Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V04/P122–V04/P123

> ( ال عمران 80 ) < > قرأ بن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفا على أن يؤتيه ويقويه أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نتخذك يا محمد ربا فقال الله تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة إلى قوله : ولا يأمركم وفيه ضمير البشر أي ولا يامركم البشر يعنى عيسى وعزيرا وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأول وفيه ضمير اسم الله عز وجل أي ولا يأمركم الله أن تتخذوا ويقوى هذه القراءة أن في مصحف عبد الله ولن يأمركم فهذا يدل على الاستئناف والضمير أيضا لله عز وجل ذكره مكى وقال سيبويه والزجاج وقال بن جريح وجماعة : ولا يأمركم محمد عليه السلام وهذه قراءة أبى عمرو والكسائى وأهل الحرمين ( أن تتخذوا ) أي بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا وهذا موجود في النصارى يعظمون الأنبياء والملائكة حتى يجعلوهم لهم أربابا ( أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) على طريق الإنكار والتعجب فحرم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عبادا يتألهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى وليقل فتاى وفتاتى ولا يقل أحدكم ربى وليقل سيدى ( وفي التنزيل اذكرنى عند ربك يوسف وهناك يأتى بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى < < آل عمران : ( 81 ) وإذ أخذ الله . . . . . > > < > ( ال عمران 81 ) <

Sección V04/P123–V04/P125

> قيل : أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم بالإيمان بعضا فذلك معنى النصرة بالتصديق وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والسدى والحسن وهو ظاهر الآية قال طاوس : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وقرأ بن مسعود وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب قال الكسائى : يجوز أن يكون وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين وقال البصريون : إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم لأنهم قد اتبعوهم وصدقوهم وما في قوله لما بمعنى الذي قال سيبويه : سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة فقال : لما بمعنى الذي قال النحاس : التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه ثم حذف الهاء لطول الاسم والذي رفع بالابتداء وخبره من كتاب وحكمه ومن لبيان الجنس وهذا كقول القائل : لزيد أفضل منك وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء قال المهدوى : وقوله ثم جاءكم وما بعده جملة معطوفة على الصلة والعائد منها على الموصول محذوف والتقدير ثم جاءكم رسول مصدق به قوله تعالى : ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول على وبن عباس رضي الله عنهما واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين كقوله تعالى : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنه مطمئنة إلى قوله : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم واللام من قوله لتؤمنن به جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق إذ هو بمنزلة الاستحلاف وهو كما تقول في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلن كذا كأنك قلت استحلفك وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو لما في قراءة بن كثير على ما يأتي ومن فتحها جعلها متلقية للقسم الذي هو أخذ الميثاق واللام في لتؤمنن به جواب قسم محذوف أي والله لتؤمنن به وقال المبرد والكسائى والزجاج : ما شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن ومعناه لمهما آتيتكم فموضع ما نصب وموضع آتيتكم جزم وثم جاءكم معطوف عليه ( لتؤمنن به ) اللام في قوله لتؤمنن به جواب الجزاء كقوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن ونحوه وقال الكسائى : لتؤمنن به معتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول وجواب الجزاء قوله فمن تولى بعد ذلك ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد وقرأ أهل الكوفة لما آتيتكم بكسر اللام وهي أيضا بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمه ثم إن جاءكم رسول مصدقا لما معكم لتؤمنن به من بعد الميثاق لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدم قال النحاس : ولأبى عبيدة في هذا قول حسن قال : المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة وقيل : في الكلام حذف والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا ودل على هذا الحذف وأخذتم على ذلكم إصرى وقيل : أن اللام في قوله لما في قراءة من كسرها بمعنى بعد يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة كما قال النابغة : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع أي بعد ستة أعوام وقرأ سعيد بن جبير لما بالتشديد ومعناه حين آتيتكم واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت من على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا وقرأ أهل المدينة آتيناكم على التعظيم والباقون آتيتكم على لفظ الواحد ثم كل الأنبياء لم يؤتوا الكتاب وإنما أوتى البعض ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتى الكتاب لأنه أوتى الحكم والنبوة وأيضا من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتى الكتاب قوله تعالى : ( أأقررتم واخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) أقررتم من الأقرار والإصر والأصر لغتان وهو العهد والإصر في اللغة الثقل فسمى العهد إصرا لأنه منع وتشديد ( قال فاشهدوا ) أي اعلموا عن بن عباس الزجاج : بينوا لأن الشاهد هو الذي هو الذي يصحح دعوى المدعي وقيل : المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم ( وأنا معكم من الشاهدين ) عليكم وعليهم وقال سعيد بن المسيب : قال الله عز وجل للملائكة فأشهدوا عليهم فتكون كناية عن غير مذكور < <

Sección V04/P125–V04/P127

آل عمران : ( 82 ) فمن تولى بعد . . . . . > > < > ( ال عمران 82 ) < > من شرط فمن تولى من أمم الأنبياء عن الإيمان بعد أخذ الميثاق ( فأولئك هم الفاسقون ) أي الخارجون عن الإيمان والفاسق الخارج وقد تقدم < < آل عمران : ( 83 ) أفغير دين الله . . . . . > > < > ( ال عمران 83 : 84 ) < > قوله تعالى : ( أفغير الله يبغون ) قال الكلبى : إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أينا أحق بدين إبراهيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلا الفريقين بريء من دينه ( فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزل أفغير دين الله يبغون يعنى يطلبون ونصبت غير بيبغون أي يبغون غير دين الله وقرأ أبو عمرو وحده يبغون بالياء على الخبر وإليه ترجعون بالتاء على المخاطبة قال : لأن الأول خاص والثانى عام ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى وقرأ حفص وغيره يبغون ويرجعون بالياء فيهما لقوله : فاولئك هم الفاسقون وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لقوله لما آتيتكم من كتاب وحكمة والله أعلم قوله تعالى : ( وله أسلم ) أي استسلم وانقاد وخضع وذل وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه قال قتادة : أسلم المؤمن طوعا والكافر عند موته كرها ولا ينفعه ذلك لقوله : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا المؤمن قال مجاهد : إسلام الكافر كرها بسجوده لغير الله وسجود ظله لله أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال وقيل : المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا فالصحيح منقاد طائع محب لذلك والمريض منقاد خاضع وإن كان كارها والطوع الانقياد والاتباع بسهولة والكره ما كان بمشقة وإباء من نفس و ( طوعا وكرها ) مصدران في موضع الحال أي طائعين ومكرهين وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها قال ( الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبد القيس في الأرض ( وقال عليه السلام : ( لا تسبوا أصحابى فإن اصحابى أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف ( وقال عكرمة : طوعا من أسلم من غير محاجة وكرها من اضطرته الحجة إلى التوحيد يدل عليه قوله عز وجل : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله الزخرف ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله قال الحسن : هو عموم معناه الخصوص وعنه : أسلم من في السماوات وتم الكلام ثم قال : والأرض طوعا وكرها قال : والكاره المنافق لا ينفعه عمله وطوعا وكرها مصدران في موضع الحال عن مجاهد عن بن عباس قال : إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية : أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها إلى آخر الآية < < آل عمران : ( 85 ) ومن يبتغ غير . . . . . > > < > ( ال عمران 85 ) <

Sección V04/P127–V04/P129

> غير مفعول بيبتغ دينا منصوب على التفسير ويجوز أن ينتصب دينا بيبتغ وينتصب غير على أنه حال من الدين قال مجاهد والسدى : نزلت هذه الآية في الحارث بن سويد أخو الحلاس بن سويد وكان من الأنصار ارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفارا فنزلت هذه الآية ثم أرسل إلى أخية يطلب التوبة وروي ذلك عن بن عباس وغيره قال بن عباس : وأسلم بعد نزول الآيات ( وهو في الأخرة من الخاسرين ) قال هشام : أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول وقال المازني : الألف واللام مثلها في الرجل وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله : وإنه في الآخرة لمن الصالحين < < آل عمران : ( 86 ) كيف يهدي الله . . . . . > > < > ( ال عمران 86 ) < > قال بن عباس : إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه : سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبه فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : هل له من توبه فنزلت كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله : غفور رحيم فأرسل إليه فأسلم أخرجه النسائي وفي رواية : أن رجلا من الانصار ارتد فلحق بالمشركين فأنزل الله كيف يهدي الله قوما كفروا إلى قوله إلا الذين تابوا فبعث بها قومه إليه فلما قرئت عليه قال : والله ما كذبنى قومى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أكذبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله والله عز وجل أصدق الثلاثة فرجع تائبا فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه وقال الحسن : نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستفتحون على الذين كفروا فلما بعث عاندوا وكفروا فأنزل الله عز وجل أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنه الله والملائكة والناس اجمعين ثم قيل : كيف لفظة استفهام ومعناه الجحد أي لا يهدى الله ونظيرة قوله : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله أي لا يكون لهم عهد وقال الشاعر : كيف نومى على الفراش ولما يشمل القوم غارة شعواء أي لا نوم لى ( والله لا يهدى القوم الظالمين ) يقال : ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالما لا يهديه الله وقد رأينا كثيرا من المرتدين قد أسلموا وهداهم الله وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم قيل له : معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يقبلون على الإسلام فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك والله تعالى أعلم < < آل عمران : ( 87 ) أولئك جزاؤهم أن . . . . . > > < > ( ال عمران 87 : 89 ) < > أي إن داموا على كفرهم وقد تقدم معنى لعنة الله والناس في البقرة فلا معنى لإعادته ( ولا هم ينظرون ) أي لا يؤخرون ولا يؤجلون ثم استثنى التائبيين فقال : ( إلا الذين تابوا ) هوالحارث بن سويد كما تقدم ويدخل في الآية بالمعنى كل من راجع الإسلام وأخلص < < آل عمران : ( 90 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( ال عمران 90 ) <

Sección V04/P129–V04/P131

> قال قتادة وعطاء الخراسائى والحسن : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقال أبو العالية : نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم وقيل : ازدادوا كفرا بالذنوب التى اكتسبوها وهذا اختيار الطبرى وهى عنده في اليهود ( لن تقبل توبتهم ) مشكل لقوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفوا عن السيئات الشورى فقيل : المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت قال النحاس : وهذا قول حسن كما قال عز وجل : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الأن وروي عن الحسن وقتادة وعطاء وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر وسيأتي في النساء بيان هذا المعنى وقيل : لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر قد أحبطها وقيل : لن تقبل توبتهم إذأ تابوا من كفرهم إلى كفر آخر وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الإسلام وقال قطرب هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون فإن بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا فأنزل الله تعالى : إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر فسماها توبة غير مقبولة لأنه لم يصح من القوم عزم والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صح العزم < < آل عمران : ( 91 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( ال عمران 91 ) < > الملء بالكسر مقدار ما يملأ الشيء والملء بالفتح مصدر ملات الشيء ويقال أعطنى ملأه وملأيه وثلاثة أملائه والواو في ولو افتدى به قيل : هي مقحمة زائدة المعنى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به وقال أهل النظر من النحويين : لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى ومعنى الآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به وذهبا نصب على التفسير في قول الفراء قال المفضل : شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم كقولك عندى عشرون فالعدد معلوم والمعدود مبهم فإذا قلت درهما فسرت وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه وكان النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه وقال الكسائي : نصب على إضمار من أي من ذهب كقوله : أو عدل ذلك صياما أي من صيام وفي البخارى ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك ( لفظ البخارى وقال مسلم بدل ( قد كنت كذبت قد سئلت < < آل عمران : ( 92 ) لن تنالوا البر . . . . . > > < > ( ال عمران 92 ) <

Sección V04/P131–V04/P133

> فيه مسألتان : الأولى روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال : لما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة : أن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أنى جعلت أرضي لله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبي بن كعب ( وفى الموطأ وكانت أحب أمواله إليه بئر حاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب وذكر الحديث ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك ألا ترى أبا طلحة حين سمع لن تنالوا البر حتى تنفقوا الآية لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك فإنهم يحبون أشياء كثيرة وكذلك فعل زيد بن حارثة عمد مما يحب إلى فرس يقال له ( سبل ( وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لى مال أحب إلى من فرسى هذه فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا في سبيل الله فقال لأسامة بن زيد ( اقبضه ( فكان زيدا وجد من ذلك في نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد قبلها منك ( ذكره أسد بن موسى وأعتق بن عمر نافعا مولاه وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار قالت صفية بنت أبي عبيد : أظنه تأول قول الله عز وجل : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وروى شبل عن أبى نجيح عن مجاهد قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتح مدائن كسرى فقال سعد بن أبي وقاص : فدعا بها عمر فأعجبته فقال إن الله عز وجل يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها عمر رضي الله عنه وروي عن الثورى أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خيثم قالت : كان إذا جاءه السائل يقول لى : يا فلانة أعطى السائل سكرا فأن الربيع يحب السكر قال سفيان : يتأول قوله عز وجل : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشترى أعدالا من السكر ويتصدق بها فقيل له : هلا تصدقت بقيمتها فقال : لأن السكر أحب إلى فأردت أن أنفق مما أحب وقال الحسن : إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون ولا تدركوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون الثانية واختلفوا في تأويل البر فقيل الجنة عن بن مسعود وبن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدى والتقدير لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون والنوال العطاء من قولك نولته تنويلا أعطيته ونالنى من فلان معروف ينالنى أو وصل إلي فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون وقيل : البر العمل الصالح وفي الحديث الصحيح : ( عليكم بالصدق فإنه يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة ( وقد مضى في البقرة قال عطية العوفي : يعنى الطاعة عطاء : لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون الفقر وعن الحسن حتى تنفقوا هي الزكاة المفروضة مجاهد والكلبى : هي منسوخة نسختها آية الزكاة وقيل : المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات وهذا جامع وروى النسائى عن صعصعة بن معاوية قال : لقيت أبا ذر قال : قلت حدثنى قال : نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده ( قلت : وكيف ذلك قال إن كانت إبلا فبعيرين وإن كانت بقرا فبقرتين وقال أبو بكر الوراق : دلهم بهذه الآية على الفتوة أي لن تنالوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم فإذا فعلتم ذلك نالكم بري وعطفى قال مجاهد : وهو مثل قوله : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ( وما تنفقوا من شيء فان الله به عليم ) أي وإذا علم جازى عليه < <

Sección V04/P133

آل عمران : ( 93 ) كل الطعام كان . . . . . > > < > ( ال عمران 93 : 94 ) <

Sección V04/P133–V04/P135

> فيه أربع مسأئل : الأولى قوله تعالى : ( حلا ) أي حلالا ثم استثنى فقال : ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) وهو يعقوب عليه السلام في الترمذي عن بن عباس أن اليهود قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه قال : ( كان يسكن البدو فآشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها ( قالوا : صدقت وذكر الحديث ويقال : إنه نذر إن برأ منه ليتركن أحب الطعام والشراب إليه وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها وقال بن عباس ومجاهد وقتادة والسدى : أقبل يعقوب عليه السلام من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو وكان رجلا بطشا قويا فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عرق النسا ولقى من ذلك بلاء شديدا فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء أي صياح فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله عز وجل ألا يأكل عرقا ولا ياكل طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم وكان سبب غمز الملك ليعقوب أنه كان نذر إن وهب الله له اثنى عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فكان ذلك للمخرج من نذره عن الضحاك الثانية واختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى والصحيح الأول لأن الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى : إلا ما حرم وأن النبى إذا أداه اجتهاده إلى شيء كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك وكما يوحي إليه ويلزم اتباعه كذلك يؤذن له ويجتهد ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه ولولا تقدم الإذن له في تحريم ذلك ما تسور على التحليل والتحريم وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم العسل على الرواية الصحيحة أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل لم تحرم ما أحل الله لك على ما يأتي بيانه في التحريم قال الكيا الطبرى : فيمكن أن يقال : مطلق قوله تعالى : لم تحرم ما أحل الله يقتضى ألا يختص بمارية وقد رأى الشافعى أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى فجعلها مخصوصا بموضع النص وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين الثالثة قوله تعالى : ( قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) قال بن عباس : لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النسا وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها على نفسه فقالت اليهود : إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل لأن يعقوب حرمها وأنزل الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية قال الضحاك : فكذبهم الله ورد عليهم فقال : يا محمد قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فلم يأتوا فقال عز وجل : ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) قال الزجاج : في هذه الآية أعظم دلالة لنبؤة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه ليس في كتابهم وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا يعنى عرفوا أنه قال ذلك بالوحي وقال عطية العوفى : إنما كان ذلك حراما عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم وذلك محرما عليهم وذلك أن إسرأئيل قال حين أصابه عرق النسا : والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد ولم يكن ذلك محرما عليهم وقال الكلبى : لم يحرمه الله عز وجل في التوراة عليهم وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا أو صب عليهم رجزا وهو الموت فذلك قوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم الآية وقوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر الآية : إلى قوله : ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون الأنعام ترجم بن ماجة في سننه دواء عرق النسا حدثنا هشام بن عمار وراشد بن سعيد الرملى قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا هشام بن حسان حدثنا أنس بن سيرين انه سمع أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء ( وأخرجه الثعلبي في تفسيره أيضا من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرق النسا : ( تؤخذ ألية كبش عربى لا صغير ولا كبير فتقطع صغارا فتخرج إهالته فتنقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثا ( قال أنس فوصفته لأكثر من مائه فبرأ بأذن الله تعالى شعبة : حدثنى شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عرق النسا : اقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينك بنار أو لأحلقنك بموسى قال شعبة قد جربته تقوله وتمسح على ذلك الموضع < <

Sección V04/P135–V04/P136

آل عمران : ( 95 ) قل صدق الله . . . . . > > < > ( ال عمران 95 ) < > أي قل يا محمد صدق الله أنه لم يكن ذلك في التوراة محرما ( فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) أمر باتباع دينه ( وما كان من المشركين ) رد عليهم في دعواهم الباطل كما تقدم < < آل عمران : ( 96 ) إن أول بيت . . . . . > > < > ( ال عمران 96 : 97 ) <

Sección V04/P136–V04/P153

> فيه خمس مسائل : الأولى ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال : ( المسجد الحرام ( قلت : ثم أي قال : ( المسجد الأقصى ( قلت كم بينهما : قال : ( أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل ( قال مجاهد وقتادة : لم يوضع قبله بيت قال علي رضي الله عنه : كان قبل البيت بيوت كثيرة والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة وعن مجاهد قال : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل فأنزل الله هذه الآية وقد مضى في البقرة بنيان البيت وأول من بناه قال مجاهد : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفى سنة وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام كما خرجه النسائى صحيح من حديث عبد الله بن عمرو وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغى لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه ( فجاء إشكال بين الحديثين لأن بين إبراهيم وسليمان آمادا طويلة قال أهل التواريخ : أكثر من ألف سنة فقيل : إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جددا ما كان أسسه غيرهما وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدم فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما ويجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله وكل محتمل والله أعلم وقال على بن أبي طالب رضى الله عنه : أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به وكان هذا قبل خلق آدم ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به ثم الأنبياء بعده ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام الثانية قوله تعالى : ( للذي ببكة ) خبر إن واللام توكيد وبكة موضع البيت ومكة سائر البلد عن مالك بن أنس وقال محمد بن شهاب : بكة المسجد ومكة الحرم كله وتدخل فيه البيوت قال مجاهد : بكة هي مكة فالميم على هذا مبدلة من الباء كما قالوا : طين لازب ولازم وقاله الضحاك والمؤرج ثم قيل : بكة مشتقة من البك وهو الازدحام تباك القوم ازدحموا وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم والبك دق العنق وقيل سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبايرة إذا ألحدوا فيها بظلم قال عبد الله بن الزبير : لم يقصدها جبار قط بسوء إلا وقصه الله عز وجل وأما مكة فقيل : إنها سميت بذلك لقلة مائها وقيل : سميت بذلك لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة من قولهم : مككت العظم إذا أخرجت ما فيه ومك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه قال الشاعر : مكت فلم تبق في أجوافها دررا وقيل : سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه وتنقصه وقيل : سميت بذلك لأن الناس كانوا يمكون ويضحكون فيها من قوله : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية أي تصفيقا وتصفيرا وهذا لا يوجبه التصريف لأن مكة ثنائى مضاعف ومكاء ثلاثى معتل الثالثة : قوله تعالى : ( مباركا ) جعله مباركا لتضاعف العمل فيه فالبركة كثرة الخير ونصب على الحال من المضمر في وضع أو بالظرف من بكة المعنى : الذي استقر ببكة مباركا ويجوز في غير القرآن مبارك على أن يكون خبرا ثانيا أو على البدل من الذي أو على إضمار مبتدا ( وهدى للعالمين ) عطف عليه ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين ويجوز في غير القرآن مبارك بالخفض يكون نعتا للبيت الرابعة قوله تعالى ( فيه آيات بينات ) رفع بالابتداء أو بالصفة وقرأ أهل مكة وبن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير آية بينه على التوحيد يعنى مقام إبراهيم وحده قالوا : أثر قدميه في المقام آية بينة وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام والباقون بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها قال : أبو جعفر النحاس : من قرأ آيات بينات فقراءته أبين لأن الصفا والمروة من الآيات ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا ومنها أن الجارح يطلب الصيد فإذا دخل الحرم تركه ومنها أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليمانى كان الخصب باليمن وإذا كان بناحية الشامى كان الخصب بالشام واذ عم البيت كان الخصب في جميع البلدان ومنها أن الجمار على ما يزاد عليها ترى على قدر واحد والمقام من قولهم : قمت مقاما وهو الموضع الذي يقام فيه والمقام من قولك : أقمت مقاما وقد مضى هذا في البقرة ومضى الخلاف أيضا في المقام والصحيح منه وارتفع المقام على الابتداء والخبر محذوف والتقدير منها مقام إبراهيم قاله الأخفش وحكى عن محمد بن يزيد أنه قال : مقام بدل من آيات وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام إبراهيم وقول الأخفش معروف في كلام العرب كما قال زهير لها متاع وأعوان غدون به قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا أي مضى وبعد سيلانه وقول أبى العباس : إن مقاما بمعنى مقامات لأنه مصدر قال الله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم البقرة وقال الشاعر إن العيون التى في طرفها مرض أي في أطرافها ويقوى هذا الحديث المروى الحج كله مقام إبراهيم الخامسة قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قال قتادة : ذلك أيضا من آيات الحرم قال النحاس : وهو قول حسن لأن الناس كانوا يتخطفون من حواليه ولا يصل إليه جبار وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب ولم يوصل إلى الحرم قال الله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل وقال بعض أهل المعانى : صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها ومن دخله فأمنوه كقوله : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج البقرة أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ولهذا المعنى قال الإمام السابق النعمان بن ثابت : من اقترف ذنبا واستوجب به حدا ثم لجأ إلى الحرم عصمه لقوله تعالى ومن دخله كان آمنا فأوجب الله سبحانه الأمن لمن دخله وروي ذلك عن جماعة من السلف منهم بن عباس وغيره من الناس قال بن العربي : وكل من قال هذا فقد وهم من جهتين : إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل الثانى أنه لم يعلم أن ذلك الأمن قد ذهب وأن القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره فدل ذلك على أنه كان في الماضى هذا وقد ناقض أبو حنيفة فقال إذا لجأ إلى الحرم لا يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم حتى يخرج فاضطراره إلى الخروج ليس يصح معه أمن وروي عنه أنه قال : يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا أمن أيضا مع هذا والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة قلت : وروى الثورى عن منصور عن مجاهد عن بن عباس : من أصاب حدا في الحرم أقيم عليه فيه وإن أصابه في الحل ولجأ إلى الحرم لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد وهو قول الشعبى فهذه حجة الكوفيين وقد فهم بن عباس ذلك من معنى الآية وهو حبر الأمة وعالمها والصحيح أنه قصد بذلك تعديد النعم على كل من كان بها جاهلا ولها منكرا من العرب كما قال تعالى : أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه أمن من الغارة والقتل على ما يأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى قال قتادة : ومن دخله في الجاهلية كان آمنا وهذا حسن وروي أن بعض الملحدة قال لبعض العلماء : أليس في القرآن ومن دخله كان آمنا فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا فلم يأمن من كان فيه قال له : ألست من العرب ما الذي يريد القائل من دخل دارى كان آمنا أليس أن يقول لمن أطاعه : كف عنه فقد أمنته وكففت عنه قال بلى قال : فكذلك قوله ومن دخله كان آمنا وقال يحيى بن جعدة : معنى ومن دخله كان آمنا يعنى من النار قلت : وهذا ليس على عمومه لأن في صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى حديث الشفاعة الطويل ( فو الذي نفسى بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ( الحديث وأنما يكون آمنا من النار من دخله لقضاء النسك معظما له عارفا بحقه متقربا إلى الله تعالى قال جعفر الصادق : من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه وهذا معنى قوله عليه السلام : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ( قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وأنشد : يا كعبة الله دعوة اللاجى دعوة مستشعر ومحتاج ودع أحباب ه ومسكن ه فجاء ما بين خائف راجي إن يقبل الله سعيه كرما نجا وإلا فليس بالناجي وأنت ممن ترجى شفاعته فاعطف على وافد بن حجاج وقيل : المعنى ومن دخله عام عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان آمنا دليله قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين الفتح وقد قيل : إن من ها هنا لمن لا يعقل والآية في أمان الصيد وهو شاذ وفي التنزيل : فمنهم من يمشى على بطنه الآية قوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ) فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولله ) اللام في قوله ولله لام والإيجاب والإلزام ثم أكده بقوله تعالى : ( على ) التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب فإذا قال العربى : لفلان على كذا فقد وكده وأوجبه فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته ولا خلاف في فريضته وهو أحد قواعد الإسلام وليس يجب إلا مرة في العمر وقال بعض الناس : يجب في كل خمسة أعوام مرة ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والحديث باطل لا يصح والاجماع صاد في وجوههم قلت : وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا سفيان الثورى عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الرب جل وعز إن عبدا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلى في كل أربعة أعوام لمحروم ( مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلى الكوفى من أولاد المحدثين روى عنه غير واحد منهم من قال : في كل خمسة أعوام ومنهم من قال : عن العلاء عن يونس بن خباب عن أبى سعيد في غير ذلك من الاختلاف وأنكرت الملحدة الحج فقالت : أن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء والسعى وهو يناقض الوقار ورمى الجمار لغير مرمى وذلك يضاد العقل فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ولا أن يطلع على فائدة تكليفه وإنما يتعين عليه الامتثال ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود ولهذا المعنى كان عليه السلام يقول في تلبيته : ( لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق ( وروى الأئمة عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ( فقال رجل : كل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ( ثم قال : ( ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فأذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما أستطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ( لفظ مسلم فبين هذا الحديث أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرض أنه يكفى منه فعل مرة ولا يقتضى التكرار خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراينى وغيره وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه : يا رسول الله أحجنا لعامنا هذا أم للأبد فقال : لا بل للأبد وهذا نص في الرد على من قال يجب في كل خمس سنين مرة وقد كان الحج معلوما عند العرب مشهورا لديهم وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها وتحنفها فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا لديهم بما عرفوا وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل حج الفرض وقد وقف بعرفه ولم يغير من شرع إبراهيم ما غيروا حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون : نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ونحن الحمس حسب ما تقدم بيانه في البقرة قلت : من أغرب ما رأيته أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له : وأذن في الناس بالحج قال الكيا الطبرى : وهذا بعيد فأنه إذا ورد في شرعه : ولله على الناس حج البيت فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه ولئن قيل : إنما خاطب من لم يحج كان تحكما وتخصيصا لا دليل عليه ويلزم عليه ألا يجب بهذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم وهذا في غاية البعد ودل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخى لا على الفور وهو تحصيل مذهب مالك فيما ذكر بن خويز منداد وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن وأبى يوسف في رواية عنه وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين إلى أنه على الفور ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه وهو قول داود والصحيح الأول لأن الله تعالى قال في سورة الحج : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وسورة الحج مكية وقال تعالى : ولله على الناس حج البيت الآية وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينه سنه ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر أما السنة فحديث ضمام بن ثعلبة السعدى من بنى سعد بن بكر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام فذكر الشهادة والص لاة والزكاة والصيام والحج رواه بن عباس وأبو هريرة وأنس وفيها كلها ذكر الحج وأنه كان مفروضا وحديث أنس أحسنها سياقا وأتمها واختلف في وقت قدومه فقيل : سنة خمس وقيل : سنة سبع وقيل : سنة تسع ذكره بن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخندق بعد انصراف الأحزاب قال بن عبد البر ومن الدليل على أن الحج على التراخى إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما وأنه إذا حج من بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج الواج ب عليه في وقته وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ولا كمن أفسد حجه فقضاه فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما وج ب عليك علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور قال أبو عمر كل من قال بالتراخى لا يحد في ذلك حدا إلا ما روي عن سحنون وقد سئل عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر ذلك إلى سنين كثيرة مع قدرته على ذلك هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته قال لا وإن مضى من عمره ستون سنه فإذا زاد على الستين فسق وردت شهادته وهذا توقيف وحد والحدود في الشرع لا تؤخذ إلا عمن له أن يشرع قلت : وحكاه بن خويز منداد عن بن القاسم قال بن القاسم وغيره : أن أخره ستين سنة لم يحرج وإن أخره بعد الستين حرج لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها فكأنه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب قال أبو عمر وقد احتج بعض الناس كسحنون بقوله صلى الله عليه وسلم : ( معترك أمتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك ( ولا حجة فيه لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته لو صح الحديث وفيه دليل على التوسعة إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضا ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف وبالله التوفيق الثالثة أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت ) عام في جميعهم مسترسل على جملتهم قال بن العربي : وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرهم وأنثاهم خلا الصغير فانه خارج بالاجماع عن أصول التكليف وكذلك العبد لم يدخل فيه لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالى في التمام من استطاع إليه سبيلا والعبد غير مستطيع لأن السيد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة وقد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد ومصلحة لهم ولا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة فلا نعرف بما لا نعرف ولا دليل عليه إلا إلاجماع قال بن المنذر : أجمع عامة أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعد خلافا على أن الصبى إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبى وعتق العبد إن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا وقال أبو عمر : خالف داود جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر في المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج وهو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا بدليل عدم التصرف وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الآية عند عامة العلماء إلا من شذ وكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة قال الله تعالى : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة فلم يدخل في ذلك العبد وكما جاز خروج الصبى من قوله ولله على الناس حج البيت وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه وخرجت المرأة من قوله : يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة وهي ممن شمله اسم الإيمان وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور وهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب فإن قيل : إذا كان حاضر المسجد الحرام وأذن له سيده فلم لا يلزمه الحج قيل له : هذا سؤال على الإجماع وربما لا يعلل ذلك ولكن إذا ثبت هذا الحكم على الإجماع استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق عن حجة الإسلام وقد روي عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أيما صبى حج ثم أدرك فعلية أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابى حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى قال بن العربي وقد تساهل بعض علمائنا فقال : إنما لم يثبت الحج على العبد وإن أذن له السيد لأنه كان كافرا في الأصل ولم يكن حج الكافر معتدا به فلما ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا لم يخاطب بالحج وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فاعلموه : أحدها أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع الشريعة ولا خلاف فيه في قول مالك الثانى أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقا ولو فعلها في حال كفره لم يعتد بها فوجب أن يكون الحج مثلها الثالث أن الكفر قد ارتفع بالإسلام فوجب ارتفاع حكمه فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدم حقوق السيد والله الموفق الرابعة قوله تعالى : ( من استطاع إليه سبيلا ) من في موضع خفض على بدل البعض من الكل وهذا قول أكثر النحويين وأجاز الكسائى أن يكون من في موضع رفع بحج التقدير أن يحج البيت من وقيل هي شرط واستطاع في موضع جزم والجواب محذوف أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج روى الدارقطنى عن بن عباس قال : قيل يا رسول الله الحج كل عام قال : ( لا بل حجة ( قيل : فما السبيل قال : ( الزاد والراحلة ( ورواه عن أنس وبن مسعود وبن عمر وجابر وعائشة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال فسئل عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن تجد ظهر بعير ( وأخرج حديث بن عمر أيضا بن ماجه في سننه وأبو عيسى الترمذى في جامعه وقال : حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زادا وراحلة وجب عليه الحج وإبراهيم بن يزيد هو الخوزى المكى وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه وأخرجاه عن وكيع والدارقطنى عن سفيان بن سعيد قالوا : حدثنا إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد عن بن عمر قال : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج قال : ( الزاد والراحلة ( قال : يا رسول الله فما الحاج قال : ( الشعث التفل ( وقام آخر فقال : يا رسول الله وما الحج قال : ( العج والثج ( قال وكيع : يعني بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن لفظ بن ماجة وممن قال إن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج : عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس والحسن البصرى وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وإليه ذهب الشافعي والثورى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وبن حبيب وذكر عبدوس مثله عن سحنون قال الشافعى : الاستطاعة وجهان : أحدهما أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج والثانى أن يكون معضوبا في بدنه لا يثبت على مركبه وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وبغير أجرة على ما يأتى بيانه أما المستطيع ببدنه فإنه يلزمه فرض الحج بالكتاب بقوله عز وجل : من استطاع إليه سبيلا وأما المستطيع بالمال فقد لزمه فرض فرض الحج بالسنة بحديث الخثعمية على ما ياتى وأما المستطيع بنفسه وهو القوى الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الركوب على الراحلة فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه وأن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج فأن كان قادرا على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامه أو نحوهما فالمستحب له أن يحج ماشيا رجلا كان أو امراة قال الشافعى : الرجل أقل عذرا من المرأة لأنه أقوى وهذا عندهم على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب فأما إن قدر على الزاد بمسأله الناس في الطريق كرهت له أن يحج لأنه يصير كلا على الناس وقال مالك بن أنس رحمه الله : إذا قدر على المشى ووجد الزاد فعليه فرض الحج وأن لم يجد الراحلة وقدر على المشى نظر فإن كان مالكا للزاد وجب عليه فرض الحج وأن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق نظر أيضا فإن كان من أهل المروءات ممن لا يكتسب بنفسه لا يجب عليه وإن كان ممن يكتسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج وهكذا إن كانت عادته مسأله الناس لزمه فرض الحج كذلك أوجب مالك على المطيق المشى الحج وأن لم يكن معه زاد وراحلة وهو قول عبد الله بن الزبير والشعبى وعكرمة وقال الضحاك : إن كان شابا قويا صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضى حجة فقال له مقاتل : كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت فقال : لو أن لأحدهم ميراثا بمكة أكان تاركه بل ينطلق إليه ولو حبوا كذلك يجب عليه الحج واحتج هولاء بقوله عز وجل : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا أي مشاة قالوا : ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان فوجب ألا يكون الزاد من شروط وجوبها ولا الراحلة كالصلاة والصيام قالوا : ولو صح حديث الخوزى الزاد والراحلة لحملناه على عموم الناس والغالب منهم في الأقطار البعيدة وخروج مطلق الكلام على غالب الأحوال كثير في الشريعة وفي كلام العرب وأشعارها وقد روى بن وهب وبن القاسم وأشهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية فقال : الناس فى ذلك على قدر طاقتهم ويسرهم وجلدهم قال أشهب لمالك : أهو الزاد والراحلة قال : لا والله ما ذاك إلا على قدر طاقة الناس وقد يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير وآخر يقدر أن يمشى على رجليه الخامسة إذ وجدت الاستطاعة وتوجه فرض الحج فقد يعرض ما يمنع منه كالغريم يمنعه عن الخروج حتى يؤدى الدين ولا خلاف في ذلك أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخى فكان تقديم العيال أولى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ( وكذلك الأبوان يخاف الضيعة عليهما وعدم العوض في التلطف بهما فلا سبيل له إلى الحج فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة فلا يلتفت إليه والمرأة يمنعها زوجها وقيل لا يمنعها والصحيح المنع لا سيما إذا قلنا إن الحج لا يلزمه على الفور والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامه كما تقدم بيانه في البقرة ويعلم من نفسه أنه لا يميد فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك : إذا لم يستطيع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه ثم قال : أيركب حيث لا يصلى ويل لمن ترك الصلاة ويسقط الحج إذ كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدد بحد مخصوص أو يتحدد بقدر مجحف وفي سقوطه بغير المجحف خلاف وقال الشافعى : لا يعطي حبة ويسقط فرض الحج ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه وقيل لا يجب على ما تقدم من مراعاة الاستطاعة السادسة إذا زالت الموانع ولم يكن عنده من الناض ما يحج به وعنده عروض فيلزمه أن يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين وسئل بن القاسم عن الرجل تكون له القربة ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده ولا شيء لهم يعيشون به قال : نعم ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة والصحيح القول الأول لقوله عليه السلام : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ( وهو قول الشافعى والظاهر من مذهبه أنه لا يلزمه الحج إلآ من له ما يكفيه من النفقة ذاهبا وراجعا قاله في الإملاء وإن لم يكن له أهل وعيال وقال بعضهم : لا يعتبر الرجوع لأنه ليس عليه كبير مشقة في تركه القيام ببلده لأنه لا أهل له فيه ولا عيال وكل البلاد له وطن والأول أصوب لأن الإنسان يستوحش لفراق وطنه كما يستوحش لفراق سكنه ألا ترى أن البكر إذا زنا جلد وغرب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن قال الشافعى في الأم : إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته يلزمه الحج وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن لأنه قدمه على نفقة أهله فكأنه قال : بعد هذا كله وقال أصحابه : يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويكترى مسكنا وخادما لأهله فإن كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام ومتى أنفق من أصل البضاعة أختل عليه ربحها ولم يكن فيه قدر كفايته فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا قولان : الأول للجمهور وهو الصحيح المشهور لأنه لا خلاف في أنه لو كان له عقار تكفيه علته لزمه أن يبيع أصل العقار في الحج فكذلك البضاعة وقال بن شريح : لا يلزمه ذلك ويبقى البضاعة ولا يحج من أصلها لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته فهذا الكلام في الاستطاعة بالبدن والمال السابعة المريض والمعضوب والعضب القطع ومنه سمى السيف عضبا وكأن من انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه إذ لا يقدر على شيء وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما السير إلى الحج لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا والمريض والمعضوب لا استطاعة لهما فقال مالك : إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج أصلا سواء كان قادرا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه فرض الحج ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال بل إن أوصى أن يحج عنه بعد موته حج عنه من الثلث وكان تطوعا واحتج بقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى النجم فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى فمن قال : أنه له سعى غيره فقد خالف ظاهر الآية وبقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت وهذا غير مستطيع لأن الحج هو قصد المكلف البيت بنفسه ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة الميت والحاج عنه والمنفذ ذلك ( خرجه الطبرانى أبو القاسم سليمان بن أحمد قال حدثنا عمرو بن حصين السدوسى قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر فذكره قلت : أبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف عندهم وقال الشافعى : في المريض الزمن والمعضوب والشيخ الكبير يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع استطاعة ما : وهو على وجهين : أحدهما أن يكون قادرا على مال يستأجر به من يحج عنه فإنه يلزمه فرض الحج وهذا قول على بن أبى طالب رضى الله عنه روي عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج جهز رجلا يحج عنك وإلى هذا ذهب الثورى وأبو حنيفة وأصحابه وأبن المبارك وأحمد وإسحاق والثانى أن يكون قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه فهذا أيضا يلزمه الحج عنه عند الشافعى بما رواه بن عباس أن أمراة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال : ( نعم ( وذلك في حجة الوداع في رواية : لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فحجى عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ( قالت نعم قال : ( فدين الله أحق أن يقضى ( فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحج عنه فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستاجر به أولى فأما إن بذل له المال دون الطاعة فالصحيح أنه لا يلزمه قبوله والحج به عن نفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا وقال علماؤنا : حديث الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب وإنما مقصوده الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهما دنيا ودينا وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا فلما رأى من المرأة أنفعالا وطواعية ظاهرة ورغبة صادقة في برها بأبيها وحرصا على إيصال الخير والثواب إليه وتأسفت أن تفوته بركة الحج أجابها إلى ذلك كما قال للأخرى التى قالت : إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال : ( حجى عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ( قالت نعم ففى هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالدين وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها لا يستطيع ومن لا يستطيع لا يجب عليه وهذا تصريح بنفى الوجوب ومنع الفريضة فلا يجوز ما انتفى في أول الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنا يحققه قوله : ( فدين الله أحق أن يقضى ( فإنه ليس على ظاهره إجماعا فإن دين العبد أولى بالقضاء وبه يبدأ إجماعا لفقر الآدمى واستغناء الله تعالى قاله بن العربي وذكر أبو عمر بن عبد البر أن حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها وقال آخرون : فيه أضطراب وقال بن وهب وأبو مصعب : هو في حق الولد خاصة وقال بن حبيب : جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج وأن يحج عنه ولده وأن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى فهذا الكلام على المعضوب وشبهه وحديث الخثعمية أخرجه الأئمة وهو يرد على الحسن قوله : أنه لا يجوز حج المرأة عن الرجل الثامنة واجمع العلماء على أنه إذا لم يكن للمكلف قوت يتزوده في الطريق لم يلزمه الحج وإن وهب له أجنبي مالا يحج به لم يلزمه قبوله إجماعا لما يلحقة من المنه في ذلك فلو كان رجل وهب لأبيه مالا فقد قال الشافعى : يلزمه قبوله لأن بن الرجل من كسبه ولا منة عليه في ذلك وقال مالك وأبو حنيفة : لا يلزمه قبوله لأن فيه سقوط حرمة الأبوة إذ يقال قد جزاه وقد وفاه والله اعلم التاسعة قوله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ) قال بن عباس وغيره : المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا وقال الحسن البصرى وغيره : إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر وروى الترمذى عن الحارث عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ( قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يضعف وروي نحوه عن أبي أمامة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وعن عبد خير بن يزيد عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : ( يأيها الناس إن الله فرض عليكم الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء إن شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا إلا أن يكون به عذر من مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتى ولا ورود حوضي ( وقال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه سأل عند الموت الرجعة ( فقيل يا بن عباس إنا كنا نرى هذا للكافرين فقال : أنا أقرأ عليكم به قرآنا يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وانفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين المنافقون قال الحسن بن صالح في تفسيره : فأزكى واحج وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن الآية فقال ( من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به ( وروى قتادة عن الحسن قال قال عمر رضى الله عنه : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية فذلك قوله تعالى : ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين قلت : هذا خرج محرج التلغيط ولهذا قال علماؤنا : تضمنت الآية أن من مات ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجه عليه ولا يجزئ أن يحج عنه غيره لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد والله أعلم وقال سعيد بن جبير : لو مات جار لى وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه < <

Sección V04/P153–V04/P154

آل عمران : ( 98 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( ال عمران 98 : 99 ) < > قوله تعالى : ( قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ) أي تصرفون عن دين الله ( من آمن ) وقرأ الحسن تصدون بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان : صد وأصد مثل صل اللحم وأصل إذا أنتن وخم وأخم أيضا إذا تغير ( تبغونها عوجا ) تطلبون لها فحذف اللام مثل وإذا كالوهم المطففين يقال : بغيت له كذا أي طلبته وأبغيته كذا أي أعنته والعوج : الميل والزيغ بكسر العين في الدين والقول والعمل وما خرج عن طريق الاستواء وبالفتح في الحائط والجدار وكل شخص قائم عن أبى عبيدة وغيره ومعنى قوله تعالى : يتبعون الداعى لا عوج له أي لا يقدرون أن يعوجوا عن دعائه وعاج بالمكان وعوج أقام ووقف والعائج الواقف قال الشاعر : هل أنتم عائجون بنا لعنا نرى العرصات أو أثر الخيام والرجل الأعوج : السيء الخلق وهو بين العوج والعوج من الخيل التى في أرجلها تحنيب والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا ويقال : فرس محنب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فحج وهو مدح ويقال : الحنب اعوجاج في الساقين قال الخليل التحنيب يوصف في الشدة وليس ذلك باعوجاج قوله تعالى : ( وأنتم شهداء ) أي عقلاء وقيل : شهداء أن في التوراة مكتوبا أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام إذ فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم < < آل عمران : ( 100 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 100 ) < > نزلت في يهودى أراد تجديد الفتنه بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم فجلس بينهم وأنشدهم شعرا قاله أحد الحيين في حربهم فقال الحى الآخر : قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا فكأنهم دخلهم من ذلك شيء فقالوا : تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت فنادى هولاء : يا آل أوس ونادى هولاء يا آل خزرج فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال فنزلت هذه الآية فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته فلما سمعوا صوته انصتوا له وجعلوا يستمعون فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون عن عكرمه وبن زيد وبن عباس والذي فعل ذلك شاس بن قيس اليهودى دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم وذكرهم فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فالقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطعين فأنزل الله عز وجل ( يأيها الذين آمنوا ) يعنى الأوس والخزرج ( إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ) يعنى شاسا وأصحابه ( يردكم بعد إيمانكم كافروين ) قال جابر بن عبد الله : ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوما إلينا بيده فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن أخرا من ذلك اليوم < < آل عمران : ( 101 ) وكيف تكفرون وأنتم . . . . . > > < > ( ال عمران 101 ) <

Sección V04/P154–V04/P157

> قاله تعالى على جهة التعجب أى ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ) يعنى القرآن ( وفيكم رسوله ) محمد صلى الله عليه وسلم قال بن عباس : كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فذهب إليهم فنزلت هذه الآية وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله إلى قوله تعالى : فانقذكم منها ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته قال الزجاج : يجوز أن يكون في هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتى فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا وإن لم نشاهده وقال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب الله ونبى الله فأما نبى الله فقد مضى وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمة منه ونعمة فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ( وكيف ) في موضع نصب وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين واختير لها الفتح لأن ما قبل الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة وقوله تعالى : ( ومن يعتصم بالله ) أي يمتنع ويتمسك بدينه وطاعته ( فقد هدى ) وفق وأرشد ( إلى صراط مستقيم ) بن جريج يعتصم بالله يؤمن به وقيل : المعنى ومن يعتصم بالله أى يتمسك بحبل الله وهو القرآن يقال : اعصم به واعتصم وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره واعتصمت فلانا هيأت له ما يعتصم به وكل متمسك بشيء معصم ومعتصم وكل مانع شيئا فهو عاصم قال الفرزدق : أنا بن العاصمين بنى تميم إذا ما أعظم الحدثان نابا قال النابغة : يظل من خوفه الملاح معتصما بالخيزرانه بعد الأين والنجد وقال آخر : فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا وعصمه الطعام : منع الجوع منه تقول العرب : عصم فلانا الطعام أي منعه من الجوع فكنوا السويق بأبي عاصم لذلك قال أحمد بن يحيى : العرب تسمي الخبز عاصما وجابرا وأنشد : فلا تلوميني ولومي جابرا فجابر كلفني الهواجرا ويسمونه عامرا وانشد : أبو مالك يعتادنى بالظهائر يجيء فيلقي رحله عند عامر أبو مالك كنية الجوع < < آل عمران : ( 102 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 102 ) < > فيه مسالة واحدة : روى البخاري عن مرة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر ( وقال بن عباس : هو ألا يعصى طرفة عين وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله من يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله عز وجل فاتقوا الله ما استطعتم التغابن فنسخت هذه الآية عن قتادة والربيع وبن زيد قال مقاتل : وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية وقيل : أن قوله فاتقوا الله ما استطعتم بيان لهذه الآية والمعنى : فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى وقد روى علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال : قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته لم تنسخ ولكن حق تقاته أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم قال النحاس : وكلما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون < <

Sección V04/P157

آل عمران : ( 103 ) واعتصموا بحبل الله . . . . . > > < > ( ال عمران 103 ) <

Sección V04/P157–V04/P164

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( واعتصموا ) العصمة المنعة ومنه يقال للبذرقة : عصمة والبذرقة : الخفارة للقافلة وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها قال بن خالويه : البذرقة ليست بعربية وأنما هي كلمة فارسية عربتها العرب يقال : بعث السلطان بذرقة مع القافلة والحبل لفظ مشترك وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة والحبل : حبل العاتق والحبل : مستطيل من الرمل ومنه الحديث : والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج والحبل الرسن والحبل العهد قال الأعشى : وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالها يريد الأمان والحبل الداهية قال كثير : فلا تعجلى يا عز أن تتفهمي بنصح أتى الواشون أم بحبول والحبالة : حبالة الصائد وكلها ليس مرادا فى الآية إلا الذي بمعنى العهد عن بن عباس وقال بن مسعود : حبل الله القرآن ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن هو حبل الله ( وروى تقي بن مخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا قال : الجماعة روى عنه وعن غيره من وجوه والمعنى كله متقارب متداخل فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة ورحم الله بن المبارك حيث قال : إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا الثانية قوله تعالى : ( ولا تفرقوا ) يعنى في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم عن بن مسعود وغيره ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة وكونوا في دين الله إخوانا فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وليس فيه دليل على تحريم الإختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافا إذ الإختلاف ما يتعذر معه الإئتلاف والجمع وأما حكم مسائل الإجتهاد فإن الإختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع وما زالت الصحابه يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختلاف أمتي رحمة ( وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ( قال الترمذي : هذا حديث صحيح وأخرجه أيضا عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ( قالوا : من هي يا رسول الله قال : ( ما أنا عليه وأصحابى ( أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقى عن عبد الله بن يزيد عن بن عمر وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال أبو عمر : وعبد الله الأفريقى ثقة وثقه قومه وأثنوا عليه وضعفه آخرون وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من امتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ( وفي سنن بن ماجه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض ( قال أنس : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل يقول الله : فإن تابوا قال : خلعوا الأوثان وعبادتها وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال في آية أخرى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أخرجه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال أبو الفرج الجوزي : فإن قيل هذه الفرق معروفة فالجواب أنا نعرف الإفتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من الفرق انقسمت إلى فرق وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها فقد ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية وقال بعض أهل العلم : أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة انقسمت الحرورية اثنتى عشرة فرقة فأولهم الأزرقية : قالوا : لا نعلم أحدا مؤمنا وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم والأباضية قالوا : من أخذ بقولنا فهو مؤمن ومن أعرض عنه فهو منافق والثعلبية قالوا : إن الله عز وجل لم يقض ولم يقدر والخازمية قالوا : لا ندري ما الإيمان والخلق كلهم معذورون والخلفية زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر والكوزية قالوا : ليس لأحد أن يمس أحدا لأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل والكنزية قالوا : لا يسع أحدا أن يعطى ماله أحدا لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق والشمراخية قالوا : لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين والأخنسية قالوا : لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر والحكمية قالوا : من حاكم إلى مخلوق فهو كافر والمعتزلة قالوا : آشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين والميمونية قالوا : لا إمام إلا برضا أهل محبتنا وانقسمت القدرية آثنتي عشرة فرقة : الأحمرية وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملك عباده أمورهم ويحول بينهم وبين معاصيهم والثنوية وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان والمعتزلة وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا صفات الربوبية والكيسانية وهم الذين قالوا : لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد ولا نعلم أيثاب الناس بعد أو يعاقبون والشيطانية قالوا : إن الله تعالى لم يخلق الشيطان والشريكية قالوا : إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر والوهمية قالوا : ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات ولا للحسنة والسيئة ذات والزيدية قالوا : كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق ناسخا كان أو منسوخا والمسعدية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته والناكثية زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه والقاسطية تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله : من زعم أن الله شيء فهو كافر وآنقسمت الجهمية آثنتي عشرة فرقة : المعطلة زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق وأن من آدعى أن الله يرى فهو كافر والمريسية قالوا : أكثر صفات الله تعالى مخلوقة والملتزقة جعلوا الباري سبحانه في كل مكان والواردية قالوا لا يدخل النار من عرف ربه ومن دخلها لم يخرج منها أبدا والزنادقة قالوا : ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربا لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس وما لا يدرك لا يثبت والحرقية زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار والمخلوقية زعموا أن القرآن مخلوق والفانية زعموا أن الجنة والنار يفنيان ومنهم من قال لم يخلقا والعبدية جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء والواقفية قالوا : لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق والقبرية ينكرون عذاب القبر والشفاعة واللفظية قالوا : لفظنا بالقرآن مخلوق وانقسمت المرجئة آثنتى عشرة فرقة : التاركية قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به فمن آمن به فليفعل ما شاء والسائبية قالوا : إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاؤوا والراجية قالوا : لا يسمى الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا لأنا لا ندري ما له عند الله تعالى والسالبية قالوا : الطاعة ليست من الإيمان والبهيشية قالوا : الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر والعملية قالوا : الإيمان عمل والمنقوصية قالوا : الإيمان لا يزيد ولا ينقص والمستثنية قالوا : الإستثناء من الإيمان والمشبهة قالوا : بصر كبصر ويد كيد والحشوية قالوا : حكم الأحاديث كلها واحد فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض والظاهرية الذين نفوا القياس والبدعية أول من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأمة وأنقسمت الرافضة آثنتي عشرة فرقة : العلوية قالوا : إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ والأمرية قالوا : إن عليا شريك محمد في أمره والشيعة قالوا : إن عليا رضي الله عنه وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليه من بعده وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره والإسحاقية قالوا : إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي والناووسية قالوا : علي أفضل الأمة فمن فضل غيره عليه فقد كفر والإمامية قالوا : لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين وإن الإمام يعلمه جبريل عليه السلام فإذا مات بدل غيره مكانه والزيدية قالوا : ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيرهم برهم وفاجرهم والعباسية زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره والتناسخية قالوا : الأرواح تتناسخ فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه والرجعية زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم واللاعنة يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاومة وأبا موسى وعائشة وغيرهم والمتربصة تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون إليه الأمر يزعمون أنه مهدي هذه الأمة فإذا مات نصبوا آخر ثم آنقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة : فمنهم المضطرية قالوا : لا فعل للآدمي بل الله يفعل الكل والأفعالية قالوا : لنا أفعال ولكن لا آستطاعة لنا فيها وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل والمفروغية قالوا : كل الأشياء قد خلقت والآن لا يخلق شيء والنجارية زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله لا على فعلهم والمنانية قالوا : عليك بما يخطر بقلبك فآفعل ما توسمت منه الخير والكسبية قالوا : لا يكتسب العبد ثوابا ولا عقابا والسابقية قالوا : من شاء فليعمل ومن شاء فلا يعمل فإن السعيد لا تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره والحبية قالوا : من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان والخوفية قالوا : من أحب الله تعالى لم يسعه أن يخافه لأن الحبيب لا يخاف حبيبه والفكرية قالوا : من آزداد علما أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة والخشبية قالوا : الدنيا بين العباد سواء لا تفاضل بينهم فيما ورثهم أبوهم آدم والمنية قالوا : منا الفعل ولنا الآستطاعة وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأمة في آخر سورة الأنعام إن شاء الله تعالى وقال بن عباس لسماك الحنفي : يا حنفي الجماعة الجماعة فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها أما سمعت الله عز وجل يقول : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ( فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابة وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الآختلاف وأمرنا بالأجتماع على الآعتصام بالكتاب والسنة آعتقادا وعملا وذلك سبب آتفاق الكلمة وآنتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين والسلامة من الآختلاف وأمر بالأجتماع ونهى عن الآفتراق الذي حصل لأهل الكتابين هذا معنى الآية على التمام وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أصول الفقه وآلله أعلم قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته خوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) أمر تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام وآتباع نبيه محمد عليه السلام فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة والمراد الأوس والخزرج والآية تعم ومعنى فأصبحتم بنعمته إخوانا أى صرتم بنعمة الإسلام إخوانا في الدين وكل ما في القرآن أصبحتم معناه صرتم كقوله تعالى : إن أصبح ماؤكم غورا الملك أى صار غائرا والإخوان جمع أخ وسمى أخا لأنه يتوخى مذهب أخيه أى يقصده وشفا كل شيء حرفه وكذلك شفيره ومنه قوله تعالى : على شفا جرف هار قال الراجز : نحن حفرنا للحجيج سجله نابتة فوق شفاها بقله وأشفى على الشيء أشرف عليه ومنه أشفى المريض على الموت وما بقي منه إلا شفا أى قليل قال بن السكيت : يقال للرجل عند موته وللقمر عند أمحاقه وللشمس عند غروبها : ما بقي منه إلا شفا أى قليل قال العجاج : ومربإ عال لمن تشرفا أشرفته بلا شفى أو بشفى قوله بلا شفى أى غابت الشمس أو بشفى وقد بقيت منها بقية وهو من ذوات الياء وفيه لغة أنه من الواو وقال النحاس : الأصل في شفا شفو ولهذا يكتب بالألف ولا يمال وقال الأخفش : لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو ولأن الإمالة بين الياء وتثنيته شفوان قال المهدوى : وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان < <

Sección V04/P164–V04/P165

آل عمران : ( 104 ) ولتكن منكم أمة . . . . . > > < > ( ال عمران 104 ) < > قد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في هذه السورة ومن فى قوله منكم للتبعيض ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء وقيل : لبيان الجنس والمعنى لتكونوا كلكم كذلك قلت : القول الأول أصح فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على الكفاية وقد عينهم الله تعالى بقوله : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة الآية وليس كل الناس مكنوا وقرأ بن الزبير : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم قال أبو بكر الأنباري : وهذه الزيادة تفسير من بن الزبير وكلام من كلامه غلط فيه بعض الناقلين فألحقة بألفاظ القرآن يدل على صحة ما أصف الحديث الذي حدثنيه أبي حدثنا حسن بن عرفة حدثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون عن صبيح قال : سمعت عثمان بن عفان يقرأ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن إذا لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين وإنما ذكرها واعظا بها ومؤكدا ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا < < آل عمران : ( 105 ) ولا تكونوا كالذين . . . . . > > < > ( ال عمران 105 ) < > يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين وقال بعضهم : هم المبتدعة من هذه الأمة وقال أبو أمامة : هم الحرورية وتلا الآية وقال جابر بن عبد الله : ( الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) اليهود والنصارى جاءهم مذكر على الجمع وجاءتهم على الجماعة < < آل عمران : ( 106 ) يوم تبيض وجوه . . . . . > > < > ( ال عمران 106 : 107 ) <

Sección V04/P165–V04/P168

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه الكافرين مسودة ويقال : إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته استبشر وابيض وجهه وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته أسود وجهه ويقال : إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته أبيض وجهه وإذا رجحت سيئاته أسود وجهه ويقال : ذلك عند قوله تعالى : وامتازوا اليوم أيها المجرمون يس ويقال : إذا كان يوم القيامة يؤمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده فإذا انتهوا إليه حزنوا وأسودت وجوههم فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون فيقول الله تعالى للمؤمنين : من ربكم فيقولون : ربنا الله عز وجل فيقول لهم : أتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون : سبحانه إذا أعترف عرفناه فيرونه كما شاء الله فيخر المؤمنون سجدا لله تعالى فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسود وجوههم وذلك قوله تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ويجوز تبيض وتسود بكسر التائين لأنك تقول : ابيضت فتكسر التاء كما تكسر الألف وهي لغة تميم وبها قرأ يحيى بن وثاب وقرأ الزهري يوم تبياض وتسواد ويجوز كسر التاء أيضا ويجوز يوم يبيض وجوه بالياء على تذكير الجمع ويجوز أجوه مثل أقتت وأبيضاض الوجوه إشراقها بالنعيم وأسودادها هو ما يرهقها من العذاب الأليم الثانيه وأختلفوا في التعيين فقال أبن عباس : تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة قلت : وقول أبن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهروى أخو غسان عن مالك بن أنس عن نافع عن أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قال : يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب وقال فيه : منكر من حديث مالك قال عطاء : تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة والنضير وقال أبي بن كعب : الذين أسودت وجوههم هم الكفار وقيل لهم : أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخرجتم من ظهر آدم كالذر هذا اختيار الطبري الحسن : الآية في المنافقين قتادة هي في المرتدين عكرمة : هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث عليه السلام كفروا به فذلك قوله : أكفرتم بعد إيمانكم وهو أختيار الزجاج مالك بن أنس : هي في أهل الأهواء أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم : هي في الحرورية وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال : ( هي في القدرية ( روى الترمذى عن أبي غالب قال : رأى أبو أمامة رءوسا منصوبة على باب دمشق فقال أبو أمامة : كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه إلى آخر الآية قلت لأبي أمامة : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبعا ما حدثتكموه قال : هذا حديث حسن وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني فرطكم على الحوض من مر على شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال يبني وبينهم ( قال أبو حازم : فسمعنى النعمان بن أبي عياش فقال : أهكذا سمعت من سهل بن سعد فقلت نعم فقال : أشهد على أبي سعيد الخدرى لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول إنهم منى فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدى وعن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم أرتدوا على أدبارهم القهقري ( والأحاديث في هذا المعنى كثيرة فمن بدل أو غير أو أبتدع في دين الله مالا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبتدعين منه المسودى الوجوه وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على أختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها والمعتزلة على أصناف أهوائها فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية والحبر كما بينا ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وقد قال بن القاسم : وقد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء وكان يقول : تمام الإخلاص تجنب المعاصي الثالثة قوله تعالى : ( فأما الذين آسودت وجوههم ) في الكلام حذف أي فيقال لهم 0 أكفرتم بعد إيمانكم ) يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى ويقال : هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به وقال أبو العالية : هذا للمنافقين يقال : أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية وأجمع أهل العربية على أنه لا بد من الفاء في جواب أما لأن المعنى في قولك : أما زيد فمنطلق مهما يكن من شيء فزيد منطلق وقوله تعالى : ( وأما الذين أبيضت وجوههم ) هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون جعلنا الله منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات آمين < <

Sección V04/P168–V04/P169

آل عمران : ( 108 ) تلك آيات الله . . . . . > > < > ( ال عمران 108 : 109 ) < > قوله تعالى : ( تلك آيات الله ) آبتداء وخبر يعني القرآن ( نتلوها عليك ) يعني ننزل عليك جبريل فيقرؤها عليك ( بالحق ) أي بالصدق وقال الزجاج : تلك آيات الله المذكورة حجج الله ودلائله وقيل : تلك بمعنى هذه ولكنها لما آنقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك ويجوز أن تكون آيات الله بدلا من تلك ولا تكون نعتا لأن المبهم لا ينعت بالمضاف ( وما الله يريد ظلما للعالمين ) يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) قال المهدوي : وجه آتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين وصله بذكر آتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض ( في قبضته وقيل : هو آبتداء كلام بين لعباده أن جميع ما في السماوات وما في الأرض ) له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره < < آل عمران : ( 110 ) كنتم خير أمة . . . . . > > < > ( ال عمران 110 ) <

Sección V04/P169–V04/P172

> قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) فيه ثلاث مسائل : الأولى روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : ( أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله ( وقال : هذا حديث حسن وقال أبو هريرة : نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام وقال بن عباس : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية وقال عمر بن الخطاب : من فعل فعلهم كان مثلهم وقيل : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني الصالحين منهم وأهل الفضل وهم الشهداء على الناس يوم القيامة كما تقدم في البقرة وقال مجاهد : كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة في الآية وقيل : معناه كنتم في اللوح المحفوظ وقيل : كنتم مذ آمنتم خير أمة وقيل : جاء ذلك لتقدم البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته فالمعنى كنتم عند من تقدمكم من أهل الكتب خير أمة وقال الأخفش : يريد أهل أمة أى خير أهل دين وأنشد : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وقيل : هي كان التامة والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة فخير أمة حال وقيل : كان زائدة والمعنى أنتم خير أمة وأنشد سيبويه : وجيران لنا كانوا كرام ومثله قوله تعالى : كيف نكلم من كان في المهد صبيا وقوله : واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وقال في موضع آخر : وآذكروا إذ أنتم قليل وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : تجرون الناس بالسلاسل إلى الإسلام قال النحاس : والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمة وعلى قول مجاهد : كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وقيل : إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى فقيل : هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ( أي الذين بعثت فيهم الثانية وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم فقد روى الأئمة من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( الحديث وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم وإلى هذا ذهب معظم العلماء وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرة في عمره أفضل ممن يأتي بعده وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة وأن قول عليه السلام : ( خير الناس قرني ( ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود وقال لهم : ما تقولون في السارق والشارب والزاني وقال مواجهة لمن هو في قرنه : ( لا تسبوا أصحابي ( وقال لخالد بن الوليد في عمار : ( لا تسب من هو خير منك ( وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي ( وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ( قلنا الملائكة قال : ( وحق لهم بل غيرهم ( قلنا الأنبياء قال : ( وحق لهم بل غيرهم ( ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانا ( وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال : قلنا يا رسول الله هل أحد خير منا قال : ( نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني ( وقال أبو عمر : وأبو جمعة له صحبة وآسمه حبيب بن سباع وصالح بن جبير من ثقات التابعين وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن أمامكم أياما الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله ( قيل : يا رسول الله منهم قال : ( بل منكم ( قال أبو عمر : وهذه اللفظة بل منكم قد سكت عنها بعض المحدثين فلم يذكرها وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس قال : من فعل مثل فعلكم كان مثلكم ولا تعارض بين الأحاديث لأن الأول على الخصوص والله الموفق وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب : إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غرباء وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم ومما يشهد لهذا قوله عليه السلام : ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ( ويشهد له أيضا حديث أبي ثعلبة ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره ( ذكره أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالك عن الزهري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ( ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك قال أبو عمر : هشام بن عبيد الله ثقة لا يختلفون في ذلك وروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن أكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر قال : وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرنى ( بقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله ( قال أبو عمر : فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ويكثر فيه الفسق والهرج ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدا غريبا ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية ومن تدبر آثار هذا الباب بأن له الصواب والله يؤتي فضله من يشاء الثالثة قوله تعالى : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك وآتصفوا به فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم آسم المدح ولحقهم آسم الذم وكان ذلك سببا لهلاكهم وقد تقدم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة قوله تعالى : ( ولو أمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ) أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم خير لهم وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا وأن الفاسق أكثر < <

Sección V04/P172–V04/P173

آل عمران : ( 111 ) لن يضروكم إلا . . . . . > > < > ( ال عمران 111 ) < > قوله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) يعني كذبهم وتحريفهم وبهتهم لا أنه تكون لهم الغلبة عن الحسن وقتادة فالاستثناء متصل والمعنى لن يضروكم إلا ضرا يسيرا فوقع الأذى موقع المصدر فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلا إيذاء بالبهت والتحريف وأما العاقبة فتكون للمؤمنين وقيل : هو منقطع والمعنى لن يضروكم ألبتة لكن يؤذونكم بما يسمعونكم قال مقاتل : إن رؤوس اليهود : كعب وعدي والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وبن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم : عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فأنزل الله تعالى : لن يضروكم إلا أذى يعني باللسان وتم الكلام ثم قال : ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ) يعني منهزمين وتم الكلام ( ثم لا ينصرون ) مستأنف فلذلك ثبتت فيه النون وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه السلام لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره < < آل عمران : ( 112 ) ضربت عليهم الذلة . . . . . > > < > ( ال عمران 112 : 115 ) <

Sección V04/P173–V04/P176

> قوله تعالى : ( ضربت عليهم الذلة ) يعني اليهود ( أينما ثقفوا ) أي وجدوا ولقوا وتم الكلام وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذلة عليهم ( إلا بحبل من الله ) آستثناء منقطع ليس من الأول أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله ( وحبل من الناس ) يعني الذمة التي لهم والناس : محمد والمؤمنون يؤدون إليهم الخراج فيؤمنونهم وفي الكلام اختصار والمعنى : إلا أن يعتصموا بحبل من الله فحذف قاله الفتراء ( وباءوا بغضب من الله ) أي رجعوا وقيل آحتملوا وأصله في اللغة أنه لزمهم وقد مضى في البقرة ثم أخبر لم فعل ذلك بهم فقال : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) وقد مضى في البقرة مستوفى ثم أخبر فقال : ( ليسوا سواء ) وتم الكلام والمعنى : ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء عن بن مسعود وقيل : المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن بن مسعود قال : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : ( إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم ( قال : أنزلت هذه الآية ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة إلى قوله : والله عليم بالمتقين وروى بن وهب مثله وقال بن عباس : قول الله عز وجل من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون إيات الله أناء الليل وهم يسجدون من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال بن إسحاق عن بن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسيد بن عبيد ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون إلى قوله : وأولئك من الصالحين وقال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة أي ذو طريقة حسنة وأنشد : وهل يأتمن ذو إمة وهو طائع وقيل : في الكلام حذف والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة فترك الأخرى آكتفاء بالأولى كقول أبي ذؤيب : عصاني إليها القلب إني لأمره مطيع فما ادري أرشد طلابها أراد : أرشد أم غي فحذف قال الفراء : أمة رفع ب سواء والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة قال النحاس : هذا قول خطأ من جهات : إحداها أنه يرفع أمة ب سواء فلا يعود على أسم ليس بشيء ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم : أكلوني البراغيث وذهبوا أصحابك قال النحاس : وهذا غلط لأنه قد تقدم ذكرهم وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر وأناء الليل ) ساعاته واحدها إني وأنى وإني وهو منصوب على الظرف ويسجدون ) يصلون عن الفراء والزجاج لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود نظيره قوله : وله يسجدون أي يصلون وفي الفرقان : وإذا قيل لهم آسجدوا للرحمن وفي النجم فأسجدوا لله واعبدوا النجم وقيل : يراد به السجود المعروف خاصة وسبب النزول يرده وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن بن مسعود فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله ألا ترى لما ذكر قيامهم قال وهم يسجدون أي مع القيام أيضا الثوري : هي الصلاة بين العشاءين وقيل : هي في قيام الليل وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاما من كلام الرب عز وجل : أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل إنخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل ( يؤمنون بالله ) يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم ( ويأمرون بالمعروف ) قيل : هو عموم وقيل : يراد به الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ( وينهون عن المنكر ) والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته ( ويسارعون في الخيرات ) التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم وقيل : يبادرون بالعمل قبل الفوت ( وأولئك من الصالحين ) أي مع الصالحين وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) قرأ الأعمش وبن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف بالياء فيهما إخبارا عن الأمة القائمة وهي قراءة بن عباس واختيار أبي عبيد وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب لقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس وهي اختيار أبي حاتم وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا الياء والتاء ومعنى الآية : وما تفعلوا من خير فإن تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه < <

Preguntas

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 24 · Qur'an & Sunnah