Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات فأسند أمرك إلى ما كلفت من الأيمان والتبليغ وعلى الله نصرك وقوله وجهى بمعنى ذاتي ومنه الحديث ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره ( وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد كما تقول : خرج فلان في وجه كذا وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى والأول أولى وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس وقال : أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : ويبقى وجه ربك : إنها عبارة عن الذات وقيل العمل الذي يقصد به وجهه وقوله : ومن اتبعن من في محل رفع عطفا على التاء في قوله أسلمت أي ومن اتبعن أسلم أيضا وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء اتبعن على الأصل وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء وقال الشاعر : ليس تخفى يسارتى قدر يوم ولقد تخف شميتى إعسارى قوله تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) يعنى اليهود والنصارى والأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب أأسلمتم استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر أي أسلموا كذا قال الطبري وغيره وقال الزجاج : أأسلمتم تهديد وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا وجاءت العبارة في قوله فقد اهتدوا بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله والبلاغ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل أي إنما عليك أن تبلغ وقيل إنه مما نسخ بالجهاد وقال بن عطية : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره < < آل عمران : ( 21 ) إن الذين يكفرون . . . . . > > < > ( ال عمران 21 : 22 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ) قال أبو العباس المبرد كان ناس من بنى إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ففيهم نزلت هذه الآية وكذلك قال معقل بن أبي مسكين : كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بنى إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط أي بالعدل فيقتلون وقد روي عن بن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية ( وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ( ذكره المهدوى وغيره وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم من آخر النهار فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم قال الله عز وجل : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك الثانية دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ( وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : من خير الناس يا رسول الله قال : ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه ( وفي التنزيل : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ثم قال : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزيز إلى رأيه والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة قال الله تعالى : الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر الثالثة وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عدل وهذا ساقط فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عام في جميع الناس فإن تشبثوا بقوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم البقرة وقوله : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ونحوه قيل لهم : إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهى عنه لا على نهيه عن المنكر ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى أتامرون الناس بالبر البقرة الرابعة أجمع المسلمون فيما ذكر بن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك قال : والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة قال الحسن : إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال : اتقني اتقني فما لك وله وقال بن مسعود : بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره وروى بن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه ( قالوا : يا رسول الله وما إذلاله نفسه قال : ( ( يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ( قلت : وخرجه بن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما قد تكلم فيه وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات اللهم إن هذا منكر فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه وزعم بن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده قال : والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي قلت : هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل وقال تعالى : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك لقمان وهذا إشارة إلى الإذاية الخامسة روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ( قال العلماء : الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على الضعفاء يعني عوام الناس فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل فإن زال بدون القتل لم يجز القتل وهذا تلقي من قول الله تعالى : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وعليه بني العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو عن نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا قودا وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء : إمام عادل لا يظلم وعالم على سبيل الهدى ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى السادسة روى أنس بن مالك قال قيل : يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال : ( ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ( قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا قال : ( ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم ( قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والعلم في رذالتكم ( إذا كان العلم في الفساق خرجه بن ماجه وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى وتقدم معنى فبشرهم وحبطت في البقرة فلا معنى للإعادة < <
آل عمران : ( 23 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( ال عمران 23 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قال بن عباس : هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني على ملة إبراهيم ( فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ( فأبيا عليه فنزلت الآية وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( هلموا إلى التوراة ففيها صفتي ( فأبوا وقرأ الجمهور ليحكم وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع ليحكم بضم الياء والقراءة الأولى أحسن لقوله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق الجاثية الثانية في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعى إلى كتاب الله فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالف والمخالف وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة النور في قوله تعالى : وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله بل أولئك هم الظالمون وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ( من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ( قال بن العربي : وهذا حديث باطل أما قوله فهو ظالم فكلام صحيح وأما قوله فلا حق له فلا يصح ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق قال بن خويز منداد المالكي : واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه الثالثة وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا نسخه وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا على ما يأتي بيانه وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب : إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها وسيأتي بيان هذا في المائدة والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في ذلك والله أعلم < < آل عمران : ( 24 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . . > > < > ( ال عمران 24 ) < > إشارة إلى التولي والإعراض واغترار منهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه إلى غير ذلك من أقوالهم وقد مضى الكلام في معنى قولهم : لن تمسنا النار في البقرة < < آل عمران : ( 25 ) فكيف إذا جمعناهم . . . . . > > < > ( ال عمران 25 ) < > خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التوقيف والتعجب أي فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم واللام في قوله ليوم بمعنى في قاله الكسائي وقال البصريون : المعنى لحساب يوم الطبري : لما يحدث في يوم < < آل عمران : ( 26 ) قل اللهم مالك . . . . . > > <
> ( ال عمران 26 ) <
> قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة وإلا أعذته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ( وقال معاذ بن جبل : احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم يوما فلم أصل معه الجمعة فقال : ( ( يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة ( قلت : يا رسول الله كان ليوحنا بن باريا اليهودي علي أوقية من تبر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك قال : ( أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك ( قلت نعم قال : ( ( قل كل يوم قل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك ( خرجه أبو نعيم الحافظ أيضا عن عطاء الخرساني أن معاذ بن جبل قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن أو كلمات ما في الأرض مسلم يدعوا بهن وهو مكروب أو غارم أو ذو دين إلا قضى الله عنه وفرج همه احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ وقال بن عباس وأنس بن مالك : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل : نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم : أن عيسى هو الله وذلك أن هذه الاوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها قال بن إسحاق : أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم وإن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آيات تدل على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء من قوله : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء وقوله : تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب فلو كان عيسى إلها كان هذا إلها فكان في ذلك اعتبار وآية بينة قوله تعالى : ( قل اللهم ) اختلف النحويون في تركيب لفظة اللهم بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة وأنها منادى : وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى : كدعوة من أبي رباح يسمعها اللهم الكبار قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين : إن أصل اللهم يا الله فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو يا جعلوا بدله هذه الميم المشددة فجاؤوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء والألف والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا الله أمنا بخير فحذف وخلط الكلمتين وأن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة قال النحاس : هذا عند البصريين من الخطإ العظيم والقول في هذا ما قال الخليل وسيبويه قال الزجاج : محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد وأن يجعل في اسم الله ضمة أم هذا إلحاد في اسم الله تعالى قال بن عطية : وهذا غلو من الزجاج وزعم أنه ما سمع قط يا الله أم ولا تقول العرب يا اللهم وقال الكوفيون : إنه قد يدخل حرف النداء على اللهم وأنشدوا على ذلك قول الراجز : غفرت أو عذبت يا اللهما آخر : وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللهم ما اردد علينا شيخنا مسلما فإننا من خيره لن نعدما آخر : إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما قالوا : فلو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعا قال الزجاج : وهذا شاذ ولا يعرف قائله ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب وقد ورد مثله في قوله : هما نفثا في في من فمويهما ما على النابح العاوي أشد رجام قال الكوفيون : وإنما تزاد الميم مخففة في فم وابنم وأما ميم مشددة فلا تزاد وقال بعض النحويين من : ما قاله الكوفيون خطأ لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال : اللهم ويقتصر عليه لأنه معه دعاء وأيضا فقد تقول : أنت اللهم الرزاق فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر قال النضر بن شميل : من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها وقال الحسن : اللهم تجمع الدعاء قوله تعالى : ( مالك الملك ) قال قتادة : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية وقال مقاتل : سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمته فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء وقد تقدم معناه ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان ومثله قوله تعالى : قل اللهم فاطر السماوات والأرض ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه قد ضمت إليه الميم وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج فقالا : مالك في الإعراب صفة لاسم الله تعالى وكذلك فاطر السماوات والأرض قال أبو علي هو مذهب أبي العباس المبرد وما قاله سيبويه أصوب وأبين وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت والأصوات لا توصف نحو غاق وما أشبهه وكان حكم الإسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت نحو حيهل فلم يوصف والملك ) هنا النبوة عن مجاهد وقيل الغلبة وقيل المال والعبيد الزجاج : المعنى مالك العباد وما ملكوا وقيل : المعنى مالك الدنيا والآخرة ومعنى ( تؤتي الملك ) أي الإيمان والإسلام ( من تشاء ) أي من تشاء أن تؤتيه إياه وكذلك ما بعده ولا بد فيه من تقدير الحذف أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه ثم حذف هذا وأنشد سيبويه : ألا هل لهذا الدهر من متعلل على الناس مهما شاء بالناس يفعل قال الزجاج : مهما شاء أن يفعل وقوله : ( تعز من تشاء ) يقال : عز إذا علا وقهر وغلب ومنه وعزني في الخطاب ( وتذل من تشاء ) ذل يذل ذلا إذا غلب وعلا وقهر قال طرفة : بطيء عن الجلي سريع إلى الخنا ذليل بأجماع الرجال ملهد ( بيدك الخير ) أي بيدك الخير والشر فحذف كما قال : سرابيل تقيكم الحر وقيل : خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله قال النقاش : بيدك الخير أي النصر والغنيمة وقال أهل الإشارات كان أبو جهل يملك المال الكثير ووقع في الرس يوم بدر والفقراء صهيب وبلال وخباب لم يكن لهم مال وكان ملكهم الإيمان قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إلى القليب : يا عتبة يا شيبة تعز من تشاء وتذل من تشاء أي صهيب أي بلال لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم بيدك الخير ما منعكم من عجز إنك على كل شيء قدير إنعام الحق عام يتولى من يشاء < <
آل عمران : ( 27 ) تولج الليل في . . . . . > > < > ( آل عمران 27 ) < > قال بن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله تولج الليل في النهار الآية أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون وكذا ( تولج النهار في الليل ) وهو قول الكلبي وروي عن بن مسعود وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : ( وتخرج الحي من الميت ) فقال الحسن : معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وروي نحوه عن سلمان الفارسي وروي معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة قال : ( ( من هذه ( قلن إحدى خالاتك قال : ( ( ومن هي ( قلن : هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سبحان الذي يخرج الحي من الميت ( وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن فالموت والحياة مستعاران وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان فقال عكرمة : هي إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية وقال بن مسعود : هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة وقال عكرمة والسدي : هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه ثم قال : ( وترزق من تشاء بغير حساب ) أي بغير تضييق ولا تقتير كما تقول : فلان يعطي بغير حساب كأنه لا يحسب ما يعطي < < آل عمران : ( 28 ) لا يتخذ المؤمنون . . . . . > > < > ( ال عمران 28 ) < > فيه مسألتان : الأولى قال أبن عباس : نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء ومثله لا تتخذوا بطانة من دونكم وهناك يأتي بيان هذا المعنى ومعنى ( فليس من الله في شيء ) أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء مثل واسأل القرية حكى سيبويه هو منى فرسخين أي من أصحابي ومعي ثم استثنى وهي : الثانية فقال ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم قال بن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثما وقال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ولا تقية في القتل وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : إلا أن تتقوا منهم تقية وقيل : أن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في النحل إن شاء الله تعالى وأمال حمزة والكسائي تقاة وفخم الباقون واصل تقاة وقية على وزن فعله مثل تؤدة وتهمة قلبت الواو تاء والياء الفا وروى الضحاك عن بن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا وكان له حلف من اليهود فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبى الله أن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المومنين الآية وقيل : أنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون على ما يأتي بيانه في النحل قوله تعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) قال الزجاج : أي ويحذركم الله أياه ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل قال تعالى : تعلم ما في نفسى ولا أعلم ما في نفسك فمعناه تعلم ما عندى وما في حقيقتى ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك وقال غيره : المعنى ويحذركم الله عقابة مثل واسأل القرية وقال : تعلم ما في نفسى أي مغيبى فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون ( وإلى الله المصير ) أي وإلى جزاء الله المصير وفيه إقرار بالبعث < <
آل عمران : ( 29 ) قل إن تخفوا . . . . . > > < > ( ال عمران 29 ) < > فهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه وبما في السماوات والأرض وما احتوت عليه علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يغيب عنه شيء سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة < < آل عمران : ( 30 ) يوم تجد كل . . . . . > > < > ( ال عمران 30 ) < > يوم منصوب متصل بقوله : ويحذركم الله نفسه يوم تجد وقيل : هو متصل بقوله : وإلى الله المصير يوم تجد وقيل هو متصل بقوله : والله على كل شيء قدير يوم تجد ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار أذكر ومثله قوله : إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض إبراهيم حال من الضمير المحذوف من صلة ما تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا وهذا على أن يكون تجد من وجدان الضالة وما من قوله وما عملت من سوء عطف على ما الأولى وتود في موضع الحال من ما الثانية وإن جعلت تجد بمعنى تعلم كان محضرا المفعول الثاني وكذلك تكون تود في موضع المفعول الثاني وتقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا ويجوز أن تكون ما الثانية رفعا بالإبتداء وتود في موضع رفع على أنه خبر الإبتداء ولا يصح أن تكون ما بمعنى الجزاء لأن تود مرفوع ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء وكان يكون معنى الكلام : وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا أي كما بين المشرق والمغرب ولا يكون المستقبل إذا جعلت ما للشرط إلا مجزوما إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء على تقدير : وما عملت من سوء فهي تود أبو علي : هو قياس قول الفراء عندي لأنه قال في قوله تعالى : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون : أنه على حذف الفاء والأمد : الغاية وجمعه آماد ويقال استولى على الأمد أي غلب سابقا قال النابغة : إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد والأمد : الغضب يقال : أمد أمدا إذا غضب غضبا < < آل عمران : ( 31 ) قل إن كنتم . . . . . > > < > ( ال عمران 31 ) <
> الحب : المحبة وكذلك الحب الكسر والحب أيضا الحبيب مثل الخدن والخدين يقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب قال الجوهري : وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر قال أبو الفتح : والأصل فيه حبب كظرف فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية قال بن الدهان سعيد : في حب لغتان : حب وأحب وأصل حب في هذا البناء حبب كظرف يدل على ذلك قولهم : حببت واكثر ما ورد فعيل من فعل قال أبو الفتح : والدلالة على أحب قوله تعالى : يحبهم ويحبونه بضم الياء واتبعوني يحببكم الله وحب يرد على فعل لقولهم حبيب وعلى فعل كقولهم محبوب : ولم يرد اسم الفاعل من حب المتعدي فلا يقال : أنا حاب ولم يرد اسم المفعول من أفعل إلا قليلا كقوله مني بمنزلة المحب المكرم وحكى أبو زيد : حببته أحبه وأنشد : فوالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عويف وهاشم وأنشد : لعمرك إنني وطلاب مصر لكالمزداد مما حب بعدا وحكى الأصمعى فتح حرف المضارعة مع الياء وحدها والحب الخابية فارسي معرب والجمع حباب وحببة حكاه الجوهري والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل قاله محمد بن جعفر بن الزبير وقال الحسن وبن جريج : نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا : نحن الذين نحب ربنا وروى أن المسلمين قالوا : يا رسول الله والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله عز وجل : قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني قال بن عرفة : المحبة عند العرب إرادة الشيء على قصد له وقال الأزهري : محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما قال الله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران قال الله تعالى : إن الله لا يحب الكافرين أي لا يغفر لهم وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) قال : ( على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس ( خرجه أبو عبد الله الترمذي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانه وألا يوذي جاره ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إنى أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادى في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إنى أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ( وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة مريم إن شاء الله تعالى وقرأ أبو رجاء العطاردى فاتبعونى بفتح الباء ( ويغفر لكم ) عطف على يحببكم وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من يغفر في اللام من لكم قال النحاس : لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا ولعله كان يخفي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة < < آل عمران : ( 32 ) قل أطيعوا الله . . . . . > > < > ( ال عمران 32 ) <
> قوله تعالى : ( قل أطيعوا الله والرسول ) يأتي بيانه في النساء ( فإن تولوا ) شرط إلا أنه ماض لا يعرب والتقدير فإن تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله ( فإن الله لا يحب الكافرين ) أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدم وقال فإن الله ولم يقل فإنه لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره وانشد سيبويه : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا < < آل عمران : ( 33 ) إن الله اصطفى . . . . . > > < > ( ال عمران 33 ) <
> وقوله تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا ) اصطفى اختار وقد تقدم في البقرة وتقدم فيها اشتقاق آدم وكنيته والتقدير أن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام فحدف المضاف وقل الزجاج : اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم ونوحا قيل إنه مشتق من ناح ينوح وهو اسم أعجمي إلا انه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف وهو شيخ المرسلين وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات ومن قال : أن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم على ما يأتي بيانه في الأعراف إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) تقدم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى وفي البخاري عن بن عباس قال : آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد يقول الله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين وقيل : آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وأن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم وقيل آل إبراهيم نفسه وكذا آل عمران ومنه قوله تعالى : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون البقرة وفي الحديث ( لقد اعطي مزمارا من مزامير آل داود ( وقال الشاعر ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علي وعباس وآل أبي بكر وقال آخر : يلاقي من تذكر آل ليلى كما يلقى التسليم من العداد أراد من تذكر ليلى نفسها وقيل : آل عمران آل إبراهيم كما قال : ذرية بعضها من بعض آل عمران وقيل : المراد عيسى لأن أمه ابنه عمران وقيل : نفسه كما ذكرنا قال مقاتل : هو عمران أبو موسى وهارون وهو عمران بن يصهر لن فاهاث بن لاوى بن يعقوب وقال الكلبى : هو عمران أبو مريم وهو من ولد سليمان عليه السلام وحكى السهيلي : عمران بن ماتان وامرأته حنة بالنون وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين ومعنى قوله : على العالمين أي على عالمي زمانهم في قول أهل التفسير وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : جمع الخلق كلهم وقيل على العالمين : على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الإصطفاء لأنه حبيب ورحمة قال الله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء فالرسل خلقوا للرحمة ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة فلذلك صار أمانا للخلق لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل ولذلك قال عليه السلام : ( أنا رحمة مهداة ( يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله وقوله ( مهداة ( أي هدية من الله للخلق ويقال اختار آدم بخمسة أشياء : أولها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته والثاني أنه علمه الأسماء كلها والثالث أمر الملائكة بأن يسجدوا له والرابع أسكنه الجنة والخامس جعله أبا البشر واختار نوحا بخمسة أشياء : أولها أنه جعلة أبا البشر لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين والثاني أنه أطال عمره ويقال : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين والرابع أنه حمله على السفينة والخامس أنه كان أول من نسخ الشرائع وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات واختار إبراهيم بخمسة أشياء : أولها أنه جعلة أبا الأنبياء لأنه روي أنه خرج من صلبة ألف نبى من زمانه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني أنه اتخذه خليلا والثالث أنه أنجاه من النار والرابع أنه جعله إماما للناس والخامس أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن ثم قال : وآل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم والله أعلم < <
آل عمران : ( 34 ) ذرية بعضها من . . . . . > > < > ( ال عمران 34 ) < > تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها وهي نصب على الحال قال الأخفش أي في حال كون بعضهم من بعض أي ذرية بعضها من ولد بعض الكوفيون : على القطع الزجاج : بدل أي اصطفى ذرية بعضها من بعض ومعنى بعضها من بعض يعنى في التناصر في الدين كما قال : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض التوبة يعنى في الضلالة قال الحسن وقتادة وقيل في : الاجتباء والاصطفاء والنبوة وقيل : المراد به التناسل وهذا أضعفها < < آل عمران : ( 35 ) إذ قالت امرأة . . . . . > > < > ( ال عمران 35 : 36 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إذ قالت امرأة عمران ) قال أبو عبيدة : إذ زائدة وقال محمد بن يزيد : التقدير اذكر إذ وقال الزجاج : المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران وهي حنة بالحاء المهملة والنون بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنه اسم امرأة وفي العربية أبو حنة البدري ويقال فيه : أبو حنة بالباء بواحدة وهو أصح واسمه عامر ودير حنه بالشام ودير آخر أيضا يقال له كذلك قال أبو نواس : يا دير حنة من ذات الأكيراح من يصح عنك فإنى لست بالصاحى وحبة في العرب كثير منهم أبو حبة الأنصارى وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث سبيعة حبة ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي وهي أم محمد بن نصر ولا يعرف جنة بالجيم إلا أبو جنة وهو خال ذى الرمة الشاعر كل هذا من كتاب بن ماكولا الثانية قوله تعالى : ( رب إنى نذرت لك ما في بطنى محررا ) تقدم معنى النذر وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمة نفسه ويقال : إنها لما حملت قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا ومعنى لك أي لعبادتك محررا نصب على الحال وقيل نعت لمفعول محذوف أي إني نذرت لك ما في بطنى غلاما محررا والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب : أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع ويجوز على المجاز في أخرى وأما التفسير فقيل إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد وكانوا أهل بيت من الله بمكان وأنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا فتحركت نفسها لذلك ودعت ربها أن يهب لها ولدا ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا : أي عتيقا خالصا لله تعالى خادما للكنيسة حبيسا عليها مفرغا لعبادة الله تعالى وكان ذلك جائزا في شريعتهم وكان على أولادهم أن يطيعوهم فلما وضعت مريم قالت : رب إني وضعتها أنثى يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة قيل لما يصيبها من الحيض والأذى وقيل لا تصلح لمخالطة الرجال وكانت ترجو أن يكون ذكرا فلذلك حررت الثالثة قال بن العربي : لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له وكذلك المرأة مثله فأي وجه للنذر فيه وإنما معناه والله أعلم أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلي فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه وهو على خدمة الله تعالى موقوف وهذا نذر الأحرار من الأبرار وأرادت به محررا من جهتي محررا من رق الدنيا وأشغالها وقد قال رجل من الصوفية لأمة : يا أمه : ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم فقالت نعم فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب فقالت من فقال لها : ابنك فلان قالت : قد تركناك لله ولا نعود فيك الرابعة قوله تعالى : ( محررا ) مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية من هذا تحرير الكتاب وهو تخليصه من الإضطراب والفساد وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد : أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص : حر ومحرر بمعناه قال ذو الرمة : والقرط في حرة الذفرى معلقة تباعد الحبل منه فهو يضطرب وطين حر لا رمل فيه وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء الخامسة قوله تعالى : ( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها انثى ) قال بن عباس : إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور فقبل الله مريم وأنثى حال وإن شئت بدل فقيل : إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها رواه أشهب عن مالك : وقيل لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد فوفت بنذرها وتبرأت منها ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام ففي البخارى ومسلم أن أمرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت الحديث السادسة قوله تعالى : ( والله أعلم بما وضعت ) هو على قراءة من قرأ وضعت بضم التاء من جملة كلامها فالكلام متصل وهي قراءة أبي بكر وبن عامر وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى عليه شيء ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزية لله تعالى وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم وتقديره أن يكون مؤخرا بعد وإنى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم والله أعلم بما وضعت قال المهدوى وقال مكى : هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال : والله أعلم بما وضعت أم مريم قالته أو لم تقله ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه الكلام : وأنت أعلم بما وضعت لأنها نادته في أول الكلام في قولها : رب إنى وضعتها انثى وروى عن بن عباس بما وضعت بكسر التاء أي قيل لها هذا السابعة قوله تعالى : ( وليس الذكر كالانثى ) استدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليه بن العربي وهذه منه غفلة فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع كلامها فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها فلما رأته انثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها ولم ينصرف مريم لأنه مؤنث معرفة وهو أيضا أعجمي قاله النحاس والله تعالى أعلم الثامنه قوله تعالى : ( وإنى سميتها مريم ) يعني خادم الرب في لغتهم ( وإنى أعيذها بك ) يعني مريم ( وذريتها ) يعني عيسى وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود يولد الإ نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا بن مريم وأمه ( ثم قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها قال قتادة : كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فاصابت الطعنه الحجاب ولم ينفذ لها منه شيء قال علماؤنا : وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس واغواؤه فإن ذلك ظن فاسد فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بانواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال تعالى : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان الحجر هذا مع أن كل واحد من بنى آدم قد وكل به قرينه من الشياطين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لها ومقارنته والله أعلم < <
آل عمران : ( 37 ) فتقبلها ربها بقبول . . . . . > > < > ( ال عمران 37 : 38 ) <
> قوله تعالى : ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) المعنى : سلك بها طريق السعداء عن بن عباس وقال قوم : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها وقال الحسن : معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار ) يعنى سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد والقبول والنبات مصدران على غير المصدر والأصل تقبلا وإنباتا قال الشاعر أكفرا بعد رد الموت عنى وبعد عطائك المائة الرتاعا أراد بعد إعطائك لكن لما قال أنبتها دل على نبت كما قال امرؤ القيس : فصرنا إلى الحسنى ورق كلا منا ورضت فذلت صعبة أي إذلال وإنما مصدر ذلت ذل ولكنه رده على معنى أذللت وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب فمعنى تقبل وقبل واحد فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن ونظيره قول رؤبة : وقد تطويت انطواء الحضب الأفعى لأن معنى تطويت وانطويت واحد ومثله قول القطامى : وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا لأن تتبعت واتبعت واحد وفي قراءة بن مسعود وأنزل الملائكة تنزيلا لأن معنى نزل وأنزل واحد وقال المفضل : معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا والأصل في القبول الضم لأنه مصدر مثل الدخول والخروج والفتح جاء في حروف قليلة مثل الولوع والوزوع هذه الثلاثة لا غير قال أبو عمرو والكسائى والأئمة وأجاز الزجاج بقبول بضم القاف على الأصل قوله تعالى : ( وكفلها زكريا ) أي ضمها إليه أبو عبيدة : ضمن القيام بها وقرأ الكوفيون وكفلها بالتشديد فهو يتعدى إلى مفعولين والتقدير وكفلها ربها زكريا أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له وفي مصحف أبي وكفلها والهمزة كالتشديد في التعدى وايضا فإن قبلة فتقبلها وأنبتها فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها فجاء كفلها بالتشديد على ذلك وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها بدلالة قوله : أيهم يكفل مريم قال مكى : وهو الاختيار لأن التشديد يرجع إلى التخفيف لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله ولآن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المزنى وكفلها بكسر الفاء قال الأخفش : يقال كفل يكفل وكفل يكفل ولم أسمع كفل وقد ذكرت وقرأ مجاهد فتقبلها بإسكان اللام على المسألة والطلب ربها بالنصب نداء مضاف وأنبتها بأسكان التاء وكفلها بإسكان اللام زكريا بالمد والنصب وقرأ حفص وحمزة والكسائى زكريا بغير مد ولا همزة ومده الباقون وهمزوه وقال الفراء : أهل الحجاز يمدون زكريا ويقصرونه وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون : زكرى قال الأخفش : فيه أربع لغات : المد والقصر وزكرى بتشديد الياء والصرف وزكر ورأيت زكريا قال أبو حاتم : زكرى بلا صرف لأنه أعجمى وهذا غلط لأن ما كان فيه يا مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى ولم ينصرف زكريا في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف قوله تعالى : ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) إلى قوله : ( إنك سميع الدعاء ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( كلما دخل عليها زكريا المحراب ) المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس وسيأتى له مزيد بيان في سورة مريم وجاء في الخبر : إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم قال وضاح اليمن : ربة محراب إذا جئتها لم ألقها حتى ارتقى سلما أي ربه غرفة روى أبو صالح عن بن عباس قال : حملت امرأة عمران بعد ما أسنت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران : ويحك ما صنعت أرأيت إن كانت أنثى فأغتما لذلك جميعا فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن وكان لا يحرر الإ الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي على ما يأتي فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلا بسلم وأستاجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها أمرأة زكريا في قول الكلبى قال مقاتل : كانت أختها أمرأة زكريا وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب وقال بعضهم : كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض وكان زكريا إذا دخل عليه يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال : يا مريم أنى لك هذا فقالت هو من عند الله فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال : إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقنى ولدا ومعنى أنى من أين قاله أبو عبيدة قال النحاس : وهذا فيه تساهل لأن أين سؤال عن المواضع وأنى سؤال عن المذاهب والجهات والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا وقد فرق الكميت بينهما فقال : أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب وكلما منصوب ب وجد أي كل دخلة ( إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) قيل : هو من قول مريم ويجوز أن يكون مستأنفا فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد الثانية قوله تعالى ( هنالك دعا زكريا ربه ) هنالك في موضع نصب لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان وقال المفضل بن سلمه : هنالك في الزمان وهناك في المكان وقد يجعل هذا مكان هذا و ( هب لى ) أعطنى ( من لدنك ) من عندك ( ذرية طيبة ) أي نسلا صالحا والذرية تكون واحدة وتكون جمعيا ذكرا وأنثى وهو هنا واحد يدل عليه قوله فهب لي من لدنك وليا ولم يقل أولياء وإنما أنث طيبة لتأنيث لفظ الذرية كقول : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال فأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة وروي من حديث أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أي رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا ( وقد مضى في البقرة اشتقاق الذرية و ( طيبة ) أي صالحة مباركة ( إنك سميع الدعاء ) أي قابله ومنه : سمع الله لمن حمده الثالثة دلت هذه الآية على طلب الولد وهي سنة المرسلين والصديقين قال الله تعالى : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا وخرج بن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى وتزوجوا فإنى مكاثر بكم الأمم ومن كان ذأ طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء ( وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال : الذي يطلب الولد أحمق وما عرف انه هو الغبي الآخرق قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل : واجعل لي لسان صدق في الآخرين الشعراء وقال : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وقد ترجم البخاري على هذا باب طلب الولد وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حين مات ابنه : أعرستم الليلة قال نعم قال بارك الله لكما في غابر ليلتكما قال فحملت في البخاري قال سفيان فقال رجل من الأنصار : فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن وترجم أيضا باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة وساق حديث أنس بن مالك قال قالت أم سليم : يا رسول الله خادمك أنس أدع الله له فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين ( خرجه البخاري ومسلم وقال صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الولود الودود فاني مكاثر بكم الأمم ( أخرجه أبو داود والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث ( فذكر ( أو ولد صالح يدعو له ( ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية الرابعة فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه ألا ترى قول زكريا واجعله رب رضيا وقال : ذرية طيبة وقال : هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ( خرجه البخارى ومسلم وحسبك < <
آل عمران : ( 39 ) فنادته الملائكة وهو . . . . . > > < > ( ال عمران 39 ) <
> قوله تعالى : ( فنادته الملأئكة ) قرأ حمزة والكسائى فناداه بالألف على التذكير ويميلانها لأن أصلها الياء ولأنها رابعة وبالألف قراءة بن عباس وبن مسعود وهو اختيار أبي عبيد وروى عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال كان عبد الله يذكر الملائكة في كل القرآن قال أبو عبيد : نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا : الملأئكة بنات الله قال النحاس : هذا احتجاج لا يحصل منه شيء لأن العرب تقول : قالت الرجال وقال الرجال وكذا النساء وكيف يحتج عليهم بالقرآن ولو جاز أن يحتج ليهم بالقران بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى : وإذ قالت الملائكة ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل : أشهدوا خلقهم الزخرف أي فلم يشاهدوا فكيف يقولون أنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى وأما فناداه فهو جائز على تذكير الجمع ونادته على تانيث الجماعة قال مكي : والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التانيث مجرى ما لا يعقل تقول : هي الرجال وهي الجذوع وهى الجمال وقالت الأعراب ويقوى ذلك قوله وإذ قالت الملائكة وقد ذكر في موضع آخر فقال : والملائكة باسطوا أيديهم وهذا إجماع وقال تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب فتانيث هذا الجمع وتذكيره حسنان وقال السدى : ناداه جبريل وحده وكذا في قراءة بن مسعود وفي التنزيل ينزل الملائكة بالروح من أمره يعنى جبريل والروح الوحي وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع وجاء في التنزيل الذين قال لهم الناس يعني نعيم بن مسعود على ما يأتي وقيل : ناداه جميع الملائكة وهو الأظهر أي جاء النداء من قبلهم قوله تعالى : ( وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ) وهو قائم ابتداء وخبر يصلي في موضع رفع وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر أن الله أي بأن الله وقرأ حمزة والكسائى إن أي قالت إن الله فالنداء بمعني القول يبشرك بالتشديد قراءة أهل المدينة وقرأ حمزة يبشرك مخففا وكذلك حميد بن القيس المكى إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء قال الأخفش : هي ثلاث لغات بمعنى واحد دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماضي أو أمر فهو بالتثقيل كقوله تعالى : فبشر عباد الزمر فبشره بمغفرة يس فبشرناها بإسحاق قالوا بشرناك بالحق الحجر وأما الثانية وهي قراءة عبد الله بن مسعود فهي من بشر يبشر وهي لغة تهامة ومنه قول الشاعر : بشرت عيالى إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابها وقال آخر : وإذأ رأيت الباهشين إلى الندى غبرا أكفهم بقاع ممحل فأعنهم وابشر بما بشروا ب ه وإذا هم نزلوا بضنك فانزل وأما الثالثة فهي من أبشر يبشر إبشارا قال : يا أم عمرو أبشرى بالبشرى موت ذريع وجراد عظلي قوله تعالى : ( يحيى ) كا ن اسمه في الكتاب الأول حيا وكان اسم سارة ذوجة إبراهيم عليه السلام بسارة وتفسيره بالعربية لا تلد فلما بشرت بإسحاق قيل لها : سارة سماها بذلك جبريل عليه السلام فقالت : يا إبراهيم لم نقص من اسمى حرف فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليهما السلام فقال : ( إن ذلك الحرف زيد في أسم أبن لها من أفضل الأنبياء أسمه حيي وسمى بيحيى ( ذكره النقاش وقال قتادة سمى بيحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوة وقال بعضهم : سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى وقال مقاتل : اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى وقيل : لأنه أحيا به رحم أمه ( مصدقا بكلمة من الله ) يعنى عيسى في قول أكثر المفسرين وسمى عيسى كلمة لأنة كان بكلمة الله تعالى التي هي كن فكان من غير أب وقرأ أبو السمال العدوى بكلمة مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن وهي لغة فصيحة مثل كتف وفخذ وقيل : سمى كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى وقال أبو عبيد : معنى بكلمة من الله بكتاب من الله قال : والعرب تقول أنشدنى كلمة أي قصيدة كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان فقال : لعن الله كلمته يعني قصيدته وقيل غير هذا من الأقوال والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر ويحيى أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدقه وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر وكانا ابنى خالة فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في خرقه وذكر الطبرى أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى فجاءت أختها زائرة فقالت : يا مريم أشعرت أني حملت فقالت لها مريم : أشعرت أنت أني حملت فقالت لها : وأني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك أنه روى أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم قال السدى : فذلك قول مصدقا بكلمة من الله ومصدقا نصب على الحال ( وسيدا ) السيد : الذى يسود قومه وينتهى إلى قوله وأصله سيود يقال : فلان أسود من فلان أفعل من السيادة ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدا كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبنى قريظة : ( قوموا إلى سيدكم ( وفي البخارى ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن : ( إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ( وكذلك كان فإنه لما قتل علي رضى الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق وسار إلية معاوية في أهل الشام فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له مسكن من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون فسلم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية فالتزم كل ذلك معاوية فصدق قوله عليه السلام : ( ( إن ابنى هذا سيد ( ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله وقال قتادة في قوله تعالى وسيدا قال : في العلم والعبادة بن جبير والضحاك : في العلم والتقى مجاهد : السيد الكريم بن زيد : الذي لا يغلبه الغضب وقال الزجاج : السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير وهذا جامع وقال الكسائى : السيد من المعز المسن وفي الحديث ( ثنى من الضأن خير من السيد المعز ( قال : سواء عليه شاة عام دنت له ليذبحها للضيف أم شاة سيد ( وحصورا ) أصله من الحصر وهو الحبس حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني قال بن ميادة : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول وناقة حصور : ضيقة الإجليل والحصور الذي لا ياتي النساء كأنه محجم عنهن كما يقال : رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه الندامى يقال : شرب القوم فحصر عليهم فلان أي بخل عن أبى عمرو قال الأخطل وشارب مربح بالكاس نادمنى لا بالحصور ولا فيها بسوار وفي التنزيل وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي محبسا والحصير الملك لأنه محجوب وقال لبيد : وقماقم غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام فيحيى عليه السلام حصور فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء كأنه ممنوع مما يكون في الرجال عن بن مسعود وغيره وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة من ذلك حلوب بمعنى محلوبة قال الشاعر : فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحم وقال بن مسعود أيضا وبن عباس وبن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن وبن زيد : هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة وهذا أصح الأقوال لوجهين : أحدهما أنه مدح وثناء عليه والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين كما قال : ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات ولعل هذا كان شرعه فأما شرعنا فالنكاح كما تقدم وقيل : الحصور العنين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل وعن بن عباس أيضا وسعيد بن المسيب والضحاك وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل بن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فانه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : كان ذكره هكذأ مثل هذه القذاة ( وقيل معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل ونبيا من الصالحين قال الزجاج : الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه وإلى الناس حقوقهم < <
آل عمران : ( 40 ) قال رب أنى . . . . . > > < > ( ال عمران 40 ) < > قيل : الرب هنا جبريل أي قال لجبريل : رب أي يا سيدي أنى يكون لي غلام يعني ولدا وهذا قول الكلبى وقال بعضهم : قوله رب يعنى الله تعالى أنى بمعنى كيف وهو في موضع نصب على الظرف وفي معنى هذا الاستفهام وجهان : أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وأمراته على حاليهما أو يردان آلى حال من يلد الثاني سأل هل يرزق الولد من امرأته العاقر أو من غيرها وقيل : المعنى بأي منزلة استوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال على وجه التواضع ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بشر فيه أربعون سنه وكان يوم بشر بن تسعين سنة وامرأته قريبة في السن منه وقال بن عباس والضحاك : كان يوم بشر بن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله وامرأتي عاقر أي عقيم لا تلد يقال : رجل عاقر وامرأة عاقر بينة العقر وقد عقرت وعقر بضم القاف فيهما تعقر عقرا صارت عاقرا مثل حسنت تحسن حسنا عن أبي زيد وعقارة أيضا وأسماء الفاعلين من فعل فعيلة يقال عظمت فهي عظيمة وظرفت فهي ظريفة وإنما قيل عاقر لأنه يراد به ذات عقر على النسب ولو كان على الفعل لقال : عقرت فهي عقيرة كأن بها عقرا أي كبرا من السن يمنعها من الولد والعاقر : العظيم من الرمل لا ينبت شيئا والعقر أيضا مهر المرأة إذا وطئت على شبهة وبيضة العقر : زعموا هي بيضة الديك لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول وعقر النار أيضا وسطها ومعظمها وعقر الحوض : مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت يقال : عقر وعقر مثل عسر وعسر والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك والكاف في قوله كذلك في موضع نصب أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك والغلام مشتق من الغلمة وهو شدة طلب النكاح واغتلم الفحل غلمة هاج من شهوة الضراب وقالت ليلى الأخيلية : شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها والغلام الطار الشارب وهو الغلومة والغلومية والجمع الغلمة والغلمان ويقال إن الغليم الشاب والجارية أيضا والغيلم : ذكر السلحفاة والغيلم موضع واغتلم البحر هاج وتلاطمت أموجه < < آل عمران : ( 41 ) قال رب اجعل . . . . . > > < > ( ال عمران 41 ) <
> في ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قال رب اجعل لي آية ) جعل هنا بمعنى صير لتعديه إلى مفعولين ولى في موضع المفعول الثاني ولما بشر بالولد ولم يبعد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية أي علامة يعرف بها صحة هذا الأمر وكونه من عند الله تعالى فعاقبه الله تعالى بأن أصابه السكوت عن كلام الناس لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه قاله أكثر المفسرين قالوا : وكذلك إن لم يكن من مرض خرس أو نحوه ففية على كل حال عقاب ما قال بن زيد : إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى فاذا أراد مقاولة أحد لم يطقه الثانية قوله تعالى : ( إلا رمزا ) الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين وأصله الحركة وقيل : طلب تلك الآية زيادة طمأنينة المعنى : تمم النعمة بأن تجعل لي آية وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة فقيل له : آيتك الأ تكلم الناس ثلاثة أيام أي تمنع من الكلام ثلاث ليال دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد واختار هذا القول النحاس وقال : قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا إنه نهاه عن هذا والقول فيه أن المعنى أجعل لى علامة تدل على كون الولد إذ كان ذلك مغيبا عنى ورمزا نصب على الاستثناء المنقطع قاله الأخفش وقال الكسائي : رمز يرمز ويرمز وقرئ إلا رمزا بفتح الميم ورمزا بضمها وضم الراء الواحدة رمزة الثالثة : في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنه وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها : ( أين الله ( فأشارت برأسها إلى السماء فقال ( أعتقها فإنها مؤمنة ( فأجاز الأسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانه الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنه وينجى به من النار وحكم بأيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانه وهو قول عامة الفقهاء وروى بن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق وقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف وإن شك فيها فهي باطل وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان والقياس في هذا كله أنه باطل لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته قال أبو الحسن بن بطال : وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التى جاءت بجواز الأشارات في أحكام مختلفة في الديانه ولعل البخارى حاول بترجمته باب الإشارة في الطلاق والأمور الرد عليه وقال عطاء : أراد بقوله ألا تكلم الناس صوم ثلاثة أيام وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا وهذا فيه بعد والله اعلم الرابعة قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنه : إن زكريا عليه السلام منع الكلام وهو قادر عليه وإنه منسوخ بقوله عليه السلام : ( لا صمت يوما إلى الليل ( وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ وأن زكريا إنما منع الكلام بافة دخلت عليه منعته إياه وتلك الأفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة كذلك قال المفسرون وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا صمت يوما إلى الليل إنما معناه عن ذكر الله وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه فالصمت عن ذلك حسن قوله تعالى : ( وذكر ربك كثيراوسبح بالعشى والإبكار أمره بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه على القول الأول وقد مضى في البقرة معنى الذكر وقال محمد بن كعب القرظى : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل ألا تكلم الناس ثلاثة أيام الإ رمزا واذكر ربك كثيرا ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل : إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا وذكره الطبرى وسبح أي صل سميت الصلاة سبحة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء والعشى جمع عشية وقيل هو واحد وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب عن مجاهد وفى الموطأ عن القاسم بن محمد قال : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشى والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى < <
آل عمران : ( 42 ) وإذ قالت الملائكة . . . . . > > < > ( ال عمران 42 ) <
> قوله تعالى : ( إن الله اصطفاك ) أي اختارك وقد تقدم ( وطهرك ) أي من الكفر عن مجاهد والحسن والزجاج : من سائر الأدناس من الحيض والنفاس وغيرهما واصطفاك لولادة عيس ( على نساء العالمين ) يعنى عالمى رمانها عن الحسن وبن جريج وغيرها قيل : على نساء العالمين أجمع إلى يوم الصور وهو الصحيح على ما نبينه وهو قول الزجاج وغيره وكرر الاصطفاء لأن معنى الأول الاصطفاء لعبادته ومعنى الثانى لولادة عيس وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الكمال هو التناهي والتمام ويقال في ماضيه كمل بفتح الميم وضمها ويكمل في مضارعه بالضم وكمال كل شيء بحسبه والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة ولا شك أن أكمل نوع الأنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين وإذا تقرر هذا فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث يعنى به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين وقد قيل بذلك والصحيح أن مريم نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين حسب ما تقدم وياتي بيانه أيضا في مريم وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها على ما يأتي بيانه في التحريم وروى من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة : ( خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ( ومن حديث بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمرآن وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ( وفي طريق آخر عنه : ( سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة ( فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر أمراة تقوم عليها الساعة فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء فهي إذا نبية والنبي أفضل من الولى فهي أفضل من كل النساء : الأولين والأخرين مطلقا ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم أسية ( وهذا حديث حسن يرفع الأشكال وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة فليس هذا لأحد من النساء وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية ولذلك سماها الله في تنزيلة صديقة فقال : وأمه صديقة وقال : وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امراته فقال : أنى يكون لى غلام وامرأتي عاقر فسأل آية وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها : كذلك قال ربك فاقتصرت على ذلك وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الأمر ومن لامرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم : ( لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران ( وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنه أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ( وقوله حيث يقول : ( لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أول خطيب وأول شفيع وأول مبشر وأول وأول ( فلم ينل هذا السؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصديقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية ومن قال لم تكن نبية قال : إن رؤيتها للملك كما رؤى جبريل عليه السلام في صفة دحية الكلبى حين سؤاله عن الأسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر وعليه الأكثر والله أعلم < <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?