم على ما يأتي فاستدعاهم تعالى إلى الصبر ووعدهم على ذلك بالنصر فقال : ( ألا إن نصر الله قريب ) والزلزلة : شدة التحريك تكون في الأشخاص وفى الأحوال يقال : زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا بالكسر فتزلزلت إذا تحركت واضطربت فمعنى زلزلوا خوفوا وحركوا والزلزال بالفتح الاسم والزلازل : الشدائد وقال الزجاج : أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه فإذا قلت : زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه ومذهب سيبويه أن زلزل رباعى كدحرج وقرأ نافع حتى يقول بالرفع والباقون بالنصب ومذهب سيبويه في حتى أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين تقول : سرت حتى أدخل المدينة بالنصب على أن السير والدخول جميعا قد مضيا أي سرت إلى أن أدخلها وهذه غاية وعليه قراءة من قرأ بالنصب والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها أي كى أدخلها والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها أي سرت فأدخلها وقد مضيا جميعا أي كنت سرت فدخلت ولا تعمل حتى ها هنا بإضمار أن لأن بعدها جملة كما قال الفرزدق : فيا عجبا حتى كليب تسبني قال النحاس : فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى والرسول هنا شعيا في قول مقاتل وهو اليسع وقال الكلبى : هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال : متى نصر الله وروى عن الضحاك قال : يعنى محمد صلى الله عليه وسلم وعليه يدل نزول الآية والله أعلم والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن وحكى سيبويه : مرض حتى لا يرجونه أي هو الآن لا يرجى ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وبن محيصن وشيبة وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وبن أبى إسحاق وشبل وغيرهم قال مكى : وهو الاختيار لأن جماعة القراء عليه وقرأ الأعمش وزلزلوا ويقول الرسول بالواو بدل حتى وفى مصحف بن مسعود وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين أي بلغ الجهد بهم حتى استبطئوا النصر فقال الله تعالى : ألا إن نصر الله قريب ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب والرسول اسم جنس وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان قال بن عطية : وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر ويحتمل أن يكون ألا إن نصر الله قريب إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول قوله تعالى : ( متى نصر الله ) رفع بالابتداء على قول سيبويه وعلى قول أبى العباس رفع بفعل أي متى يقع نصر الله وقريب خبر إن قال النحاس : ويجوز في غير القرآن قريبا أي مكانا قريبا وقريب لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه فى هذا المعنى قال الله عز وجل : إن رحمة الله قريب من المحسنين وقال الشاعر : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا بسباسة بنة يشكرا فإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء < <

Sección V03/P035–V03/P036

البقرة : ( 215 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . . > > < > ( البقره 215 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى ( يسئلونك ) إن خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت : يسلونك ونزلت الآية في عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا فقال : يا رسول الله إن مالى كثير فبماذا أتصدق وعلى من أنفق فنزلت يسئلونك ماذا ينفقون الثانية قوله تعالى : ( ماذا ينفقون ) ما في موضع رفع بالابتداء وذا الخبر وهو بمعنى الذي وحذفت الهاء لطول الاسم أي ما الذي ينفقونه وإن شئت كانت ما في موضع نصب ب ينفقون وذا مع ما بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب إلا ما جاء في قول الشاعر وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إننى لك عاشق فإن عسى لا تعمل فيه ف ماذا في موضع رفع وهو مركب إذ لا صلة ل ذا الثالثة قيل : إن السائلين هم المؤمنون والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها وأين يضعون ما لزم إنفاقه قال السدى : نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة قال بن عطية : ووهم المهدوى على السدى في هذا فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان وقال بن جريج وغيره : هي ندب والزكاة غير هذا الإنفاق فعلى هذا لا نسخ فيها وهى مبينة لمصارف صدقة التطوع فواجب على الرجل الغنى أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله من طعام وكسوة وغير ذلك قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه وعليه أن ينفق على امرأة أبيه كانت أمه أو أجنبية وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر لأنها مستحقة بالنفقة والاسلام الرابعة قوله تعالى : ( قل ما أنفقتم ) ما في موضع نصب ب أنفقتم وكذا وما تنفقوا وهو شرط والجواب فللوالدين وكذا وما تفعلوا من خير شرط وجوابه فإن الله به عليم وقد مضى القول في اليتيم والمسكين وبن السبيل ونظير هذه الآية قوله تعالى : فآت ذا القربى حقه والمسكين وبن السبيل وقرأ علي بن أبى طالب يفعلوا بالياء على ذكر الغائب وظاهر الآية الخبر وهى تتضمن الوعد بالمجازاة < < البقرة : ( 216 ) كتب عليكم القتال . . . . . > > < > ( 216 ) <

Sección V03/P036–V03/P039

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( كتب ) معناه فرض وقد تقدم مثله وقرأ قوم كتب عليكم القتل وقال الشاعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول هذا هو فرض الجهاد بين سبحانه إن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة إلى الجنة والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال ولم يؤذن للنبى صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ثم أذن له في قتال المشركين عامة واختلفوا من المراد بهذه الآية فقيل : أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم خاصة فكان القتال مع النبى صلى الله عليه وسلم فرض عين عليهم فلما استقر الشرع صار على الكفاية قال عطاء والأوزاعى قال بن جريج : قلت لعطاء : أواجب الغزو على الناس في هذه الآية فقال : لا إنما كتب على أولئك وقال الجمهور من الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أستنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته وقال سعيد بن المسيب : إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا حكاه الماوردى قال بن عطية : والذي استمر عليه الاجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة الاسلام فهو حينئذ فرض عين وسيأتي هذا مبينا في سورة ( براءة ) إن شاء الله تعالى وذكر المهدوى وغيره عن الثورى أنه قال : الجهاد تطوع قال بن عطية : وهذه العبارة عندى إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد فقيل له : ذلك تطوع الثانية قوله تعالى : ( وهو كره لكم ) ابتداء وخبر وهو كره في الطباع قال بن عرفة : الكره المشقة والكره بالفتح ما أكرهت عليه هذا هو الاختيار ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين يقال : كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية وأكرهته عليه إكراها وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس فكانت كراهيتهم لذلك لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى وقال عكرمة في هذه الآية : إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا : سمعنا وأطعنا وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات قلت : ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق الثالثة قوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا ) قيل : عسى بمعنى قد قاله الأصم وقيل : هي واجبة وعسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله وقال أبو عبيدة : عسى من الله إيجاب والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات مات شهيدا وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم قلت : وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأي بلاد وأسر وقتل وسبى واسترق فإنا الله وإنا إليه راجعون ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تحبه فيه عطبك وأنشد أبو سعيد الضرير : رب أمر تتقيه جر أمرا ترتضيه خفى المحبوب منه وبدا المكروه فيه < < البقرة : ( 217 ) يسألونك عن الشهر . . . . . > > <

Sección V03/P039

> ( البقره 217 : 218 ) <

Sección V03/P039–V03/P050

> فيه اثنتا عشر مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يسئلونك ) تقدم القول فيه وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن : ( يسألونك عن المحيض ) ( يسألونك عن الشهر الحرام ) ( يسألونك عن اليتامى ) ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال بن عبد البر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث وروى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال : ولا تكرهن أصحابك على المسير فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله قال : فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا بن الحضرمى فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام الآية وروى أن سبب نزولها أن رجلين من بنى كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمرى وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبى صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام فنزلت الآية والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر وأن النبى صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط وقيل ثمانية في جمادى الأخرة قبل بدر بشهرين وقيل في رجب قال أبو عمر في كتاب الدرر له : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى أقام بالمدينة بقية جمادى الاخرة ورجب وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن وعتبة بن غزوان وسهيل بن بيضاء الفهرى وسعد بن أبى وقاص وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله التميمى وخالد بن بكير الليثى وكتب لعبد الله بن جحش كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ( فيمضى لما أمره به ( ولا يستكره أحدا من أصحابه وكان أميرهم ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : ( إذا نظرت في كتابى هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم ( فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ثم أخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكره أحدا منهم وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب فيه وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضوا معه فسلك على الحجاز وشرد لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمى واسم الحضرمى عبد الله بن عباد من الصدف والصدف بطن من حضرموت وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان والحكم بن كيسان مولى بنى المغيرة فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام : وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ثم اتفقوا على لقائهم فرمى واقد بن عبد الله التميمى عمرو بن الحضرمى فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبد الله ثم قدموا بالعير والأسيرين وقال لهم عبد الله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا فكان أول خمس في الأسلام ثم نزل القرآن : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة وهى أول غنيمة غنمت في الاسلام وأول أمير وعمرو بن الحضرمى أول قتيل وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بن الحضرمى في الشهر الحرام فسقط في أيدى القوم فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله : هم فيها خالدون وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في الأسيرين فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين وقيل : إن انطلاق سعد بن أبى وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله بن جحش وإن عمرو بن الحضرمى وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد فزعوا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فأذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم وتشاوروا في قتالهم الحديث وتفاءلت اليهود وقالوا : واقد وقدت الحرب وعمرو عمرت الحرب والحضرمى حضرت الحرب وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال : لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرا وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذوه فأنه خبيث الجيفة خبيث الدية ( فهذا سبب نزول قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام وذكر بن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمى كان في آخر يوم من رجب على ما تقدم وذكر الطبرى عن السدى وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة والأول أشهر على أن بن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى قال بن عطية : وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية فالجمهور على نسخها وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح واختلفوا في ناسخها فقال الزهري : نسخها وقاتلوا المشركين كافة وقيل : نسخها غزو النبى صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام وقيل : نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة وهذا ضعيف فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمى : فأنزل الله عز وجل يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية قال : فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان وأن الذى يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين فبلغنا أن النبى صلى الله عليه وسلم عقل بن الحضرمى وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله عز وجل ( براءة من الله ورسوله وكان عطاء يقول : الآية محكمة ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم ويحلف على ذلك لأن الآيات التى وردت بعدها عامة في الأزمنة وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق وروى أبو الزبير عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى الثالثة قوله تعالى : ( قتال فيه ) قتال بدل عند سيبويه بدل اشتمال لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه قال الزجاج : المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام وقال القتبى : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز فأبدل قتالا من الشهر وأنشد سيبويه : فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وقرأ عكرمة يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل بغير ألف فيهما وقيل : المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه وهكذا قرأ بن مسعود فيكون مخفوضا بعن على التكرير قاله الكسائى وقال الفراء : هو مخفوض على نية عن وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار قال النحاس : لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذ وهو قولهم : هذا حجر ضب خرب والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية : هذان : حجرا ضب خربان وإنما هذا بمنزلة الأقواء ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها قال بن عطية : وقال أبو عبيدة : هو خفض على الجوار وقوله هذا خطأ قال النحاس : ولا يجوز إضمار عن والقول فيه أنه بدل وقرأ الأعرج يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه بالرفع قال النحاس : وهو غامض في العربية والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه فقوله : يسألونك يدل على الاستفهام كما قال امرؤ القيس أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل والمعنى : أترى برقا فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التى في أصاح تدل عليها وإن كانت حرف نداء كما قال الشاعر : تروح من الحي أم تبتكر والمعنى : أتروح فحذف الألف لأن أم تدل عليها الرابعة قوله تعالى : ( قل قتال فيه كبير ) ابتداء وخبر أي مستنكر لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين والشهر في الآية اسم جنس وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده فكانت لا تسفك دما ولا تغير في الأشهر الحرم وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة سرد وواحد فرد وسيأتى لهذا مزيد بيان في المائدة إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( وصد عن سبيل الله ) ابتداء وكفر به عطف على صد والمسجد الحرام عطف على سبيل الله وإخراج أهله منه عطف على صد وخبر الابتداء أكبر عند الله أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام قاله المبرد وغيره وهو الصحيح لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها وكفر به أي بالله وقيل : وكفر به أي بالحج والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام وقال الفراء : صد عطف على كبير والمسجد عطف على الهاء في به فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع قال بن عطية : وذلك خطأ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله : وكفر به أي بالله عطف أيضا على كبير ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله وهذا بين فساده ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الاسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله وقال عبد الله بن جحش رضى الله عنه : تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن غيرتمونا بقتله وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من بن الحضرمى رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وبن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاند وقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير منسوخ بقوله : وقاتلوا المشركين كافة ) وبقوله : فاقتلوا المشركين وقال عطاء : لم ينسخ ولا ينبغى القتال في الأشهر الحرم وقد تقدم السادسة قوله تعالى : ( والفتنة أكبر من القتل ) قال مجاهد وغيره : الفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك وقال الجمهور : معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أي أن ذلك أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام السابعة قوله تعالى ( ولا يزالون ) ابتداء خبر من الله تعالى وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة قال مجاهد : يعنى كفار قريش ويردوكم نصب بحتى لأنها غاية مجردة الثامنة قوله تعالى : ( ومن يرتدد ) أي يرجع عن الاسلام إلى الكفر ( فأولئك حبطت ) أي بطلت وفسدت ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشى في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الاسلام التاسعة واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا وهل يحبط عمله بنفس الردة أم لا إلا على الموافاة على الكفر وهل يورث أم لا فهذه ثلاث مسائل : الأولى قالت طائفة : يستتاب فإن تاب وإلا قتل وقال بعضهم : ساعة واحدة وقال آخرون يستتاب شهرا وقال آخرون : يستتاب ثلاثا على ما روى عن عمر وعثمان وهو قول مالك رواه عنه بن القاسم وقال الحسن : يستتاب مائة مرة وقد روى عنه أنه يقتل دون استتابة وبه قال الشافعي في أحد قوليه وهو أحد قولى طاوس وعبيد بن عمير وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون كان يقول : يقتل المرتد ولا يستتاب واحتج بحديث معاذ وأبى موسى وفيه : أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن اتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال : انزل وألقى إليه وسادة وإذا رجل عنده موثق قال : ما هذا قال : هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود قال : لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال : اجلس قال : نعم لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل خرجه مسلم وغيره وذكر أبو يوسف عن أبى حنيفة أن المرتد يعرض عليه الاسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب والزنديق عندهم والمرتد سواء وقال مالك : وتقتل الزنادقة ولا يستتابون وقد مضى هذا أول البقرة واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر فقال مالك وجمهور الفقهاء : لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه وحكى بن عبد الحكم عن الشافعى أنه يقتل لقوله عليه السلام : ( من بدل دينه فاقتلوه ( ولم يخص مسلما من كافر وقال مالك : معنى الحديث من خرج من الاسلام إلى الكفر وأما من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث وهو قول جماعة من الفقهاء والمشهور عن الشافعى ما ذكره المزنى والربيع أن المبدل لدينه من أهل الذمة يلحقه الامام بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد واختلفوا في المرتدة فقال مالك والأوزاعى والشافعى والليث بن سعد : تقتل كما يقتل المرتد سواء وحجتهم ظاهر الحديث : ( من بدل دينه فاقتلوه ( ومن يصلح للذكر والأنثى وقال الثورى وأبو حنيفة وأصحابه : لا تقتل المرتدة وهو قول بن شبرمة وإليه ذهب بن علية وهو قول عطاء والحسن واحتجوا بأن بن عباس روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من بدل دينه فاقتلوه ( ثم إن بن عباس لم يقتل المرتدة ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله وروى عن على مثله ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان واحتج الأولون بقوله عليه السلام : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان ( فعم كل من كفر بعد إيمانه وهو أصح العاشرة قال الشافعي : إن من ارتد ثم عاد إلى الاسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله وقال مالك : تحبط بنفس الردة ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم فقال مالك : يلزمه الحج لأن الأول قد حبط بالردة وقال الشافعى : لا إعادة عليه لأن عمله باق واستظهر علماؤنا بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك قالوا : وهو خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا وقال أصحاب الشافعي بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة وبيان أن النبى صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم لكنه لا يشرك لفضل مرتبته كما قال : يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم بن العربى وقال علماؤنا : إنما ذكر الله الموافاة شرطا ها هنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكان أحدهما لحرمة الدين والثانى لحرمة النبى صلى الله عليه وسلم ولكل هتك حرمة عقاب وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات والله أعلم الحادية عشرة وهى اختلاف العلماء في ميراث المرتد فقال علي بن أبى طالب والحسن والشعبى والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه : ميراث المرتد لورثته من المسلمين وقال مالك وربيعة وبن أبى ليلى والشافعي وأبو ثور : ميراثه في بيت المال وقال بن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين : ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين وقال أبو حنيفة ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء وما كان مكتسبا في حالة الاسلام ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون وأما بن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا يفصلون بين الأمرين ومطلق قوله عليه السلام : ( لا وراثة بين أهل ملتين ( يدل على بطلان قولهم وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال : يرثونه الثانية عشرة قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا ) الآية قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبد الله التميمى عمرو بن الحضرمى في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذى وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا فالاشارة إليهم في قوله : إن الذين امنوا ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل وقيل : أن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر فأنزل الله : إن الذين امنوا والذين هاجروا إلى اخر الآية والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثارا للثانى والهجر ضد الوصل وقد هجره هجرا وهجرانا والاسم الهجرة والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية والتهاجر التقاطع ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب وليس أهل مكة مهاجرين على قوله وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد مجاهدة وجهادا والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة ويرجون معناه يطمعون ويستقربون وإنما قال يرجون وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين : أحدهما لا يدري بما يختم له والثانى لئلا يتكل على عمله والرجاء ينعم والرجاء أبدا معه خوف ولا بد كما أن الخوف معه رجاء والرجاء من الأمل ممدود يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته قال بشر يخاطب بنته : فرجى الخير وانتظري إيابي إذا ما القارظ العنزى أبا وما لي في فلان رجية أي ما أرجو وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون عظمة الله قال أبو ذؤيب : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل أي لم يخف ولم يبال والرجا مقصور : ناحية البئر وحافتاها وكل ناحية رجا والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا فيقصرون ولا يمدون < <

Sección V03/P050

البقرة : ( 219 ) يسألونك عن الخمر . . . . . > > < > ( البقره 219 ) <

Sección V03/P050–V03/P061

> قوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يسألونك ) السائلون هم المؤمنون كما تقدم والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ومنه خمار المرأة وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ومنه ( خمروا آنيتكم ( فالخمر تخمر العقل أي تغطيه وتستره ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر بفتح الميم لأنه يغطى ما تحته ويستره يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها قال الشاعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التى يستتر بها الذئب وغيره وقال العجاج يصف جيشا يمشى برايات وجيوش غير مستخف : فى لامع العقبان لا يمشى الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجر ومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم أي هو في مكان خاف فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت كما يقال : قد اختمر العجين أي بلغ إدراكه وخمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهى المخالطة ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم فالمعانى الثلاثة متقاربة فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل ثم خمرته والأصل الستر والخمر : ماء العنب الذي غلي أو طبخ وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسا على الميسر والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها الثانية والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره والحد في ذلك واجب وقال أبو حنيفة والثورى وبن أبى ليلى وبن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه وهذا ضعيف يرده النظر والخبر على ما يأتى بيانه في المائدة والنحل إن شاء الله تعالى الثالثة قال بعض المفسرين : إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة فكذلك تحريم الخمر وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر ثم بعده : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ثم قوله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ثم قوله : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه على ما يأتى بيانه في المائدة الرابعة قوله تعالى : ( والميسر ) الميسر : قمار العرب بالأزلام قال بن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وبن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبى طالب رضى الله عنه وبن عباس ايضا : كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق على ما يأتى وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو وميسر القمار فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهى كلها وميسر القمار : ما يتخاطر الناس عليه قال علي بن أبى طالب : الشطرنج ميسر العجم وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء وسيأتى في يونس زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى والميسر مأخوذ من اليسر وهو وجوب الشيء لصاحبه يقال : يسر لى كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا والياسر : اللاعب بالقداح وقد يسر ييسر قال الشاعر : فأعنهم وايسر بما ي س ر وا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزل وقال الأزهرى : الميسر : الجزور الذى كانوا يتقامرون عليه سمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة وكل شيء جزأته فقد يسرته والياسر : الجازر لأنه يجزئ لحم الجزور قال : وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك وفى الصحاح : ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها قال سحيم بن وثيل اليربوعى : أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيأسوا أنى بن فارس زهدم كان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام ويقال : يسر القوم إذا قامروا ورجل يسر وياسر بمعنى والجمع أيسار قال النابغة : أنى أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما وقال طرفة : وهم أيسار لقمان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزر وكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم قال الشاعر : وناجية نحرت لقوم صدق وما ناديت أيسار الجزر الخامسة روى مالك في الموطأ عن داؤد بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد حيوانه بلحمه وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذى أعطى أو أقل أو أكثر وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كان من جنس واحد والجنس الواحد عنده الابل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش وذوات الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه لأنه عنده من باب المزابنة كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم ونحو ذلك والطير عنده كله جنس واحد وكذلك الحيتان من سمك وغيره وروى عنه أن الجراد وحده صنف وقال الشافعى وأصحابه والليث بن سعد : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين على عموم الحديث وروى عن بن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبى بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء فقال رجل : أعطونى جزءا منها بشاة فقال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة قال أبو عمر : قد روى عن بن عباس أنه أجاز بيع الشاة باللحم وليس بالقوي وذكر عبد الرزاق عن الثورى عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت يعنى الشاة المذبوحة بالقائمة قال سفيان : ونحن لا نرى به بأسا قال المزنى : إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز وإن صح بطل القياس واتبع الأثر قال أبو عمر : وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم قال أبو عمر : ولا أعلمه يتصل عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك فى موطئه وإليه ذهب الشافعى وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه كالطعام الذى هو اسم لكل مأكول أو مشروب فاعلم السادسة قوله تعالى : ( قل فيهما ) يعنى الخمر والميسر إثم كبير إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وزوال العقل الذى يعرف به ما يجب لخالقه وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله إلى غير ذلك روى النسائى عن عثمان رضى الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت : إنى والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته كأسا قال : زيدونى فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها والله لا يجتمع الايمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه وذكره أبو عمر في الاستيعاب وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة فقال : إن خدمة الرب واجبة فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء فقال اصطناع المعروف واجب فقيل له : إنه ينهى عن الزنى فقال : هو فحش وقبيح في العقل وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر فقال أما هذا فإنى لا أصبر عليه فرجع وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات وكان قيس بن عاصم المنقرى شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران وسب أبويه ورأي القمر فتكلم بشيء وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه وفيها يقول : رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما ولا أعطى بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيما قال أبو عمر : وروى بن الأعرابى عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر وهو القائل رضى الله عنه : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتى عروقها ولا تدفننى بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وجلده عمر الحد عليها مرارا ونفاه إلى جزيرة في البحر فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه وكان أحد الشجعان البهم فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا فلم يشربها بعد ذلك في رواية : قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها وأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا وذكر الهيثم بن عدى أنه أخبره من رأى قبر أبى محجن بأذربيجان أو قال : في نواحي جرجان وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت وهى معروشة على قبره ومكتوب على القبر هذا قبر أبى محجن قال : فجعلت أتعجب وأذكر قوله : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول : اللهم اجعلنى من التوابين واجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له : أكرمك الله وأما القمار فيورث العداوة والبغضاء لأنه أكل مال الغير بالباطل السابعة قوله تعالى : ومنافع للناس أما في الخمر فربح التجارة فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح وكانوا لا يرون المماسكة فيها فيشترى طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي هذا أصح ما قيل في منفعتها وقد قيل في منافعها : إنها تهضم الطعام وتقوي الضعف وتعين على الباه وتسخى البخيل وتشجع الجبان وتصفي اللون إلى غير ذلك من اللذة بها وقد قال حسان بن ثابت رضى الله عنه : ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللقاء إلى غير ذلك من أفراحها وقال آخر : فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير ومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الانسان في القمار بغير كد ولا تعب فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم فمن خرج سهمه أخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ومن بقى سهمه آخرا كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء وقيل : منفعته التوسعة على المحاويج فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرقه في المحتاجين وسهام الميسر أحد عشر سهما منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ وهى : الفذ وفيه علامة واحدة وله نصيب وعليه نصيب إن خاب الثانى التوأم وفيه علامتان وله وعليه نصيبان الثالث الرقيب وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا الرابع الحلس وله أربع الخامس النافز والنافس أيضا وله خمس السادس المسبل وله ست السابع المعلى وله سبع فذلك ثمانية وعشرون فرضا وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعى وبقى من السهام أربعة وهى الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء وهى : المصدر والمضعف والمنيح والسفيح وقيل : الباقية الأغفال الثلاثة : السفيح والمنيح والوغد تزداد هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يجيلها فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا ويسمى المجيل المفيض والضارب والضريب والجمع الضرباء وقيل : يجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحدا ثم يجثو الضريب على ركبتيه ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الربابة فيخرج وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء يشترى الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم ويسمونه البرم قال متمم بن نويرة : ولا برما تهدى النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام قال بن عطية : وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسما وليس كذلك ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء والربابة ( بكسر الراء ) : شبيهة بالكنانة تجمع فيها سهام الميسر وربما سموا جميع السهام ربابة قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه : وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع والربابة أيضا : العهد والميثاق قال الشاعر : وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب وفى أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه كما تقدم ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ومنه قول الأعشى : المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر ومنه قول الآخر : بأيديهم مقرومة ومغالق يعود بأرزاق العفاة منيحها والمنيح في هذا البيت المستمنح لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذى قد أملس وكثر فوزه فذلك المنيح الممدوح وأما المنيح الذى هو أحد الأغفال فذلك إنما يوصف بالكر وإياه أراد الأخطل بقوله : ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح وجلن ثم مجالا وفى الصحاح : والمنيح سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا ومن الميسر قول لبيد إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم فواحش ينعى ذكرها بالمصايف فهذا كله نفع الميسر إلا أنه أكل المال بالباطل : الثامنة قوله تعالى : ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) أعلم الله جل وعز أن الاثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الأخرة فالاثم الكبير بعد التحريم والمنافع قبل التحريم وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء المثلثة وحجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورة له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولة له وآكل ثمنها وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الأثام وكثير بالثاء المثلثة يعطى ذلك وقرأ باقي القراء وجمهور الناس كبير بالباء الموحدة وحجتهم أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق وأيضا فاتفاقهم على أكبر حجة ل كبير بالباء بواحدة وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء المثلثة إلا في مصحف عبد الله بن مسعود فإن فيه قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر بالثاء مثلثة في الحرفين التاسعة قال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية لأن الله تعالى قد قال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم فأخبر في هذه الآية إن فيها إثما فهو حرام قال بن عطية : ليس هذا النظر بجيد لأن الاثم الذي فيها هو الحرام لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر قلت : وقال بعضهم : في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سماه إثما وقد حرم الاثم في آية أخرى وهو قوله عز وجل : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم وقال بعضهم : الأثم أراد به الخمر بدليل قول الشاعر : شربت الأثم حتى ضل عقلي كذاك الأثم يذهب بالعقول قلت : وهذا أيضا ليس بجيد لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية وإنما قال : قل فيهما إثم كبير ولم يقل : قل هما إثم كبير وأما آية الاعراف وبيت الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبينا إن شاء الله تعالى وقد قال قتادة : إنما في هذه الآية ذم الخمر فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهي آية المائدة وعلى هذا أكثر المفسرين قوله تعالى : ( ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل العفو ) قراءة الجمهور بالنصب وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع واختلف فيه عن بن كثير وبالرفع قراءة الحسن وقتادة وبن أبي إسحاق قال النحاس وغيره : إن جعلت ذا بمعنى الذى كان الاختيار الرفع على معنى : الذي ينفقون هو العفو وجاز النصب وإن جعلت ما وذا شيئا واحدا كان الاختيار النصب على معنى : قل ينفقون العفو وجاز الرفع وحكى النحويون : ماذا تعلمت : أنحوا أم شعرا بالنصب والرفع على أنهما جيدان حسنان إلا أن التفسير في الآية على النصب الثانية قال العلماء : لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى : ويسئلونك ماذا ينفقون سؤالا عن النفقة إلى من تصرف كما بيناه ودل عليه الجواب والجواب خرج على وفق السؤال كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الانفاق وهو في شأن عمرو بن الجموح كما تقدم فإنه لما نزل قل ما أنفقتم من خير فللوالدين قال : كم أنفق فنزل قل العفو والعفو : ما سهل وتيسر وفضل ولم يشق على القلب إخراجه ومنه قول الشاعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فالمعنى : أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة هذا أولى ما قيل في تأويل الآية وهو معنى قول الحسن وقتادة وعطاء والسدى والقرظى محمد بن كعب وبن أبي ليلى وغيرهم قالوا : العفو ما فضل عن العيال ونحوه عن بن عباس وقال مجاهد : صدقة عن ظهر غنى وكذا قال عليه السلام : ( خير الصدقة ما أنفقت عن غنى ( وفي حديث آخر : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ( وقال قيس بن سعد : هذه الزكاة المفروضة وقال جمهور العلماء : بل هي نفقات التطوع وقيل : هي منسوخة وقال الكلبى : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها وقال قوم : هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة والظاهر يدل على القول الأول الثالثة قوله تعالى : ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) قال المفضل بن سلمة : أي في أمر النفقة ( لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة ) فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى وقيل : فى الكلام تقديم وتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والاخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها وفي إقبال الأخرة وبقائها فترغبون فيها < <

Sección V03/P061

البقرة : ( 220 ) في الدنيا والآخرة . . . . . > > < > ( 220 ) <

Sección V03/P061–V03/P065

> قوله تعالى : ( ويسألونك عن اليتامى ) إلى قوله حكيم فيه ثمان مسائل : الأولى روى أبو داؤد والنسائي عن بن عباس قال : لما أنزل الله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير الآية فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه لفظ أبى داؤد والآية متصلة بما قبل لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى وقيل : إن السائل عبد الله بن رواحة وقيل : كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم فنزلت هذه الآية الثانية لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الاصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم تصرف الوصى في البيع والقسمة وغير ذلك على الاطلاق لهذه الآية فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم الثالثة تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه وفى جواز خلط ماله بماله دلالة على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح وجواز دفعه مضاربة إلى غير ذلك على ما نذكره مبينا واختلف في عمله هو قراضا فمنعه أشهب وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه أو يشترى لها وقال غيره : إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه أمضى كشرائه شيئا لليتيم بتعقب فيكون أحسن لليتيم قال محمد بن عبد الحكم : وله أن يبيع له بالدين إن رأي ذلك نظرا قال بن كنانة : وله أن ينفق في عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب ومصلحته بقدر حاله وحال من يزوج إليه وبقدر كثرة ماله قال : وكذلك في ختانه فإن خشى أن يتهم رفع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد وكل ما فعله على وجه النظر فهو جائز وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فلا يجوز ودل الظاهر على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات وإذا وهب لليتيم شيء فللوصى أن يقبضه لما فيه من الاصلاح وسيأتي لهذا مزيد بيان في النساء إن شاء الله تعالى ولما ينفقه الوصى والكفيل من مال اليتيم حالتان : حالة يمكنه الاشهاد عليه فلا يقبل قوله إلا ببينة وحالة لا يمكنه الاشهاد عليه فقوله مقبول بغير بينة فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم يقبل قوله بغير بينة قال بن خويز منداد : ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصى ينفق عليه فلا يكلف الاشهاد على نفقته وكسوته لأنه يتعذر عليه الاشهاد على ما يأكله ويلبسه في كل وقت ولكن إذا قال : أنفقت نفقة لسنة قبل منه وبين أن يكون عند أمه أو حاضنته فيدعى الوصى أنه كان ينفق عليه أو كان يعطى الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة الخامسة واختلف العلماء في الرجل ينكح نفسه من يتيمته وهل له أن يشترى لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته فقال مالك : ولاية النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة حتى قال في الأعراب الذين يسلمون أولادهم في أيام المجاعة : إنهم ينكحونهم إنكاحهم فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه فيأتى في النساء بيانه إن شاء الله تعالى وأما الشراء منه فقال مالك : يشترى في مشهور الأقوال وكذلك قال أبو حنيفة : له أن يشترى مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن وقال الشافعى : لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع لأنه لم يذكر في الآية التصرف بل قال : إصلاح لهم خير من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر وأبو حنيفة يقول : إذا كان الاصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه والشافعى لا يرى في التزويج إصلاحا إلا من جهة دفع الحاجة ولا حاجة قبل البلوغ وأحمد بن حنبل يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصى وللأب في حق ولده الذي ماتت أمه لا بحكم هذه الآية وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية فإن ثبت كون التزويج إصلاحا فظاهر الآية يقتضى جوازه ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى : ويسئلونك عن اليتامى أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم وما يشترط فيه من الأوصاف فإن قيل : يلزم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من يتيمه فالجواب أن ذلك لا يلزم وإنما يكون ذلك ذريعة فيما يؤدي من الأفعال المحظورة إلى محظورة منصوص عليها وأما ها هنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله : والله يعلم المفسد من المصلح وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه : إنه يتذرع إلى محظور به فيمنع منه كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن مع عظيم ما يترتب على قولهن في ذلك من الأحكام ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب وأن جاز أن يكذبن وكان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ : والله يعلم المفسد من المصلح وكان بن سيرين أحب الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له ذكره البخارى وفى هذا دلالة على جواز الشراء منه لنفسه كما ذكرنا والقول الآخر أنه لا ينبغى للولي أن يشتري مما تحت يده شيئا لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملأ من الناس وقال محمد بن عبد الحكم : لا يشتري من التركة ولا بأس أن يدس من يشترى له منها إذا لم يعلم أنه من قبله السادسة قوله تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) هذه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر وقال أبو عبيد : مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه قال أبو عبيد : وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم أوسع ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس السابعة قوله تعالى : ( فإخوانكم ) خبر مبتدأ محذوف أي فهم إخوانكم والفاء جواب الشرط وقوله تعالى : ( والله يعلم المفسد من المصلح ) تحذير أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح لها فيجازى كلا على إصلاحه وإفساده الثامنة قوله تعالى : ( ولو شاء الله لأعنتكم ) روى الحكم عن مقسم عن بن عباس ( ولو شاء الله لأعنتكم ) قال : لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا وقيل : لأعنتكم لأهلككم عن الزجاج وأبى عبيدة وقال القتبى : لضيق عليكم وشدد ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم وقيل : أي لكلفكم ما يشتد عليكم أداؤه وأثمكم في مخالطتهم كما فعل بمن كان قبلكم ولكنه خفف عنكم والعنت : المشقة وقد عنت وأعنته غيره ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه : قد أعنته فهو عنت ومعنت وعنتت الدابة تعنت عنتا : إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا يمكنها معه جرى وأكمة عنوت : شاقة المصعد وقال بن الأنبارى : أصل العنت التشديد فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادها يشدد عليه ويلزمه ما يصعب عليه أداؤه ثم نقلت إلى معنى الهلاك والأصل ما وصفنا قوله تعالى : ( إن الله عزيز ) أي لا يمتنع عليه شيء ( حكيم ) يتصرف في ملكه بما يريد لا حجر عليه جل وتعالى علوا كبيرا < <

Sección V03/P065

البقرة : ( 221 ) ولا تنكحوا المشركات . . . . . > > < > ( البقره 221 ) <

Sección V03/P065–V03/P079

> قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) قراءة الجمهور بفتح التاء وقرئت في الشاذ بالضم كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه ونكح أصله الجماع ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الثانية لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبى مرثد الغنوى وقيل : في مرثد بن أبي مرثد واسمه كناز بن حصين الغنوى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها عناق فجاءته فقال لها : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية قالت : فتزوجنى قال : حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها لأنه كان مسلما وهى مشركة وسيأتي في النور بيانه إن شاء الله تعالى الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقالت طائفة : حرم الله نكاح المشركات في سورة البقرة ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة وروى هذا القول عن بن عباس وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثورى وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة والمراد بها الخصوص في الكتابيات وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات وهذا أحد قولى الشافعى وعلى القول الأول يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم وهذا مذهب مالك رحمه الله ذكره بن حبيب وقال : ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم وقال إسحاق بن إبراهيم الحربى : ذهب قوم فجعلوا الآية التى في البقرة هي الناسخة والتى في المائدة ) 9 هي المنسوخة فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية قال النحاس : ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان قال : حدثنا محمد بن رمح قال : حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة منهم عثمان وطلحة وبن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبى والضحاك وفقهاء الأمصار عليه وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للاية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل وإنما الآخر ينسخ الأول وأما حديث بن عمر فلا حجة فيه لأن بن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل وذكر بن عطية : وقال بن عباس في بعض ما روى عنه : إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير الإسلام حرام فعلى هذا هي ناسخة للاية التي في المائدة وينظر إلى هذا قول بن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة قال بن عطية : وهذا لا يستند جيدا وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين فقال : لا أزعم أنها حرام ولكنى أخاف أن تعاطوا المومسات منهن وروى عن بن عباس نحو هذا وذكر بن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وقال بعض العلماء : واما الآيتان فلا تعارض بينهما فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ففرق بينهم في اللفظ وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بعد قوله : والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل فإن قيل : أراد بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا كقوله : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله الآية وقوله : من أهل الكتاب أمة قائمة الآية قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وخلاف ما قاله الجمهور فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : أولئك يدعون إلى النار فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة لأن المشرك يدعو إلى النار وهذه العلة مطردة في جميع الكفار فالمسلم خير من الكافر مطلقا وهذا بين الرابعة وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل وسئل بن عباس عن ذلك فقال : لا يحل وتلا قول الله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر إلى قوله : صاغرون قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير الخامسة قوله تعالى : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ( ولو أعجبتكم ) في الحسن وغير ذلك هذا قول الطبرى وغيره ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان فقال لها حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الاعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه فأعتقها حذيفة وتزوجها وقال السدى : نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( ما هي يا عبد الله ( قال : تصوم وتصلى وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هذه مؤمنة ( فقال بن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمة وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم فنزلت هذه الآية والله أعلم السادسة واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب فقال مالك : لا يجوز نكاح الأمة الكتابية وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز نكاح إماء أهل الكتاب قال بن العربى : درسنا الشيخ أبو بكر الشاشى بمدينة السلام قال : احتج أصحاب أبى حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع ولا بين متضادين والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا : لأن الله سبحانه قال : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا وقال عمر في رسالته لأبي موسى : ( الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ) جواب أخر : قوله تعالى : ولأمة لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية والآدميات والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجانى السابعة واختلفوا في نكاح نساء المجوس فمنع مالك والشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وإسحاق من ذلك وقال بن حنبل : لا يعجبني وروى أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية وأن عمر قال له : طلقها وقال بن القصار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم وروى بن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات وعلى هذا جماعة العلماء إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن بن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار انهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات فقالا : لا بأس بذلك وتأولا قول الله عز وجل : ولا تنكحوا المشركات فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة واحتجا بسبى أوطاس وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين قال النحاس : وهذا قول شاذ أما سبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن وأما الاحتجاج بقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فغلط لأنهم حملوا النكاح على العقد والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى الوطء فلما قال : ولا تنكحوا المشركات حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء وقال أبو عمر بن عبد البر : وقال الأوزاعى : سألت الزهري عن الرجل يشترى المجوسية أيطؤها فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها وعن يونس عن بن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم قال أبو عمر : قول بن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا وهو أعلم الناس بالمغازى والسير دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن روى ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطء المجوسية وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار وقد جاء عن الحسن البصرى وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان وليس منهم أحد أهل كتاب ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس قال حدثنا على بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشام عن يونس عن الحسن قال قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم نأمرها أن تغتسل وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أنهن الوثنيات والمجوسيات لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعنى العفائف لا من شهر زناها من المسلمات ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة لما في ذلك من إفساد النسب قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ) أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام والقراء على ضم التاء من تنكحوا الثانية في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولى قال محمد بن على بن الحسين : النكاح بولى في كتاب الله ثم قرأ ولا تنكحوا المشركين قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي ( وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولى فقال كثير من أهل العلم : لا نكاح إلا بولي روى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعلى بن أبى طالب وبن مسعود وبن عباس وأبى هريرة رضى الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وسفيان الثورى وبن أبى ليلى وبن شبرمة وبن المبارك والشافعى وعبيد الله بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قلت : وهو قول مالك رضى الله عنهم أجمعين وأبى ثور والطبرى قال أبو عمر : حجة من قال : ( لا نكاح إلا بولي ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : ( لا نكاح إلا بولي ( روى هذا الحديث شعبة والثورى عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضا لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة وممن وصله إسرائيل وأبو عوانة كلاهما عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم وإسرائيل ومن تابعه حفاظ والحافظ تقبل زيادته وهذه الزيادة يعضدها أصول قال الله عز وجل فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها قاله البخارى ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهى عن العضل قلت : ومما يدل على هذا أيضا من الكتاب قوله : فانكحوهن بإذن أهلهن وقوله : وأنكحوا الأيامى منكم فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن وسيأتي بيان هذا في النور وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى عليهما السلام : إنى أريد أن أنكحك على ما يأتي بيانه في سورة القصص وقال تعالى : الرجال قوامون على النساء 9 ) فقد تعاضد الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي قال الطبرى : في حديث حفصة حين تأيمت وعقد عمر عليها النكاح ولم تعقده هي إبطال قول من قال : إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها وعقد النكاح دون وليها ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها وفيه بيان قوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها من وليها ( أن معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليها وروى الدارقطني عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التى تزوج نفسها ( قال : حديث صحيح وروى أبو داؤد من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له ( وهذا الحديث صحيح ولا اعتبار بقول بن علية عن بن جريج أنه قال : سألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن بن جريج غير بن علية وقد رواه جماعة عن الزهري لم يذكروا ذلك ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة لأنه قد نقله عنه ثقات منهم سليمان بن موسى وهو ثقة إمام وجعفر بن ربيعة فلو نسيه الزهري لم يضره ذلك لأن النسيان لا يعصم منه بن آدم قال صلى الله عليه وسلم : ( نسي آدم فنسيت ذريته ( وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فمن سواه أحرى أن ينسى ومن حفظ فهو حجة على من نسى فإذا روى الخبر ثقة فلا يضره نسيان من نسيه هذا لو صح ما حكى بن علية عن بن جريج فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرجوا عليها قلت : وقد أخرج هذا الحديث أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستى في المسند الصحيح له على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها عن حفص بن غياث عن بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ( قال أبو حاتم : لم يقل أحد في خبر بن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا : ( وشاهدى عدل ( إلا ثلاثة أنفس : سويد بن يحيى الأموى عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في الشاهدين غير هذا الخبر وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولى فلا معنى لما خالفهما وقد كان الزهري والشعبى يقولان : إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وكذلك كان أبو حنيفة يقول إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاح جائز وهو قول زفر وإن زوجت نفسها غير كفء فالنكاح جائز وللأولياء أن يفرقوا بينهما قال بن المنذر : وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة خارج عن قول أكثر أهل العلم وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول وقال أبو يوسف : لا يجوز النكاح إلا بولي فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفء أجازه القاضي وإنما يتم النكاح في قوله حين يجيزه القاضي وهو قول محمد بن الحسن وقد كان محمد بن الحسن يقول : يأمر القاضي الولى بإجازته فإن لم يفعل استأنف عقدا ولا خلاف بين أبى حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليها فعقدت النكاح بنفسها جاز وقال الأوزاعى : إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفؤا فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما إلا أن تكون عربية تزوجت مولى وهذا نحو مذهب مالك على ما يأتي وحمل القائلون بمذهب الزهري وأبي حنيفة والشعبى قوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولى ( على الكمال لا على الوجوب كما قال عليه السلام : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ( واستدلوا على هذا بقوله تعالى : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وقوله تعالى : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف وبما روى الدارقطني عن سماك بن حرب قال : جاء رجل إلى علي رضى الله عنه فقال : امرأة أنا وليها تزوجت بغير إذني فقال علي : ينظر فيما صنعت فإن كانت تزوجت كفؤا أجزنا ذلك لها وإن كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك وفى الموطأ أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب الحديث وقد رواه بن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها أنكحت رجلا هو المنذر بن الزبير امرأة من بنى أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت : ليس على النساء إنكاح فالوجه في حديث مالك أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح وتولى العقد أحد عصبتها ونسب العقد إلى عائشة لما كان تقريره إليها الثالثة ذكر بن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في الأولياء من هم فقال مرة : كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام أو الأجانب أو الإمام أو الوصي وقال مرة : الأولياء من العصبة فمن وضعها منهم في منصب حسن فهو ولي وقال أبو عمر : قال مالك فيما ذكر بن القاسم عنه : إن المرأة إذا زوجها غير وليها بإذنها فإن كانت شريفة لها في الناس حال كان وليها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره وإن كانت دنيئة كالمعتقة والسوداء والسعاية والمسلمانية ومن لا حال لها جاز نكاحها ولا خيار لوليها لأن كل واحد كفء لها وقد روى عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان وهذا القول اختاره بن المنذر قال : وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شيء واحد وقال إسماعيل بن إسحاق : لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ثم تكون ولاية أقرب من ولاية وقرابة أقرب من قرابة وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال لأن الناس لا بد لهم من التزويج وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال : إنه يزوجها من تسند أمرها إليه لانها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمر من غير وجهه وفعلت ما ينكره الحاكم عليها والمسلمون فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولما في ذلك من الاختلاف ولكن يفسخ لتناول الأمر من غير وجهه ولانه أحوط للفروج ولتحصينها فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولى مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده ولا يتوارثان إن مات أحدهما والولي عندهم من فرائض النكاح لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة : قال الله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم كما قال : فانكحوهن بإذن أهلهن وقال مخاطبا للأولياء فلا تعضلوهن وقال عليه السلام ( لا نكاح إلا بولي ( ولم يفرقوا بين دنية الحال وبين الشريفة لأجماع العلماء على أن لا فرق بينهم في الدماء لقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافؤ دماؤهم ( وسائر الاحكام كذلك وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة الرابعة واختلفوا في النكاح يقع على غير ولى ثم يجيزه الولى قبل الدخول فقال مالك وأصحابه إلا عبد الملك : ذلك جائز إذا كانت إجازته لذلك بالقرب وسواء دخل أو لم يدخل هذا إذا عقد النكاح غير ولي ولم تعقده المرأة بنفسها فإن زوجت المرأة نفسها وعقدت عقدة النكاح من غير ولي قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يقر أبدا على حال وإن تطاول وولدت الأولاد ولكنه يلحق الولد إن دخل ويسقط الحد ولا بد من فسخ ذلك النكاح على كل حال وقال بن نافع عن مالك : الفسخ فيه بغير طلاق الخامسة واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم فكان مالك يقول : أولهم البنون وإن سفلوا ثم الأباء ثم الأخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم بنو الإخوة للأب ثم الأجداد للأب وإن علوا ثم العمومة على ترتيب الإخوة ثم بنوهم على ترتيب بنى الأخوة وإن سفلوا ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه والوصى مقدم في إنكاح الأيتام على الأولياء وهو خليفة الأب ووكيله فأشبه حاله لو كان الأب حيا وقال الشافعى : لا ولاية لأحد مع الأب فإن مات فالجد ثم أب أب الجد لأنهم كلهم أباء والولاية بعد الجد للإخوة ثم الأقرب وقال المزني : قال في الجديد : من انفرد بأم كان أولى بالنكاح كالميراث وقال في القديم : هما سواء قلت : وروى المدنيون عن مالك مثل قول الشافعى وأن الأب أولى من الابن وهو أحد قولي أبى حنيفة حكاه الباجى وروى عن المغيرة أنه قال : الجد أولى من الإخوة والمشهور من المذهب ما قدمناه وقال أحمد : أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها ثم الابن ثم الأخ ثم ابنه ثم العم وقال إسحاق : الابن أولى من الأب كما قاله مالك واختاره بن المنذر لأن عمر بن أم سلمة زوجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أخرجه النسائي عن أم سلمة وترجم له ( إنكاح الابن أمه ) قلت : وكثيرا ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء والدليل على ذلك ما ثبت في الصحاح أن عمر بن أبى سلمة قال : كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ( وقال أبو عمر فى كتاب الاستيعاب : عمر بن أبى سلمة يكنى أبا حفص ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة وقيل : إنه كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بن تسع سنين قلت : ومن كان سنه هذا لا يصلح أن يكون وليا ولكن ذكر أبو عمر أن لأبى سلمة من أم سلمة ابنا اخر اسمه سلمة وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم سلمة وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبى سلمة ولا أحفظ له رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد روى عنه عمر أخوه السادسة واختلفوا في الرجل يزوج المرأة الأبعد من الأولياء كذا وقع والأقرب عبارة أن يقال : اختلف في المرأة يزوجها من أوليائها الأبعد والأقعد حاضر فقال الشافعى : النكاح باطل وقال مالك : النكاح جائز قال بن عبد البر : إن لم ينكر الأقعد شيئا من ذلك ولا رده نفذ وأن أنكره وهى ثيب أو بكر بالغ يتيمة ولا وصى لها فقد اختلف قول مالك وأصحابه وجماعة من أهل المدينة في ذلك فقال منهم قائلون : لا يرد ذلك وينفذ لأنه نكاح انعقد بإذن ولى من الفخذ والعشيرة ومن قال هذا منهم لا ينفذ قال : إنما جاءت الرتبة في الأولياء على الأفضل والأولى وذلك مستحب وليس بواجب وهذا تحصيل مذهب مالك عند أكثر أصحابه وإياه اختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعه وقيل : ينظر السلطان في ذلك ويسأل الولى الأقرب على ما ينكره ثم إن رأى إمضاءه أمضاه وإن رأى أن يرده رده وقيل : بل للأقعد رده على كل حال لأنه حق له وقيل : له رده وإجازته ما لم يطل مكثها وتلد الأولاد وهذه كلها أقاويل أهل المدينة السابعة فلو كان الولي الأقرب محبوسا أو سفيها زوجها من يليه من أوليائها وعد كالميت منهم وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يرجى لها أوبة سريعة زوجها من يليه من الأولياء وقد قيل : إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها ويزوجها الحاكم والأول قول مالك الثامنة وإذا كان الوليان قد استويا في القعدد وغاب أحدهما وفوضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدم نكرته وإن كانا حاضرين ففوضت أمرها إلى أحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه فإن اختلفا نظر الحاكم في ذلك وأجاز عليها رأي أحسنهما نظرا لها رواه بن وهب عن مالك التاسعة وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالك وأصحابه ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به وخرج عن أن يكون نكاح سر قال بن القاسم عن مالك : لو زوج ببينة وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح لأنه نكاح سر وإن تزوج بغير بينة على غير استسرار جاز واشهدا فيما يستقبلان وروى بن وهب عن مالك في الرجل يتزوج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال : يفرق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح ولها صداقها إن كان أصابها ولا يعاقب الشاهدان وقال أبو حنيفة والشافعى وأصحابهما : إذا تزوجها بشاهدين وقال لهما : اكتما جاز النكاح قال أبو عمر : وهذا قول يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى صاحبنا قال : كل نكاح شهد عليه رجلان فقد خرج من حد السر وأظنه حكاه عن الليث بن سعد والسر عند الشافعى والكوفيين ومن تابعهم : كل نكاح لم يشهد عليه رجلان فصاعدا ويفسخ على كل حال قلت : قول الشافعى أصح للحديث الذى ذكرناه وروى عن بن عباس أنه قال : لا نكاح إلا بشاهدى عدل وولى مرشد ولا مخالف له من الصحابة فيما علمته واحتج مالك لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالى فيها الأشهاد عند العقد وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع والنكاح الذي لم يذكر الله تعالى فيه الأشهاد أحرى بألا يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه وإنما الغرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعى والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أعلنوا النكاح ( وقول مالك هذا قول بن شهاب وأكثر أهل المدينة العاشرة قوله تعالى : ( ولعبد مؤمن ) أي مملوك ( خير من مشرك ) أي حسيب ( ولو أعجبكم ) أي حسبه وماله حسب ما تقدم وقيل المعنى : ولرجل مؤمن وكذا ولأمة مؤمنة أي ولامرأة مؤمنة كما بيناه قال صلى الله عليه وسلم : ( كل رجالكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ( وقال : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( وقال تعالى : نعم العبد إنه أواب وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف والله الموفق الحادية عشرة قوله تعالى : ( أولئك ) إشارة للمشركين والمشركات ( يدعون إلى النار ) أي إلى الأعمال الموجبة للنار فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل ( والله يدعو إلى الجنة ) أي إلى عمل أهل الجنة ( بإذنه ) أي بأمره قاله الزجاج < <

Sección V03/P079

البقرة : ( 222 ) ويسألونك عن المحيض . . . . . > > < > ( البقره 222 ) <

Sección V03/P079–V03/P090

> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض ) ذكر الطبرى عن السدى ان السائل ثابت بن الدحداح وقيل : أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهو قول الأكثرين وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بنى إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض فنزلت وفي صحيح مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض إلى أخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض وكانت النصارى يجامعون الحيض فأمر الله بالقصد بين هذين الثانية قوله تعالى : ( عن المحيض ) المحيض : الحيض وهو مصدر يقال : حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا فهي حائض وحائضة أيضا عن الفراء وأنشد : كحائضة يزنى بها غير طاهر ونساء حيض وحوائض والحيضة : المرة الواحدة والحيضة ( بالكسر ) الاسم والجمع الحيض والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر بها المرأة قالت عائشة رضى الله عنها : ليتنى كنت حيضة ملقاة وكذلك المحيضة والجمع المحائض وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان وعن الحيض نفسه وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض وقال الطبرى : المحيض اسم للحيض ومثله قول رؤبة في العيش : إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشى وأصل الكلمة من السيلان والانفجار يقال : حاض السيل وفاض وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها ومنه الحيض أي الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من حيز واحد قال بن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه يقال : حاضت المرأة وتحيضت ودرست وعركت وطمثت تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة فإذا سال في غير أيام معلومة ومن غير عرق المحيض قلت : استحيضت فهي مستحاضة بن العربى ولها ثمانية أسماء : الأول حائض الثانى عارك الثالث فارك الرابع طامس الخامس دارس السادس كابر السابع ضاحك الثامن طامث قال مجاهد في قوله تعالى : فضحكت يعنى حاضت وقيل في قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه يعنى حضن وسيأتى في موضعه إن شاء الله تعالى الثالثة أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها فمن ذلك الحيض المعروف ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة تترك له الصلاة والصوم لا خلاف في ذلك وقد يتصل وينقطع فإن اتصل فالحكم ثابت له وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم وتغتسل عند انقطاعه وتصلى ثم تلفق أيام الدم وتلغى أيام الطهر المتخللة لها ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء والحيض خلقه في النساء وطبع معتاد معروف منهن روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : ( يا معشر النساء تصدقن فإنى أريتكن أكثر أهل النار ( فقلن وبم يا رسول الله قال ( تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ( قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله قال ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ( قلن : بلى قال : ( فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ( قلن : بلى يا رسول الله قال ( فذلك من نقصان دينها وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة لحديث معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت : أحرورية أنت قلت : لست بحرورية ولكنى أسأل قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة خرجه مسلم فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل على ما يأتي الرابعة واختلف العلماء في مقدار الحيض فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما وجائز ان يكون خمسة عشر يوما فما دون وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة هذا مذهب مالك وأصحابه وقد روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء وقال محمد بن سلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين وهو قول الشافعي وأبى حنيفة وأصحابهما والثورى وهو الصحيح في الباب لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر فكان كل قرء عوضا من شهر والشهر يجمع الطهر والحيض فإذا قل الحيض كثر الطهر وإذا كثر الحيض قل الطهر فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرأن والسنة وقال الشافعى : أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وقد روى عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة قال بن عبد البر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره لأنه لا يعلم مبلغ مدته ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة وهو قول الأوزاعي والطبرى وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبى رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل قال الأوزاعى : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر وفى الاستظهار والحجة في ذلك في المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما وقال مالك : لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها على بن زياد عنه : تجلس قدر لداتها وهذا قول عطاء والثورى وغيرهما بن حنبل : تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتصلى ولا يأتيها زوجها أبو حنيفة وأبو يوسف : تدع الصلاة عشرا ثم تغتسل وتصلى عشرين يوما ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا فيكون هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها أما التى لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام عن مالك : ما لم تجاوز خمسة عشر يوما الشافعى : تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار والثانى من الدماء : دم النفاس عند الولادة وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه فقيل : شهران وهو قول مالك وقيل أربعون يوما وهو قول الشافعى وقيل غير ذلك وطهرها عند انقطاعه والغسل منه كالغسل من الجنابة قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا : وهى وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه وفى قراءة القرأن روايتان والثالث من الدماء : دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقه وإنما هو عرق انقطع سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبى حبيش : يا رسول الله إنى لا أطهر أفأدع الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ( وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة وهو أصح ما روي في هذا الباب وهو يرد ما روى عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة وفيه أن الحائض لا تصلي وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولو لزمها غيره لأمرها به وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك وفيه رد لقول من قال بالاستظهار لأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلى ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء والاحتياط أنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها الخامسة قوله تعالى : ( قل هو أذى ) أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض والأذى كناية عن القذر على الجملة ويطلق على القول المكروه ومنه قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أي بما تسمعه من المكروه ومنه قوله تعالى : ودع أذاهم أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم وفى الحديث ( وأميطوا عنه الأذى ( يعنى ب الأذى الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم اسبوعه وهي العقيقة وفي حديث الإيمان : ( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( أي تنحيته يعنى الشوك والحجر وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار وقوله تعالى : ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر وسيأتي السادسة استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة فقالوا : كل دم فهو أذى يجب غسله من الثوب والبدن فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس البول هذا قول إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وعامر الشعبى وبن سيرين والزهرى واختلف فيه عن الحسن وهو قول عائشة : لا يأتيها زوجها وبه قال بن علية والمغيرة بن عبد الرحمن وكان من أعلى أصحاب مالك وأبو مصعب وبه كان يفتى وقال جمهور العلماء : المستحاضة تصوم وتصلي وتطوف وتقرأ ويأتيها زوجها قال مالك : أمر أهل الفقه والعلم على هذا وإن كان دمها كثيرا رواه عنه بن وهب وكان أحمد يقول : أحب إلى ألا يطأها إلا أن يطول ذلك بها وعن بن عباس في المستحاضة : لا بأس أن يصيبها زوجها وإن كان الدم يسيل على عقبيها وقال مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ( فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهى تصلى قال بن عبد البر : لما حكم الله عز وجل في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاة وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألا يحكم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غسله كسائر الدماء السابعة قوله تعالى : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) أي في زمن الحيض إن حملت المحيض على المصدر أو في محل الحيض إن حملته على الاسم ومقصود هذا النهى ترك المجامعة وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها فروى عن بن عباس وعبيدة السلمانى أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه وقد وقفت على بن عباس خالته ميمونة وقالت له : أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة عظيمة من العلماء : له منها ما فوق الإزار لقوله عليه السلام للسائل حين سأله : ما يحل لي من امراتي وهي حائض فقال : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ( وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت : ( شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك ( وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعى : يجتنب موضع الدم لقوله عليه السلام : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ( وقد تقدم وهو قول داؤد وهو الصحيح من قول الشافعي وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال : سألت عائشة ما يحل لى من امرأتي وهى حائض فقالت كل شيء إلا الفرج قال العلماء : مباشرة الحائض وهى متزرة على الاحتياط والقطع للذريعة ولأنه لو أباح فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم المحرم بإجماع فأمر بذلك احتياطا والمحرم نفسه موضع الدم فتتفق بذلك معاني الآثار ولا تضاد وبالله التوفيق الثامنة واختلفوا في الذي يأتي امرأته وهى حائض ماذا عليه فقال مالك والشافعى وأبو حنيفة : يستغفر الله ولا شيء عليه وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال داؤد وروى عن محمد بن الحسن : يتصدق بنصف دينار وقال أحمد : ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم : ( يتصدق بدينار أو نصف دينار ( أخرجه أبو داؤد وقال : هكذا الرواية الصحيحة قال : دينار أو نصف دينار واستحبه الطبرى فإن لم يفعل فلا شيء عليه وهو قول الشافعي ببغداد وقالت فرقة من أهل الحديث : إن وطىء في الدم فعليه دينار وإن وطىء في إنقطاعه فنصف دينار وقال الأوزاعي : من وطىء امرأته وهي حائض تصدق بخمسي دينار والطرق لهذا كله في سنن أبى داؤد والدارقطني وغيرهما وفي كتاب الترمذى عن بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار قال أبو عمر : حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة اضطراب هذا الحديث عن بن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة وإن الذمة على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة التاسعة قوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) قال بن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل لا تقرب ( بفتح الراء ) كان معناه : لا تلبس بالفعل وإن كان بضم الراء كان معناه : لا تدن منه وقرأ نافع وأبو عمرو وبن كثير وبن عامر وعاصم في رواية حفص عنه يطهرن بسكون الطاء وضم الهاء وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ي ط ه رن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما وفي مصحف أبى وعبد الله يتطهرن وفي مصحف أنس بن مالك ( ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن ) ورجح الطبرى قراءة تشديد الطاء وقال : هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر قال : وإنما الخلاف في الطهر ما هو فقال قوم : هو الاغتسال بالماء وقال قوم : هو وضوء كوضوء الصلاة وقال قوم : هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ورجح أبو على الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمث وهو ثلاثي العاشرة قوله تعالى : ( فإذا تطهرن ) يعني بالماء وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء وأن الطهر الذي يحل به جماع الحائض الذي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب ولا يجزئ من ذلك تيمم ولا غيره وبه قال مالك والشافعى والطبرى ومحمد بن مسلمة وأهل المدينة وغيرهم وقال يحيى بن بكير ومحمد بن كعب القرظي : إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل وقال مجاهد وعكرمة وطاووس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضى عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل وإن كان أنقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة وهذا تحكم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها : عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل مع موافقة أهل المدينة ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين : أحدهما انقطاع الدم وهو قوله تعالى : حتى يطهرن والثانى الاغتسال بالماء وهو قوله تعالى : فإذا تطهرن أي يفعلن الغسل بالماء وهذا مثل قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : أحدهما بلوغ المكلف النكاح والثانى إيناس الرشد وكذلك قوله تعالى في المطلقة : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة فوقف التحليل على الأمرين جميعا وهو انعقاد النكاح ووجود الوطء احتج أبو حنيفة فقال : إن معنى الآية الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها فيكون قوله : حتى يطهرن مخففا هو بمعنى قوله : يطهرن مشددا بعينه ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين التوبة قال الكميت : وما كانت الانصار فيها أذلة ولا غيبا فيها إذا الناس غيب وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل لأنه لا يؤمن عوده : ونحمل القراءة الاخرى على ما إذا إنقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل قال بن العربى : وهذا أقوى ما لهم فالجواب عن الاول : أن ذلك ليس من كلام الفصحاء ولا السن البلغاء فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف في كلام العليم الحكيم وعن الثانى : أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الاخرى فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة وهم لا يقولون ذلك كما بيناه فهي إذا حائض والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا وأيضا فإن ما قالوه يقتضى إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظر وإذا تعارض ما يقتضي الحظر وما يقتضي الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر كما قال علي وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما أية وحرمتهما أخرى والتحريم أولى والله أعلم الحادية عشرة واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا فقال مالك في رواية بن القاسم : نعم ليحل للزوج وطؤها قال الله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن يقول بالماء ولم يخص مسلمة من غيرها وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض لأنها غير معتقدة لذلك لقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وهو الحيض والحمل وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات وقال : لا إكراه في الدين وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم الثانية عشرة وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة وليس عليها نقض شعرها في ذلك لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله إنى أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال : ( لا إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ( وفي رواية : أفأنقضه للحيضة والجنابة فقال : ( لا ( زاد أبو داؤد : ( واغمزي قرونك عند كل حفنة ( الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي فجامعوهن وهو أمر إباحة وكنى بالإتيان عن الوطء وهذا الأمر يقوي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل والله أعلم ومن بمعنى في أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ونظيره قوله تعالى : أرونى ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض : وقوله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي في يوم الجمعة وقيل : المعنى أي من الوجه الذي أذن لكم فيه أي من غير صوم وإحرام واعتكاف قاله الأصم وقال بن عباس وأبو رزين : من قبل الطهر لا من قبل الحيض وقاله الضحاك وقال محمد بن الحنفية : المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى الرابعة عشرة قوله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) اختلف فيه فقيل : التوابون من الذنوب والشرك والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث قاله عطاء وغيره وقال مجاهد : من الذنوب وعنه ايضا من : اتيان النساء في أدبارهن بن عطية : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون وقيل المتطهرون الذين لم يذنبوا فإن قيل : كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب قيل : قدمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه كما ذكر في آية أخرى : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات على ما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى < <

Sección V03/P090

البقرة : ( 223 ) نساؤكم حرث لكم . . . . . > > < > ( البقره 223 ) <

Sección V03/P090–V03/P095

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم ) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مجببة وإن شاء غير مجببة غير إن ذلك في صمام واحد ويروى : في سمام واحد بالسين قاله الترمذي وروى البخارى عن نافع قال : كان بن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال : أتدرى فيم أنزلت قلت : لا قال : نزلت في كذا وكذا ثم مضى وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن بن عمر : فأتوا حرثكم أنى شئتم قال : يأتيها في قال الحميدي : يعنى الفرج وروى أبو داؤد عن بن عباس قال : إن بن عمر والله يغفر له وهم إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب : وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب إلا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شرى أمرهما فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : فأتوا حرثكم أنى شئتم أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعنى بذلك موضع الولد وروى الترمذي عن بن عباس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت قال : ( وما أهلك ( قال : حولت رحلى الليلة قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال : فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ( أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ( قال : هذا حديث حسن صحيح وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى بن عمر : قد أكثر عليك القول إنك تقول عن بن عمر : أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن قال نافع : لقد كذبوا علي ولكن سأخبرك كيف كان الامر : إن بن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ : نساؤكم حرث لكم قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله سبحانه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الثانية هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا ولا يباح وذكر الحرث يدل على أن الاتيان في غير المأتى محرم وحرث تشبيه لأنهن مزدرع الذرية فلفظ الحرث يعطى أن الاباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع وأنشد ثعلب : إنما الأرحام أر ضون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات ففرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات فالحرث بمعنى المحترث ووحد الحرث لأنه مصدر كما يقال : رجل صوم وقوم صوم الثالثة قوله تعالى : ( أنى شئتم ) معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة كما ذكرنا أنفا وأنى تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات فهو أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى هذا هو الاستعمال العربي في أنى وقد فسر الناس أنى في هذه الآية بهذه الالفاظ وفسرها سيبويه ب كيف ومن أين باجتماعهما وذهبت فرقة ممن فسرها ب أين إلى أن الوطء في الدبر مباح وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وبن عمر ومحمد بن كعب القرظى وعبد الملك بن الماجشون وحكى ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر ووقع هذا القول في العتبية وذكر بن العربي أن بن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب جماع النسوان وأحكام القران وقال الكيا الطبرى : وروى عن محمد بن كعب القرظى أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قول الله عز وجل : : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح قال الكيا : وهذا فيه نظر إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا فيجوز التوبيخ على هذا المعنى وفي قوله تعالى : فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله مع قوله : فأتوا حرثكم ما يدل على أن في المأتي اختصاصا وأنه مقصور على موضع الولد قلت : هذا هو الحق في المسألة وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التى لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوى أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها والفقهاء كلهم على خلاف ذلك لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد والصحيح في هذه المسألة ما بيناه وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة الاتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى : فأتوا حرثكم ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبى حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض فكان أشنع وأما صمام البول فغير صمام الرحم وقال بن العربى في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين وأخرج يده عاقدا بها وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي كذبوا علي كذبوا علي ثم قال : ألستم قوما عربا ألم يقل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : أنى شئتم شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها إذ هي مخصصة بما ذكرناه وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الإدبار ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داؤد والنسائى والترمذي وغيرهم وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزى بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الأخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه وقد حذرنا من زلة العالم وقد روي عن بن عمر خلاف هذا وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضى الله عنه وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك كما ذكر النسائي وقد تقدم وأنكر ذلك مالك واستعظمه وكذب من نسب ذلك إليه وروى الدارمى أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبى الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجوارى حين أحمض بهن قال : وما التحميض فذكرت له الدبر فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ( ومثله عن على بن طلق وأسند عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ( وروى أبو داؤد الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( تلك اللوطية الصغرى ( يعني إتيان المرأة في دبرها وروى عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن قال بن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنى به عما سواه الرابعة قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) أي قدموا ما ينفعكم غدا فحذف المفعول وقد صرح به في قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح وقيل ابتغاء الولد والنسل لأن الولد خير الدنيا والاخرة فقد يكون شفيعا وجنة وقيل : هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا وقيل : هو تقدم الأفراط كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ( الحديث وسيأتى في مريم إن شاء الله تعالى وقال بن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع كما قال عليه السلام : ( لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ( أخرجه مسلم الخامسة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) تحذير ( واعلموا أنكم ملاقوه ) خبر يقتضي المبالغة في التحذير أي فهو مجازيكم على البر والإثم وروى بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن بن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول : ( إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا ( ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ( أخرجه مسلم بمعناه السادسة قوله تعالى : ( وبشر المؤمنين ) تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى < <

Sección V03/P095–V03/P098

البقرة : ( 224 ) ولا تجعلوا الله . . . . . > > < > ( 224 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا قال معناه بن عباس والنخعى ومجاهد والربيع وغيرهم قال سعيد بن جبير : هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس فيقال له : بر فيقول : قد حلفت وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح فلا يحتاج إلى تقدير لا بعد أن وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال تعالى : واحفظوا أيمانكم وذم من كثر اليمين فقال تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين والعرب تمتدح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برت وعلى هذا أن تبروا معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى وهذا تأويل حسن مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : على يمين وهو لم يحلف القتبى : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين قلت : وهذا حسن لما بيناه وهو الذي يدل عليه سبب النزول على ما نبينه في المسألة بعد هذا الثانية قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضى الله عنها كما في حديث الإفك وسيأتي بيانه في النور عن بن جريج وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف وقيل نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( عرضة لأيمانكم ) أي نصبا عن الجوهرى وفلان عرضة ذاك أي عرضة لذلك أي مقرن له قوى عليه والعرضة : الهمة قال : هم الأنصار عرضتها اللقاء وفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له وقيل : العرضة من الشدة والقوة ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب قال كعب بن زهير : من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت عرضتها طامس الأعلام مجهول وقال عبد الله بن الزبير : فهذى لأيام الحروب وهذه للهوى وهذى عرضة لارتحالنا أي عدة وقال اخر : فلا تجعلنى عرضة للوائم وقال أوس بن حجر : وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة وتقاذف والمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدة في الامتناع من البر الرابعة قوله تعالى : ( أن تبروا وتتقوا ) مبتدأ وخبره محذوف أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل مثل طاعة وقول معروف عن الزجاج والنحاس وقيل : محله النصب أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح عن الزجاج أيضا وقيل : مفعول من أجله وقيل : معناه ألا تبروا فحذف لا كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا أي لئلا تضلوا قاله الطبرى والنحاس ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا ثم حذفت ذكره النحاس والمهدوى وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي التقدير : في أن تبروا فأضمرت في وخفضت بها و ( سميع ) أي لأقوال العباد ( عليم ) بنياتهم < < البقرة : ( 225 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > < > ( البقره 225 ) <

Sección V03/P098–V03/P101

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( باللغو ) اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغي ولغى يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لا خير فيه أو بما يلغي إثمه وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ( ولغة أبى هريرة ( فقد لغيت ( وقال الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم وقال آخر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم الثانية واختلف العلماء في اليمين التى هي لغو فقال بن عباس : هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله وبلى والله دون قصد لليمين قال المروزى : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها وروى بن وهب عن يونس عن بن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت : أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب وفي البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل : لا والله وبلى والله وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن فيكون بخلافه قاله مالك حكاه عن بن القاسم عنه وقال به جماعة من السلف قال أبو هريرة : إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو فهو اللغو وليس فيه كفارة ونحوه عن بن عباس وروى : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان فإذا الأمر بخلاف ذلك فقال الرجل : حنث يا رسول الله فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ( وفى الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الانسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا أو يعتذر لمخلوق أو يقتطع به مالا فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه وروى عن بن عباس إن صح عنه قال لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان وقاله طاوس وروى بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ( أخرجه مسلم وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال فيقول : مالي على حرام إن فعلت كذا والحلال علي حرام وقاله مكحول الدمشقي ومالك أيضا إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه وقيل : هو يمين المعصية قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله ابنا الزبير كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( أخرجه بن ماجه في سننه وسيأتى في المائدة أيضا وقال زيد بن أسلم : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره أذهب الله ماله هو يهودى هو مشرك هو لغية إن فعل كذا مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله وقال بن عباس أيضا والضحاك : إن لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير وحكى بن عبد البر قولا : أن اللغو أيمان المكره قال بن العربى : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها لأنها جاءت على خلاف قصده فهي لغو محض قلت : ويمين المكره بمثابتها وسيأتى حكم من حلف مكرها في النحل إن شاء الله تعالى قال بن العربى : وأما من قال أنه يمين المعصية فباطل لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ويقال له : لا تفعل وكفر فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر فى قسمه وأما من قال : إنه دعاء الانسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا فهو قول لغو في طريق الكفارة ولكنه منعقد في القصد مكروه وربما يؤاخذ به لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ( وأما من قال أنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبى صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه وسيأتى في براءة قال بن العربى : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى وضعفه بن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالاطلاق في اللغو فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة والمؤاخذة في الايمان هي بعقوبة الاخرة في اليمين الغموس المصبورة وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة لأن المؤاخذة قد وقعت فيها وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم الثالثة قوله تعالى : ( في أيمانكم ) الأيمان جمع يمين واليمين الحلف وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا وقيل : يمين فعيل من اليمن وهو البركة سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن قال زهير : فتجمع أيمن منا ومنكم الرابعة قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) مثل قوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وهناك يأتى الكلام فيه مستوفى إن شاء الله تعالى وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل أي هذا اللغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه وغفور حليم صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة إذ هو باب رفق وتوسعة < <

Sección V03/P101

البقرة : ( 226 ) للذين يؤلون من . . . . . > > < > ( البقره 226 : 227 ) <

Sección V03/P101–V03/P111

> فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( للذين يؤلون ) يؤلون معناه يحلفون والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة وقرأ أبى وبن عباس للذين يقسمون ومعلوم أن يقسمون تفسير يؤلون وقرئ للذين آلوا يقال : آلى يؤلي إيلاء وتألى تأليا وائتلى ائتلاء أي حلف ومنه ولا يأتل أولوا الفضل منكم وقال الشاعر : فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدى وقال اخر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت وقال بن دريد : ألية باليعملات يرتمي بها النجاء بين أجواز الفلا قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمى قلت : وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلق وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده كذا في صحيح مسلم وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ذكره بن ماجه الثانية ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ففي قول : لا إيلاء له وفي قول : يصح إيلاؤه والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين والفيء بالقول لا يسقطها فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقى حكم الإيلاء وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له وكذلك الأعجمى إذا آلى من نسائه الثالثة واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( وبه قال الشافعى في الجديد وقال بن عباس : كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء وبه قال الشعبى والنخعى ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثورى وأهل العراق والشافعى في القول الآخر وأبو ثور وأبو عبيد وبن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربى قال بن عبد البر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مول إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله أو أشهد بالله أو على عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب الله فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء إلا أن يكون أراد ب الله ونواه ومن قال أنه يمين يدخل عليه وسيأتى بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلى صيام شهر أو سنة فهو مول وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى : للذين يؤلون ولم يفرق فإذا إلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء الرابعة فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية بن القاسم عن مالك وقال بن الماجشون في المبسوط : ليس بمول وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف وهو مذهب فقهاء الأمصار لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل ووجه ما رواه بن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة على ما يأتى بيانه في المائدة فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة الخامسة فإن حلف بالنبى أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها أو قال هو يهودى أو نصرانى أو زان إن وطئها فهذا ليس بمول قاله مالك وغيره قال الباجى : ومعنى ذلك عندى أنه أورده على غير وجه القسم وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره ففي المبسوط : ان بن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا يريد بذلك الإيلاء يكون موليا قال قال مالك : كل كلام نوى به الطلاق فهو طلاق وهذا والطلاق سواء السادسة واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن فقال بن عباس : لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا وقالت طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء روى هذا عن بن مسعود والنخعي وبن أبى ليلى والحكم وحماد بن أبى سليمان وقتادة وبه قال إسحاق قال بن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر فإن حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا وكانت عندهم يمينا محضا لو وطىء في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الايمان هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبى ثور وقال الثورى والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا وهو قول عطاء قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وفى العدة ثلاثة قروء فلا تربص بعد قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر واحتج مالك والشافعي فقالا جعل الله للمولي أربعة أشهر فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل ووجه قول إسحاق في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا لانه قصد الإضرار باليمين وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة السابعة واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة ومن علمائنا من يقول يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق والفيء : الجماع فيمن يمكن مجامعتها قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء قال مالك : وذلك الأمر عندنا وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره بن المنذر الثامنة وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف فإن وطىء فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه وإن لم يفئ طلق عليه طلقة رجعية قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة قال الأبهرى : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر فمتى لم يطأ فالضرر باق فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته لأن الضرر قد زال وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر التاسعة واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب فقال بن عباس : لا إيلاء إلا بغضب وروى عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه في المشهور عنه وقاله الليث والشعبى والحسن وعطاء كلهم يقولون : الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشارة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء وقال بن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء وقاله بن مسعود والثورى ومالك وأهل العراق والشافعى وأصحابه وأحمد إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد قال بن المنذر : وهذا أصح لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك قلت : ويدل عليه عموم القرآن وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم والله أعلم العاشرة قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا الحادية عشرة واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضى أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد قال مالك : وقد بلغنى أن علي بن أبى طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء وبه قال الشافعي في أحد قوليه والقول الآخر يكون موليا ولا اعتبار برضاع الولد وبه قال أبو حنيفة الثانية عشرة وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان قال بن أبى ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة الثالثة عشرة قوله تعالى : ( من نسائهم ) يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر وحجتهم ظاهر قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم فكان ذلك لجميع الأزواج قال بن المنذر : وبه أقول وقال مالك والزهري وعطاء بن أبى رباح وإسحاق : أجله شهران وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران ومن الحرة أربعة أشهر وبه قال أبو حنيفة وقال الشعبى : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة الرابعة عشرة قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما وقال الزهري وعطاء والثورى : لا إيلاء إلا بعد الدخول وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها الخامسة عشرة وأما الذمى فلا يصح إيلاؤه كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح وإنما لهم شبهة يد ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم ويذهبون إلى حكامهم فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين السادسة عشرة قوله تعالى : ( تربص أربعة أشهر ) التربص : التأني والتأخر مقلوب التصبر قال الشاعر : تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت حليلها وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر بن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر لقوله تعالى : واهجروهن في المضاجع وقد آلى النبى صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التى لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها وقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد : ألا طال هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربى والحياء يكفنى وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك فقالت : بعثت به إلى العراق فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها فقلن شهرين ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين وهذا والله أعلم يقوى اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر السابعة عشرة قوله تعالى : ( فإن فاءوا ) معناه رجعوا ومنه حتى تفيء إلى أمر الله ومنه قيل للظل بعد الزوال : فيء لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا وإنه لسريع الفيئة يعني الرجوع قال : ففاءت ولم تقض الذى أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا الثامنة عشرة قال بن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهى امرأته فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إقامته من مرضه أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت قاله مالك في المدونة والمبسوط وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى فإن أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها حمل أمره على الكذب فيها واللدد وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت وقالت طائفة : إذا شهدت بينة بفيئته في حال العذر أجزأه قاله الحسن وعكرمة والنخعي وبه قال الأوزاعي وقال النخعي أيضا : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ويسقط حكم الإيلاء أرأيت إن لم ينتشر للوطء قال بن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يفيء بقلبه وبه قال أبو قلابة وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها قال الكيا الطبري : أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة أربعة أشهر وهى رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره وكذلك قال سعيد بن جبير قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن التاسعة عشرة أوجب مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته وقال الحسن : لا كفارة عليه وبه قال النخعي قال النخعي : كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه وقال إسحاق : قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى فإن فاءوا يعنى لليمين التى حنثوا فيها وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه والحجة له قوله تعالى : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ولم يذكر كفارة وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية وترك وطء الزوجة معصية قلت : وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ( خرجه بن ماجه في سننه وسيأتي لهذا مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى وحجة الجمهور قوله عليه السلام ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ( الموفية عشرين إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء قاله علماؤنا وفى ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب وذلك إجماع في مسألة الإيلاء ودليل على أبى حنيفة في مسألة الأيمان إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث قاله بن العربى الحادية والعشرين قلت : بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال : لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله وذلك خلاف الكتاب الثانية والعشرون قال الله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) العزيمة : تتميم العقد على الشيء يقال : عزم عليه يعزم عزما ( بالضم ) وعزيمة وعزيما وعزمانا واعتزم اعتزاما وعزمت عليك لتفعلن أي أقسمت عليك قال شمر : العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله والطلاق من طلقت المرأة تطلق ( على وزن نصر ينصر ) طلاقا فهي طالق وطالقة أيضا قال الأعشى : أيا جارتا بينى فإنك طالقة ويجوز طلقت ( بضم اللام ) مثل عظم يعظم وأنكره الأخفش والطلاق حل عقدة النكاح وأصله الانطلاق والمطلقات المخليات والطلاق : التخلية يقال : نعجة طالق وناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعى وبعير طلق ( بضم الطاء واللام ) غير مقيد والجمع أطلاق وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد والطالق من الإبل : التى يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء يقال : استطلق الراعي ناقة لنفسه فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها وقيل : إنه مأخوذ كمن طلق الفرس وهو ذهابه شوطا لا يمنع فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة الثالثة والعشرون في قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أنها لا تطلق بمضى مدة أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة وأيضا فإنه قال : سميع وسميع يقتضي مسموعا بعد المضى وقال أبو حنيفة : سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل عليه مضى أربعة أشهر وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه قال : سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق قال القاضي بن العربى : وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وتقديرها عندهم : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها يريد مدة التربص فيها فإن الله سميع عليم بن العربى : وهذا احتمال متساو ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه قلت : وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والاقراء إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها فكذلك الإيلاء حتى لو نسى الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق والله أعلم الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق ) دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء إذ لا يقع عليها طلاق والله أعلم < <

Sección V03/P111

البقرة : ( 228 ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن . . . . . > > < > ( البقره 228 ) <

Preguntas