Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V08/P148

التوبة : ( 41 ) انفروا خفافا وثقالا . . . . . > > < > ( التوبه 41 ) <

Sección V08/P148–V08/P152

> فيه سبع مسائل : الأولى روى سفيان عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري قال : أول ما نزل من سورة براءة انفروا خفافا وثقالا وقال أبو الضحاك كذلك أيضا قال : ثم نزل أولها وآخرها الثانية قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا ) نصب على الحال وفيه عشرة أقوال : الأول يذكر عن بن عباس إنفروا ثبات : سرايا متفرقين الثاني روي عن بن عباس أيضا وقتادة : نشاطا وغير نشاط الثالث الخفيف : الغني والثقيل : الفقير قاله مجاهد الرابع الخفيف : الشاب والثقيل : الشيخ قاله الحسن الخامس مشاغيل وغير مشاغيل قاله زيد بن علي والحكم بن عتبة السادس الثقيل : الذي له عيال والخفيف : الذي لا عيال له قاله زيد بن أسلم السابع الثقيل : الذي له ضيعة يكره أن يدعها والخفيف : الذي لا ضيعة له قاله بن زيد الثامن الخفاف : الرجال والثقال : الفرسان قاله الأوزاعي التاسع الخفاف : الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم الجيش والثقال : الجيش بأسره العاشر الخفيف : الشجاع والثقيل : الجبان حكاه النقاش والصحيح في معنى الآية أن الناس أمروا جملة أي إنفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت وروي أن بن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : أعلي أن أنفر فقال : ( نعم ( حتى أنزل الله تعالى ليس على الأعمى حرج وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة الثالثة وإختلف في هذه الآية فقيل إنها منسوخة بقوله تعالى : ليس على الضعفاء ولا على المرضى وقيل : الناسخ لها قوله : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة والصحيح أنها ليست بمنسوخة روى بن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالى : انفروا خفافا وثقالا قال شبانا وكهولا ما سمع الله عذر أحد فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه وروي حماد عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية انفروا خفافا وثقالا فقال : أي بني جهزوني جهزوني فقال بنوه : يرحمك الله لقد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزو عنك قال : لا جهزوني فغزا في البحر فمات في البحر فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ولم يتغير رضي الله عنه وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقيل له : لقد عذرك الله فقال : أتت علينا سورة البعوث انفروا خفافا وثقالا وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل فقال : إستنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر فقال له : يا عم إن الله قد عذرك فقال : يا بن أخي قد أمرنا بالنفر خفافا وثقالا ولقد قال بن أم مكتوم رضي الله عنه واسمه عمرو يوم أحد : أنا رجل أعمى فسلموا لي اللواء فإنه إذا إنهزم حامل اللواء إنهزم الجيش وأنا ما أدري من يقصدني بسيفه فما أبرح فأخذ اللواء يومئذ مصعب بن عمير على ما تقدم في آل عمران بيانه فلهذا وما كان مثله مما روي عن الصحابة والتابعين قلنا : إن النسخ لا يصح وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل وهي : الرابعة وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا شبابا وشيوخا كل على قدر طاقته من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها وإحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزي العدو ولا خلاف في هذا وقسم ثان من واجب الجهاد فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف وإظهار القوة فإن قيل : كيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع وهي : الخامسة قيل له : يعمد إلى أسير واحد فيفديه فإنه إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة فإن الأغنياء لو إقتسموا فداء الأسارى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من درهم ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيا قال صلى الله عليه وسلم : ( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ( أخرجه الصحيح وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي السادسة روي أن بعض الملوك عاهد كفارا على ألا يحبسوا أسيرا فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم فمر على بيت مغلق فنادته امرأة أني أسيرة فأبلغ صاحبك خبري فلما إجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث إنتهى الخبر إلى هذه المعذبة فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من فوره ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع رضي الله عنه ذكره بن العربي وقال : ولقد نزل بنا العدو قصمه الله سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده وكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه فقلت للوالي والمولى عليه : هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوى إلى وجاره وإن رأى المكيدة بجاره فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل السابعة قوله تعالى : ( وجاهدوا ) أمر بالجهاد وهو مشتق من الجهد ( بأموالكم وأنفسكم ) روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ( وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالى فحض على كمال الأوصاف وقدم الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز فرتب الأمر كما هو في نفسه < <

Sección V08/P152–V08/P154

التوبة : ( 42 ) لو كان عرضا . . . . . > > < > ( التوبه 42 ) < > لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا والمعنى : غنيمة قريبة أخبر عنهم أنهم لو دعوا إلى غنيمة لا تبعوه ( عرضا ) خبر كان ( قريبا ) نعته ( وسفرا قاصدا ) عطف عليه وحذف إسم كان لدلالة الكلام عليه التقدير : لو كان المدعو إليه عرضا قريبا وسفرا قاصدا أي سهلا معلوم الطرق لاتبعوك وهذه الكناية للمنافقين كما ذكرنا لأنهم داخلون في جملة من خوطب بالنفير وهذا موجود في كلام العرب يذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائدا على بعضها كما قيل في قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها مريم أنها القيامة ثم قال جل وعز : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا مريم يعني جل وعز جهنم ونظير هذه الآية من السنة في المعنى قوله عليه السلام : ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ( يقول : لو علم أحدهم أنه يجد شيئا حاضرا معجلا يأخذه لأتي المسجد من أجله ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة يقال : منه شقة شاقة والمراد بذلك كله غزوة تبوك وحكى الكسائي أنه يقال : شقة وشقة قال الجوهري : الشقة بالضم من الثياب والشقة أيضا السفر البعيد وربما قالوه بالكسر والشقة شظية تشظى من لوح أو خشبة يقال للغضبان : إحتد فطارت منه شقة بالكسر ( وسيحلفون بالله لو استطعنا ) أي لو كان لنا سعة في الظهر والمال ( لخرجنا معكم ) نظيره ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( زاد وراحلة ( وقد تقدم ( يهلكون أنفسهم ) أي بالكذب والنفاق ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في الإعتلال < < التوبة : ( 43 ) عفا الله عنك . . . . . > > < > ( التوبه 43 ) < > قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) قيل : هو إفتتاح كلام كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله : عفا الله عنك حكاه مكي والمهدوي والنحاس وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا وقيل : المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم فلا يحسن الوقف على قوله : عفا الله عنك على هذا التقدير حكاه المهدوي واختاره النحاس ثم قيل : في الأذن قولان : الأول لم أذنت لهم في الخروج معك وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد الثاني لم أذنت لهم في القعود لما اعتلوا بأعذار ذكرها القشيري قال : وهذا عتاب تلطف إذ قال : عفا الله عنك وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه قال قتادة وعمرو بن ميمون : اثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما : إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون قال بعض العلماء : إنما بدر منه ترك الأولى فقدم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب قوله تعالى : ( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) أي ليتبين لك من صدق ممن نافق قال بن عباس : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة التوبة وقال مجاهد : هؤلاء قوم قالوا : نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا جلسنا وقال قتادة : نسخ هذه الآية بقوله في سورة النور : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ذكره النحاس في معاني القرآن له < <

Sección V08/P154–V08/P156

التوبة : ( 44 ) لا يستأذنك الذين . . . . . > > < > ( التوبه 44 : 45 ) < > قوله تعالى : ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي في القعود ولا في الخروج بل إذا أمرت بشيء ابتدروه فكان الإستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر ولذلك قال : ( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) روى أبو داود عن بن عباس قال : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله نسختها التي في النور إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله إلى قوله غفور رحيم ( أن يجاهدوا ) في موضع نصب بإضمار في عن الزجاج وقيل : التقدير كراهية أن يجاهدوا كقوله : يبين الله لكم أن تضلوا ( وارتابت قلوبهم ) شكت في الدين ( فهم في ريبهم يترددون ) أي في شكهم يذهبون ويرجعون < < التوبة : ( 46 ) ولو أرادوا الخروج . . . . . > > < > ( التوبه 46 ) < > قوله تعالى : ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر فتركهم الإستعداد دليل على إرادتهم التخلف ( ولكن كره الله انبعاثهم ) أي خروجهم معك ( فثبطهم ) أي حبسهم عنك وخذلهم لأنهم قالوا : إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين ويدل على هذا أن بعده لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) قيل : هو من قول بعضهم لبعض وقيل : هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم ويكون هذا هو الإذن الذي تقدم ذكره قيل : قاله النبي صلى الله عليه وسلم غضبا فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا قد أذن لنا وقيل : هو عبارة عن الخذلان أي أوقع الله في قلوبهم القعود ومعنى ( مع القاعدين ) أي مع أولي الضرر والعميان والزمني والنسوان والصبيان < < التوبة : ( 47 ) لو خرجوا فيكم . . . . . > > < > ( التوبه 47 ) < > قوله تعالى : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) هو تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم والخبال : الفساد والنميمة وإيقاع الإختلاف والأراجيف وهذا إستثناء منقطع أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال وقيل : المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالا فلا يكون الإستثناء منقطعا قوله تعالى : ( ولا وضعوا خلالكم ) المعنى لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد والإيضاع سرعة السير وقال الراجز : يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع يقال : وضع البعير إذا عدا يضع وضعا ووضوعا إذا أسرع السير وأوضعته حملته على العدو وقيل : الإيضاع سير مثل الخبب والخلل الفرجة بين الشيئين والجمع الخلال أي الفرج التي تكون بين الصفوف أي لأوضعوا خلالكم بالنميمة وإفساد ذات البين ( يبغونكم الفتنة ) مفعول ثان والمعنى يطلبون لكم الفتنة أي الإفساد والتحريض ويقال : أبغيته كذا أعنته على طلبه وبغيته كذا طلبته له وقيل : الفتنة هنا الشرك ( وفيكم سماعون لهم ) أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم قتادة : وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم النحاس : القول الأول أولى لأنه الأغلب من معنييه أن معنى سماع يسمع الكلام : ومثله سماعون للكذب والقول الثاني لا يكاد يقال فيه إلا سامع مثل قائل < < التوبة : ( 48 ) لقد ابتغوا الفتنة . . . . . > > < > ( التوبه 48 ) <

Sección V08/P156–V08/P158

> قوله تعالى : ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) أي لقد طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم وينزل الوحي بما أسروه وبما سيفعلونه وقال بن جريج : أراد إثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ( وقلبوا لك الأمور ) أي صرفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئت به ( حتى جاء الحق وظهر أمر الله ) أي دينه ( وهم كارهون < < التوبة : ( 49 ) ومنهم من يقول . . . . . > > < > ( التوبه 49 : 50 ) < > قوله تعالى : ( ومنهم من يقول ائذن لي ) من أذن يأذن وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها وبعدها همزة هي فاء الفعل ولا يجتمع همزتان فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن فإذا وصلت زالت العلة في الجمع بين همزتين ثم همزت فقلت : ومنهم من يقول ائذن لي وروى ورش عن نافع ومنهم من يقول اوذن لي خفف الهمزة قال النحاس : يقال إيذن لفلان ثم إيذن له هجاء الأولى والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط فإن قلت : إيذن لفلان وأذن لغيره كان الثاني بغير ياء وكذا الفاء والفرق بين ثم والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان قال محمد بن إسحاق : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك : ( يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء ( فقال الجد : قد عرف قومي أني مغرم بالنساء وإني أخشى إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( قد أذنت لك ( فنزلت هذه الآية أي لا تفتني بصباحة وجوههم ولم يكن به علة إلا النفاق قال المهدوي : والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في وقتهن أجمل منهن وكان ببلاد الروم وقيل : سموا بذلك لأن الحبشة غلبت على الروم وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفرا لعسا قال بن عطية : في قول بن أبي إسحاق فتور وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إغزوا تغنموا بنات الأصفر ( فقال له الجد : إيذن لنا ولا تفتنا بالنساء وهذا منزع غير الأول وهو أشبه بالنفاق والمحادة ولما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة وكان الجد بن قيس منهم : ( من سيدكم يا بني سلمة ( قالوا : جد بن قيس غير أنه بخيل جبان فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأي داء أدوي من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور ( فقال حسان بن ثابت الأنصاري فيه : وسود بشر بن البراء لجوده وحق لبشر بن البرا أن يسودا إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله وقال خذوه إنني عائد غدا ( ألا في فتنة سقطوا ) أي في الإثم والمعصية وقعوا وهي النفاق والتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) أي مسيرهم إلى النار فهي تحدق بهم قوله تعالى : ( وإن تصبك حسنة تسوهم ) شرط ومجازاة وكذا ( وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ) عطف عليه والحسنة : الغنيمة والظفر والمصيبة والإنهزام ومعنى قولهم : أخذنا أمرنا من قبل أي احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال ويتولوا أي عن الإيمان ( وهم فرحون ) أي معجبون بذلك < < التوبة : ( 51 ) قل لن يصيبنا . . . . . > > < > ( التوبه 51 ) <

Sección V08/P158–V08/P160

> قوله تعالى : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) قيل : في اللوح المحفوظ وقيل : ما أخبرنا به في كتابه من أنا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا والمعنى كل شيء بقضاء وقدر وقد تقدم في الأعراف أن العلم والقدر والكتاب سواء ( هو مولانا ) أي ناصرنا والتوكل تفويض الأمر إليه وقراءة الجمهور يصيبنا نصب بلن وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بها وقرأ طلحة بن مصرف هل يصيبنا وحكى عن أعين قاضي الري أنه قرأ قل لن يصيبنا بنون مشددة وهذا لحن لا يؤكد بالنون ما كان خبرا ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز قال الله تعالى : هل يذهبن كيده ما يغيظ < < التوبة : ( 52 ) قل هل تربصون . . . . . > > < > ( التوبه 52 ) < > قوله تعالى : ( قل هل تربصون بنا ) والكوفيون ) يدغمون اللام في التاء فأما لام المعرفة فلا يجوز إلا الإدغام كما قال جل وعز : التائبون لكثرة لام المعرفة في كلامهم ولا يجوز الإدغام في قوله : قل تعالوا الأنعام لأن قل معتل فلم يجمعوا عليه علتين والتربص الإنتظار يقال : تربص بالطعام أي إنتظر به إلى حين الغلاء والحسنى تأنيث الأحسن وواحد الحسنيين حسنى والجمع الحسنى ولا يجوز أن ينطق به إلا معرفا لا يقال : رأيت امرأة حسنى والمراد بالحسنيين الغنيمة والشهادة عن بن عباس ومجاهد وغيرهما واللفظ إستفهام والمعنى توبيخ ( ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) أي عقوبة تهلككم كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم ( أو بأيدينا ) أي يؤذن لنا في قتالكم ( فتربصوا ) تهديد ووعيد أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله < < التوبة : ( 53 ) قل أنفقوا طوعا . . . . . > > < > ( التوبه 53 ) <

Sección V08/P160–V08/P162

> فيه أربع مسائل : الأولى قال بن عباس : نزلت في الجد بن قيس إذ قال إئذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به ولفظ ( أنفقوا ) أمر ومعناه الشرط والجزاء وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا تأتي بأو كما قال الشاعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت والمعنى إن أسأت أو أحسنت فنحن على ما تعرفين ومعنى الآية : إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل منكم الثانية ثم بين جل وعز لم لا يقبل منهم فقال : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله فكان في هذا أدل دليل وهي : الثانية على أن أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها ولا ينتفع بها في الآخرة بيد أنه يطعم بها في الدنيا دليله ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال : ( لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ( وروي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها ( وهذا نص ثم قيل : هل بحكم هذا الوعد الصادق لا بد أن يطعم الكافر ويعطى بحسناته في الدنيا أو ذلك مقيد بمشيئة الله المذكورة في قوله : عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهذا هو الصحيح من القولين والله أعلم وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة إنما هو بحسب ظن الكافر وإلا فلا يصح منه قربة لعدم شرطها المصحح لها وهو الإيمان أو سميت حسنة لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرا قولان أيضا الثالثة فإن قيل : فقد روي مسلم عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ( قلنا قوله : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ( مخالف ظاهره للأصول لأن الكافر لا يصح منه التقرب لله تعالى فيكون مثابا على طاعته لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه فإذا عدم الشرط انتفى صحة المشروط فكان المعنى في الحديث : إنك اكتسبت طباعا جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الإسلام وذلك أن حكيما رضي الله عنه عاش مائة وعشرين سنة ستين في الإسلام وستين في الجاهلية فأعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير وكذلك فعل في الإسلام وهذا واضح وقد قيل : لا يبعد في كرم الله أن يثيبه على فعله ذلك بالإسلام كما يسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام وإنما لا يثاب من لم يسلم ولا تاب ومات كافرا وهذا ظاهر الحديث وهو الصحيح إن شاء الله وليس عدم شرط الإيمان في عدم ثواب ما يفعله من الخير ثم أسلم ومات مسلما بشرط عقلي لا يتبدل والله أكرم من أن يضيع عمله إذا حسن إسلامه وقد تأول الحربي الحديث على هذا المعنى فقال : ( أسلمت على ما أسلفت ( أي ما تقدم لك من خير عملته فذلك لك كما تقول : أسلمت على ألف درهم أي على أن أحرزها لنفسه والله أعلم الرابعة فإن قيل : فقد روى مسلم عن العباس قال : قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك قال : ( نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح ( قيل له : لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير لكن مع انضمام شفاعة كما جاء في أبي طالب فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله : فما تنفعهم شفاعة الشافعين المدثر وقال مخبرا عن الكافرين : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم الشعراء وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال : ( لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ( من حديث العباس رضي الله عنه : ( ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ( قوله تعالى : ( إنكم كنتم قوما فاسقين ) أي كافرين < <

Sección V08/P162–V08/P163

التوبة : ( 54 ) وما منعهم أن . . . . . > > < > ( التوبه 54 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ) أن الأولى في موضع نصب والثانية في موضع رفع والمعنى : وما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم وقرأ الكوفيون أن يقبل منهم بالياء لأن النفقات والإنفاق واحد الثانية قوله تعالى : ( ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) قال بن عباس : إن كان في جماعة صلى وإن انفرد لم يصل وهو الذي لا يرجو على الصلاة ثوابا ولا يخشى في تركها عقابا فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة وقد تقدم في النساء القول في هذا كله وقد ذكرنا هناك حديث العلاء موعبا والحمد لله الثالثة قوله تعالى : ( ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبلة ولا مثاب عليها حسب ما تقدم < < التوبة : ( 55 ) فلا تعجبك أموالهم . . . . . > > < > ( التوبه 55 : 56 ) < > أي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تمل إليه فإنه استدراج ( إنما يريد الله ليعذبهم بها ) قال الحسن : المعنى بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله وهذا اختيار الطبري وقال بن عباس وقتادة : في الكلام تقديم وتأخير والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما بريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وهذا قول أكثر أهل العربية ذكره النحاس وقيل : يعذبهم بالتعب في الجمع وعلى هذا التأويل وقول الحسن لا تقديم فيه ولا تأخير وهو حسن وقيل : المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم منافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما بنفقون ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين سبق بذلك القضاء ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) بين أن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم مؤمنون نظيره إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله المنافقون الآية والفرق الخوف أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا < < التوبة : ( 57 ) لو يجدون ملجأ . . . . . > > < > ( التوبه 57 ) <

Sección V08/P163–V08/P166

> قوله تعالى : ( لو يجدون ملجأ ) كذا الوقف عليه وفي الخط بألفين : الأولى همزة والثانية عوض من التنوين وكذا رأيت جزءا والملجأ الحصن عن قتادة وغيره بن عباس : الحرز وهما سواء يقال : لجأت إليه لجأ ( بالتحريك ) وملجأ والتجأت إليه بمعنى والموضع أيضا لجأ وملجأ والتلجئة الإكراه وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه وألجأت أمري إلى الله أسندته وعمرو بن لجأ التميمي الشاعر عن الجوهري ( أو مغارات ) جمع مغارة من غار يغير قال الأخفش : ويجوز أن يكون من أغار يغير كما قال الشاعر : الحمد لله ممسانا ومصبحنا قال بن عباس : المغارات الغيران والسراديب وهي المواضع التي يستتر فيها ومنه غار الماء وغارت العين ( أو مدخلا ) مفتعل من الدخول أي مسلكا نختفي بالدخول فيه وأعاده لإختلاف اللفظ قال النحاس : الأصل فيه مدتخل قلبت التاء دالا لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من مخرج واحد وقيل : الأصل فيه متدخل على متفعل كما في قراءة أبي : أو متدخلا ومعناه دخول بعد دخول أي قوما يدخلون معهم المهدوي : متدخلا من تدخل مثل تفعل إذا تكلف الدخول وعن أبي أيضا : مندخلا من إندخل وهو شاذ لأن ثلاثيه غير متعد عند سيبويه وأصحابه وقرأ الحسن وبن أبي إسحاق وبن محيصن : أو مدخلا بفتح الميم وإسكان الدال قال الزجاج : ويقرأ أو مدخلا بضم الميم وإسكان الدال الأول من دخل يدخل والثاني من أدخل يدخل كذا المصدر والمكان والزمان كما أنشد سيبويه : مغار بن همام على حي خثعما وروي عن قتادة وعيسى والأعمش أو مدخلا بتشديد الدال والخاء والجمهور بتشديد الدال وحدها أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم فهذه ست قراءات ( لولوا إليه ) أي لرجعوا إليه ( وهم يجمحون ) أي يسرعون لا يرد وجوههم شيء من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام قال الشاعر : سبوحا جموحا وإحضارها كمعمعة السعف الموقد والمعنى : لو وجدوا شيئا من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هربا من المسلمين < < التوبة : ( 58 ) ومنهم من يلمزك . . . . . > > < > ( التوبه 58 ) < > قوله تعالى : ( ومنهم من يلزمك في الصدقات ) أي يطعن عليك عن قتادة الحسن : يعيبك وقال مجاهد : أي يروزك ويسألك النحاس : والقول عند أهل اللغة قول قتادة والحسن يقال : لمزه يلمزه إذا عابه واللمز في اللغة العيب في السر قال الجوهري : اللمز العيب وأصله الإشارة بالعين ونحوها وقد لمزه يلمزه ويلمزه وقرئ بهما ومنهم من يلمزك في الصدقات ورجل لماز ولمزة أي عياب ويقال أيضا : لمزه يلمزه إذا دفعه وضربه والهمز مثل اللمز والهامز والهماز العياب والهمزة مثله يقال : رجل همزة وامرأة همزة أيضا وهمزه أي دفعه وضربه ثم قيل : اللمز في الوجه والهمز بظهر الغيب وصف الله قوما من المنافقين بأنهم عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في تفريق الصدقات وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم قال أبو سعيد الخدري : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه حرقوص بن زهير أصل الخوارج ويقال له ذو الخويصرة التميمي فقال إعدل يا رسول الله فقال : ( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ( فنزلت الآية حديث صحيح أخرجه مسلم بمعناه وعندها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال : ( معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية < < التوبة : ( 59 ) ولو أنهم رضوا . . . . . > > < > ( التوبه 59 ) < > قوله تعالى : ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ) جواب لو محذوف التقدير لكان خيرا لهم < <

Sección V08/P166

التوبة : ( 60 ) إنما الصدقات للفقراء . . . . . > > < > ( التوبه 60 ) <

Sección V08/P166–V08/P191

> فيه ثلاثون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء ) خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها الثانية قوله تعالى : ( للفقراء ) تبيين لمصارف الصدقات والمحل حتى لا تخرج عنهم ثم الاختيار إلى من يقسم هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما كما يقال : السرج للدابة والباب للدار وقال الشافعي : اللام لام التمليك كقولك : المال لزيد وعمرو وبكر فلا بد من التسوية بين المذكورين قال الشافعي وأصحابه : وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين واحتجوا بلفظة إنما وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف وعضدوا هذا بحديث زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشا فقلت : يا رسول الله إحبس جيشك فأنا لك بإسلامهم وطاعتهم وكتبت إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أخا صداء المطاع في قومه ( قال : قلت بل من الله عليهم وهداهم قال : ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك ( رواه أبو داود والدارقطني واللفظ للدارقطني وحكى عن زين العابدين أنه قال : إنه تعالى علم قدر ما يدفع من الزكاة وما تقع به الكفاية لهذه الأصناف وجعله حقا لجميعهم فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم وتمسك علماؤنا بقوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض وقال صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم ( وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وبن عباس وحذيفة وقال به من التابعين جماعة قالوا : جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية وإلى أي صنف منها دفعت جاز روى المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله : إنما الصدقات للفقراء والمساكين قال : إنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف وأي صنف منها أعطيت أجزأك وروى سعيد بن جبير عن بن عباس إنما الصدقات للفقراء والمساكين قال : في أيها وضعت أجزأ عنك وهو قول الحسن وإبراهيم وغيرهما قال الكيا الطبري : حتى ادعى مالك الإجماع على ذلك قلت : يريد إجماع الصحابة فإنه لا يعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو عمر والله أعلم بن العربي : والذي جعلناه فيصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه فكذلك تعميم الأصناف مثله والله أعلم الثالثة واختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال : فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه والمسكين الذي لا شيء له واحتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد الوهاب والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام يقال : حلوبته وفق عياله أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه عن الجوهري وقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير واحتجوا بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر وربما ساوت جملة من المال وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر وروي عنه أنه قال : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ( فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالا منه وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مال مما أفاء الله عليه ولكن لم يكن معه تمام الكفاية ولذلك رهن درعه قالوا : وأما بيت الراعي فلا حجة فيه لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال قالوا : والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقره من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه وقد أخبر الله عنهم بقوله لا يستطيعون ضربا في الأرض واستشهدوا بقول الشاعر : لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره وحكاه الطحاوي عن الكوفيين وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه وللشافعي قول آخر : أن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الإسم وهو القول الثالث وإلى هذا ذهب بن القاسم وسائر أصحاب مالك وبه قال أبو يوسف قلت : ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير وأنهما صنفان إلا أن أحد الصنفين أشد حاجة من الآخر فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفا واحدا والله أعلم ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم كما يقال : هذه دار فلان إذا كان ساكنها وإن كانت لغيره وقد قال تعالى في وصف أهل النار : ولهم مقامع من حديد الحج فأضافها إليهم وقال تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم وقال صلى الله عليه وسلم : ( من باع عبدا وله مال ( وهو كثير جدا يضاف الشيء إليه وليس له ومنه قولهم : باب الدار وجل الدابة وسرج الفرس وشبهه ويجوز أن يسموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف كما يقال لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية مسكين وفي الحديث ( مساكين أهل النار ( وقال الشاعر : مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر وأما ما تأولوه من قوله عليه السلام : ( اللهم أحيني مسكينا ( الحديث رواه أنس فليس كذلك وإنما المعنى ها هنا : التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة ولا كبر ولا بطر ولا تكبر ولا أشر ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال : إذا أردت شريف القوم كلهم فانظر إلى ملك في زي مسكين ذاك الذي عظمت في الله رغبته وذاك يصلح للدنيا وللدين وليس بالسائل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق : ( دعوها فإنها جبارة ( وأما قوله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض فلا يمتنع أن يكون لهم شيء والله أعلم وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعي في أنهما سواء حسن ويقرب منه ما قاله مالك في كتاب بن سحنون قال : الفقير المحتاج المتعفف والمسكين السائل وروي عن بن عباس وقاله الزهري واختاره بن شعبان وهو القول الرابع وقول خامس قال محمد بن مسلمة : الفقير الذي له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من ذلك والمسكين الذي لا مال له قلت : وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال : ألك مسكن تسكنه قال نعم قال : فأنت من الأغنياء قال : فإن لي خادما قال : فأنت من الملوك وقول سادس روي عن بن عباس قال : الفقراء من المهاجرين والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا وقاله الضحاك وقول سابع وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكن وإن لم يسأل والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع قاله عبيد الله بن الحسن وقول ثامن قاله مجاهد وعكرمة والزهري المساكين الطوافون والفقراء فقراء المسلمين وقول تاسع قاله عكرمة أيضا أن الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب وسيأتي الرابعة وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين هل هما صنف واحد أو أكثر تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال هما صنف واحد قال : يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصف الثلث الثاني ومن قال هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا الخامسة وقد اختلف العلماء في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم أن من له دارا وخادما لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة وللمعطي أن يعطيه وكان مالك يقول : إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز ذكره بن المنذر وبقول مالك قال النخعي والثوري وقال أبو حنيفة : من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة فاعتبر النصاب لقوله عليه السلام : ( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ( وهذا واضح ورواه المغيرة عن مالك وقال الثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم : لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب ولا يعطي منها أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما قاله أحمد وإسحاق وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهما ( في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضا ورواه حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال : خمسون درهما وحكيم بن جبير ضعيف تركه شعبة وغيره قاله الدارقطني رحمه الله وقال أبو عمر : هذا الحديث يدور على حكيم بن جبير وهو متروك وعن علي وعبد الله قالا : لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ذكره الدارقطني وقال الحسن البصري : لا يأخذ من له أربعون درهما ورواه الواقدي عن مالك وحجة هذا القول ما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سأل الناس وهو غني جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش ( فقيل : يا رسول الله وما غناؤه قال : ( أربعون درهما ( وفي حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا والأوقية أربعون درهما ( والمشهور عن مالك ما رواه بن القاسم عنه أنه سئل : هل يعطى من الزكاة من له أربعون درهما قال نعم قال أبو عمر : يحتمل أن يكون الأول قويا على الاكتساب حسن التصرف والثاني ضعيفا عن الاكتساب أو من له عيال والله أعلم وقال الشافعي وأبو ثور من كان قويا على الكسب والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ( رواه عبد الله بن عمر وأخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني وروى جابر قال : جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه صدقة فركبه الناس فقال : ( إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح ولا لعامل ( أخرجه الدارقطني وروى أبو داود عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جلدين فقال : ( إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ( ولأنه قد صار غنيا بكسبه كغني غيره بماله فصار كل واحد منهما غنيا عن المسألة وقاله بن خويز منداد وحكاه عن المذهب وهذا لا ينبغي أن يعول عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزمن باطل قال أبو عيسى الترمذي في جامعه : إذا كان الرجل قويا محتاجا ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة وقال الكيا الطبري : والظاهر يقتضي جواز ذلك لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال عبيد الله بن الحسن : من لا يكون له ما يكفيه ويقيمه سنة فإنه يعطى الزكاة وحجته ما رواه بن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر مما أفاء الله عليه قوت سنة ثم يجعل ما سوى ذلك في الكراع والسلاح مع قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى الضحى وقال بعض أهل العلم : لكل واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بد له منه وقال قوم : من عنده عشاء ليلة فهو غني وروي عن علي واحتجوا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من سأل مسألة عن ظهر غني استكثر بها من رضف جهنم ( قالوا : يا رسول الله وما ظهر الغني قال : ( عشاء ليلة ( أخرجه الدارقطني وقال : في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك وأخرجه أبو داود عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : ( من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار ( وقال النفيلي في موضع آخر ( من جمر جهنم ( فقالوا : يا رسول الله وما يغنيه وقال النفيلي في موضع آخر : وما الغني الذي لا تنبغي معه المسألة قال : ( قدر ما يغديه ويعشيه ( وقال النفيلي في موضع آخر : ( أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ( قلت : فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد إلى فقرائهم وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر : ما لك قال : استكروني في هذه الجزية حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي شيء فقال عمر : ما أنصفت إذا فأمر له بقوته وما يصلحه ثم قال : هذا من الذين قال الله تعالى فيهم : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية وهم زمني أهل الكتاب ولما قال تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن : ( أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ( فاختص أهل كل بلد بزكاة بلده وروى أبو داود أن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة فلما رجع قال لعمران : أين المال قال : وللمال أرسلتني أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا قال الترمذي : وفي الباب عن بن عباس حديث بن أبي جحيفة حديث حسن السادسة وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال الأول : لا تنقل قاله سحنون وبن القاسم وهو الصحيح لما ذكرناه قال بن القاسم أيضا : وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا وروي عن سحنون أنه قال : ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج ( والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ( والقول الثاني تنقل وقاله مالك أيضا وحجة هذا القول ما روي أن معاذا قال لأهل اليمن : ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة أخرجه الدارقطني وغيره والخميس لفظ مشترك وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع ويقال : سمي بذلك لأن أول من عمله الخمس ملك من ملوك اليمن ذكره بن فارس في المجمل والجوهري أيضا وفي هذا الحديث دليلان : أحدهما ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة فيتولى النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها ويعضد هذا قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء ولم يفصل بين فقير بلد وفقير آخر والله أعلم الثاني أخذ القيمة في الزكاة وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى فوجه الجواز وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث وثبت في صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنه تؤخذ منه وما استيسرنا من شاتين أو عشرين درهما ( الحديث وقال صلى الله عليه وسلم : ( إغنوهم عن سؤال هذا اليوم ( يعني يوم الفطر وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم فأي شيء سد حاجتهم جاز وقد قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة ولم يخص شيئا من شيء ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل الزكاة مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز قال : لأن السكنى ليس بمال ووجه قوله : لا تجزى القيم وهو ظاهر المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فى خمس من الإبل شاة وفى أربعين شاة شاة فنص على الشاة فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به وإذا لم يأت بالمأمور به فالأمر باق عليه القول الثالث وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام والقول الأول أصح والله أعلم السابعة وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرق الصدقة فيه أو مكان المالك إذ هو المخاطب قولان واختار الثاني أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في أحكامه قال : لأن الإنسان هو المخاطب بإخراجها فصار المال تبعا له فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب كإبن السبيل فإنه يكون غنيا في بلده فقيرا في بلد اخر فيكون الحكم له حيث هو مسألة واختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيرا مسلما فانكشف في ثاني حال أنه أعطى عبدا أو كافرا أو غنيا فقال مرة : تجزيه ومرة لا تجزيه وجه الجواز وهو الأصح ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانيه قال اللهم لك الحمد على زانيه لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني قال اللهم لك الحمد على غني لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق فأتي فقيل له أما صدقتك فقد قبلت أما الزانيه فلعلها تستعف بها عن زناها ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعف بها عن سرقته وروي أن رجلا أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه فلما أصبح علم بذلك فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : قد كتب لك أجر زكاتك وأجر صلة الرحم فلك أجران ومن جهة المعنى أنه سوغ له الأجتهاد في المعطي فإذا إجتهد وأعطى من يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب عليه ووجه قوله : لا يجزئ أنه لم يضعها في مستحقها فأشبه العمد ولأن العمد والخطأ في ضمان الأموال واحد فوجب أن يضمن ما أتلف على المساكين حتى يوصله إليهم الثامنة فإن أخرج الزكاة عند محلها فهلكت من غير تفريط لم يضمن لأنه وكيل للفقراء فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمن لتأخيرها عن محلها فتعلقت بذمته فلذلك ضمن والله أعلم التاسعة وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غيره وقد قيل : إن زكاة الناض على أربابه وقال بن الماجشون : ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرق عليهم إلا الإمام وفروع هذا الباب كثيرة هذه أمهاتها العاشرة قوله تعالى : ( والعاملين عليها ) يعني السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يدعى بن اللتبية فلما جاء حاسبه واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال : قال مجاهد والشافعي : هو الثمن بن عمر ومالك : يعطون قدر عملهم من الأجرة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه قالوا : لأنه عطل نفسه لمصلحة الفقراء فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم كالمرأة لما عطلت نفسها لحق الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها ولا تقدر بالثمن بل تعتبر الكفاية ثمنا كان أو أكثر كرزق القاضي ولا تعتبر كفاية الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض القول الثالث يعطون من بيت المال قال بن العربي : وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية بن أبي أويس وداود بن سعيد بن زنبوعة وهو ضعيف دليلا فإن الله سبحانه قد أخبر بسهمهم فيها نصا فكيف يخلفون عنه استقراء وسبرا والصحيح الاجتهاد في قدر الأجرة لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق على ما تقدم واختلفوا في العامل إذا كان هاشميا فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه السلام : ( إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ( وهذه صدقة من وجه لأنها جزء من الصدقة فتلحق بالصدقة من كل وجه كرامة وتنزيها لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسالة الناس وأجاز عمله مالك والشافعي ويعطي أجر عمالته لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب مصدقا وبعثه عاملا إلى اليمن على الزكاة وولى جماعة من بني هاشم وولي الخلفاء بعده كذلك ولأنه أجير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره اعتبارا بسائر الصناعات قالت الحنفية : حديث علي ليس فيه أنه فرض له من الصدقة فإن فرض له من غيرها جاز وروي عن مالك الحادية عشرة ودل قوله تعالى : ( والعاملين عليها ) على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه ومن ذلك الإمامة فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفايات فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها وهذا أصل الباب وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ( قاله بن العربي الثانية عشرة قوله تعالى : ( والمؤلفة قلوبهم ) لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم الصدقات وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم قال الزهري : المؤلفة من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنيا وقال بعض المتأخرين : اختلف في صفتهم فقيل : هم صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان وقيل : هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم وقيل : هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام قال : وهذه الأقوال متقاربة والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء فكأنه ضرب من الجهاد والمشركون ثلاثة أصناف : صنف يرجع بإقامة البرهان وصنف بالقهر وصنف بالإحسان والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر وفي صحيح مسلم من حديث أنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني للأنصار : ( فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم ( الحديث قال بن إسحاق : أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم وكانوا أشرافا فأعطي أبا سفيان بن حرب مائة بعير وأعطي ابنه مائة بعير وأعطي حكيم بن حزام مائة بعير وأعطي الحارث بن هشام مائة بعير وأعطي سهيل بن عمرو مائة بعير وأعطي حويطب بن عبد العزي مائة بعير وأعطي صفوان بن أمية مائة بعير وكذلك أعطي مالك بن عوف والعلاء بن جارية قال : فهؤلاء أصحاب المئين وأعطي رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب الجمحي وهشام بن عمرو العامري قال بن إسحاق : فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم وأعطي سعيد بن يربوع خمسين بعيرا وأعطي عباس بن مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها فقال في ذلك : كانت نهابا تلافيتها بكرى على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئا ولم أمنع إلا أفائل أعطيتها عديد قوائمه الأربع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اذهبوا فاقطعوا عني لسانه ( فأعطوه حتى رضي فكان ذلك قطع لسانه قال أبو عمر : وقد ذكر في المؤلفة قلوبهم النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم ومن هاجر إلى أرض الحبشة فهو من المهاجرين الأولين ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه وليس ممن يؤلف عليه قال أبو عمر : واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس وأمره بمغاورة ثقيف ففعل وضيق عليهم وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغمورا عليه وسائر المؤلفة متفاضلون منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله كالحارث بن هشام وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ومنهم دون هؤلاء وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم قال مالك : بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم في المؤلفة قلوبهم فتصدق به بعد ذلك قلت : حكيم بن حزام وحويطب بن عبد العزي عاش كل واحد منهما مائة وعشرين سنة ستين في الإسلام وستين في الجاهلية وسمعت الإمام شيخنا الحافظ أبا محمد بن عبد العظيم يقول : شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين أحدهما حكيم بن حزام وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري وذكر هذا أيضا أبو عمر وعثمان الشهرزوري في كتاب معرفة أنواع علم الحديث له ولم يذكرا غيرهما وحويطب ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب الوفا في شرف المصطفى وذكره أبو عمر في كتاب الصحابة أنه أدرك الإسلام وهو بن ستين سنة ومات وهو بن مائة وعشرين سنة وذكر أيضا حمنن بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة وقد عد في المؤلفة قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب أما معاوية فبعيد أن يكون منهم فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله وقراءته وخلطه بنفسه وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر وأما أبوه فلا كلام فيه أنه كان منهم وفي عددهم اختلاف وبالجملة فكلهم مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدم والله أعلم وأحكم الثالثة عشرة واختلف العلماء في بقائهم فقال عمر والحسن والشعبي وغيرهم : انقطع هذا الصنف بعز الإسلام وظهوره وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي قال بعض علماء الحنفية : لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين لعنهم الله اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم وقال جماعة من العلماء : هم باقون لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين قال يونس : سألت الزهري عنهم فقال : لا أعلم نسخا في ذلك قال أبو جعفر النحاس : فعلى هذا الحكم فيهم ثابت فإن كان أحد يحتاج إلى تألفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد دفع إليه قال القاضي عبد الوهاب : إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة وقال القاضي بن العربي : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم فإن في الصحيح : ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ( الرابعة عشرة فإذا فرعنا على أنه لا يرد إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى سائر الأصناف أو ما يراه الإمام وقال الزهري : يعطي نصف سهمهم لعمار المساجد وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون تسوية ولو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم كما لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم والله أعلم الخامسة عشرة قوله تعالى : ( وفي الرقاب ) أي في فك الرقاب قاله بن عباس وبن عمر وهو مذهب مالك وغيره فيجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة يعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز هذا تحصيل مذهب مالك وروي عن بن عباس والحسن وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد وقال أبو ثور : لا يبتاع منها صاحب الزكاة نسمة يعتقها بجر ولاء وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك والصحيح الأول لأن الله عز وجل قال : وفي الرقاب فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري رقبة فيعتقها ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله فإذا كان له أن يشتري فرسا بالكمال من الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال لا فرق بين ذلك والله أعلم السادسة عشرة قوله تعالى : وفي الرقاب الأصل في الولاء قال مالك : هي الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين وكذلك إن أعتقها الإمام وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته وقال عليه السلام : ( الولاء لمحة كلمحة النسب لا يباع ولا يوهب ( وقال عليه السلام : ( الولاء لمن أعتق ( ولا ترث النساء من الولاء شيئا لقوله عليه السلام : ( لا ترث النساء من الولاء شيئا إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتق ( وقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة من مولى لها النصف ولابنته النصف فإذا ترك المعتق أولادا ذكورا وإناثا فالولاء للذكور من ولده دون الإناث وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم والولاء إنما يورث بالتعصيب المحض والنساء لا تعصيب فيهن فلم يرثن من الولاء شيئا فافهم تصب السابعة عشرة واختلف هل يعان منها المكاتب فقيل لا روي ذلك عن مالك لأن الله عز وجل لما ذكر الرقبة دل على أنه أراد العتق الكامل وأما المكاتب فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة فلا يدخل في الرقاب والله أعلم وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزياد عنه : أنه يعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى : وفي الرقاب وبه قال بن وهب والشافعي والليث والنخعي وغيرهم وحكى علي بن موسى القمي الحنفي في أحكامه : أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد واختلفوا في عتق الرقاب قال الكيا الطبري : وذكر وجها بينه في منع ذلك فقال : إن العتق إبطال ملك وليس بتمليك وما يدفع إلى المكاتب تمليك ومن حق الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرى فيها التمليك وقوي ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن الغارم في دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلأن لا يجزئ ذلك في العتق أولى وذكر أن في العتق جر الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل في دفعه للمكاتب وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد وإن دفعه إلى سيده فقد ملكه العتق وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاض دينا وذلك لا يجزئ في الزكاة قلت : قد ورد حديث ينص على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معا أخرجه الدارقطني عن البراء قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال : ( لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة ( فقال : يا رسول الله أو ليستا واحدا قال : ( لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ( وذكر الحديث الثامنة عشرة واختلفوا في فك الأسارى منها فقال أصبغ : لا يجوز وهو قول بن القاسم وقال بن حبيب : يجوز لأنها رقبة ملكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله التاسعة عشرة قوله تعالى : ( والغارمين ) هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه اللهم إلا من ادان في سفاهة فإنه لا يعطي منها ولا من غيرها إلا أن يتوب ويعطى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير وغارم فيعطى بالوصفين روي مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تصدقوا عليه ( فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ( الموفية عشرين ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطى من الصدقة ما يؤدي ما تحمل به إذا وجب عليه وإن كان غنيا إذا كان ذلك يجحف بماله كالغريم وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم واحتج من ذهب هذا المذهب بحديث قبيصة بن مخارق قال : تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال : ( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا ( فقوله : ( ثم يمسك ( دليل على أنه غني لأن الفقير ليس عليه أن يمسك والله أعلم وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع ( وروي عنه عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ( الحديث وسيأتي الحادية والعشرون واختلفوا هل يقضي منها دين الميت أم لا فقال أبو حنيفة : لا يؤدي من الصدقة دين ميت وهو قول بن المواز قال أبو حنيفة : ولا يعطي منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالى وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه وقال علماؤنا وغيرهم : يقضي منها دين الميت لأنه من الغارمين قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلاهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ( الثانية والعشرون قوله تعالى : ( وفي سبيل الله ) وهم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء وهذا قول أكثر العلماء وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله وقال بن عمر : الحجاج والعمار ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا : سبيل الله الحج وفي البخاري : ويذكر عن أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ويذكر عن بن عباس : يعتق من زكاة ماله ويعطى في الحج خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ حدثنا محمد بن محمد الخياش حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم ويكنى أبا الحكم قال : كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له : يا أبا عبد الرحمن إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله قال بن عمر : فهو كما قال في سبيل الله فقلت له : ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما قال : فما تأمرني يا بن أبي نعم آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل قال : قلت فما تأمرها قال : آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين إلى حجاج بيت الله الحرام أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن ليسوا كوفد الشيطان ثلاثا يقولها قلت : يا أبا عبد الرحمن وما وفد الشيطان قال : قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فينمون إليهم الحديث ويسعون في المسلمين بالكذب فيجازون الجوائز ويعطون عليه العطايا وقال محمد بن عبد الحكم : ويعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته وقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة قلت : أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة يعني دية الأنصاري الذي قتل بخيبر وقال عيسى بن دينار : تحل الصدقة لغاز في سبيل الله قد احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره قال : ولا تحل لمن كان معه ماله من الغزاة إنما تحل لمن كان ماله غائبا عنه منهم وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به وهذه زيادة على النص والزيادة عنده على النص نسخ والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر متواتر وذلك معدوم هنا بل في صحيح السنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدي المسكين للغني ( رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ورفعه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحديث مفسرا لمعنى الآية وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذها ومفسرا لقوله عليه السلام : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ( لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين وكان بن القاسم يقول : لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد وينفقه في سبيل الله وإنما يجوز ذلك لفقير قال : وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدي منها دينه وهو عنها غني قال : وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غني له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئا يستقرض فإذا بلغ بلده أدى ذلك من ماله هذا كله ذكره بن حبيب عن بن القاسم وزعم أن بن نافع وغيره خالفوه في ذلك وروى أبو زيد وغيره عن بن القاسم أنه قال : يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غني في بلده وهذا هو الصحيح لظاهر الحديث : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ( وروى بن وهب عن مالك أنه يعطي منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا أو أغنياء الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( وبن السبيل ) السبيل الطريق ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها كما قال الشاعر : إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى وبن الهوى وأخو الهوى وأبوه والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف وقال مالك في كتاب بن سحنون : إذا وجد من يسلفه فلا يعطي والأول أصح فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه بن السبيل روايتان : المشهور أنه لا يعطى فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه الرابعة والعشرون فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول فأما الدين فلا بد أن يثبته وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفي به فيها والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح وهو ظاهر القرآن روى مسلم عن جرير عن أبيه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم الآية إلى قوله رقيبا والآية التي في الحشر ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره حتى قال ولو بشق تمرة قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ( فاكتفى صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحث على الصدقة ولم يطلب منهم بينة ولا استقصى هل عندهم مال أم لا ومثله حديث أبرص وأقرع وأعمى أخرجه مسلم وغيره وهذا لفظه : عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتي الأبرص فقال أي شيء أحب إليك فقال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قذره وأعطى لونا حسنا وجلدا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر شك إسحاق إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر قال فأعطى ناقة عشراء قال بارك الله لك فيها قال فأتي الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قال فأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر فأعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها قال فأتي الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا قال فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت عليه فقال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل مارد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتي الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وبن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا اجهدك اليوم شيئا أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك ( وفي هذا أدل دليل على أن من ادعى زيادة على فقره من عيال أو غيره لا يكشف عنه خلافا لمن قال يكشف عنه إن قدر فإن في الحديث ( فقال رجل مسكين وبن سبيل أسألك شاة ( ولم يكلفه إثبات السفر فأما المكاتب فإنه يكلف إثبات الكتابة لأن الرق هو الأصل حتى تثبت الحرية الخامسة والعشرون ولا يجوز أن يعطى من الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة وإن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز وأما أن يتناول ذلك هو بنفسه فلا لأنه يسقط بها عن نفسه فرضا قال أبو حنيفة : ولا يعطي منها ولد ابنه ولا ولد ابنته ولا يعطي منها مكاتبه ولا مدبره ولا أم ولده ولا عبدا أعتق نصفه لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالى بواسطة كف الفقير ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين هؤلاء ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض قال : والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم وربما يعجز فيصير الكسب له ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حر عليه دين فيجوز أداؤها إليه السادسة والعشرون فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه فمنهم من جوزه ومنهم من كرهه قال مالك : خوف المحمدة وحكى مطرف أنه قال : رأيت مالكا يعطي زكاته لأقاربه وقال الواقدي قال مالك : أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن مسعود : ( لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة ( واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها فذكر عن بن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه وقال أبو حنيفة : لا يجوز وخالفه صاحباه فقالا : يجوز وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني فقال عليه السلام : ( نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة ( والصدقة المطلقة هي الزكاة ولأنه لا نفقة للزوج عليها فكان بمنزلة الأجنبي اعتل أبو حنيفة فقال : منافع الأملاك بينهما مشتركة حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه والحديث محمول على التطوع وذهب الشافعي وأبو ثور وأشهب إلى إجازة ذلك إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه وينفق عليها من ما له السابعة والعشرون واختلفوا أيضا في قدر المعطي فالغارم يعطي قدر دينه والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما وفي جواز إعطاء النصاب أو أقل منه خلاف ينبني على الخلاف المتقدم في حد الفقر الذي يجوز معه الأخذ وروى علي بن زياد وبن نافع : ليس في ذلك حد وإنما هو على اجتهاد الوالي وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة فيعطى الفقير قوت سنة وروى المغيرة : يعطى دون النصاب ولا يبلغه وقال بعض المتأخرين : إن كان في البلد زكاتان نقد وحرث أخذ ما يبلغه إلى الأخرى قال بن العربي : الذي أراه أن يعطي نصابا وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنيا فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره قلت : هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز وأجازه أبو يوسف قال : لأن بعضه لحاجته مشغول للحال فكان الفاضل عن حاجته للحال دون المائتين وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملة كان الفاضل عن حاجته للحال قدر المائتين فلا يجوز ومن متأخري الحنفية من قال : هذا إذا لم يكن له عيال ولم يكن عليه دين فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيه مائتي درهم أو أكثر مقدار ما لو قضى به دينه يبقى له دون المائتين وإن كان معيلا لا بأس بأن يعطيه مقدار ما لو وزع على عياله أصاب كل واحد منهم دون المائتين لأن التصدق عليه في المعنى تصدق عليه وعلى عياله وهذا قول حسن الثانية والعشرون اعلم أن قوله تعالى : ( للفقراء ) مطلق ليس فيه شرط وتقييد بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم أو غيرهم إلا أن السنة وردت باعتبار شروط : منها ألا يكونوا من بني هاشم وألا يكونوا ممن تلزم المتصدق نفقته وهذا لا خلاف فيه وشرط ثالث ألا يكون قويا على الاكتساب لأنه عليه السلام قال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ( وقد تقدم القول فيه ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لبني هاشم ولا لمواليهم وقد روي عن أبي يوسف جواز صرف صدقة الهاشمي للهاشمي حكاه الكيا الطبري وشذ بعض أهل العلم فقال : إن موالي بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات وهذا خلاف الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع مولاه : ( وإن مولى القوم منهم ( التاسعة والعشرون واختلفوا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم فالذي عليه جمهور أهل العلم وهو الصحيح أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم لأن عليا والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدقوا وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة وقال بن الماجشون ومطرف وأصبغ وبن حبيب : لا يعطي بنو هاشم من الصدقة المفروضة ولا من التطوع وقال بن القاسم : يعطي بنو هاشم من صدقة التطوع قال بن القاسم : والحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل الصدقة لآل محمد ( إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع واختار هذا القول بن خويز منداد وبه قال أبو يوسف ومحمد قال بن القاسم : ويعطي مواليهم من الصدقتين وقال مالك في الواضحة : لا يعطي لآل محمد من التطوع قال بن القاسم : قيل له يعني مالكا فمواليهم قال : لا أدري ما الموالي فاحتججت عليه بقوله عليه السلام : ( مولى القوم منهم ( فقال قد قال : ( بن أخت القوم منهم ( قال أصبغ : وذلك في البر والحرمة الموفية ثلاثين قوله تعالى : ( فريضة من الله ) بالنصب على المصدر عند سيبويه أي فرض الله الصدقات فريضة ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي أي هن فريضة قال الزجاج : ولا أعلم أنه قرئ به قلت : قرأ بها إبراهيم بن أبي عبلة جعلها خبرا كما تقول : إنما زيد خارج < <

Sección V08/P191–V08/P192

التوبة : ( 61 ) ومنهم الذين يؤذون . . . . . > > < > ( التوبه 61 ) < > بين تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذية النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إن عاتبني حلفت له بأني ما قلت هذا فيقبله فإنه أذن سامعة قال الجوهري : يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد يستوي فيه الواحد والجمع وروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى : هو أذن قال : مستمع وقابل وهذه الآية نزلت في عتاب بن قشير قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له وقيل : هو نبتل بن الحارث قاله بن إسحاق وكان نبتل رجلا جسيما ثائر شعر الرأس واللحية آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ( السفعة ( بالضم ) : سواد مشرب بحمرة والرجل أسفع عند الجوهري وقرئ أذن بضم الذال وسكونها ( قل أذن خير لكم ) أي هو اذن خير لا أذن شر أي يسمع الخير ولا يسمع الشر وقرأ قل أذن خير لكم بالرفع والتنوين الحسن وعاصم في رواية أبي بكر والباقون بالإضافة وقرأ حمزة ورحمة بالخفض والباقون بالرفع عطف على أذن والتقدير : قل هو أذن خير وهو رحمة أي هو مستمع خير لا مستمع شر أي هو مستمع ما يحب استماعه وهو رحمة ومن خفض فعلى العطف على خير قال النحاس : وهذا عند أهل العربية بعيد لأنه قد تباعد ما بين الاسمين وهذا يقبح في المخفوض المهدوي : ومن جر الرحمة فعلى العطف على خير والمعنى مستمع خير ومستمع رحمة لأن الرحمة من الخير ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين لأن المعنى يصدق بالله ويصدق المؤمنين فاللام زائدة في قول الكوفيين ومثله لربهم يرهبون الأعراف أي يرهبون ربهم وقال أبو علي : كقوله ردف لكم وهي عند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل التقدير : إيمانه للمؤمنين أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار أو يكون محمولا على المعنى فإن معنى يومن يصدق فعدى باللام كما عدي في قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه < < التوبة : ( 62 ) يحلفون بالله لكم . . . . . > > < > ( التوبه 62 ) <

Sección V08/P192–V08/P194

> فيه ثلاث مسائل : الأولى روي أن قوما من المنافقين اجتمعوا فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ثابت وفيهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم شر من الحمير فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم فحلفوا أن عامرا كاذب فقال عامر : هم الكذبة وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله هذه الآية وفيها ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) الثانية قوله تعالى : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) ابتداء وخبر ومذهب سيبويه أن التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ثم حذف كما قال بعضهم : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال محمد بن يزيد : ليس في الكلام محذوف والتقدير والله أحق أن يرضوه ورسوله على التقديم والتأخير وقال الفراء : المعنى ورسوله أحق أن يرضوه والله افتتاح كلام كما تقول : ما شاء الله وشئت قال النحاس : قول سيبويه أولاها لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يقال : ما شاء الله وشئت ولا يقدر في شيء تقديم ولا تأخير ومعناه صحيح قلت : وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه ألا ترى أنه قال : من يطع الرسول فقد أطاع الله وكان الربيع بن خيثم إذا مر بهذه الآية وقف ثم يقول : حرف وأيما حرف فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير الثالثة قال علماؤنا : تضمنت هذه الآية قبول يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا واليمين حق للمدعي وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز وجل حسب ما تقدم وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ومن حلف له فليصدق ( وقد مضى القول في الإيمان والإستثناء فيها مستوفي في المائدة < < التوبة : ( 63 ) ألم يعلموا أنه . . . . . > > < > ( التوبه 63 ) < > قوله تعالى : ( ألم يعلموا ) يعني المنافقين وقرأ بن هرمز والحسن تعلموا بالتاء على الخطاب ( أنه ) في موضع نصب بيعلموا والهاء كناية عن الحديث ( من يحادد الله ) في موضع رفع بالابتداء والمحادة : وقوع هذا في حد وذاك في حد كالمشاقة يقال : حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده ( فأن له نار جهنم ) يقال : ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ فكان يجب أن يكون فإن بكسر الهمزة وقد أجاز الخليل وسيبويه فإن له نار جهنم بالكسر قال سيبويه : وهو جيد وأنشد وعلمي بأسدام المياه فلم تزل قلائص تخدي في طريق طلائح وأنى إذا ملت ركابي مناخها فإني على حظي من الأمر جامح إلا أن قراءة العامة فأن بفتح الهمزة فقال الخليل أيضا وسيبويه : إن أن الثانية مبدلة من الأولى وزعم المبرد ان هذا القول مردود وأن الصحيح ما قاله الجرمي قال : إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام ونظيره وهم في الآخرة هم الأخسرون وكذا فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وقال الأخفش : المعنى فوجوب النار له وأنكره المبرد وقال : هذا خطأ من أجل إن أن المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر وقال علي بن سليمان : المعنى فالواجب أن له نار جهنم فإن الثانية خبر ابتداء محذوف وقيل : التقدير فله أن له نار جهنم فإن مرفوعة بالاستقرار على إضمار المجرور بين الفاء وأن < < التوبة : ( 64 ) يحذر المنافقون أن . . . . . > > < > ( التوبه 64 ) <

Sección V08/P194–V08/P197

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يحذر المنافقون ) خبر وليس بأمر ويدل على أنه خبر أن ما بعده إن الله مخرج ما تحذرون لأنهم كفروا عنادا وقال السدي : قال بعض المنافقين والله وددت لو أني قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا فنزلت الآية يحذر أي يتحرز وقال الزجاج : معناه ليحذر فهو أمر كما يقال : يفعل ذلك الثانية قوله تعالى : ( أن تنزل عليهم ) أن في موضع نصب أي من أن تنزل ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفض على حذف من ويجوز أن تكون في موضع نصب مفعولة ليحذر لأن سيبويه أجاز : حذرت زيدا وأنشد : حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار ولم يجزه المبرد لأن الحذر شيء في الهيئة ومعنى عليهم أي على المؤمنين ( سورة ) في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساويهم ومثالبهم ولهذا سميت الفاضحة والمثيرة والمبعثرة كما تقدم أول السورة وقال الحسن : كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته الثالثة قوله تعالى : ( قل استهزئوا ) هذا أمر وعيد وتهديد ( إن الله مخرج ) أي مظهر ( ما تحذرون ) ظهوره قال بن عباس : أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلا ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ورحمة لأن أولادهم كانوا مسلمين والناس يعير بعضهم بعضا فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال : إن الله مخرج ما تحذرون وقيل : إخراج الله أنه عرف نبيه عليه السلام أحوالهم وأسماءهم لا أنها نزلت في القرآن ولقد قال الله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول محمد وهو نوع إلهام وكان من المنافقين من يتردد ولا يقطع بتكذيب محمد عليه السلام ولا بصدقه وكان فيهم من يعرف صدقه ويعاند < < التوبة : ( 65 ) ولئن سألتهم ليقولن . . . . . > > < > ( التوبه 65 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى هذه الآية نزلت في غزوة تبوك قال الطبري وغيره عن قتادة : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا انظروا هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر فأطلعه الله سبحانه وتعالى على ما في قلوبهم وما يتحدثون به فقال : ( احبسوا علي الركب ثم أتاهم فقال قلتم كذا وكذا ( فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب يريدون كنا غير مجدين وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر قال : رأيت قائل هذه المقالة وديعة بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي بن سلول وكذا ذكر القشيري عن بن عمر قال بن عطية : وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك قال القشيري : وقيل إنما قال عليه السلام هذا لوديعة بن ثابت وكان من المنافقين وكان في غزوة تبوك والخوض : الدخول في الماء ثم استعمل في كل دخول فيه تلويث وأذى الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا وهو كيفما كان كفر فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو العلم والحق والهزل أخو الباطل والجهل قال علماؤنا : انظر إلى قوله : أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين الثالثة واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال : لا يلزم مطلقا يلزم مطلقا التفرقة بين البيع وغيره فيلزم في النكاح والطلاق وهو قول الشافعي في الطلاق قولا واحدا ولا يلزم في البيع قال مالك في كتاب محمد : يلزم نكاح الهازل وقال أبو زيد عن بن القاسم في العتبية : لا يلزم وقال علي بن زياد : يفسخ قبل وبعد وللشافعي في بيع الهازل قولان وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان وحكى بن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم وإن اختلفا غلب الجد الهزل وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ( قال الترمذي : حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قلت : كذا في الحديث ( والرجعة ( وفي موطإ مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ثلاث ليس فيهم لعب النكاح والطلاق والعتق وكذا روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء كلهم قال : ثلاث لا لعب فيهن ولا رجوع فيهن واللاعب فيهن جاد النكاح والطلاق والعتق وعن سعيد بن المسيب عن عمر قال : أربع جائزات على كل أحد العتق والطلاق والنكاح والنذور وعن الضحاك قال : ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والنذور < <

Sección V08/P197–V08/P199

التوبة : ( 66 ) لا تعتذروا قد . . . . . > > < > ( التوبه 66 ) < > قوله تعالى : ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) على جهة التوبيخ كأنه يقول : لا تفعلوا ما لا ينفع ثم حكم عليهم بالكفر وعدم الاعتذار من الذنب واعتذر بمعنى أعذر أي صار ذا عذر قال لبيد : ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والاعتذار : محو أثر الموجدة يقال : اعتذرت المنازل درست والاعتذار الدروس قال الشاعر : أم كنت تعرف آيات فقد جعلت أطلال إلفك بالودكاء تعتذر وقال بن الأعرابي : أصله القطع واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة ومنه عذرة الغلام وهو ما يقطع منه عند الختان ومنه عذرة الجارية لأنه يقطع خاتم عذرتها قوله تعالى : ( إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) قيل : كانوا ثلاثة نفر هزئ اثنان وضحك واحد فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم والطائفة الجماعة ويقال للواحد على معنى نفس طائفة وقال بن الأنباري : يطلق لفظ الجمع على الواحد كقولك : خرج فلان على البغال قال : ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد طائفا والهاء للمبالغة واختلف في اسم هذا الرجل الذي عفي عنه على أقوال فقيل : مخشي بن حمير قاله بن إسحاق وقال بن هشام : ويقال فيه بن مخشي وقال خليفة بن خياط في تاريخه : اسمه مخاشن بن حمير وذكر بن عبد البر مخاشن الحميري وذكر السهيلي مخشن بن خمير وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان تاب وسمي عبد الرحمن فدعا الله أن يقتل شهيدا ولا يعلم بقبره واختلف هل كان منافقا أو مسلما فقيل : كان منافقا ثم تاب توبة نصوحا وقيل : كان مسلما إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم < < التوبة : ( 67 ) المنافقون والمنافقات بعضهم . . . . . > > < > ( التوبه 67 ) < > قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات ) ابتداء ( بعضهم ) ابتداء ثان ويجوز أن يكون بدلا ويكون الخبر من بعض ومعنى ( بعضهم من بعض ) أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدين وقال الزجاج هذا متصل بقوله : يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم أي ليسوا من المؤمنين ولكن بعضهم من بعض أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض أيديهم عبارة عن ترك الجهاد وفيما يجب عليهم من حق والنسيان : الترك هنا أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك وقيل : إنهم تركوا أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه وقال قتادة : نسيهم أي من الخير فأما من الشر فلم ينسهم والفسق : الخروج عن الطاعة والدين وقد تقدم < < التوبة : ( 68 ) وعد الله المنافقين . . . . . > > < > ( التوبه 68 ) < > قوله تعالى : ( وعد الله المنافقين ) يقال : وعد الله بالخير وعدا ووعد بالشر وعيدا ( خالدين ) نصب على الحال والعامل محذوف أي يصلونها خالدين ( هي حسبهم ) ابتداء وخبر أي هي كفاية ووفاء لجزاء أعمالهم واللعن : البعد أي من رحمة الله وقد تقدم ( ولهم عذاب مقيم ) أي واصب دائم < < التوبة : ( 69 ) كالذين من قبلكم . . . . . > > < > ( التوبه 69 ) <

Sección V08/P199–V08/P201

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( كالذين من قبلكم ) قال الزجاج : الكاف في موضع نصب أي وعد الله الكفار ونار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلهم وقيل : المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف فحذف المضاف وقيل : أي أنتم كالذين من قبلكم فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف ولم ينصرف أشد لأنه أفعل صفة والأصل فيه أشدد أي كانوا أشد منكم قوة فلم يتهيأ لهم ولا أمكنهم رفع عذاب الله عز وجل الثانية روى سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه ( قال أبو هريرة : وإن شئتم فاقرءوا القرآن : كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم قال أبو هريرة : والخلاق الدين فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم حتى فرغ من الآية قالوا : يا نبي الله فما صنعت اليهود والنصارى قال : ( وما الناس إلا هم ( وفي الصحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ( قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى قال : ( فمن ( وقال بن عباس : ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم ونحوه عن بن مسعود الثالثة قوله تعالى : ( فاستمتعوا بخلاقهم ) أي انتفعوا بنصيبهم من الدين كما فعل الذين من قبلهم ( وخضتم ) خروج من الغيبة إلى الخطاب ( كالذي خاضوا ) أي كخوضهم فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي وخضتم خوضا كالذين خاضوا والذي اسم ناقص مثل من يعبر به عن الواحد والجمع وقد مضى في البقرة ويقال : خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا والموضع مخاضة وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانا وجمعها المخاض والمخاوض أيضا عن أبي زيد وأخضت دابتي في الماء وأخاض القوم أي خاضت خيلهم وخضت الغمرات : اقتحمتها ويقال : خاضه بالسيف أي حرك سيفه في المضروب وخوض في نجيعه شدد للمبالغة والمخوض للشراب كالمجدع للسويق يقال منه : خضت الشراب وخاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي تفاوضوا فيه فالمعنى : خضتم في أسباب الدنيا باللهو واللعب وقيل : في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب ( أولئك حبطت ) بطلت وقد تقدم ( أعمالهم ) حسناتهم ( وأولئك هم الخاسرون ) وقد تقدم أيضا < < التوبة : ( 70 ) ألم يأتهم نبأ . . . . . > > < > ( التوبه 70 ) <

Sección V08/P201–V08/P202

> قوله تعالى : ( أم يأتهم نبأ ) أي خبر ( الذين من قبلهم ) والألف لمعنى التقرير والتحذير أي ألم يسمعوا إهلاكنا الكفار من قبل ( قوم نوح وعاد وثمود ) بدل من الذين ( وقوم إبراهيم ) أي نمرود بن كنعان وقومه ( وأصحاب مدين ) مدين اسم للبلد الذي كان فيه شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة ( والمؤتفكات ) قيل : يراد به قوم لوط لأن أرضهم ائتفكت بهم أي انقلبت قاله قتادة وقيل : المؤتفكات كل من أهلك كما يقال : انقلبت عليهم الدنيا ( أتتهم رسلهم بالبينات ) يعني جميع الأنبياء وقيل : أتت أصحاب المؤتفكات رسلهم فعلى هذا رسولهم لوط وحده ولكنه بعث في كل قرية رسولا وكانت ثلاث قريات وقيل أربع وقوله تعالى في موضع آخر : والمؤتفكة النجم على طريق الجنس وقيل : أراد بالرسل الواحد كقوله يأيها الرسل كلوا من الطيبات المؤمنون ولم يكن في عصره غيره قلت وهذا فيه نظر للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين ( الحديث وقد تقدم في البقرة والمراد جميع الرسل والله أعلم قوله تعالى : ( فما كان الله ليظلمهم ) أي ليهلكهم حتى يبعث إليهم الأنبياء ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم < < التوبة : ( 71 ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم . . . . . > > < > ( التوبه 71 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( بعضهم أولياء بعض ) أي قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف وقال في المنافقين بعضهم من بعض لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم الثانية قوله تعالى : ( يأمرون بالمعروف ) أي بعبادة الله تعالى وتوحيده وكل ما أتبع ذلك ( وينهون عن المنكر ) عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال : كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة وآل عمران والحمد لله الثالثة قوله تعالى : ( ويقيمون الصلاة ) تقدم في أول البقرة القول فيه وقال بن عباس : هي الصلوات الخمس وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة بن عطية : والمدح عندي بالنوافل أبلغ إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرائض الرابعة قوله تعالى : ( ويطيعون الله ) في الفرائض ( ورسوله ) فيما سن لهم والسين في قوله : ( سيرحمهم الله ) مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تتنعم برجائه وفضله تعالى زعيم بالإنجاز < < التوبة : ( 72 ) وعد الله المؤمنين . . . . . > > < > ( التوبه 72 ) <

Sección V08/P202–V08/P204

> قوله تعالى : ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ) أي بساتين ( تجري من تحتها الأنهار ) أي من تحت أشجارها وغرفها الأنهار وقد تقدم في البقرة أنها تجري منضبطة بالقدرة في غير أخدود ( خالدين فيها ومساكن طيبة ) قصور من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام ( في جنات عدن ) أي في دار إقامة يقال : عدن بالمكان إذا أقام به ومنه المعدن وقال عطاء الخرساني : جنات عدن هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن جل وعز وقال بن مسعود : هي بطنان الجنة أي وسطها وقال الحسن : هي قصر من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ونحوه عن الضحاك وقال مقاتل والكلبي : عدن أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم والجنان حولها محفوفة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله ( ورضوان من الله أكبر ) أي أكبر من ذلك ( ذلك هو الفوز العظيم ) < < التوبة : ( 73 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( التوبه 73 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( يأيها النبي جاهد الكفار ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده قيل : المراد جاهد بالمؤمنين الكفار وقال بن عباس : أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ وروي عن بن مسعود أنه قال : جاهد المنافقين بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع فأكفهر في وجوههم وقال الحسن : جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان واختاره قتادة وكانوا أكثر من يصيب الحدود بن العربي : أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة وأما بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين الثانية قوله تعالى : ( واغلظ عليهم ) الغلظ : نقيض الرأفة وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه وليس ذلك في اللسان فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ( ومنه قوله تعالى : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ومنه قول النسوة لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى الغلظ خشونة الجانب فهي ضد قوله تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين الشعراء واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح < < التوبة : ( 74 ) يحلفون بالله ما . . . . . > > < > ( التوبه 74 ) <

Sección V08/P204–V08/P207

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يحلفون بالله ما قالوا ) روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق وإنك لشر من حمار وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب وحلف عامر لقد قال وقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا فنزلت وقيل : إن الذي سمعه عاصم بن عدي وقيل حذيفة وقيل : بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بن سعد فيما قال بن إسحاق وقال غيره : إسمه مصعب فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره ففيه نزل : وهموا بما لم ينالوا قال مجاهد : وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله ثم لم يفعل عجز عن ذلك قال ذلك هي الإشارة بقوله وهموا بما لم ينالوا وقيل : إنها نزلت في عبد الله بن أبي رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة وكانت جهينة حلفاء الأنصار فعلا الغفاري الجهني فقال بن أبي : يا بني الأوس والخزرج انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فجاءه عبد الله بن أبي فحلف أنه لم يقله قاله قتادة وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين قاله الحسن بن العربي : وهو الصحيح لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي الثانية قوله تعالى : ( ولقد قالوا كلمة الكفر ) قال النقاش : تكذيبهم بما وعد الله من الفتح وقيل : كلمة الكفر قول الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير وقول عبد الله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال القشيري : كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام ( وكفروا بعد إسلامهم ) أي بعد الحكم بإسلامهم فدل هذا على أن المنافقين كفار وفي قوله تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا المنافقون دليل قاطع ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة قال إسحاق بن راهويه : ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع لأنهم بأجمعهم قالوا : من عرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك الثالثة قوله تعالى : ( وهموا بما لم ينالوا ) يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك وكانوا اثني عشر رجلا قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم فقلت : ألا تبعث إليهم فتقتلهم فقال : ( أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة ( قيل : يا رسول الله وما الدبيلة قال : ( شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه ( فكان كذلك خرجه مسلم بمعناه وقيل هموا بعقد التاج على رأس بن أبي ليجتمعوا عليه وقد تقدم قول مجاهد في هذا الرابعة قوله تعالى : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) أي ليس ينقمون شيئا كما قال النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ويقال : نقم ينقم ونقم ينقم قال الشاعر في الكسر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا وقال زهير : يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم ينشد بكسر القاف وفتحها قال الشعبي : كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا ويقال : إن القتيل كان مولى الجلاس وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم وهذا المثل مشهور ( اتق شر من أحسنت إليه ) قال القشيري أبو نصر : قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه قال نعم وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله الخامسة قوله تعالى : ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق وقد اختلف في ذلك العلماء فقال الشافعي : تقبل توبته وقال مالك : توبة الزنديق لا تعرف لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر ولا يعلم إيمانه إلا بقوله وكذلك يفعل الآن في كل حين يقول : أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر فإذا عثر عليه وقال : تبت لم يتغير حاله عما كان عليه فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته وهو المراد بالآية والله أعلم السادسة قوله تعالى : ( وإن يتولوا ) أي يعرضوا عن الإيمان والتوبة ( يعذبهم الله عذابا أليما ) في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار ( وما لهم في الأرض من ولي ) أي مانع يمنعهم ( ولا نصير ) أي معين وقد تقدم < <

Sección V08/P207

التوبة : ( 75 ) ومنهم من عاهد . . . . . > > < > ( التوبه 75 : 78 ) <

Preguntas