Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قال الحسن هي الزكاة المفروضة وقال بن جريج وسعيد بن جبير هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع قال بن عطية : وهذا صحيح ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ويقوي ذلك في آخر الآية قوله : والكافرون هم الظالمون أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال قلت : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه وأمر تعالى عباده بالانفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم وحذرهم من الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا إستدراك نفقة كما قال : فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق والخلة : خالص المودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخلالة والخلالة والخلالة : الصداقة والمودة قال الشاعر : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب وأبو مرحب كنية الظل ويقال هو كنية عرقوب الذي قيل فيه : مواعيد عرقوب والخلة ( بالضم أيضا ) : ما خلا من النبت يقال : الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها والخلة ( بالفتح ) : الحاجة والفقر والخلة : بن مخاض عن الأصمعي يقال : أتاهم بقرص كأنه فرسن خلة والأنثى خلة أيضا ويقال للميت : اللهم أصلح خلته أي الثلمة التي ترك والخلة : الخمرة الحامضة الخلة ( بالكسر ) : واحدة خلل السيوف وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره وهي أيضا سيور تلبس ظهر سيتي القوس والخلة ايضا : ما يبقى بين الأسنان وسيأتي في النساء اشتقاق الخليل ومعناه فأخبر الله تعالى ألا خلة الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع وقرأ بن كثير وأبو عمرو ( لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة بالنصب من غير تنوين وكذلك في سورة إبراهيم لا بيع فيه ولا خلال وفي الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وأنشد حسان بن ثابت : ألا طعان ولا فرسان عادية إلا تجشؤكم عند التنانير وألف الإستفهام غير مغير عمل لا كقولك : ألا رجل عندك ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما جاز في غير الإستفهام فاعلمه وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين كما قال الراعي : وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويروى وما هجرتك فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف كأنه جواب لمن قال : هل فيه من بيع فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي ولا مع الاسم المنفي بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء والخبر فيه وإن شئت جعلته صفة ليوم ومن رفع جعل لا بمنزلة ليس وجعل الجواب غير عام وكأنه جواب من قال : هل فيه بيع بإسقاط من فأتى الجواب غير مغير عن رفعه والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس وفيه الخبر قال مكي : والاختيار الرفع لأن أكثر القراء عليه ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة وأنشد سيبويه لرجل من مذحج : هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب ويجوز أن تبنى الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول : لا رجل فيه ولا امرأة وأنشد سيبويه : لانسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع فلا زائدة في الموضعين الأول عطف على الموضع والثاني على اللفظ ووجه خامس أن ترفع الأول وتبني الثاني كقولك : لا رجل فيها ولا امرأة قال أمية : فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدا مقيم وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك : لا حول ولا قوة إلا بالله وقد تقدم هذا والحمد لله ( والكافرون ) ابتداء ( هم ) ابتداء ثان ( الظالمون ) خبر الثاني وإن شئت كانت هم زائدة للفصل والظالمون خبر الكافرون قال عطاء بن دينار : والحمد لله الذي قال : والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون < <
البقرة : ( 255 ) الله لا إله . . . . . > > < > ( البقره 255 ) <
> قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية كما تقدم بيانه في الفاتحة ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها روي عن محمد بن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك فجاؤوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ( قال قلت : الله ورسوله أعلم قال : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ( قال قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم يا أبا المنذر ( زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله : ( فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش ( قال أبو عبد الله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله يريد يدعي قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه فقال له الجني : خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي قلت : هذا صحيح وفي الخبر : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر : ( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله ( وفي البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال : ( ما هي ( قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ( قال : لا قال : ( ذاك شيطان ( وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبد الله بن مسعود : لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك قال : لا والله ( إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك قال نعم فصرعه قال تقرأ آية الكرسي : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال : نعم قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر قال أبو محمد الدارمي : الضئيل : الدقيق والشخيت : المهزول والضليع : جيد الأضلاع والخبج : الريح وقال أبو عبيدة : الخبج : الضراط وهو الحبج أيضا بالحاء وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حم المؤمن إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ( قال : حديث غريب وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم : وروي أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ( قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه قال : ( إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صد يق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي ( وعن أبي بن كعب قال قال الله تعالى : يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء قال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا وهي خمسون كلمة وفي كل كلمة خمسون بركة وهي تعدل ثلث القرآن ورد بذلك الحديث ذكره بن عطية والله مبتدأ ولا إله مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود وإلا هو بدل من موضع لا إله وقيل : الله لا إله إلا هو ابتداء وخبر وهو مرفوع محمول على المعنى أي ما إله إلا هو ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه نصب على الاستثناء قال أبو ذر في حديثه الطويل : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( وقال بن عباس : أشرف إية في القرآن آية الكرسي قال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة ( الحي القيوم ) نعت الله عز وجل وإن شئت كان بدلا من هو وان شئت كان خبرا بعد خبر وإن شئت على إضمار مبتدأ ويجوز في غير القرآن النصب على المدح والحي اسم من اسمائه الحسنى يسمى به ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم ويقال : إن عيسى بن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا قيوم ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أيا هيا شرا هيا يعني يا حي يا قيوم ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به قال الطبري عن قوم : إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه وقيل : سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها وقال قتادة : الحي الذي لا يموت وقال السدي : المراد بالحي الباقي قال لبيد : فإما تريني اليوم أصبحت سالما فلست بأحيا من كلاب وجعفر وقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم ( القيوم ) من قام أي القائم بتدبير ما خلق عن قتادة وقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها وقال بن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول قال أمية بن أبي الصلت : لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم قدره مهيمن قيوم والحشر والجنة والنعيم إلا لأمر شأنه عظيم قال البيهقي : ورأيت في عيون التفسير لإسماعيل الضرير في تفسير القيوم قال : ويقال هو الذي لا ينام وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي : لا تأخذه سنة ولا نوم وقال الكلبي : القيوم الذي لابديء له ذكره أبو بكر الأنباري وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فادغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء ولا يكون قيوم فعولا لأنه من الواو فكان يكون قووما وقرأ بن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي الحي القيام بالألف وروي ذلك عن عمر ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة والقيام منقول عن القوام إلى القيام صرف عن الفعال إلى الفيعال كما قيل للصواغ الصياغ قال الشاعر : إن ذا العرش للذي يرزق النا س وحي عليهم قيوم ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم والسنة : النعاس في قول الجميع والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما قال عدي بن الرقاع يصف إمرأة بفتور النظر : وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم وفرق المفضل بينهما فقال : السنة من الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب وقال بن زيد : الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل حتى ربما جرد السيف على أهله قال بن عطية : وهذا الذي قاله بن زيد فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب وقال السدي : السنة : ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان قلت : وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال والأصل في سنة وسنة حذفت الواو
كما حذفت من يسن والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر والواو للعطف ولا توكيد قلت : والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال : ( وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الاخرى حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك السماء والأرض ( ولا يصح هذا الحديث ضعفه غير واحد منهم البيهقي قوله تعالى : ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة ب ما وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود قال الطبري : نزلت هذه الآية لما قال الكفار : ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى قوله تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) من رفع بالابتداء وذا خبره والذي نعت ل ذا وإن شئت بدل ولا يجوز أن تكون ذا زائدة كما زيدت مع ما لأن ما مبهمة فزيدت ذا معها لشبهها بها وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى كما قال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى قال بن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة وفي البخاري في باب بقية من أبواب الرؤية : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره وكما يشفع الطفل المحبنطيء على باب الجنة وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الأيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين ( في الخطايا والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له قلت : قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها أجارنا الله منها فذكر من حديث أبي سعيد الخدري : ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم ( قيل : يا رسول الله وما الجسر قال : ( دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في إستيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا ( وكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ( فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ( وذكر الحديث وذكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك أو قال ليس ذلك إليك وعزتي وكبريائي وعظمتي ( وجبريائي ) لأخرجن من قال لا إله إلا الله ( وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ( الحديث بطوله قلت فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها أجارنا الله منها ( وقول بن عطية : ممن لم يصل أو وصل يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر والله أعلم وقد خرج بن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصف الناس يوم القيامة صفوفا وقال بن نمير أهل الجنة فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا فيشفع له قال بن نمير ويقول يا فلان إما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك فيشفع له وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها فقيل ثلاث وقيل اثنتان وقيل : خمس يأتي بيانها في سبحان إن شاء الله تعالى وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والحمد لله قوله تعالى : ( يعلم مابين أيديهم وما خلفهم ) الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : له ما في السماوات وما في الأرض وقال مجاهد : ما بين أيديهم الدنيا وما خلفهم الآخرة قال بن عطية : وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان وما خلفه هو كل ما يأتي بعده وبنحو قول مجاهد قال : السدي وغيره قوله تعالى : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) العلم هنا بمعنى المعلوم أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر : ما نقصى علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه قوله تعالى : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) ذكر بن عساكر في تأريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله ( وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة وهو عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن بن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه ويقال : كرسي وكرسي والجمع الكراسي وقال بن عباس : كرسيه علمه ورجحه الطبري قال : ومنه الكراسة التي تضم العلم ومنه قيل للعلماء : الكراسي لأنهم المعتمد عليهم كما يقال : أوتاد الأرض قال الشاعر : يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب أي علماء بحوادث الأمور وقيل : كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسيا أي ما يعمده وهذا قريب من قول بن عباس في قوله وسع كرسيه قال البيهقي : وروينا عن بن مسعود وسعيد بن جبير عن بن عباس في قوله وسع كرسيه قال : علمه وسائر الروايات عن بن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض قال : إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات ورؤسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش قال البيهقي : في هذا إشارة إلى كرسيين : أحدهما تحت العرش والآخر موضوع على العرش وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن بن عباس وعن مرة الهمداني عن بن عباس وعن مرة الهمداني عن بن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء وأهل الحق يجيزونهما إذ في قدرة الله متسع فيجب الإيمان بذلك قال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل قال البيهقي : قد روينا أيضا في هذا عن بن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير وليس فيه إثبات المكان لله تعالى وعن بن بريدة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعجب شيء رأيته ( قال : رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس فأذراه فقعدت تجمع طعامها ثم التفتت إليه فقالت له : ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها : ( لاقدست أمة أو كيف تقدس أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ( قال بن عطية : في قول أبي موسى الكرسي موضع القدمين يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه وهذا ليس بمرضي والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه وروى أبو أدريس الخولاني عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أي ما أنزل عليك أعظم قال : ( آية الكرسي ثم قال يا أبا ذر ماالسموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ( أخرجه ألآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح وقال مجاهد : ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة وهذه الآية منبئة عن ع ظم مخلوقات الله تعالى ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم و ( يئوده ) معناه يثقله يقال : آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة وبهذا فسر اللفظة بن عباس والحسن وقتادة وغيرهم قال الزجاج : فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل وجائز أن تكون للكرسي وإذا كانت للكرسي فهو من أمر الله تعالى والعلي ) يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه قال بن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين وكان الوجه ألا يحكى وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى : سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى والعلي والعالي : القاهر الغالب للأشياء تقول العرب : علا فلان فلانا أي غلبه وقهره قال الشاعر : فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر ومنه قوله تعالى : إن فرعون علا في الأرض و ( العظيم ) صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف لا على معنى عظم الأجرام وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم كما يقال : العتيق بمعنى المعتق وأنشد بيت الأعشى : فكأن الخمر العتيق من الإس فنط ممزوجة بماء زلال وحكى عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب ألا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لامعظم له حينئذ < <
البقرة : ( 256 ) لا إكراه في . . . . . > > < > ( البقره 256 ) <
> قوله تعالى : ( لاإكراه في الدين ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله : ( قد تبين الرشد من الغي ) والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله : إلا من أكره وقرأ أبو عبد الرحمن قد تبين الرشد من الغي وكذا روي عن الحسن والشعبي يقال : رشد يرشد رشدا ورشد يرشد رشدا : إذا بلغ ما يحب وغوى ضده عن النحاس وحكى بن عطية عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ الرشاد بالألف وروي عن الحسن أيضا ( الرشد ) بضم الراء والشين ( الغي ) مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأى ولا يقال الغي في الضلال على الإطلاق الثانية اختلف العلماء في ( معنى ) هذه الآية على ستة أقوال : ( الاول ) قيل أنها منسوخة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام قاله سليمان بن موسى قال : نسختها يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وروي هذا عن بن مسعود وكثير من المفسرين ( الثاني ) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : أسلمي أيتها العجوز تسلمي إن الله بعث محمدا بالحق قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب ( فقال عمر : اللهم اشهد وتلا لا إكراه في الدين ( الثالث ) ما رواه أبو داؤد عن بن عباس قال : نزلت هذه في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا ( فأنزل الله تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي قال أبو داؤد : والمقلات التي لا يعيش لها ولد في رواية : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت : لا إكراه في الدين من شاء إلتحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال : كان سبب كونهم في بني النضير الإسترضاع قال النحاس : قول بن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده وأن مثله لا يؤخذ بالرأي ( الرابع ) قال السدي : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت : لا إكراه في الدين ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب وقال : ( أبعدهما الله هما أول من كفر ( ( فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية ثم إنه نسخ لا إكراه في الدين فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة والصحيح في سبب قوله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي على ما يأتي في النساء بيانه إن شاء الله تعالى وقيل : معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها وهو القول الخامس وقول سادس وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون على ألإسلام لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار ونحو هذا روى بن القاسم عن مالك وأما أشهب فإنه قال : هم على دين من سباهم فإذا امتنعوا أجبروا على الإسلام والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عربا أم عجما قريشا أو غيرهم وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في براءة إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ) جزم بالشرط والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى وحكى الطبري يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه ووزنه فعلوت ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع وقلبت لامه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ وجذب فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت واختار هذا القول النحاس وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه من غير إشتقاق كما قيل : لآل من اللؤلؤ وقال المبرد : هو جمع وقال بن عطية : وذلك مردود قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال وقد يكون واحدا قال الله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به وقد يكون جمعا قال الله تعالى : أولياؤهم الطاغوت والجمع الطواغيت ويؤمن بالله عطف ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) جواب الشرط وجمع الوثقى الوثق مثل الفضلى والفضل فالوثقى فعلى من الوثاقة وهذه الآية تشبيه واختلف عبارة المفسرين في الشيء المشبه به فقال مجاهد العروة الإيمان وقال السدي : الإسلام وقال بن عباس وسعيد بن جبير والضحاك : لا إله إلا الله وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد ثم قال : ( لاإنفصام لها ) قال مجاهد : أي لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان حتى يكفروا والانفصام : الإنكسار من غير بينونة والقصم : كسر ببينونة وفي صحيح الحديث : ( فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا ( أي يقلع قال الجوهري : فصم الشيء كسره من غير أن يبين تقول : فصمته فانفصم قال الله تعالى لاانفصام لها وتفصم مثله قال ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج فضة : : كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من جواري الحي مفصوم وإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام ولم يقل مقصوم بالقاف فيكون بائنا باثنين وأفصم المطر : أقلع وأفصمت عنه الحمى ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات ( سميع ) من أجل النطق عليم ) من أجل المعتقد < <
البقرة : ( 257 ) الله ولي الذين . . . . . > > < > ( 257 ) < > قوله تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا ) الولي فعيل بمعنى فاعل قال الخطابي : الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين قال الله عز وجل : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) وقال : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم قال قتادة : الظلمات الضلالة والنور الهدى وبمعناه قال الضحاك والربيع وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : قوله الله ولي الذين آمنوا نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات قال بن عطية : فكأن هذا المعتقد أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى الظلمات ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه مغويه كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو ( معه ) معد وأهل للدخول فيه وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم عدلا منه لا يسأل عما يفعل وقرأ الحسن أولياؤهم الطواغيت يعني الشياطين والله أعلم < < البقرة : ( 258 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( 258 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه ألف التوقيف وفي الكلام معنى التعجب أي اعجبوا له وقال الفراء : ألم تر بمعنى هل رأيت أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم وهل رأيت الذي مر على قرية وهو النمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة هذا قول بن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وبن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك فبقي في البلاء أربعين يوما قال بن جريج : هو أول ملك في الأرض قال بن عطية : وهذا مردود وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل وقيل : أنه ملك الدنيا بأجمعها وهو أحد الكافرين والآخر بختنصر وقيل : إن الذي حاج إبراهيم نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام حكى جميعه بن عطية وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكا على السواد وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن اندراست وكان ملك الأقاليم كلها وهو الذي قتله افريدون بن أثفيان وفيه يقول حبيب : وكأنه الضحاك من فتكاته في العالمين وأنت أفريدون وكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا وهو أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل وللنمروذ بن لصلبه يسمى كوشا أو نحو هذا الإسم وله بن يسمى نمروذ الأصغر وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحدا وكان ملك نمروذ الأكبر اربعمائة عام فيما ذكروا وفي قصص هذه المحاجة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون فقالوا : فمن تعبد قال : أعبد ( ربي ) الذي يحيي ويميت وقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه فإذا دخلوا عليه سجدوا له فدخل إبراهيم فلم يسجد له فقال : ما لك لا تسجد لي قال : أنا لا أسجد إلا لربي فقال له نمروذ : من ربك قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالم ير ة فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم فيقولون أنت فيقول ميروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له : من ربك وإلهك قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت فلما سمعها نمروذ قال : أنا أحي وأميت فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر وقال لا تميروه فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحواري فخبزته فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا فقالت : من الدقيق الذي سقت فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك قلت : وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا فقال حنطة حمراء ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء قال : وكان إذا زرع منها شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا وقال الربيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا فلما رد عليه بأمر الشمس بهت وروي في الخبر : ان الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى أتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك ثم أمر نمروذ بإبراهيم فألقي في النار وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة فأنجاه الله من النار على ما يأتي وقال السدي : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له : من ربك فقال : ربي الذي يحيي ويميت قال النمروذ : أنا أحيي وأميت وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الأحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه ( فبهت الذي كفر ) أي إنقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق لأن ذوي الألباب يكذبونه الثانية هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله قال الله تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين إن عندكم من سلطان أي من حجة وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها وقال في قصة نوح عليه السلام : قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا الآيات إلى قوله : وأنا بريء مما تجرمون وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة على ما يأتي بيانه في آل عمران وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة إلى غير ذلك مما يكثر إيراده وفي قول الله عز وجل : فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر قال المزني صاحب الشافعي : ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما تبين وقالوا لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف وإلا فهو مراء ومكابرة قراءات قرأ علي بن أبي طالب ألم تر بجزم الراء والجمهور بتحريكها وحذفت الياء للجزم أن آتاه الله الملك في موضع نصب أي لأن آتاه الله أو من أجل أن آتاه الله وقرأ جمهور القراء أن أحيي بطرح الألف التي بعد النون من أنا في الوصل وأثبتها نافع وبن أبي اويس إذا لقيتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى إن أنا إلا نذير الأعراف فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في الوصل قال النحويون : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون فإذا قلت : أنا أو أنه فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف فإذا أتصلت الكلمة بشيء سقطتا لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف فلا يقال : أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذا في الشعر كما قال الشاعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناما قال النحاس : على أن نافعا قد أثبت الألف فقرأ ( أنا أحيي وأميت ) ولا وجه له قال مكي : والألف زائدة عند البصريين والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية وقيل : زيدت للوقف لتظهر حركة النون والاسم عند الكوفيين أنا بكماله فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل وإنما حذف الألف من حذفها تخفيفا ولأن الفتحة تدل عليها قال الجوهري : وأما قولهم أنا فهو اسم مكنى وهو المتكلم وحده وإنما بني على الفتح فرقا بينه وبين أن التي هي حرف ناصب للفعل والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف فإن توسطت الكلام سقطت إلا في لغة رديئة كما قال : أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناما وبهت الرجل وبهت وبهت إذا إنقطع وسكت متحيرا عن النحاس وغيره وقال الطبري وحكى عن بعض العرب في هذا المعنى بهت بفتح الباء والهاء قال بن جني قرأ أبو حيوة : فبهت الذي كفر بفتح الباء وضم الهاء وهي لغة في بهت بكسر الهاء قال : وقرأ بن السميقع فبهت بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر فالذي في موضع نصب قال : وقد يجوز أن يكون بهت بفتحها لغة في بهت قال : وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة فبهت بكسر الهاء كغرق ودهش قال : والأكثرون بالضم في الهاء قال بن عطية : وقد تأول قوم في قراءة من قرأ فبهت بفتحها أنه بمعنى سب وقذف وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة < <
البقرة : ( 259 ) أو كالذي مر . . . . . > > < > ( البقره 259 ) <
> قوله تعالى : ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) أو للعطف حملا على المعنى والتقدير عند الكسائي والفراء : هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية وقال المبرد : المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ألم تر من هو ( كالذي مر على قرية فأضمر في الكلام من هو وقرأ أبو سفيان بن حسين أو كالذي مر بفتح الواو وهي واو العطف دخل عليها ألف الأستفهام الذي معناه التقرير وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم : قريت الماء أي جمعته وقد تقدم قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب وقتادة وبن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الله بن بكر بن مضر : هو أرمياء وكان نبيا وقال بن إسحاق : أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه قال بن عطية : وهذا كما تراه إلا أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر معاصر لموسى وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب بن منبه قلت : إن كان الخضر هو أرمياء فلا يبعد أن يكون هو لأن الخضر لم يزل حيا من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك على ما يأتي بيانه في سورة الكهف وإن كان مات قبل هذه القصة فقول بن عطية صحيح والله أعلم وحكى النحاس ومكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام وحكى السهيلي عن القتبي هو شعيا في أحد قوليه والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي والقرية المذكورة هي بيت المقدس في قول وهب بن منبه وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم قال : وكان مقبلا من مصر وطعامه وشرابه المذكوران تين ( أخضر ) وعنب وركوة من خمر وقيل من عصير وقيل : قلة ماء هي شرابه والذي أخلى بيت المقدس حينئذ بختنصر وكان واليا على العراق للهراسب ثم ليستاسب بن لهراسب والد اسبندياد وحكى النقاش أن قوما قالوا : هي المؤتفكة وقال بن عباس في رواية أبي صالح : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم أناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل فخرج ذات يوم في حاجة له إلى دير هرقل على شاطئ الدجلة فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له فربط الحمار تحت ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وهي خاوية على عروشها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقيل : إنها القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت قاله بن زيد وعن بن زيد أيضا أن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا مر رجل عليهم وهم عظام ( نخرة ) تلوح فوقف ينظر فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام قال : بن عطية : وهذا القول من بن زيد مناقض لألفاظ الآية إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها والإشارة ب هذه إنما هي إلى القرية وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة : القرية بيت المقدس لما خربها بختنصر البابلي وفي الحديث الطويل حين احدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف ارمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بختنصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها والعريش : سقف البيت وكل ما يتهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية ومنه قوله تعالى : ومما يعرشون قال السدي : يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها واختاره الطبري وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس والبيوت قائمة وخاوية معناها خالية وأصل الخواء الخلو يقال : خوت الدار وخويت تخوي خواء ( ممدود ) وخويا : أقوت وكذلك إذا سقطت ومنه قوله تعالى : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أي خالية ويقال ساقطة كما يقال : فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على سقفها والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء وخوت المرأة وخويت أيضا خوى أي خلا جوفها عند الولادة وخويت لها تخوية إذا عملت لها خوية تأكلها وهي طعام والخوى البطن السهل من الأرض على فعيل وخوى البعير إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه وكذلك الرجل في سجوده قوله تعالى : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) معناه من أي طريق وبأي سبب وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن : أنى تعمر هذه بعد خرابها فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم أي أنى يحيي الله موتاها وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكا في قدرة الله تعالى على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه قال بن عطية : وليس يدخل شك في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك ( من جاهل ) في الوجه الآخر والصواب ألا يتأول في الآية شك قوله تعالى : ( فأماته الله مائة عام ) مائة نصب على الظرف والعام : السنة يقال : سنون عوم وهو تأكيد للأول كما يقال : بينهم شغل شاغل وقال العجاج : من مر أعوام السنين العوم وهو في التقدير جمع عائم إلا أنه لا يفرد بالذكر لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد قاله الجوهري وقال النقاش : العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك والعوم كالسبح وقال الله تعالى : كل في فلك يسبحون قال بن عطية : هذا بمعنى قول النقاش والعام على هذا كالقول والقال وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد وروي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل وقد قيل : إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملكا من ملوك فارس عظيما يقال له كوشك فعمرها في ثلاثين سنة قوله تعالى : ( ثم بعثه ) معناه أحياه وقد تقدم الكلام فيه قوله تعالى : ( قال كم لبثت ) اختلف في القائل له كم لبثت فقيل : الله جل وعز ولم يقل له إن كنت صادقا كما قال للملائكة على ما تقدم وقيل : سمع هاتفا من السماء يقول له ذلك وقيل : خاطبه جبريل وقيل : نبي وقيل : رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له : كم لبثت قلت : والأظهر أن القائل هو الله تعالى لقوله وأنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما والله أعلم وقرأ أهل الكوفة كم لبث بإدغام الثاء في التاء لقربها منها في المخرج فإن مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان قال النحاس : والإظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء ويقال : كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير وكم في موضع نصب على الظرف ( قال لبثت يوما أو بعض يوم ) إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه وعلى هذا لا يكون كاذبا فيما أخبر به ومثله قول أصحاب الكهف قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما يأتي ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم : كأنهم قالوا : الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوما أو بعض يوم ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين : ( لم أقصر ولم أنس ( ومن الناس من يقول : إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل وهذا بين في نظر الأصول فعلى هذا يجوز أن يقال : إن الأنبياء لا يعصمون عن الأخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد كما لا يعصمون عن السهو والنسيان فهذا ما يتعلق بهذه الآية والقول الأول أصح قال بن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب فظن هذا اليوم واحدا فقال : لبثت يوما ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال : أو بعض يوم فقيل : بل لبثت مائة عام ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قوله تعالى : ( فانظر إلى طعامك ) وهو التين الذي جمعه من أشجار القرية التي مر عليها ( وشرابك لم يتسنه ) وقرأ بن مسعود وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه وقرأ طلحة بن مصرف وغيره وأنظر لطعامك وشرابك لمائة سنة وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوصل إلا الأخوان فإنهما يحذفانها ولا خلاف أن الوقف عليها بالهاء وقرأ طلحة بن مصرف أيضا لم يسن وأنظر أدغم التاء في السين فعلى قراءة الجمهور الهاء أصلية وحذفت الضمة للجزم ويكون يتسنه من السنة أي لم تغيره السنون قال الجوهري : ويقال سنون والسنة واحدة السنين وفي نقصانها قولان : أحدهما الواو والآخر الهاء وأصلها سنهة مثل الجبهة لأنه من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون ونخلة سناء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى وسنهاء أيضا قال بعض الأنصار : فليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح وأسنهت عند بني فلان أقمت عندهم وتسنيت أيضا واستأجرته مساناة ومسانهة أيضا وفي التصغير سنية وسنيهة قال النحاس : من قرأ لم يتسن وانظر قال في التصغير : سنية وحذفت الألف للجزم ويقف على الهاء فيقول : لم يتسنه تكون الهاء لبيان الحركة قال المهدوي : ويجوز أن يكون أصله من سانيته مساناة أي عاملته سنة بعد سنة أو من سانهت ( بالهاء ) فإن كان من سانيت فأصله يتسنى فسقطت الألف للجزم وأصله من الواو بدليل قولهم سنوات والهاء فيه للسكت وإن كان من سانهت فالهاء لام الفعل وأصل سنة على هذا سنهة وعلى القول الأول سنوة وقيل : هو من أسن الماء إذا تغير وكان يجب أن يكون على هذا يتأسن أبو عمرو الشيباني هو من قوله حمأ مسنون فالمعنى لم يتغير الزجاج ليس كذلك لأن قوله مسنون ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنة الأرض قال المهدوي : وأصله على قول الشيباني يتسنن فأبدلت إحدى النونين ياء كراهة التضعيف فصار يتسنى ثم سقطت الألف للجزم ودخلت الهاء للسكت وقال مجاهد : لم يتسنه لم ينتن قال النحاس : أصح ما قيل فيه أنه من السنة أي لم تغيره السنون ويحتمل أن يكون من السنة وهي الجدب ومنه قوله تعالى : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين وقوله عليه السلام : ( اللهم إجعلها عليهم سنين كسني يوسف ( يقال منه : أسنت القوم أي أجدبوا فيكون المعنى لم يغير طعامك القحوط والجدوب أو لم تغيره السنون والأعوام أي هو باق على طراوته وغضارته قوله تعالى : ( وأنظر إلى حمارك ) قال وهب بن منبه وغيره : وأنظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءا جزءا ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاما ملتئمة ثم كساه لحما حتى كمل حمارا ثم جاءه ملك فنفخ فيه الروح فقام الحمار ينهق على هذا أكثر المفسرين وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضا أنهما قالا : بل قيل له : وأنظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شيء مائة عام وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسه وسائر جسده ميت قالا : وأعمى الله العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة قوله تعالى : ( ولنجعلك آية للناس ) قال الفراء : إنما أدخل الواو في قوله ولنجعلك دلالة على أنها شرط لفعل بعده معناه ولنجعلك آية للناس دلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك وإن شئت جعلت الواو مقحمة زائدة وقال الاعمش : موضع كونه آية هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات فوجد الأبناء والحفدة شيوخا عكرمة : وكان يوم مات بن اربعين سنة وروي عن علي رضوان الله عليه أن عزيرا خرج من أهله وخلف امرأته حاملا وله خمسون سنة فأماته الله مائة عام ثم بعثه فرجع إلى اهله وهو بن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة وروي عن بن عباس قال : لما أحيا الله عزيرا ركب حماره فأتى محلته فأنكر الناس وأنكروه فوجد في منزله عجوزا عمياء كانت أمة لهم خرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة فقال لها : أهذا منزل عزير فقالت نعم ثم بكت وقالت : فارقنا عزير منذ كذا وكذا سنة قال : فأنا عزير قالت : إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة قال : فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت : فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق فادع الله يرد علي بصري فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحت مكانها كأنها أنشطت من عقال قالت : أشهد أنك عزير ثم انطلقت إلى ملأ بني إسرائيل وفيهم بن لعزير شيخ بن مائة وثمانية وعشرين سنة وبنو بنيه شيوخ فقالت : يا قوم هذا والله عزير فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فنظرها فإذا هو عزير وقيل : جاء وقد هلك كل من يعرف فكان آية لمن كان حيا من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعا قال بن عطية : وفي اماتته هذه المدة ثم إحيائه بعدها أعظم آية وأمره كله آية غابر الدهر ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض قوله تعالى : ( وأنظر إلى العظام كيف ننشزها ) قرأ الكوفيون وبن عامر بالزاي والباقون بالراء وروى ابان عن عاصم ننشرها بفتح النون وضم الشين والراء وكذلك قرأ بن عباس والحسن وأبو حيوة فقيل : هما لغتان في الإحياء بمعنى كما يقال : رجع ورجعته وغاض الماء وغضته وخسرت الدابة وخسرتها إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم الله فحيوا قال الله تعالى : ثم إذا شاء أنشره ويكون نشرها مثل نشر الثوب نشر الميت ينشر نشورا أي عاش بعد الموت قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر فكأن الموت طي للعظام والأعضاء وكأن الأحياء وجمع الأعضاء بعضها إلى بعض نشر وأما قراءة ننشزها بالزاي فمعناه نرفعها والنشز : المرتفع من الأرض قال : ترى الثعلب الحولي فيها كأنه إذا ما علا نشزا حصان مجلل قال مكي : المعنى : أنظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء لأن النشز الإرتفاع ومنه المرأة النشوز وهي المرتفعة عن موافقة زوجها ومنه قوله تعالى : وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي ارتفعوا وانضموا وأيضا فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء والعظام لاتحيا على الإنفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض والزاي أولى بذلك المعنى إذ هو بمعنى الإنضمام دون الإحياء فالموصوف بالإحياء هو الرجل دون العظام على انفرادها ولا يقال : هذا عظم حي وإنما المعنى فانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء وقرأ النخعي ننشزها بفتح النون وضم الشين والزاي وروي ذلك عن بن عباس وقتادة وقرأ أبي بن كعب ننشيها بالياء والكسوة : ما وارى من الثياب وشبه اللحم بها وقد إستعاره لبيد للإسلام فقال : حتى إكتسيت من الإسلام سربالا وقد تقدم أول السورة قوله تعالى : ( فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) بقطع الألف وقد روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده قال قتادة : إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض لأن أول ما خلق الله منه رأسه وقيل له : أنظر فقال عند ذلك : أعلم بقطع الألف أي أعلم هذا وقال الطبري : المعنى في قوله فلما تبين له أي لما إتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه قال : أعلم قال بن عطية وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله تعالى : لا إله إلا الله ونحو هذا وقال أبو علي : معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قلت : وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة وكذلك قال مكي رحمه الله قال مكي : إنه أخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى فتيقن ذلك بالمشاهدة فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير أي أعلم ( أنا ) هذا الضرب من العلم ألذي لم أكن أعلمه على معاينة وهذا على قراءة من قرأ أعلم بقطع الألف وهم الأكثر من القراء وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف ويحتمل وجهين : أحدهما قال له الملك : أعلم والآخر هو أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه : اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة وأنشد أبو علي في مثل هذا المعنى : ودع هريرة إن الركب مرتحل ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا قال بن عطية : وتأنس أبو علي في هذا المعنى بقول الشاعر : تذكر من أني ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل قال مكي : ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جل ذكره له بالعلم لأنه قد أظهر إليه قدرته وأراه أمرا أيقن صحته وأقر بالقدرة فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسن وفي حرف عبد الله ما يدل على أنه أمر من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت وذلك أن في حرفه : قيل أعلم وأيضا فإنه موافق لما قبله من الأمر في قوله أنظر إلى طعامك وأنظر إلى حمارك وأنظر إلى العظام فكذلك واعلم أن الله وقد كان بن عباس يقرؤها قيل اعلم ويقول أهو خير أم إبراهيم إذ قيل له : واعلم أن الله عزيز حكيم فهذا يبين أنه من قول الله سبحانه له لما عاين من الإحياء < <
البقرة : ( 260 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . > > < > ( 260 ) <
> اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ولهذا قال عليه السلام : ( ليس الخبر كالمعاينة ( رواه بن عباس لم يروه غيره قاله أبو عمر قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والربيع : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه قال بن عطية وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله تعالى : وأدخل تحت الترجمة عن بن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ( الحديث ثم رجح الطبري هذا القول قلت : حديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ( قال بن عطية : وما ترجم به الطبري عندي مردود وما أدخل تحت الترجمة متأول فأما قول بن عباس : هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله أو لم تؤمن أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث وأما قول عطاء : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ذلك محض الإيمان ( إنما هو في الخواطر التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به يدلك على ذلك قوله ربي الذي يحيي ويميت فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الأيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا وذلك أن الإستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول نحو قولك : كيف علم زيد وكيف نسج الثوب ونحو هذا ومتى قلت : كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله وقد تكون كيف خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك : كيف شئت فكن ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي وكيف ) في هذه الآية إنما هي إستفهام عن هيئة الإحياء والإحياء متقرر ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حاله لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له : أرني كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدلي كأنه يقول : افرض أنك ترفعه فأرني كيف ترفعه فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الإشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له : أولم تؤمن قال بلى فكمل الأمر وتخلص من كل شك ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة قلت : هذا ما ذكره بن عطية وهو بالغ ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين وإذا لم يكن عليهم سلطنة فكيف يشككهم وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها فأراد ان يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين فقوله : أرني كيف طلب مشاهدة الكيفية وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أنه يريه كيف يحيي القلوب وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان ذكره الماوردي وليست الألف في قوله أولم تؤمن ألف إستفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا والواو واو الحال وتؤمن معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فضل إحياء الموتى ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا والطمأنينة : اعتدال وسكون فطمأنينة الأعضاء معروفة كما قال عليه السلام : ( ثم اركع حتى تطمئن راكعا ( الحديث وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد والفكر في صورة الأحياء غير محظور كما لنا نحن اليوم أن نفكر ( فيها ) إذ هي ف ك ر فيها ع ب ر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء وقال الطبري : معنى ليطمئن قلبي ليوقن وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وحكي عنه ليزداد يقينا وقاله إبراهيم وقتادة وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني قال بن عطية : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض وقال السدي وبن جبير أيضا : أولم تؤمن بأنك خليلي قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة وقيل : دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته فقال الله له : أولم تؤمن أني أجيب دعاءك قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي أنك تجيب دعائي واختلف في المحرك له على ذلك فقيل : إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد آية على ذلك قاله السائب بن يزيد وقيل : قول النمروذ : أنا أحيي وأميت وقال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق فقيل له : ( خذ اربعة من الطير ) قيل : هي الديك والطاووس والحمام والغراب ذكر ذلك بن إسحاق عن بعض أهل العلم وقاله مجاهد وبن جريج وعطاء بن يسار وبن زيد وقال بن عباس مكان الغراب الكركي وعنه أيضا مكان الحمام النسر فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ثم قال : تعالين بإذن الله فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى إلتأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ثم كرر النداء فجاءته سعيا أي عدوا على أرجلهن ولا يقال للطائر : سعى إذا طار إلا على التمثيل قاله النحاس وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقى كل طائر رأسه وطارت بإذن الله وقال الزجاج : المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر جزؤا على فعل وعن أبي جعفر أيضا جزا مشددة الزاي الباقون مهموز مخفف وهي لغات ومعناه النصيب ( يأتينك سعيا ) نصب على الحال وصرهن ) معناه قطعهن قاله بن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وبن الأنباري يقال : صار الشيء يصوره أي قطعه وقاله بن إسحاق وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع قال توبة بن الحمير يصفه : فلما جذبت الحبل أطت نسوعه بأطراف عيدان شديد سيورها فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها أي يقطعها والصور : القطع وقال الضحاك وعكرمة وبن عباس في بعض ما روي عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن وقيل : المعنى أملهن إليك أي اضممهن واجمعهن إليك يقال رجل أصور إذا كان مائل العنق وتقول : إني إليكم لأصور يعني مشتاقا مائلا وامرأة صوراء والجمع صور مثل أسود وسود قال الشاعر : الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى جيراننا صور فقوله إليك على تأويل التقطيع متعلق ب خذ ولا حاجة إلى مضمر وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب صرهن وفي الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن وفيها خمس قراءات : اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء وقرأ قوم فصرهن بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدهن ومنه صرة الدنانير وقرأ قوم فصرهن بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه صيحهن من قولك : صر الباب والقلم إذا صو ت حكاه النقاش قال بن جني : هي قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل وإنما بابه يفعل بضم العين كشد يشد ونحوه ولكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه وهر الحرب يهرها ويهرها ومنه بيت الأعشى : ليعتورنك القول حتى تهره إلى غير ذلك في حروف قليلة قال بن جني : وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر ( كمد وشد ) والوجه ضم الراء من أجل ضمه الهاء من بعد القراءة الخامسة صرهن بفتح الصاد وشد الراء مكسورة حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة بمعنى فاحبسهن من قولهم : صرى يصري إذا حبس ومنه الشاة المصراة وهنا اعتراض ذكره الماوردي ( وهو ) يقال : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله رب أرني أنظر إليك فعنه جوابان : أحدهما أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف الثاني أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن وقال بن عباس : أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف والله أعلم < <
البقرة : ( 261 ) مثل الذين ينفقون . . . . . > > < > ( البقره 261 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين حث على الجهاد وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم وروى البستي في صحيح مسنده عن بن عمر قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي ( فنزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب زد أمتي ( فنزلت إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها وضمنها التحريض على ذلك وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ثم قال تعالى : ( والله يضاعف لمن يشاء ) يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقا في عمله ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر خلافا لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة على ما نبينه إن شاء الله الثانية روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها لربي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ( وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له فنزلت هذه الآية فيهما وقيل : نزلت في نفقة التطوع وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة ولا حاجة إلى دعوى النسخ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا الثالثة قوله تعالى : ( كمثل حبة ) الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه بن آدم ويقتاته وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب ومنه قول المتلمس : آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب ياكله في القرية السوس وحبة القلب : سويداؤه ويقال ثمرته وهو ذاك والحبة ( بكسر الحاء ) : بذور البقول مما ليس بقوت وفي حديث الشفاعة : ( فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ( والجمع حبب والحبة ( بضم الحاء ) الحب يقال : نعم وحبة وكرامة والحب المحبة وكذلك الحب ( بالكسر ) والحب أيضا الحبيب مثل خدن وخدين وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه والجمع سنابل ثم قيل : المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد قلت : هذا ليس بشيء فإن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر على ما شاهدناه قال بن عطية : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر وقال الطبري في هذه الآية : إن قوله ( في كل سنبلة مائة حبة ) معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن يفرضه ثم نقل عن الضحاك أنه قال : في كل سنبلة مائة حبة معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة قال بن عطية : فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال وذلك غير لازم من قول الضحاك وقال أبو عمرو الداني : وقرأ بعضهم مائة بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة قلت : وقال يعقوب الحضرمي : وقرأ بعضهم في كل سنبلة مائة حبة على : أنبتت مائة حبة وكذلك قرأ بعضهم وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم على وأعتدنا لهم عذاب السعير وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي أنبتت سبع سنابل بإدغام التاء في السين لأنهما مهموستان ألا ترى أنهما يتعاقبان وأنشد أبو عمرو يا لعن الله بني السعلاة عمرو بن ميمون لئام النات أراد الناس فحول السين تاء الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما كلمتان الرابعة ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف واختلف العلماء في معنى قوله ( والله يضاعف لمن يشاء ) فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة وليس تضعيف فوق السبعمائة وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف قلت : وهذا القول أصح لحديث بن عمر المذكور أول الآية وروى بن ماجة حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا بن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن ( عن ) علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا ( هذه الآية ) والله يضاعف لمن يشاء الله ( وقد روي عن بن عباس أن التضعيف ( ينتهي ) لمن شاء الله إلى ألفي ألف قال بن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه الخامسة في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال : مثل الذين ينفقون أموالهم الآية وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة ( وروي هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التمسوا الرزق في خبايا الأرض ( يعني الزرع أخرجه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم في النخل : هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل وهذا خرج مخرج المدح والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار ولقي عبد الله بن عبد الملك بن شهاب الزهري فقال : دلني على مال أعالجه فأنشأ بن شهاب يقول : أقول لعبد الله يوم لقيته وقد شد أحلاس المطي مشرقا تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوما أن تجاب فترزقا فيؤتيك مالا واسعا ذا مثابة إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا وحكي عن المعتضد أنه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يناولني مسحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض < <
البقرة : ( 262 ) الذين ينفقون أموالهم . . . . . > > < > ( البقره 262 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) قيل أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عبد الرحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : ( ما ضر بن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان ( وقال أبو سعيد الخدري : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول : ( يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه ( فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى الآية الثانية لما تقدم في الآية التي قبل ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى لأن المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه قال الله تعالى : لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله فهذا إذا أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وأذى وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إ ما لمانة للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال : يا عمر الخير جزيت الجنة أكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنه أقسم بالله لتفعلنه قال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا قال : إذا أبا حفص لأذهبنه قال : إذا ذهبت يكون ماذا ( قال : تكون عن حالي لتسألنه يوم تكون الأعطيات هنه وموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنه فبكى عمر حتى أخضلت لحيته ثم قال : يا غلام اعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره ( والله لا أملك غيره قال الماوردي : وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليا من طلب جزاء وشكر وعريا عن امتنان ونشر كان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء وطلب به الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء وإن طلب الجزاء كان تاجرا مربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا وقد قال بن عباس في قوله تعالى : ولا تمنن تستكثر أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها وذهب بن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود وأن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين قال بن عطية : وفي هذا القول نظر لأن التحكم فيه باد الثالثة قوله تعالى : ( منا ولا أذى ) المن : ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل ان يقول : قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه وقال بعضهم : المن : التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطي فيؤذيه والمن من الكبائر ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وروى النسائي عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى ( وفي بعض طرق مسلم : ( المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة ( والأذى : السب والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال بن زيد : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه وقالت له امرأة : يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهما وجعبة فقال : لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فمن أنفق في سبيل الله ولم يتبعه منا ولا أذى كقوله : ما أشد الحاحك ( وخلصنا الله منك ( وأمثال هذا فقد تضمن الله بالأجر والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال : ( لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وكفى بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى وفيها دلالة لمن فضل الغنى على الفقير حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <
البقرة : ( 263 ) قول معروف ومغفرة . . . . . > > < > ( البقره 263 ) < > قوله تعالى : ( قول معروف ) ابتداء والخبر محذوف أي قول معروف أولى وأمثل ذكره النحاس والمهدوي قال النحاس : ويجوز أن يكون قول معروف خبر ابتداء محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها قال صلى الله عليه وسلم : ( الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ( أخرجه مسلم فيتلقى السائل بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع وقد قال بعض الحكماء : ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره وحكى بن لنكك أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال : لاتدخلنك ضجرة من سائل فلخير دهرك أن ترى مسئولا لا تجبهن بالرد وجه مؤمل فبقاء عزك أن ترى مأمولا تلقى الكريم فتستدل ببشره وترى العبوس على اللئيم دليلا وأعلم بأنك عن قليل صائر خبرا فكن خبرا يروق جميلا وروي من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ( قلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى خرجه مسلم وغيره وذلك أن ملكا تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسئول وقال بشر بن الحارث : رأيت عليا في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين ( قل لي شيئا ينفعني الله به قال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله فقلت : يا أمير المؤمنين زدني فولى وهو يقول : قد كنت ميتا فصرت حيا وعن قليل تصير ميتا فاخرب بدار الفناء بيتا وبن بدار البقاء بيتا الثانية قوله تعالى : ( ومغفرة ) المغفرة هنا : الستر للخلة وسوء حالة المحتاج ومن هذا قول الأعرابي وقد سأل قوما بكلام فصيح فقال له قائل : ممن الرجل فقال له : اللهم غفرا ( سوء الاكتساب يمنع من الانتساب وقيل : المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى قال معناه النقاش وقال النحاس : هذا مشكل يبينه الإعراب مغفرة رفع بالإبتداء والخبر ( خير من صدقة ) والمعنى والله أعلم وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وتقديره في العربية وفعل مغفرة ويجوز أن يكون مثل قولك : تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها الثالثة قوله تعالى : ( والله غني حليم ) أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد وإنما أمر بها ليثيبهم وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من من وأذى بصدقته < < البقرة : ( 264 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 264 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( بالمن والأذى ) قد تقدم معناه وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي لا غيرها والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل وقيل : بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها وهذا حسن والعرب تقول لما يمن به : يد سوداء ولما يعطي عن غير مسألة : يد بيضاء ولما يعطي عن مسألة : يد خضراء وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره وقال بعض الشعراء : وصاحب سلفت منه إلى يد أبطا عليه مكافاتي فعاداني لما تيقن أن الدهر حاربني أبدى الندامة فيما كان أولاني وقال آخر : أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنان وقال أبو بكر الوراق فأحسن : أحسن من كل حسن في كل وقت وزمن صنيعة مربوبة خالية من المنن وسمع بن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت ( فقال له : اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ثم تلا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ( الثانية قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى واستحب أن يعطيها الأجانب واستحب أيضا أن يولي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى وهذا بخلاف صدقة التطوع السر لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل الثالثة قوله تعالى : ( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ) الكاف في موضع نصب أي إبطال كالذي فهي نعت للمصدر المحذوف ويجوز أن تكون موضع الحال مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لالوجه الله تعالى وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثني عليه بأنواع الثناء ثم مثل هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا فكذلك هذا المرائي فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الو ابل عن الصفوان وهو الحجر الكبير الأملس وقيل المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه وإن كرر عطاءه وأبطل فضله وقد قيل : إنما يبطل ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف فإذا من وآذى انقطع التضعيف لأن الصدقة تربى لصاحباها حتى تكون أعظم من الجبل فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها والقول الأول أظهر والله أعلم والصفوان جمع واحده صفوانة قاله الأخفش قال وقال بعضهم : صفوان واحد مثل حجر وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صفوان وصفي وصفي وأنكر المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي ومن هذا المعنى الصفواء والصفا وقد تقدم وقرأ سعيد بن المسيب والزهري صفوان بتحريك الفاء وهي لغة وحكى قطرب صفوان قال النحاس صفوان وصفوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل ( عليه تراب فأصابه وابل ) وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر ولكن صفوان جمع صفا وصفا بمعنى صفوان ونظير ورل ورلان وأخ وأخوان وكرا وكروان كما قال الشاعر : لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نطير والضعيف في العربية كروان جمع كروان وصفي وصفي جمع صفا مثل عصا والوابل : المطر الشديد وقد وبلت السماء تبل والأرض موبولة قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : أخذناه أخذا وبيلا أي شديدا وضرب وبيل وعذاب وبيل أي شديد والصلد : الأملس من الحجارة قال الكسائي : صلى يصلد صلدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان وهو كل ما لا ينبت شيئا ومنه جبين أصلد وأنشد ألاصمعي لرؤبة : براق أصلاد الجبين الأجله قال النقاش : الأصلد الأجرد بلغة هذيل لا يقدرون ) يعني المرائي والكافر والمان ( على شيء ) أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه إذ كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ذكره الماوردي < <
البقرة : ( 265 ) ومثل الذين ينفقون . . . . . > > < > ( البقره 265 ) <
> قوله تعالى : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ) ابتغاء مفعول من أجله وتثبيتا من أنفسهم عطف عليه وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله قال بن عطية : وهو مردود ولا يصح في تثبيتا أنه مفعول من أجله لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت وابتغاء نصب على المصدر في موضع الحال وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من اجله لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو تثبيتا عليه ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه وابتغاء معناه طلب ومرضات مصدر رضي يرضى وتثبيتا معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قاله مجاهد والحسن قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك وقيل : معناه تصديقا ويقينا قاله بن عباس وقال بن عباس أيضا وقتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وبن زيد وابو صالح وغيرهم : وتثبيتا معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته وتثبيتا مصدر على غير المصدر قال بن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والافصاح بالفعل المتقدم كقوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا وتبتل إليه تبتيلا وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر قال بن عطية : هذا مهيع كلام العرب فيما علمته وقال النحاس لو كان كما قال مجاهد لكان وتثب ت ا من تثبت كتكرمت تكرما وقول قتادة : احتسابا لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة وهذا بعيد وقول الشعبي حسن أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل يقال : ثبت فلانا في هذا الامر أي صححت عزمه وقويت فيه رأيه أثبته تثبيتا أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك وقيل : وتثبيتا من أنفسهم أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب قوله تعالى : ( كمثل جنة بربوة ) الجنة : البستان وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم وقد تقدم والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا معه في الأغلب كثافة تراب وما كان كذلك فنباته أحسن ولذلك خص الربوة بالذكر قال بن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق ونجد يقال لها حزن وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ولذلك قالت الأعرابية : زوجي كليل تهامة وقال السدي : بربوة أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض قال بن عطية : وهذه عبارة قلقة ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد قلت : عبارة السدي ليست بشيء لأن بناء ر ب ومعناه الزيادة في كلام العرب ومنه الربو للنفس العالي ربا يربو إذا أخذه الربو وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو فزع وقال الفراء في قوله تعالى : أخذهم أخذة رابية أي زائدة كقولك : أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم وقال الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه وقال بن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار لأن قوله تعالى ( أصابها وابل ) إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر وفيها خمس لغات ربوة بضم الراء وبها قرأ بن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو وربوة بفتح الراء وبها قرأ عاصم وبن عامر والحسن وربوة بكسر الراء وبها قرأ بن عباس وأبو إسحاق السبيعي ورباوة بالفتح وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن وقال الشاعر : من منزلي في روضة برباوة بين النخيل إلى بقيع الغرقد ورباوة بالكسر وبها قرأ الأشهب العقيلي قال الفراء : ويقال برباوة وبرباوة وكله من الرابية وفعله ربا يربو قوله تعالى : ( أصابها ) يعني الربوة ( وابل ) أي مطر شديد قال الشاعر : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل ( فأتت ) أي أعطت ( أكلها ) بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل ومنه قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل والأكلة : اللقمة ومنه الحديث : ( فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين ( يعني لقمة أو لقمتين خرجه مسلم وإضافته إلى الجنة إضافة إختصاص كسرج الفرس وباب الدار وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة وقرأ نافع وبن كثير وابو عمرو أكلها بضم الهمزة وسكون الكاف وكذلك كل مضاف ( إلى ) مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى شيء مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه وقرأ عاصم وبن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل ويقال : أكل وأكل بمعنى ( ضعفين ) أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين وقال بعض أهل العلم : حملت مرتين في السنة والأول أكثر أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين قوله تعالى : ( فإن لم يصبها وابل فطل ) تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين وذلك لكرم الأرض وطيبها قال المبرد وغيره : تقديره فطل يكفيها وقال الزجاج : فالذي يصيبها طل والطل : المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف قاله بن عباس وغيره وهو مشهور اللغة وقال قوم منهم مجاهد : الطل : الندى قال بن عطية : وهو تجوز وتشبيه قال النحاس : وحكى أهل اللغة وبلت وأوبلت وطلت وأطلت وفي الصحاح : الطل أضعف المطر والجمع الطلال تقول منه : طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة قال الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا وفيه وإن قل تماسك ونفع قال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضعفين يعني أخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين قلت التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذي يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ( خرجه الموطأ أيضا قوله تعالى : ( والله بما تعملون بصير ) وعد ووعيد وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض < <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?