Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> الباب الثاني في نزولها وأحكامها وفيه عشرون مسألة <
> الأولى أجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي : أنها ست وهذا شاذ وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية وهي على عده ثماني آيات وهذا شاذ وقوله تعالى : ولقد اتيناك سبعا من المثاني وقوله : ( قسمت الصلاة ( الحديث يرد هذين القولين وأجمعت الأمة أيضا على أنها من القرآن فإن قيل : لو كانت قرآنا لأثبتها عبد الله بن مسعود في مصحفه فلما لم يثبتها دل على أنها ليست من القرآن كالمعوذتين عنده فالجواب ما ذكره أبو بكر الأنباري قال : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا سليمان أبن الاشعث حدثنا بن أبي قدامة حدثنا جرير عن الأعمش قال : أظنه عن إبراهيم قال قيل لعبد الله بن مسعود : لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك قال : لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة قال أبو بكر : يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها فقال أختصرت بإسقاطها ووثقت بحفظ المسلمين لها ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة إذ كانت تتقدمها في الصلاة الثانية اختلفوا أهي مكية أم مدنية فقال بن عباس وقتادة وأبو العالية الرياحي واسمه رفيع وغيرهم هي مكية وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم : هي مدنية ويقال : نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة حكاه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي في تفسيره والأول أصح لقوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم الحجر والحجر مكية بإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الأسلام قط صلاة بغير الحمد لله رب العالمين يدل على هذا قوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ( وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء والله أعلم وقد ذكر القاضي بن الطيب اختلاف الناس في أول ما نزل من القرآن فقيل : المدثر وقيل : أقرأ وقيل : الفاتحة وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة : ( إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا ( قالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله أنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت خديجة حديثه له قالت : يا عتيق أذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده فقال : انطلق بنا إلى ورقة فقال : ( ومن أخبرك ( قال : خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال : ( إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض ( فقال : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه : يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين قل : لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفى ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ( يعني ورقة قال البيهقي رضي الله عنه : هذا منقطع يعني هذا الحديث فإن كان محفوظا فيحتمل ان يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه أقرأ باسم ربك ويأيها المدثر الثالثة قال بن عطية : ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام لم ينزل بسورة الحمد لما رواه مسلم عن بن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته قال بن عطية : وليس كما ظن فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام تقدم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلما به وبما ينزل معه وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها والله أعلم قلت : الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل عليه السلام لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك وقد بينا أن نزولها كان بمكة نزل بها جبريل عليه السلام لقوله تعالى : نزل به الروح الأمين وهذا يقتضي جميع القرآن فيكون جبريل عليه السلام نزل بتلاوتها بمكة ونزل الملك بثوابها بالمدينة والله أعلم وقد قيل : إنها مكية مدنية نزل بها جبريل مرتين حكاه الثعلبي وما ذكرناه أولى فإنه جمع بين القرآن والسنة ولله الحمد والمنة الرابعة قد تقدم أن البسملة ليست بآية منها على القول الصحيح وأذا ثبت ذلك فحكم المصلي إذا كبر أن يصله بالفاتحة ولا يسكت ولا يذكر توجيها ولا تسبيحا لحديث عائشة وأنس المتقدمين وغيرهما وقد جاءت أحاديث بالتوجيه والتسبيح والسكوت قال بها جماعة من العلماء فروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان إذا أفتتحا الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وبه قال سفيان وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وكان الشافعي يقول بالذي روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفتتح الصلاة كبر ثم قال : ( وجهت وجهي ( الحديث ذكره مسلم وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام وهناك يأتي القول في هذه المسألة مستوفي إن شاء الله قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ يقول : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ( واستعمل ذلك أبو هريرة وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : للإمام سكتتان فأغتنموا فيهما القراءة وكان الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل يميلون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب الخامسة واختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة فقال مالك وأصحابه : هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة قال بن خويز منداد البصري المالكي : لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية فقال مرة : يعيد الصلاة وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو وهي رواية بن عبد الحكم وغيره عن مالك قال بن خويز منداد وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام قال بن عبد البر الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها كمن أسقط سجدة سهوا وهو اختيار بن القاسم وقال الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم تكن عليه إعادة لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن وهي تامة لقوله عليه السلام : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ( وهذا قد قرأ بها قلت : ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة وهو الصحيح على ما يأتي ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعات وهذا هو سبب الخلاف والله أعلم وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين وعن محمد بن الحسن أيضا قال : أسوغ الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهومة نحو : الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها قال بن عبد البر : وهذا لا معنى له لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات السادسة وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعا فالإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أنه يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا وإن أدركه قائما فإنه يقرأ وهي المسألة : السابعة ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه وأما إذا جهر الأمام وهي المسألة : الثامنة فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك لقول الله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما لي أنازع القرآن ( وقوله في الإمام : ( إذا قرأ فأنصتوا ( وقوله : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل : لا تجزئ أحدا صلاة حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة إماما كان أو مأموما جهر إمامه أو أسر وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم : يقرأ إذا أسر ولا يقرأ إذا جهر كمشهور مذهب مالك وقال بمصر : فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة قولان : أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه ألا يقرأ ويكتفي بقراءة الإمام حكاه بن المنذر وقال بن وهب وأشهب وبن عبد الحكم وبن حبيب والكوفيون : لا يقرأ المأموم شيئا جهر إمامه أو أسر لقوله عليه السلام : ( فقراءة الإمام له قراءة ( وهذا عام ولقول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام التاسعة الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ( وقوله : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ( ثلاثا وقال أبو هريرة : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه : ( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ( أخرجه أبو داود كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها وبه قال عبد الله بن عون وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداود بن علي وروي مثله عن الأوزاعي وبه قال مكحول وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهو قول بن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي فهؤلاء الصحابة بهم القدوة وفيهم الأسوة كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال : حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل ح وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال للذي علمه الصلاة : ( وافعل ذلك في صلاتك كلها ( وسيأتي ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال : أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم وأبو نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن فلما انصرف قلت لعبادة : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر قال : أجل صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فالتبست عليه فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : ( هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة ( فقال بعضنا : إنا نصنع ذلك قال : ( فلا وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن ( وهذا نص صريح في المأموم وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه وقال : حديث حسن والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وهو قول مالك بن أنس وبن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام وأخرجه أيضا الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن ورجاله كلهم ثقات وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن أيلياء وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس وقال أبو محمد عبد الحق : ونافع بن محمود لم يذكره البخاري في تاريخه ولا بن أبي حاتم ولا أخرج له البخاري ومسلم شيئا وقال فيه أبو عمر : مجهول وذكر الدارقطني عن يزيد بن شريك قال : سألت عمر عن القراءة خلف الإمام فأمرني أن أقرأ قلت : وإن كنت أنت قال : وإن كنت أنا قلت : وإن جهرت قال : وإن جهرت قال الدارقطني : هذا إسناد صحيح وروي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا ( قال أبو حاتم : هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الإمام وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسي أن يقرأ بها في نفسه حين قال له : إني أحيانا أكون وراء الإمام ثم استدل بقوله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقرؤوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين ( الحديث العاشرة أما ما استدل به الأولون بقوله عليه السلام : ( وإذا قرأ فأنصتوا ( أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وقال : وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة ( وإذا قرأ فأنصتوا ( قال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها منهم شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة قال الدارقطني : فإجماعهم يدل على وهمه وقد روي عن عبد الله بن عامر عن قتادة متابعة التيمي ولكن ليس هو بالقوي تركه القطان وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داود من حديث أبي هريرة وقال : هذه الزيادة ( إذا قرأ فأنصتوا ( ليست بمحفوظة وذكر أبو محمد عبد الحق : أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال : هو عندي صحيح قلت : ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وبن المنذر وأما قوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فإنه نزل بمكة وتحريم الكلام في الصلاة نزل بالمدينة كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها فإن المقصود كان المشركين على ما قال سعيد بن المسيب وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقال : عبد الله بن عامر ضعيف وأما قوله عليه السلام : ( ما لي أنازع القرآن ( فأخرجه مالك عن بن شهاب عن بن أكيمة الليثي واسمه فيما قال مالك : عمرو وغيره يقول عامر وقيل يزيد وقيل عمارة وقيل عباد يكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو بن تسع وسبعين سنة لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد وهو ثقة وروي عنه محمد بن عمرو وغيره والمعنى في حديثه : لا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج اقرؤوا في أنفسكم يبينه حديث عبادة وفتيا الفاروق وأبي هريرة الراوي للحديثين فلو فهم المنع جملة من قوله : ( ما لي أنازع القرآن ( لما أفتى بخلافه وقول الزهري في حديث بن أكيمة : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد بالحمد على ما بينا وبالله توفيقنا وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ( فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك وأبو حنيفة وهو ضعيف كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر أخرجه الدارقطني وقال : رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب وأما قول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام فرواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قوله قال بن عبد البر : ورواه يحيى بن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه بن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وفيه أيضا أن الإمام قراءته لمن خلفه قراءة وهذا مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره الحادية عشرة قال بن العربي : لما قال صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ( واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل هذا النفي على التمام والكمال أو على الإجزاء اختلفت الفتوى بحسب اختلاف حال الناظر ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم كان الأقوى من رواية مالك أن من لم يقرأ الفاتحة في صلاته بطلت ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة فمن تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( افعل ذلك في صلاتك كلها ( لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود والله أعلم الثانية عشرة ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين وأنها وغيرها من آي القرآن سواء وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرناه وهو المبين على الله تعالى مراده في قوله : وأقيموا الصلاة وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر فدل هذا الحديث على أن قوله عليه السلام للاعرابي : ( اقرأ ما تيسر معك من القرآن ( ما زاد على الفاتحة وهو تفسير قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر منه وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن زاد في رواية فصاعدا ( وقوله عليه السلام : ( هي خداج ثلاثا غير تمام ( أي غير مجزئة بالأدلة المذكورة والخداج : النقص والفساد قال الأخفش : خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام وأخدجت إذا قذفت به قبل وقت الولادة وإن كان تام الخلق والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة لأنها صلاة لم تتم ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها كما أمر على حسب حكمها ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل إليه من وجه يلزم والله أعلم الثالثة عشرة روي عن مالك أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة وكذلك كان الشافعي يقول بالعراق فيمن نسيها ثم رجع عن هذا بمصر فقال : لا تجزئ صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها ولا يجزئه أن ينقص حرفا منها فإن لم يقرأها أو نقص منها حرفا أعاد صلاته وإن قرأ بغيرها وهذا هو الصحيح في المسألة وأما ما روي عن عمر رحمه الله أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها فذكر ذلك له فقال كيف كان الركوع والسجود قالوا حسن قال لا بأس إذا فحديث منكر اللفظ منقطع الإسناد لأنه يرويه إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر ومرة يرويه إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر وكلاهما منقطع لا حجة فيه وقد ذكره مالك في الموطأ وهو عند بعض الرواة وليس عند يحيى وطائفة معه لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة وقال ليس عليه العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة وهو الصحيح عنه روى يحيى بن يحيى النيسابوري قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد بهم الصلاة قال بن عبد البر وهذا حديث متصل شهده همام من عمر روي ذلك من وجوه وروى أشهب عن مالك قال سئل مالك عن الذي نسي القراءة أيعجبك ما قال عمر فقال أنا أنكر أن يكون عمر فعله وأنكر الحديث وقال يرى الناس عمر يصنع هذا في المغرب ولا يسبحون به أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا الرابعة عشرة أجمع العلماء على أن لا صلاة إلا بقراءة على ما تقدم من أصولهم في ذلك وأجمعوا على أن لا توقيت في ذلك بعد فاتحة الكتاب إلا أنهم يستحبون ألا يقرأ مع فاتحة الكتاب إلا سورة واحدة لأنه الأكثر مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مالك وسنة القراءة أن يقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وقال الأوزاعي يقرأ بأم القرآن فإن لم يقرأ بأم القرآن وقرأ بغيرها أجزأه وقال وإن نسي أن يقرأ في ثلاث ركعات أعاد وقال الثوري يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ويسبح في الأخريين إن شاء وإن شاء قرأ وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صلاته وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين قال بن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : اقرأ في الأوليين وسبح في الآخريين وبه قال النخعي قال سفيان : فإن لم يقرأ في ثلاث ركعات أعاد الصلاة لأنه لا تجزئه قراءة ركعة قال : وكذلك إن نسي أن يقرأ في ركعة من صلاة الفجر وقال أبو ثور : لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة كقول الشافعي المصري وعليه جماعة أصحاب الشافعي وكذلك قال بن خويز منداد المالكي قال : قراءة الفاتحة واجبة عندنا في كل ركعة وهذا هو الصحيح في المسألة روى مسلم عن أبي قتادة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية وكذلك في الصبح وفي رواية : ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وهذا نص صريح وحديث صحيح لما ذهب إليه مالك ونص في تعين الفاتحة في كل ركعة خلافا لمن أبى ذلك والحجة في السنة لا فيما خالفها الخامسة عشرة ذهب الجمهور إلى أن ما زاد على الفاتحة من القراءة ليس بواجب لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : في كل صلاة قراءة فما أسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى منا أخفينا منكم فمن قرأ بأم القرآن فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل وفي البخاري : وإن زدت فهو خير وقد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة منهم عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وبن عمر وبن عباس وغيرهم قالوا : لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن فمنهم من حد آيتين ومنهم من حد آية ومنهم من لم يحد وقال : شيء من القرآن معها وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن على كل حال مع فاتحة الكتاب لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما وفي المدونة : وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال : حدثني من سمع عمر بن الخطاب يقول : لا تجزئ صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال : سنة فضيلة واجبة السادسة عشرة من تعذر ذلك عليه بعد بلوغ مجهوده فلم يقدر على تعلم الفاتحة أو شيء من القرآن ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد أو لا حول ولا قوة إلا بالله إذا صلى وحده أو مع إمام فيما أسر فيه الإمام فقد روى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال : ( قل سبحان الله والحمد لله ولا إله ألا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ( قال : يا رسول الله هذا لله فما لي قال : ( قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني ( السابعة عشرة فإن عجز عن أصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله وعليه أبدا أن يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله الثامنة عشرة من لم يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجميين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته فإن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى التاسعة عشرة لا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور وقال أبو حنيفة : تجزئه القراءة بالفارسية وإن أحسن العربية لإن المقصود إصابة المعنى قال بن المنذر : لا يجزئه ذلك لأنه خلاف ما أمر الله به وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف جماعات المسلمين ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال الموفية عشرين من افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة ويتصور ذلك بإن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فلا يستأنف الصلاة لإنه أدى ما مضى على حسب ما أمر به فلا وجه لإبطاله قاله في كتاب بن سحنون <
> الباب الثالث في التأمين وفيه ثمان مسائل الأولى <
> ويسن لقاريء القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة بعد سكتة على نون ولا الضالين : آمين ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن الثانية ثبت في الأمهات من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث الأولى : تأمين الإمام الثانية : تأمين من خلفه الثالثة : تأمين الملائكة الرابعة : موافقة التأمين قيل في الإجابة وقيل في الزمن وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء لقوله عليه السلام : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ( الثالثة روى أبو داود عن أبي مصبح المقرائي قال : كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة فيحدث أحسن الحديث فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال : اختمه بآمين فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة قال أبو زهير : ألا أخبركم عن ذلك خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوجب إن ختم ( فقال له رجل من القوم : بأي شيء يختم قال : ( بآمين فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب ( فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الرجل فقال له : اختم يا فلان وأبشر قال بن عبد البر : أبو زهير النميري اسمه يحيى بن نفير روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم ( وقال وهب بن منبه : آمين أربعة أحرف يخلق الله من كل حرف ملكا يقول : اللهم اغفر لكل من قال آمين وفي الخبر ( لقنني جبريل آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب وقال إنه كالخاتم على الكتاب ( وفي حديث آخر : ( إمين خاتم رب العالمين ( قال الهروي قال أبو بكر : معناه أنه طابع الله على عباده لإنه يدفع [ [ به عنهم ] ] الآفات والبلايا فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من إفساده وإظهار ما فيه وفي حديث آخر : ( آمين درجة في الجنة ( قال أبو بكر معناه : أنه حرف يكتسب به قائله درجة في الجنة الرابعة معنى آمين عند أكثر أهل العلم : اللهم استجب لنا وضع موضع الدعاء وقال قوم : هو اسم من أسماء الله روي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف ورواه بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح قاله بن العربي وقيل معنى آمين : كذلك فليكن قاله الجوهري وروى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين قال : ( رب افعل ( وقال مقاتل : هو قوة للدعاء واستنزال للبركة وقال الترمذي : معناه لا تخيب رجاءنا الخامسة وفي آمين لغتان : المد على وزن فاعيل كياسين والقصر على وزن يمين قال الشاعر في المد : يا رب لا تسلبني حبها أبدا ويرحم الله عبدا قال آمينا وقال آخر : آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا وقال آخر في القصر : تباعد مني فطحل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وتشديد الميم خطأ قاله الجوهري وقد روى عن الحسن وجعفر الصادق التشديد وهو قول الحسين بن الفضل من أم إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك ومنه قوله : ولا آمين البيت الحرام حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري قال الجوهري : وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف لاجتماع الساكنين وتقول منه : أمن فلان تأمينا السادسة اختلف العلماء هل يقولها الإمام وهل يجهر بها فذهب الشافعي ومالك في رواية المدنيين إلى ذلك وقال الكوفيون وبعض المدنيين : لا يجهر بها وهو قول الطبري وبه قال بن حبيب من علمائنا وقال بن بكير : هو مخير وروى بن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه وهو قول بن القاسم والمصريين من أصحاب مالك وحجتهم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال : ( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله ( وذكر الحديث أخرجه مسلم ومثله حديث سمي عن أبي هريرة وأخرجه مالك والصحيح الأول لحديث وائل بن حجر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال : آمين يرفع بها صوته أخرجه أبو داود والدارقطني وزاد قال أبو بكر : هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة هذا صحيح والذي بعده وترجم البخاري باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء : آمين دعاء أمن بن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة قال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وفي الموطأ والصحيحين قال بن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين وفي سنن بن ماجة عن أبي هريرة قال : ترك الناس آمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد وأما حديث أبي موسى وسمي فمعناهما التعريف بالموضع الذي يقال فيه آمين وهو إذا قال الإمام : ولا الضالين ليكون قولهما معا ولا يتقدموه بقول : آمين لما ذكرناه والله أعلم ولقوله عليه السلام : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ( وقال بن نافع في كتاب بن الحارث : لا يقولها المأموم إلا أن يسمع الإمام يقول : ولا الضالين وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل وقال بن عبدوس : يتحرى قدر القراءة ويقول : آمين السابعة قال أصحاب أبي حنيفة : الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها لأنه دعاء وقد قال الله تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية قالوا : والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : قد أجيبت دعوتكما قال : كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين الجواب : أن إخفاء الدعاء إنما كان أفضل لما يدخله من الرياء وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجار مجراه وهذا بين الثامنة كلمة آمين لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون عليهما السلام ذكر الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال حدثنا أبي قال حدثنا رزين مؤذن مسجد هشام بن حسان قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهو تحية اهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ( قال أبو عبد الله : معناه أن موسى دعا على فرعون وأمن هارون فقال الله تبارك اسمه عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله : قد أجيبت دعوتكما ولم يذكر مقالة هارون وقال موسى : ربنا فكان من هارون التأمين فسماه داعيا في تنزيله إذ صير ذلك منه دعوة وقد قيل : إن آمين خاص لهذه الأمة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين ( أخرجه بن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وأخرج أيضا من حديث بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما حسدنا أهل الكتاب لأن أولها حمد لله وثناء عليه ثم خضوع له واستكانة ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم ثم الدعاء عليهم مع قولنا آمين <
> الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين < > وفيه ست وثلاثون مسألة الأولى قوله سبحانه وتعالى : < < الفاتحة : ( 1 ) بسم الله الرحمن . . . . . > > < > ( الفاتحه 1 ) <
> روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي ( وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ( وقال الحسن : ما من نعمة إلا والحمد لله افضل منها وروى بن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ ( وفي [ نوادر الأصول ] عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك ( قال أبو عبد الله : معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم اعطى على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية هي من الباقيات الصالحات قال [ [ الله تعالى : والباقيات الصالحات ] ] خير عند ربك ثوابا وخير أملا وقيل في بعض الروايات : لكان ما أعطي أكثر مما أخذ فصير الكلمة إعطاء من العبد والدنيا أخذا من الله فهذا في التدبير كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة وروى بن ماجة عن بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : ( أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ( قال أهل اللغة : أعضل الأمر : اشتد واستغلق والمعضلات [ بتشديد الضاد ] : الشدائد وعضلت المرأة والشاة : إذا نشب ولدها فلم يسهل مخرجه بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون : أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء والله اعلم وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ( وذكر الحديث الثانية اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد : الحمد لله رب العالمين أو قول لا إله إلا الله فقالت طائفة : قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله ففي قوله توحيد وحمد وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط وقالت طائفة : لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها يقاتل الخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( واختار هذا القول بن عطية قال : والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له الثالثة أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله : رب العالمين والعالمون جملة المخلوقات ومن جملتها الإيمان لا كما قال القدرية : إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه الرابعة الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر : وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي فالحمد نقيض الذم تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد ابلغ من الحمد والحمد أعم من الشكر والمحمد : الذي كثرت خصاله المحمودة قال الشاعر : إلى الماجد القرم الجواد المحمد وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الشاعر : فشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد والمحمدة : خلاف المذمة وأحمد الرجل : صار أمره إلى الحمد وأحمدته : وجدته محمودا تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته أي صادفته محمودا موافقا وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه ورجل حمدة مثل همزة يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها وحمدة النار بالتحريك : صوت التهابها الخامسة ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس بمرضى وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب الحقائق له عن جعفر الصادق وبن عطاء قال بن عطاء : معناه الشكر لله إذ كان منه الإمتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا قال بن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد لأنه على نعمة من النعم وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة وقيل : الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح وهو أعم من الشكر لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد وروي عن بن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله وقال الله لنوح عليه السلام : فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقال إبراهيم عليه السلام : الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق وقال في قصة داود وسليمان : وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا وقال أهل الجنة : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فهي كلمة كل شاكر قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال : بلوته فحمدته أي رضيته ومنه قوله تعالى : مقاما محمودا وقال عليه السلام : ( أحمد إليكم غسل الإحليل ( أي أرضاه لكم ويذكر عن جعفر الصادق في قوله الحمد لله : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد لأن الحمد حاء وميم ودال فالحاء من الوحدانية والميم من الملك والدال من الديمومية فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه وهذا هو حقيقة الحمد لله وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير الحمد لله قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك والثاني أن ترضى بما أعطاك والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد السادسة أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ( رواه المقداد وسيأتي القول فيه في النساء إن شاء الله تعالى فمعنى الحمد لله رب العالمين : أي سبق الحمد مني لنفسي قبل ان يحمدني أحد من العالمين وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة وحمدي الخلق مشوب بالعلل قال علماؤنا : فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محل العجز عن حمده ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله : ( لا أحصي ثناء عليك ( وأنشدوا : إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وقيل : حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم لتكون النعمة أهنأ لديهم حيث أسقط عنهم به ثقل المنة السابعة وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من الحمد لله وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج : الحمد لله بنصب الدال وهذا على إضمار فعل ويقال : الحمد لله بالرفع مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك : حمدت الله حمدا إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله وقال غير سيبويه إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال وفي الحديث : ( من شغل بذكرى عن مسألتي أعطيته افضل ما أعطي السائلين ( وقيل : إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله قال الطبري : الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد لله وعلى هذا يجيء قولوا إياك وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه كما قال الشاعر : وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم فقال القائلون لهم وزير المعنى : المحفور له وزير فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه وهذا كثير وروي عن بن أبي عبلة : الحمد لله بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو : أجوءك وهو منحدر من الجبل بضم الدال والجيم قال : اضرب الساقين أمك هابل بضم النون لأجل ضم الهمزة وفي قراءة لإهل مكة مردفين بضم الراء إتباعا للميم وعلى ذلك مقتلين بضم القاف وقالوا : لإمك فكسروا الهمزة اتباعا للام وأنشد للنعمان بن بشير : ويل امها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب الأصل : ويل لأمها فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للام ثم أتبع اللام الميم وروى عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي : الحمد لله بكسر الدال على إتباع الأول الثاني الثامنة قوله تعالى : < <
الفاتحة : ( 2 ) الحمد لله رب . . . . . > > < > ( الفاتحه 2 ) <
> أي مالكهم وكل من ملك شيئا فهو ربه فالرب : المالك وفي الصحاح : والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حلزة : وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء والرب : السيد ومنه قوله تعالى : اذكرني عند ربك وفي الحديث : ( أن تلد الأمة ربتها أي سيدتها وقد بيناه في كتاب [ التذكرة ] والرب : المصلح والمدبر والقائم قال الهروي وغيره : يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه فهو رب له وراب ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب وفي الحديث : ( هل لك من نعمة تربها عليه ( أي تقوم بها وتصلحها والرب : المعبود ومنه قول الشاعر : أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب ويقال على التكثير : رباه ورببه وربته حكاه النحاس وفي الصحاح : ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنى أي رباه والمربوب : المربي التاسعة قال بعض العلماء : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرهما ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال واختلف في اشتقاقه فقيل : إنه مشتق من التربية فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات العاشرة متى أدخلت الألف واللام على رب اختص الله تعالى به لأنها للعهد وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده فيقال : الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك المالك والمملوك وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق وكل مملوك فمملك بعد أن لم يكن ومنتزع ذلك من يده وإنما يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين الحادية عشرة قوله تعالى : العالمين اختلف اهل التأويل في العالمين اختلافا كثيرا فقال قتادة : العالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم وقيل : أهل كل زمان عالم قاله الحسين بن الفضل لقوله تعالى : أتأتون الذكران من العالمين أي من الناس وقال العجاج : فحندف هامة هذا العالم وقال جرير بن الخطفى : تنصفه البرية وهو سام ويضحى العالمون له عيالا وقال بن عباس : العالمون الجن والإنس دليله قوله تعالى : ليكون للعالمين نذيرا ولم يكن نذيرا للبهائم وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم : الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم : عالم لإن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة قال الأعشى : ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا وقال زيد بن أسلم : هم المرتزقون ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء : هم الروحانيون وهو معنى قول بن عباس أيضا : كل ذي روح دب على وجه الأرض وقال وهب بن منبه : إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها وقال أبو سعيد الخدري : إن لله أربعين ألف عالم الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد وقال مقاتل : العالمون ثمانون الف عالم أربعون ألف عالم في البر وأربعون ألف عالم في البحر وروى الربيع بن انس عن أبي العالية قال : الجن عالم والإنس عالم وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته قلت : والقول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزجاج قال : العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة وقال الخليل : العلم والعلامة والمعلم : ما دل على الشيء فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا وهذا واضح وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد : الحمد لله فقال له : اتمها كما قال الله قل : رب العالمين فقال الرجل : ومن العالمين حتى تذكر مع الحق قال : قل يا أخي فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر الثانية عشرة يجوز الرفع والنصب في رب فالنصب على المدح والرفع على القطع أي هو رب العالمين الثالثة عشرة قوله تعالى : < <
الفاتحة : ( 3 ) الرحمن الرحيم > > < > ( الفاتحه 3 ) < > وصف نفسه تعالى بعد رب العالمين بأنه الرحمن الرحيم لأنه لما كان في اتصافه ب رب العالمين ترهيب قرنه ب الرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال : نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وقال : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ( وقد تقدم ما في هذين الأسمين من المعاني فلا معنى لإعادته الرابعة عشرة قوله تعالى : < < الفاتحة : ( 4 ) مالك يوم الدين > > < > ( الفاتحه 4 ) <
> قرأ محمد بن السميقع بنصب مالك وفيه أربع لغات : مالك وملك وملك مخففة من ملك ومليك قال الشاعر : وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا وقال آخر : فاقنع بما قسم المليك فإنما قسم الخلائق بيننا علامها الخلائق : الطبائع التي جبل الإنسان عليها وروي عن نافع إشباع الكسرة في ملك فيقرأ ملكي على لغة من يشبع الحركات وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره الخامسة عشرة اختلف العلماء أيما أبلغ : ملك أو مالك والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ذكرهما الترمذي فقيل : ملك أعم وأبلغ من مالك إذ كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف ألا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد وقيل : مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم إذ إليه إجراء قوانين الشرع ثم عنده زيادة التملك وقال أبو علي : حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب ملك وأن الله سبحانه قد وصف نفسه بانه مالك كل شيء بقوله : رب العالمين فلا فائدة في قراءة من قرأ مالك لأنها تكرار قال أبو علي : ولا حجة في هذا لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله : هو الله الخالق الباريء المصور فالخالق يعم وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة وكما قال تعالى : وبالآخرة هم يوقنون بعد قوله : الذين يؤمنون بالغيب والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها وكما قال : الرحمن الرحيم فذكر الرحمن الذي هو عام وذكر الرحيم بعده لتخصيص المؤمنين به في قوله : وكان بالمؤمنين رحيما وقال أبو حاتم : إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من ملك وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة أوجه الأول : إنك تضيفه إلى الخاص والعام فتقول : مالك الدار والأرض والثوب كما تقول : مالك الملوك الثاني : إنه يطلق على مالك القليل والكثير وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا والثالث : إنك تقول : مالك الملك ولا تقول : ملك الملك قال بن الحصار : إنما كان ذلك لأن المراد من مالك الدلالة على الملك بكسر الميم وهو لا يتضمن الملك بضم الميم وملك يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة ويتضمن ايضا الكمال ولذلك استحق الملك على من دونه ألا ترى إلى قوله تعالى : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ولهذا قال عليه السلام : ( الإمامة في قريش ( وقريش أفضل قبائل العرب والعرب أفضل من العجم وأشرف ويتضمن الاقتدار والاختيار وذلك أمر ضروري في الملك إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته ويتضمن البطش والامر والنهي والوعد والوعيد ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام : ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا إلى غير ذلك من الامور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك قلت : وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ لأن فيه زيادة حرف فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك قلت : هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى وقد ثبتت القراءة بملك وفيه من المعنى ما ليس في مالك على ما بينا والله أعلم السادسة عشرة لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الأسم ولا يدعى به إلا الله تعالى روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ( وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الاملاك زاد مسلم لا مالك إلا الله عز وجل ( قال سفيان : مثل : شاهان شاه وقال أحمد بن حنبل : سالت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال : أوضع وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل [ [ كان ] ] يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه ( قال بن الحصار : وكذلك ملك يوم الدين ومالك يوم الدين لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء وأما الوصف بمالك وملك وهي : السابعة عشرة فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما قال الله العظيم : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا وقال صلى الله عليه وسلم : ( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة ( الثامنة عشرة إن قال قائل : كيف قال مالك يوم الدين ويوم الدين لم يوجد بعد فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده قيل له : إعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا كقولك : هذا ضارب زيد غدا أي سيضرب زيدا وكذلك : هذا حاج بيت الله في العام المقبل تأويله سيحج في العام المقبل أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد وإنما أريد به الإستقبال فكذلك قوله عز وجل : مالك يوم الدين على تأويل الإستقبال أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر ووجه ثان : أن يكون تأويل المالك راجعا إلى القدرة أي أنه قادر في يوم الدين أو على يوم الدين وإحداثه لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته لا يمتنع عليه منها شيء والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها قاله أبو القاسم الزجاجي ووجه ثالث : فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره قيل له : لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك مثل فرعون ونمروذ وغيرهما وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه وكلهم خضعوا له كما قال تعالى : لمن الملك اليوم فأجاب جميع الخلق : لله الواحد القهار فلذلك قال : مالك يوم الدين أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره سبحانه لا إله إلا هو التاسعة عشرة إن وصف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله الموفية العشرين اليوم : عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما وقد يطلق اليوم على الساعة منه قال الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم وربما عبروا عن الشدة باليوم يقال : يوم ايوم كما يقال : ليلة ليلاء قال الراجز : نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي وهو مقلوب منه أخر الواو وقدم الميم ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا كما قالوا : أدل في جمع دلو الحادية والعشرون الدين : الجزاء على الأعمال والحساب بها كذلك قال بن عباس وبن مسعود وبن جريج وقتادة وغيرهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي حسابهم وقال : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت واليوم تجزون ما كنتم تعملون وقال : أئنا لمدينون أي مجزيون محاسبون وقال لبيد حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوما كما هو دائن وقال آخر : إذا ما رمونا رميناهم ودناهم مثل ما يقرضونا وقال آخر : واعلم يقينا أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان وحكى أهل اللغة : دنته بفعله دينا [ بفتح الدال ] ودينا [ بكسرها ] جزيته ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي وفي الحديث : ( الكيس من دان نفسه ( أي حاسب وقيل القضاء روي عن بن عباس أيضا ومنه قول طرفة : لعمرك ما كانت حمولة معبد على جدها حربا لدينك من مضر ومعاني هذه الثلاثة متقاربة والدين أيضا : الطاعة ومنه قول عمرو بن كلثوم : وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي : الثانية والعشرون : قال ثعلب : دان الرجل إذا أطاع ودان إذا عصى ودان إذا عز ودان إذا ذل ودان إذا قهر فهو من الاضداد ويطلق الدين على العادة والشأن كما قال : كدينك من أم الحويرث قبلها وقال المثقب [ [ يذكر ناقته ] ] : تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني والدين : سيرة الملك قال زهير : لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك أراد في موضع طاعة عمرو والدين : الداء عن اللحياني وأنشد : يا دين قلبك من سلمى وقد دينا الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( إياك نعبد ) رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين لأن من أول السورة إلى ها هنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه كقوله : وسقاهم ربهم شرابا طهورا الإنسان ثم قال : إن هذا كان لكم جزأء وعكسه : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم على ما يأتي ونعبد ) معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك ( وإياك نستعين ) أي نطلب العون والتأييد والتوفيق قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقر ب إياك نعبد وإياك نستعين فقد بريء من الجبر والقدر الرابعة والعشرون إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل قيل له : قدم اهتماما وشأن العرب تقديم الأهم يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض فقدما الأهم وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فلا يجوز نعبدك ونستعينك ولا نعبد إياك ونستعين إياك فيقدم الفعل على كناية المفعول وإنما يتبع لفظ القرآن وقال العجاج : إياك أدعو فتقبل ملقي واغفر خطاياي وكثر ورقي ويروى : وثمر وأما قول الشاعر : إليك حتى بلغت إياكا فشاذ لا يقاس عليه والورق بكسر الراء من الدراهم وبفتحها المال وكرر الأسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك الخامسة والعشرون الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من إياك في الموضعين وقرأ عمرو بن فائد : إياك بكسر الهمزة وتخفيف الياء وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها وهذه قراءة مرغوب عنها فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك وإياة الشمس [ بكسر الهمزة ] : ضوءها وقد تفتح وقال : سقته إياة الشمس إلا لثاته أسف فلم تكدم عليه بإثمد فإن أسقطت الهاء مددت ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر وهي الدارة حولها وقرأ الفضل الرقاشي أياك : بفتح الهمزة وهي لغة مشهورة وقرأ أبو السوار الغنوي : هياك في الموضعين وهي لغة قال : فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره السادسة والعشرون < <
الفاتحة : ( 5 ) إياك نعبد وإياك . . . . . > > < > ( الفاتحه 5 ) < > عطف جملة على جملة وقرأ يحيى بن وثاب والاعمش : نستعين بكسر النون وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ليدل على أنه من استعان فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل وأصل نستعين نستعون قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء والمصدر استعانة والأصل استعوان قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة وقيل الأولى لأن الثانية للمعنى ولزمت الهاء عوضا السابعة والعشرون قوله تعالى : < < الفاتحة : ( 6 ) اهدنا الصراط المستقيم > > < > ( الفاتحه 6 ) <
> إهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب والمعنى : دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك قال بعض العلماء : فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به [ [ الداعي ] ] لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به وفي الحديث : ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ( وقيل المعنى : أرشدنا باستعمال السنن في إداء فرائضك وقيل : الأصل فيه الإمالة ومنه قوله تعالى : إنا هدنا إليك أي ملنا وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين أي يتمايل ومنه الهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك ومنه الهدى للحيوان الذي يساق إلى الحرم فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق وقال الفضيل بن عياض : الصراط المستقيم طريق الحج وهذا خاص والعموم أولى قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل اهدنا الصراط المستقيم : هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال عاصم الأحول عن أبي العالية : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال عاصم فقلت للحسن : إن أبا العالية يقول : الصراط المستقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه قال : صدق ونصح الثامنة والعشرون أصل الصراط في كلام العرب الطريق قال عامر بن الطفيل : شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط وقال جرير : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقال آخر : فصد عن نهج الصراط الواضح وحكى النقاش : الصراط الطريق بلغة الروم قال بن عطية : وهذا ضعيف جدا وقريء : السراط [ بالسين ] من الاستراط بمعنى الابتلاع كأن الطريق يسترط من يسلكه وقريء بين الزاي والصاد وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين قال : وهؤلاء يقولون [ في أصدق ] : أزدق وقد قالوا : الأزد والأسد ولسق به ولصق به والصراط نصب على المفعول الثاني لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر قال الله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم وبغير حرف كما في هذه الآية المستقيم صفة ل لصراط وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ومنه قوله تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الأنعام وأصله مستقوم نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ماقبلها التاسعة والعشرون صراط الذين أنعمت عليهم صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء كقولك : جاءني زيد أبوك ومعناه : أدم هدايتنا فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به وقيل : هو صراط آخر ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه قاله جعفر بن محمد ولغة القرآن الذين في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع ومن العرب من يقول : اللذو ومنهم من يقول : الذي وسيأتي وفي عليهم عشر لغات قرئ بعامتها : عليهم بضم الهاء وإسكان الميم وعليهم بكسر الهاء وإسكان الميم وعليهمي بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة وعليهمو بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة وعليهمو بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم وعليهم بضم الهاء والميم من غير زيادة واو وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء عليهمي بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم حكاها الحسن البصري عن العرب وعليهم بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء وعليهم بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو وعليهم بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم وكلها صواب قاله بن الأنباري الموفية الثلاثين قرأ عمر بن الخطاب وبن الزبير رضي الله عنهما صراط من أنعمت عليهم واختلف الناس في المنعم عليهم فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان الحادية الثلاثون في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه طاعة كانت أو معصية لأن الإنسان عندهم خالق لإفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم فلو كان الأمر إليهم والأختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا : صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم وكذلك يدعون فيقولون : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا الآية الثانية والثلاثون < <
الفاتحة : ( 7 ) صراط الذين أنعمت . . . . . > > < > ( الفاتحه 7 ) < > أختلف في المغضوب عليهم والضالين من هم فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود : وباءوا بغضب من الله وقال : وغضب الله عليهم الفتح وقال في النصارى : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقيل : المغضوب عليهم المشركون والضالين المنافقون وقيل : المغضوب عليهم هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة والضالين عن بركة قراءتها حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء قال الماوردي : وهذا وجه مردود لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم وقيل : المغضوب عليهم باتباع البدع والضالين عن سنن الهدى قلت : وهذا حسن وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن وعليهم في موضع رفع لأن المعنى غضب عليهم والغضب في اللغة الشدة ورجل غضوب أي شديد الخلق والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة فهو صفة ذات وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث : ( إن الصدقة لتطفيء غضب الرب ( فهو صفة فعل الثالثة والثلاثون ( ولا الضالين ) الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب ومنه : أئذا ضللنا في الأرض أي غبنا بالموت وصرنا ترابا قال : ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا والضلضلة : حجر أملس يردده الماء في الوادي وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال : أو غضبة في هضبة ما أمنعنا الرابعة والثلاثون قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب غير المغضوب عليهم وغير الضالين وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين فالخفض على البدل من الذين أو من الهاء والميم في عليهم أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن غير تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم أو على الإستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم ويجوز النصب بأعنى وحكى عن الخليل الخامسة والثلاثون لا في قوله ولا الضالين اختلف فيها فقيل هي زائدة قاله الطبري ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين حكاه مكي والمهدوي وقال الكوفيون : لا بمعنى غير وهي قراءة عمر وأبي وقد تقدم السادسة والثلاثون الأصل في الضالين : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة وقرأ أيوب السختياني : ولا الضالين بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين وهي لغة حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة قال أبو الفتح : وعلى هذه اللغة قول كثير : إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت نجز تفسير سورة الحمد ولله الحمد والمنة < > تفسير سورة البقرة <
> بحول الله لا رب سواه وأول مبدوء به الكلام في نزولها وفضلها وما جاء فيها وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك فنقول : سورة البقرة مدنيه نزلت في مدد شتى وقيل : هي أول سورة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنه آخر آية نزلت من السماء ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم ويقال لها : فسطاط القرآن قاله خالد أبن معدان وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها وتعلمها عمر رضى الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في أثنتى عشرة سنة وأبنه عبد الله في ثماني سنين كما تقدم قال أبن العربي : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقره وقال له : ( أذهب فأنت أميرهم ( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه وروى مسلم عن أبي أمامه الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ( قال معاوية : بلغني أن البطلة : السحرة وروى أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ( وروى الدارمى عن عبد الله قال : ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله صراط وقال إن لكل شيء سناما وأن سنام القرآن سورة البقرة وإن لكل شيء لبابا وأن لباب القرآن المفصل قال أبو محمد الدارمى : اللباب : الخالص وفي صحيح البستى عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ( قال أبو حاتم البستى : قوله صلى الله عليه وسلم : ( لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ( أراد : مردة الشياطين وروى الدارمى في مسنده عن الشعبى قال قال عبد الله : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح أربعا من أولها وآية الكرسى وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها أولها : لله ما في السماوات وعن الشعبى عنه : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق وقال المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله : لم ينس القرآن وقال إسحاق بن عيسى : لم ينس ما قد حفظ قال أبو محمد الدارمى : منهم من يقول : المغيرة بن سميع وفي كتاب الأستيعاب لأبن عبد البر : وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر أبن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام وسأله عمر في خلافته عن شعره وأستنشده فقرأ سورة البقرة فقال : إنما سألتك عن شعرك فقال : ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمنى الله البقرة وآل عمران فأعجب عمر قوله وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائه وقد قال كثير من أهل الأخبار : إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم وقال بعضهم : لم يقل في الإسلام إلا قوله : الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى أكتسيت من الإسلام سربالا قال بن عبد البر : وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولى وهو أصح عندى وقال غيره : بل البيت الذي قاله في الإسلام : ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح وسيأتي ما ورد في آية الكرسى وخواتيم البقرة ويأتي في أول سورة آل عمران زيادة بيان لفضل هذه السورة إن شاء الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن < <
البقرة : ( 1 ) الم > > < > ( البقره 1 : 2 ) <
> أختلف أهل التأويل في الحروف التى في أوائل السور فقال عامر الشعبى وسفيان الثورى وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ولله في كل كتاب من كتبه سر فهي من المتشابه الذي أنفرد الله تعالى بعلمه ولا يجب أن يتكلم فيها ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت وروى هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضى الله عنهما وذكر أبو الليث السمرقندى عن عمر وعثمان وأبن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذى لا يفسر وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور ولا ندرى ما أراد الله جل وعز بها قلت ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الانباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطى عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فآستأثر منه بعلم ما شاء وأطلعكم على ما شاء فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به وما بكل القرآن تعلمون ولا بكل ما تعلمون تعملون قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم أختبارا من الله عز وجل وأمتحانا فمن آمن بها أثيب وسعد ومن كفر وشك أثم وبعد حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبى بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في آل عمران إن شاء الله تعالى وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها وأختلفوا في ذلك على أقوال عديدة فروي عن أبن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن أسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي أشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم أذ لم يخرج عن كلامهم قال قطرب : كانوا ينفرون عند أستماع القرآن فلما سمعوا : الم والمص أستنكروا هذا اللفظ فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها كقول أبن عباس وغيره : الالف من الله واللام من جبريل والميم من محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الالف مفتاح أسمه الله واللام مفتاح أسمه لطيف والميم مفتاح أسمه مجيد وروي أبو الضحى عن أبن عباس في قوله : الم قال : أنا الله أعلم الر أنا الله أرى المص أنا الله أفصل فالألف تؤدي عن معنى أنا واللام تؤدي عن أسم الله والميم تؤدي عن معنى أعلم وأختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرافا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر وأراد : إلا أن تشاء وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون قالوا : ألا فأركبوا وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ( قال شقيق : هو أن يقول في أقتل : أق كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ( معناه شافيا وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه عن أبن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يمينا والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : لا ريب فيه فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديدا وتكون لا جواب القسم فثبت أن قول الكلبي وما روي عن أبن عباس سديد صحيح فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق ومكذب فالمصدق يصدق بغير قسم والمكذب لا يصدق مع القسم قيل له : القرآن نزل بلغة العرب والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه والله تعالى أراد أن يوكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده وقال بعضهم : الم أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ وقال قتادة في قوله : الم قال أسم من أسماء القرآن وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس وقيل غير هذا من الأقوال فالله أعلم والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها وأختلف : هل لها محل من الإعراب فقيل : لا لأنها ليست أسماء متمكنة ولا أفعالا مضارعة وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية هذا مذهب الخليل وسيبويه ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر أبتداء مضمر أي هذه الم كما تقول : هذه سورة البقرة أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك كما تقول : زيد ذلك الرجل وقال بن كيسان النحوي : الم في موضع نصب كما تقول : أقرأ الم أو عليك الم وقيل : في موضع خفض بالقسم لقول أبن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها قوله تعالى : ( ذلك الكتاب ) قيل : المعنى هذا الكتاب وذلك قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ومنه قول خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا أي أنا هذا ف ذلك إشارة إلى القرآن موضوع موضع هذا تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ومنه قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق أي هذه لكنها لما أنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك وفي البخاري وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن ( هدى للمتقين ) بيان ودلالة كقوله : ذلكم حكم الله يحكم بينكم الممتحنة هذا حكم الله قلت : وقد جاء هذا بمعنى ذلك ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : ( يركبون ثبج هذا البحر ( أي ذلك البحر والله أعلم وقيل : هو على بابه أشارة إلى غائب وأختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة فقيل ذلك الكتاب أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه أي لا مبدل له وقيل : ذلك الكتاب أي الذي كتبت على نفسي في الأزل ( أن رحمتي سبقت غضبي ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي ( في رواية : ( سبقت ( وقيل إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ( الحديث وقيل : الأشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل فلما أنزل عليه بالمدينة : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه اليك بمكة وقيل : إن ذلك أشارة إلى ما في التوراة والأنجيل والم أسم للقرآن والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والأنجيل يعني أن التوراة والأنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما وقيل : إن ذلك الكتاب إشارة إلى التوراة والأنجيل كليهما والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين فعبر ب ذلك عن الأثنين بشاهد من القرآن قال الله تبارك وتعالى : إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي عوان بين تينك : الفارض والبكر وسيأتي وقيل : إن ذلك إشارة إلى اللوح المحفوظ وقال الكسائي : ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا فالإشارة إلى ذلك الوعد قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال : الم الحروف التي تحديتكم بالنظم منها والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ومنه قيل : كتيبة لأجتماعها وتكتبت الخيل صارت كتائب وكتبت البغلة : إذا جمعت بين شفرى رحمها بحلقة أو سير قال : لا تأمنن فزاريا حللت به على قلوصك وأكتبها بأسيار والكتبة بضم الكاف : الخرزة والجمع كتب والكتب : الخرز قال ذو الرمة : وفراء غرفية أثاى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب والكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة وسمى كتابا وأن كان مكتوبا كما قال الشاعر : تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء والكتاب : الفرض والحكم والقدر قال الجعدى : يا بنة عمى كتاب الله أخرجنى عنكم وهل أمنعن الله مفعلا قوله تعالى : ( لا ريب ) نفى عام ولذلك نصب الريب به وفي الريب ثلاثة معان : أحدها الشك قال عبد الله بن الزبعرى : ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهول وثانيها التهمة قال جميل : بثينة قالت يا جميل أربتنى فقلت كلانا يا بثين مريب وثالثها الحاجة قال : قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا أرتياب والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله وصفة من صفاته غير مخلوق ولا محدث وإن وقع ريب للكفار وقيل : هو خبر ومعناه النهى أى لا ترتابوا وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا وتقول : رابنى هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا وأراب : صار ذا ريبة فهو مريب ورابنى أمره وريب الدهر : صروفه قوله تعالى : ( فيه هدى للمتقين ) فيه ست مسائل الأولى قوله تعالى : ( فيه ) الهاء في فيه فى موضع خفض بفى وفيه خمسة أوجه أجودها : فيه هدى ويليه فيه هدى بضم الهاء بغير واو وهى قراءة الزهري وسلام أبى المنذر ويليه فيهى هدى بإثبات الياء وهى قراءة أبن كثير ويجوز فيهو هدى بالواو ويجوز فيه هدى مدغما وأرتفع هدى على الإبتداء والخبر فيه والهدى فى كلام العرب معناه الرشد والبيان أى فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى الثانية الهدى هديان : هدى دلالة وهو الذى تقدر عليه الرسل وأتباعهم قال الله تعالى : ولكل قوم هاد الرعد وقال : وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم فأثبت لهم الهدى الذى معناه الدلالة والدعوة والتنبيه وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدى من أحببت فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ومنه قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم وقوله : ويهدى من يشاء والهدى : الاهتداء ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت قال أبو المعالى : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية اليها من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : فلن يضل أعمالهم سيهديهم محمد ومنه قوله تعالى : فأهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فأسلكوهم إليها الثالثة الهدى لفظ مؤنث قال الفراء : بعض بنى أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة وقال اللحيانى : هو مذكر ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى فى الفاتحة تقول : هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار أى عرفته الأولى لغة أهل الحجاز والثانية حكاها الأخفش وفى التنزيل : إهدنا الصراط المستقيم والحمد لله الذي هدانا لهذا وقيل : إن الهدى أسم من أسماء النهار لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ومنه قول أبن مقبل حتى أستبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن فى الآل غلفا أو يصلينا الرابعة قوله تعالى : ( للمتقين ) خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه وروي عن أبى روق أنه قال : هدى للمتقين أي كرامة لهم يعنى أنما أضاف اليهم أجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم وأصل للمتقين : للموتقيين بياءين مخففتين حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لألتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في أجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين الخامسة التقوى يقال أصلها فى اللغة قلة الكلام حكاه أبن فارس قلت : ومنه الحديث : ( التقى ملجم والمتقى فوق المؤمن والطائع ( وهو الذى يتقى بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه كما قال النابغة : سقط النصيف ولم ترد أسقاطه فتناولته وأتقتنا باليد وقال آخر : فألقت قناعا دونه الشمس وأتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وخرج أبو محمد عبد الغنى الحافظ من حديث سعيد بن زربى أبى عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبن مسعود قال قال يوما لأبن أخيه : يا بن أخى ترى الناس ما أكثرهم قال : نعم قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يا بن أخى ترى الناس ما أكثرهم قلت : بلى قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم وقال أبو يزيد البسطامى : المتقى من إذا قال قال لله ومن إذا عمل عمل لله وقال أبو سليمان الدارانى : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات وقيل : المتقى الذى أتقى الشرك وبرئ من النفاق قال أبن عطية : وهذا فاسد لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبيا عن التقوى فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك قال : نعم قال : فما عملت فيه قال : تشمرت وحذرت قال : فذاك التقوى وأخذ هذا المعنى أبن المعتز فنظمه : خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى وأصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى السادسة التقوى فيها جماع الخير كله وهى وصية الله فى الأولين والآخرين وهى خير ما يستفيده الإنسان كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء فقال : يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتى ومالى وتقوى الله أفضل ما أستفادا وروى أبن ماجه فى سننه عن أبى أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( ما أستفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله ( والأصل فى التقوى : وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أى منعته ورجل تقى أى خائف أصله وقى وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة كما قالوا : تجاه وتراث والأصل وجاه ووراث < <
البقرة : ( 3 ) الذين يؤمنون بالغيب . . . . . > > < > ( البقره 3 ) <
> فيها ست وعشرون مسألة : الأولى قوله ( الذين ) فى موضع خفض نعت للمتقين ويجوز الرفع على القطع أى هم الذين ويجوز النصب على المدح ( يؤمنون ) يصدقون والإيمان في اللغة : التصديق وفى التنزيل : وما أنت بمؤمن لنا أى بمصدق ويتعدى بالباء واللام كما قال : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فما آمن لموسى وروى حجاج بن حجاج الأحول ويلقب بزق العسل قال سمعت قتادة يقول : يا بن آدم إن كنت لا تريد أن تأتى الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السامة والفترة والملة ولكن المؤمن هو المتحامل والمؤمن هو المتقوى والمؤمن هو المتشدد وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله الليل والنهار والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا ربنا في السر والعلانية حتى أستجاب لهم في السر والعلانيه الثانية قوله تعالى ( بالغيب ) الغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب والغيبة معروفة وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها ووقعنا فى غيبة وغيابة أى هبطة من الأرض والغيابة : الأجمة وهى جماع الشجر يغاب فيها ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب لأنه غاب عن البصر الثالثة وأختلف المفسرون فى تأويل الغيب هنا فقالت فرقة : الغيب فى هذه الآية : الله سبحانه وضعفه أبن العربى وقال آخرون : القضاء والقدر وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدى إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار قال أبن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها قلت : وهذا هو الأيمان الشرعى المشار إليه فى حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبى صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الأيمان قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ( قال : صدقت وذكر الحديث وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب قلت : وفى التنزيل : وما كنا غائبين وقال : الذين يخشون ربهم بالغيب فهو سبحانه غائب عن الأبصار غير مرئى فى هذه الدار غير غائب بالنظر والأستدلال فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازى على الأعمال فهم يخشونه فى سرائرهم وخلواتهم التى يغيبون فيها عن الناس لعلمهم بأطلاعه عليهم وعلى هذا تتفق الآى ولا تتعارض والحمد لله وقيل : بالغيب أى بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين وهذا قول حسن وقال الشاعر : وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمد الرابعة قوله تعالى ( ويقيمون الصلاة ) معطوف جملة على جملة وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها فى أوقاتها على ما يأتى بيانه يقال : قام الشيء أى دام وثبت وليس من القيام على الرجل وإنما هو من قولك : قام الحق أى ظهر وثبت قال الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساق وقال آخر : وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان وقيل : يقيمون يديمون وأقامه أى أدامه وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع الخامسة إقامة الصلاة معروفة وهى سنة عند الجمهور وأنه لا إعادة على تاركها وعند الأوزاعى وعطاء ومجاهد وأبن أبى ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة وبه قال أهل الظاهر وروي عن مالك وأختاره أبن العربى قال : لأن في حديث الأعرابى ( وأقم ( فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والأستقبال والوضوء قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتى مالك الموافقة للحديث وهى أن الإقامة فرض قال بن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتحريمها التكبير ( دليل على أنه لم يدخل فى الصلاة من لم يحرم فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للاجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لأستوى سهوها وعمدها وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن والله أعلم السادسة وأختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : ( إذا إقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ( رواه أبو هريرة أخرجه مسلم وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت وأقض ما سبقك ( وهذا نص ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع أنبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها وذهب جماعة من السلف منهم أبن عمر وأبن مسعود على أختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة وروي عن مالك نحوه وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشى والراكب لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشى قلت وأستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل حال أولى فيمشى كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار لأنه فى صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشى حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة وما خرجه الدارمى فى مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبرى عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك فى صلاة ( فمنع صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلى وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : فأسعوا إلى ذكر الله وأنه ليس المراد به الأشتداد على الأقدام وإنما عنى العمل والفعل هكذا فسره مالك وهو الصواب فى ذلك والله أعلم السابعة وأختلف العلماء فى تأويل قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ( وقوله : ( وأقض ما سبقك ( هل هما بمعنى واحد أو لا فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام قال الله تعالى : فإذا قضيت الصلاة وقال : فإذا قضيتم مناسككم وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك منهم أبن القاسم ولكنه يقضى ما فاته بالحمد وسورة فيكون بانيا فى الأفعال قاضيا فى الأقوال قال بن عبد البر : وهو المشهور من المذهب وقال أبن خويز منداد : وهو الذى عليه أصحابنا وهو قول الأوزاعى والشافعى ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبرى وداود أبن على وروى أشهب وهو الذى ذكره بن عبد الحكم عن مالك ورواه عيسى عن أبن القاسم عن مالك أن ما أدرك فهو آخر صلاته وأنه يكون قاضيا فى الأفعال والأقوال وهو قول الكوفيين قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك قال بن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام لأنه لا يكون إلا فى أول الصلاة والتشهد والتسليم لا يكون إلا فى آخرها فمن ها هنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته مع ما ورد فى ذلك من السنة من قوله : ( فأتموا ( والتمام هو الآخر وأحتج الآخرون بقوله : ( فأقضوا ( والذى يقضيه هو الفائت إلا أن رواية من روى فأتموا أكثر وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد إلا ما قاله عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون والمزنى وأسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم رضى الله عنهم الثامنة الإقامة تمنع من أبتداء صلاة نافلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ( خرجه مسلم وغيره فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها لقوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم محمد وخاصة إذا صلى ركعة منها وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك والله أعلم التاسعة وأختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة بالمسجد وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلى وأفضل من تركهما وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الاوزاعي إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الاخيرة وقال الثورى : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وأن كان قد دخل المسجد وقال الحسن بن حي ويقال أبن حيان : إذا أخذ المقيم فى الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكى عن مالك وهو الصحيح في ذلك لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ( وركعتا الفجر إما سنة وإما فضيلة وإما رغيبة والحجة عند التنازع حجة السنة ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن أبن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما فى حجرة حفصة ثم أنه صلى مع الإمام ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضى الله عنهما قالوا : وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد روى مسلم عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم فقال : ( أتصلي الصبح أربعا ( وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك والله أعلم العاشرة الصلاة أصلها في اللغة الدعاء مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ومنه قوله عليه السلام : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل ( أي فليدع وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة فيصلي ركعتين وينصرف والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه أي دعا له وقال تعالى : وصل عليهم أي أدع لهم وقال الأعشى : تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فأن لجنب المرء مضطجعا وقال الأعشى أيضا : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وأرتسم أرتسم الرجل : كبر ودعا قاله في الصحاح وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ومنه أخذ المصلى في سبق الخيل لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق فأشتقت الصلاة منه إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل وإما لأن الراكع تثنى صلواه والصلا : مغرز الذنب من الفرس والأثنان صلوان والمصلى : تالي السابق لأن رأسه عند صلاه وقال علي رضى الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر وقيل : هي مأخوذة من اللزوم ومنه صلى بالنار إذا لزمها ومنه تصلى نارا حامية الغاشية وقال الحارث بن عباد : لم أكن من جناتها علم الله وأنى بحرها اليوم صال أي ملازم لحرها وكأن المعنى 4 على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود فإن فتحت الصاد قصرت فقلت صلا النار فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع قال الخارزنجي : فلا تعجل بأمرك وأستدمه فما صلى عصاك كمستديم والصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة ومنه : ( اللهم صل على محمد ( الحديث والصلاة : العبادة ومنه قوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت الآية أي عبادتهم والصلاة : النافلة ومنه قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة والصلاة التسبيح ومنه قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي من المصلين ومنه سبحة الضحى وقد قيل في تأويل نسبح بحمدك : نصلي والصلاة : القراءة ومنه قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك فهي لفظ مشترك والصلاة : بيت يصلي فيه قاله أبن فارس وقد قيل إن الصلاة أسم علم وضع لهذه العبادة فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع ولم يخل شرع من صلاة حكاه أبو نصر القشيري قلت : فعلى هذا القول لا أشتقاق لها وعلى قول الجمهور وهي : الحادية عشرة أختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الأبتدائي وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الأبتدائي من قبل الشرع هنا أختلافهم والأول أصح لأن الشريعة ثبتت بالعربية والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ولكن للعرب تحكم في الأسماء كالدابة وضعت لكل ما يدب ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء والله أعلم الثانية عشرة وأختلف في المراد بالصلاة هنا فقيل : الفرائض وقيل الفرائض والنوافل معا وهو الصحيح لأن اللفظ عام والمتقى يأتي بهما الثالثة عشرة الصلاة سبب للرزق قال الله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة الآية على ما يأتي بيانه في طه إن شاء الله تعالى وشفاء من وجع البطن وغيره روي أبن ماجة عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست فألتفت الي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أشكمت درده ( قلت : نعم يا رسول الله قال : ( قم فصل فإن في الصلاة شفاء ( في رواية ( أشكمت درد ( يعني تشتكي بطنك بالفارسية وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة الرابعة عشرة الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض فمن شروطها : الطهارة وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة وستر العورة يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى وأما فروضها : فاستقبال القبلة والنية وتكبيرة الإحرام والقيام لها وقراءة أم القرآن والقيام لها والركوع والطمأنينة فيه ورفع الرأس من الركوع والأعتدال فيه والسجود والطمأنينة فيه ورفع الرأس من السجود والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه والسجود الثاني والطمأنينة فيه والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخل بها فقال له : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم أستقبل القبلة ثم كبر ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا ثم أرفع حتى تعتدل قائما ثم أسجد حتى تطمئن ساجدا ثم أرفع حتى تطمئن جالسا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها ( خرجه مسلم ومثله حديث رفاعة بن رافع أخرجه الدارقطنى وغيره قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الأنتقالات وعن التسبيح في الركوع والسجود وعن الجلسة الوسطى وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة وهو قول الحميدي ورواية عن الأوزاعي وأحتجوا بقوله عليه السلام : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( أخرجه البخاري قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل لأنه المبلغ عن الله مراده وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور وكان أبن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام وإن لم يسجد بطلت صلاته وإن نسي تكبيرة واحدة أو أثنتين سجد أيضا للسهو فإن لم يفعل فلا شيء عليه وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض وأن اليسير منه متجاوز عنه وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام فإن تركه ساهيا سجد للسهو فإن لم يسجد فلا شيء عليه ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا لأنه سنه من سنن الصلاة فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية قلت : هذا هو الصحيح وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب أبن القاسم وقد ترجم البخاري رحمه الله باب أتمام التكبير في الركوع والسجود وساق حديث مطرف بن عبد الله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت أبن عباس فقال : أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم روي أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود قال أبو موسى : فإما نسيناها وأما تركناها عمدا قلت : أتراهم أعادوا الصلاة فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه وبالله التوفيق الخامسة عشرة وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور وأوجبه إسحاق بن راهويه وأن من تركه أعاد الصلاة لقوله عليه السلام : ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم ( السادسة عشرة وأما الجلوس والتشهد فأختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة والقراض من الإجارات وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا وأحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة أحتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتى به كما لو ترك سجدة أو ركعة ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما وفي حديث عبد الله بن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم وأختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك وهي : السابعة عشرة على خمسة أقوال : أحدها إن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة وبه قال داود قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد وأحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض لأن اصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب وإنما ذلك كله سنه مسنونه هذا قول بعض البصريين وإليه ذهب إبراهيم بن علية وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى فخالف الجمهور وشذ إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته ( وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر وقد بيناه في كتاب المقتبس وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس القول الثالث : إن الجلوس مقدار التشهد فرض وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين وأحتجوا بحديث أبن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس أحدكم في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته ( قال أبن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس : ويرى الخروج من الصلاة بضرطة أين الضراط من السلام عليكم قال أبن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين أما أحدهما : فروي عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه وهذا مذهب أهل العراق بعينه وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام أنه يجزئ من خلفه وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى وإن عمرت به المجالس للذكرى القول الرابع : أن الجلوس فرض والسلام فرض وليس التشهد بواجب وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية وأحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن القول الخامس : أن التشهد والجلوس واجبان وليس السلام بواجب قاله جماعه منهم إسحاق بن راهويه وأحتج إسحاق بحديث أبن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك ( قال الدارقطني : قوله ( إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك ( أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام أبن مسعود وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وشبابة ثقة وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك جعل آخر الحديث من كلام أبن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثامنة عشرة وأختلف العلماء في السلام فقيل : واجب وقيل : ليس بواجب والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ( وهذا الحديث أصل في أيجاب التكبير والتسليم وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها بأتفاق قال عبد الرحمن بن مهدي : لو أفتتح رجل صلاته بسبعين أسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي وهو أمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمة وحسبك به وقد أختلف العلماء في وجوب التكبير عند الأفتتاح وهي : التاسعة عشرة فقال أبن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول والصحيح من مذهبه أيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة وهو الصواب وعليه الجمهور وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة الموفية عشرين وأختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ولا يجزئ عند مالك إلا الله أكبر لا غير ذلك وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ الله الأكبر والله الكبير والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب الحمد لله رب العالمين وحديث علي : وتحريمها التكبير وحديث الأعرابي : فكبر وفي سنن أبن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة أستقبل القبلة ورفع يديه وقال : الله أكبر وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير قال الشاعر : رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأعظمه جنودا ثم إنه يتضمن القدم وليس يتضمنه كبير ولا عظيم فكان أبلغ في المعنى والله أعلم وقال أبو حنيفة : إن أفتتح بلا إله إلا الله يجزيه وإن قال : اللهم أغفر لي لم يجزه وبه قال محمد بن الحسن وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير وكان الحكم أبن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزاه قال أبن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية قال أبن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال والله أعلم الحادية والعشرون وأتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتى الكلام عليه في آية الطهارة وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه قال أبن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوى بها أو قبل ذلك بشرط أستصحابها فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعباده في تلك الحالة لم يعتد بها كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في أقترانها بأوله قال أبن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبؤات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل وتذكارها يكون في لحظة ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبي سحنونا ربما يكمل الصلاة فيعيدها فقلت له ما هذا فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف في النساء والأوقات في هود وسبحان والروم وصلاة الليل في المزمل وسجود التلاوة في الأعراف وسجود الشكر في ص كل في موضعه إن شاء الله تعالى الثانية والعشرون قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ينفقون ) رزقناهم : أعطيناهم والرزق عند أهل السنة ما صح الأنتفاع به حلالا كان أو حراما خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا وهذا فاسد والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا ولا البهائم التي ترتع في الصحراء ولا السخال من البهائم لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال ولما أجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق : هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض وقال : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات وقال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهذا قاطع فالله تعالى رازق حقيقة وأبن آدم رازق تجوزا لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما وجميع ذلك رزق وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : كلوا من رزق ربكم وأشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ) الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا فالرزق بالفتح المصدر وبالكسر الأسم وجمعه أرزاق والرزق : العطاء والرازقية : ثياب كتان بيض وأرتزق الجند : أخذوا أرزاقهم والرزقة : المرة الواحدة هكذا قال أهل اللغة وقال أبن السكيت : الرزق بلغة أزدشنوءة : الشكر وهو قوله عز وجل : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الواقعة أي شكركم التكذيب ويقول : رزقني أي شكرني الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( ينفقون ) ينفقون : يخرجون والإنفاق : إخراج المال من اليد ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري ونفقت الدابة : خرجت روحها ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى ومنه المنافق لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها ونفق الزاد : فنى وأنفقه صاحبه وأنفق القوم : فنى زادهم ومنه قوله تعالى : إذا لأمسكتم خشية الإنفاق الخامسة والعشرون وأختلف العلماء في المراد بالنفقة ها هنا فقيل الزكاة المفروضة روي عن أبن عباس لمقارنتها الصلاة وقيل : نفقة الرجل على أهله روي عن أبن مسعود لأن ذلك أفضل النفقة روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ( وروي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ( قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة : وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم وقيل : المراد صدقة التطوع روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة أحتملت الفرض والتطوع فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في براءة وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها وقيل : هو عام وهو الصحيح لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا وذلك لا يكون إلا من الحلال أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب وإقام الصلاة حظ البدن ومما رزقناهم ينفقون حظ المال وهذا ظاهر وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون أي مما علمناهم يعلمون حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري < <
البقرة : ( 4 ) والذين يؤمنون بما . . . . . > > < > ( البقره 4 ) < > قيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ونزلت الأولى في مؤمني العرب وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين وعليه فإعراب الذين خفض على العطف ويصح أن يكون رفعا على الأستئناف أي وهم الذين ومن جعلها في صنفين فإعراب الذين رفع بالأبتداء وخبره أولئك على هدى ويحتمل الخفض عطفا قوله تعالى : ( بما أنزل إليك ) يعني القرآن ( وما أنزل من قبلك ) يعني الكتب السالفة بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا الآية ويقال : لما نزلت هذه الآية : الذين يؤمنون بالغيب قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب فلما قال : ويقيمون الصلاة قالوا : نحن نقيم الصلاة فلما قال ومما رزقناهم ينفقون قالوا : نحن ننفق ونتصدق فلما قال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك نفروا من ذلك وفي حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله قال : ( مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ( الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي وهنا مسألة إن قال قائل : كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها قيل له فيه جوابان : أحدهما أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع الثاني أن الإيمان بما لم ينسخ منها وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وبالآخرة هم يوقنون ) أي وبالبعث والنشر هم عالمون واليقين : العلم دون الشك يقال منه : يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت وأستيقنت وتيقنت كله بمعنى وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع وربما عبروا باليقين عن الظن ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه قال الشاعر : تحسب هواس وأيقن أنني بها مفتد من واحد لا أغامره يقول : تشمم الأسد ناقتي يظن أنني مفتد بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير وسيأتي والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها كما أن الدنيا مشتقة من الدنو على ما يأتي < < البقرة : ( 5 ) أولئك على هدى . . . . . > > < > ( البقره 5 ) <
> قال النحاس أهل نجد يقولون : ألاك وبعضهم يقول : ألالك والكاف للخطاب قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ومن قال ألاك فواحده ذاك وألالك مثل أولئك وأنشد أبن السكيت : ألالك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا ألالكا وربما قالوا : أولئك في غير العقلاء قال الشاعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام وقال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا الإسراء وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : من ربهم ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال : من أنفسهم وقد تقدم الكلام فيه وفي الهدى فلا معنى لإعادة ذلك ( وأولئك هم المفلحون ) هم يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره المفلحون والثاني وخبره خبر الأول ويجوز أن تكون هم زائدة يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا والمفلحون خبر أولئك والفلح أصله في اللغة الشق والقطع قال الشاعر : إن الحديد بالحديد يفلح أي يشق ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث قاله أبو عبيد ولذلك سمي الأكار فلاحا ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح وهو بين الفلحة فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضا في اللغة ومنه قول الرجل لأمرأته : أستفلحي بأمرك معناه فوزى بأمرك وقال الشاعر : لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء : لكل هم من الهموم سعة والمسى والصبح لا فلاح معه يقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء وقال آخر : نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير أي البقاء وقال عبيد : أفلح بما شئت فقد يدرك بالض عف وقد يخدع الأريب أي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل فمعنى وأولئك هم المفلحون : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها وقال أبن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا والمعنى واحد وقد أستعمل الفلاح في السحور ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : وما الفلاح قال : السحور أخرجه أبو داود فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا والفلاح ( بتشديد اللام ) : المكاري في قول القائل : لها رطل تكيل الزيت فيه وفلاح يسوق لها حمارا ثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب مسألة إن قال قائل كيف قرأ حمزة : عليهم وإليهم ولديهم ولم يقرأ من ربهم ولا فيهم ولا جنتيهم فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم ووافقه الكسائي في عليهم الذلة وإليهم أثنين على ما هو معروف من القراءة عنهما < < البقرة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( البقره 6 ) <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?