Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V10/P097–V10/P099

> قوله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) هذا من صفة الكافرين وظالمي أنفسهم نصب على الحال أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها موارد الهلاك ( فألقوا السلم ) أي الاستسلام أي أقروا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت وقالوا : ( ما كنا نعمل من سوء ) أي من شرك فقالت لهم الملائكة : ( بلى ) قد كنتم تعملون الأسواء ( إن الله عليم بما كنتم تعملون ) وقال عكرمة : نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها فقال : ( الذين تتوفاهم الملائكة ) بقبض أرواحهم ( ظالمي أنفسهم ) في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة ( فألقوا السلم ) يعني في خروجهم معهم وفيه ثلاثة أوجه : أحدها أنه الصلح قاله الأخفش الثاني الاستسلام قاله قطرب الثالث الخضوع قاله مقاتل ( ما كنا نعمل من سوء ) يعني من كفر ( بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ) يعني أن أعمالهم أعمال الكفار وقيل : إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين فنزلت فيهم وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ينقاد ويستسلم ويخضع ويذل ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان كما قال : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا وقد تقدم هذا المعنى وتقدم في الأنفال إن الكفار يتوفون بالضرب والهوان وكذلك في الأنعام وقد ذكرناه في كتاب التذكرة < < النحل : ( 29 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . > > < > ( النحل 29 ) < > قوله تعالى : ( فادخلوا أبواب جهنم ) أي يقال لهم ذلك عند الموت وقيل : هو بشارة لهم بعذاب القبر إذ هو باب من أبواب جهنم للكافرين وقيل : لا تصل أهل الدركة الثانية إليها مثلا إلا بدخول الدركة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة هكذا وقيل : لكل دركة باب مفرد فالبعض يدخلون من باب والبعض يدخلون من باب آخر فالله أعلم ( خالدين فيها ) أي ماكثين فيها ( فلبئس مثوى ) أي مقام ( المتكبرين ) الذين تكبروا عن الإيمان وعن عبادة الله تعالى وقد بينهم بقوله الحق : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون < < النحل : ( 30 ) وقيل للذين اتقوا . . . . . > > < > ( النحل 30 : 32 ) <

Sección V10/P099–V10/P101

> قوله تعالى : ( وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ) أي قالوا : أنزل خيرا وتم الكلام وماذا على هذا اسم واحد وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون : ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون ويسأل المؤمنين فيقولون : أنزل الله عليه الخير والهدى والمراد القرآن وقيل : إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة قال الثعلبي : فإن قيل : لم ارتفع الجواب في قوله : أساطير الأولين وانتصب في قوله : خيرا فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل فكأنهم قالوا : الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا : أنزل خيرا وهذا مفهوم معناه من الإعراب والحمد لله قوله تعالى : ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) قيل : هو من كلام الله عز وجل وقيل : هو من جملة كلام الذين اتقوا والحسنة هنا : الجنة أي من أطاع الله فله الجنة غدا وقيل : للذين أحسنوا اليوم حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغنيمة : ( ولدار الآخرة خير ) أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا لفنائها وبقاء الآخرة ( ولنعم دار المتقين ) فيه وجهان قال الحسن : المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة وقيل : المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة وهذا قول الجمهور وعلى هذا تكون ( جنات عدن ) بدلا من الدار فلذلك ارتفع وقيل : ارتفع على تقدير هي جنات فهي مبينة لقوله : دار المتقين أو تكون مرفوعة بالابتداء التقدير : جنات عدن نعم دار المتقين ( يدخلونها ) في موضع الصفة أي مدخولة وقيل : جنات رفع بالابتداء وخبره يدخلونها وعليه يخرج قول الحسن والله أعلم ( تجري من تحتها الأنهار ) تقدم معناه في البقرة ( لهم فيها ما يشاءون ) أي مما تمنوه وأرادواه ( كذلك يجزئ الله المتقين ) أي مثل هذا الجزاء يجزئ الله المتقين ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) قرأ الأعمش وحمزة يتوفاهم الملائكة في الموضعين بالياء واختاره أبو عبيد لما روي عن بن مسعود أنه قال : إن قريشا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم الباقون بالتاء لأن المراد به الجماعة من الملائكة و ( طيبين ) فيه ستة أقوال : الأول طيبين طاهرين من الشرك الثاني صالحين الثالث زاكية أفعالهم وأقوالهم الرابع طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى الخامس طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله السادس طيبين أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط والله أعلم ( يقولون سلام عليكم ) يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة الثاني أن يكون تبشيرا لهم بالجنة لأن السلام أمان وذكر بن المبارك قال : حدثني حيوة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك ولي الله الله يقرأ عليك السلام ثم نزع بهذه الآية الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم وقال بن مسعود : إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام وقال مجاهد : إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه وقد أتينا على هذا في [ كتاب التذكرة ] وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى والحمد لله وقوله : ( ادخلوا الجنة ) يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة الثاني أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة ( بما كنتم تعملون ) يعني في الدنيا من الصالحات < < النحل : ( 33 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > < > ( النحل 33 ) <

Sección V10/P101–V10/P103

> قوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) هذا راجع إلى الكفار أي ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم وقرأ الأعمش وبن وثاب وحمزة والكسائي وخلف يأتيهم الملائكة بالياء والباقون بالتاء على ما تقدم ( أو يأتي أمر ربك ) أي بالعذاب من القتل كيوم بدر أو الزلزلة والخسف في الدنيا وقيل : المراد يوم القيامة والقوم لم ينتظروا هذه الأشياء لأنهم ما آمنوا بها ولكن امتناعهم عن الإيمان أوجب عليهم العذاب فأضيف ذلك إليهم أي عاقبتهم العذاب ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي أصروا على الكفر فأتاهم أمر الله فهلكوا ( وما ظلمهم الله ) أي بتعذيبهم وإهلاكهم ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك < < النحل : ( 34 ) فأصابهم سيئات ما . . . . . > > < > ( النحل 34 ) < > قوله تعالى : ( فأصابهم سيئات ما عملوا ) قيل : فيه تقديم وتأخير التقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم عقوبات كفرهم وجزاء الخبيث من أعمالهم ( وحاق بهم ) أي أحاط بهم ودار ( ما كانوا به يستهزئون ) أي عقاب استهزائهم < < النحل : ( 35 ) وقال الذين أشركوا . . . . . > > < > ( النحل 35 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) أي شيئا ومن صلة قال الزجاج : قالوه استهزاء ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين وقد مضى هذا في سورة الأنعام مبينا معنى وإعرابا فلا معنى للإعادة ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من كان قبلهم بالرسل فأهلكوا ( فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) أي ليس عليهم إلا التبليغ وأما الهداية فهي إلى الله تعالى < < النحل : ( 36 ) ولقد بعثنا في . . . . . > > < > ( النحل 36 ) < > قوله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ) أي بأن اعبدوا الله ووحدوه ( واجتنبوا الطاغوت ) أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى الضلال ( فمنهم من هدى الله ) أي أرشده إلى دينه وعبادته ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره وهذا يرد على القدرية لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى والله تعالى يقول : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقد تقدم هذا في غير موضع ( فسيروا في الأرض ) أي فسيروا معتبرين في الأرض ( فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك < < النحل : ( 37 ) إن تحرص على . . . . . > > < > ( النحل 37 ) <

Sección V10/P103–V10/P105

> قوله تعالى : ( إن تحرص على هداهم ) أي إن تطلب يا محمد بجهدك هداهم ( فإن الله لا يهدي من يضل ) أي لا يرشد من أضله أي من سبق له من الله الضلالة لم يهده وهذه قراءة بن مسعود وأهل الكوفة ف يهدي فعل مستقبل وماضيه هدى ومن في موضع نصب ب يهدي ويجوز أن يكون هدى يهدي بمعنى اهتدى يهتدي رواه أبو عبيد عن الفراء قال : كما قرئ أمن لا يهدي إلا أن يهدى بمعنى يهتدي قال أبو عبيد ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء وليس بمتهم فيما يحكيه النحاس : حكى لي عن محمد بن يزيد كأن معنى لا يهدي من يضل من علم ذلك منه وسبق ذلك له عنده قال : ولا يكون يهدي بمعنى يهتدي إلا ان يكون يهدي أو يهدى وعلى قول الفراء يهدي بمعنى يهتدي فيكون من في موضع رفع والعائد إلى من الهاء المحذوفة من الصلة والعائد إلى اسم إن الضمير المستكن في يضل وقرأ الباقون لا يهدى بضم الياء وفتح الدال واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على معنى من أضله الله لم يهده هاد دليله قوله : من يضلل الله فلا هادي له ومن في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله وهي بمعنى الذي والعائد عليها من صلتها محذوف والعائد على اسم إن من فإن الله الضمير المستكن في يضل ( ومالهم من ناصرين ) تقدم معناه < < النحل : ( 38 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . > > < > ( النحل 38 ) < > قوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) هذا تعجيب من صنعهم إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث الأموات وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه وكان في بعض كلامه : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا فأقسم المشرك بالله : لا يبعث الله من يموت فنزلت الآية وقال قتادة : ذكر لنا أن بن عباس قال له رجل : يا بن عباس إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث بعد الموت قبل الساعة ويتأولون هذه الآية فقال بن عباس : كذب أولئك إنما هذه الآية عامة للناس لو كان علي مبعوثا قبل القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه ( بلى ) هذا رد عليهم أي بلى ليبعثنهم ( وعدا عليه حقا ) مصدر مؤكد لأن قوله يبعثهم يدل على الوعد أي وعد البعث وعدا حقا ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أنهم مبعوثون وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال الله تعالى كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( وقد تقدم ويأتي < < النحل : ( 39 ) ليبين لهم الذي . . . . . > > < > ( النحل 39 ) < > قوله تعالى : ( ليبين لهم ) أي ليظهر لهم ( الذي يختلفون فيه ) أي من أمر البعث ( وليعلم الذين كفروا ) بالبعث وأقسموا عليه ( أنهم كانوا كاذبين ) وقيل : المعنى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم الذي يختلفون فيه والذي اختلف فيه المشركون والمسلمون أمور : منها البعث ومنها عبادة الأصنام ومنها إقرار قوم بأن محمدا حق ولكن منعهم من اتباعه التقليد كأبي طالب < < النحل : ( 40 ) إنما قولنا لشيء . . . . . > > < > ( النحل 40 ) <

Sección V10/P105–V10/P107

> أعلمهم سهولة الخلق عليه أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ولا في غير ذلك مما نحدثه لأنا إنما نقول له كن فيكون قراءة بن عامر والكسائي فيكون نصبا عطفا على أن نقول وقال الزجاج : يجوز أن يكون نصبا على جواب كن الباقون بالرفع على معنى فهو يكون وقد مضى القول فيه في البقرة مستوفى وقال بن الأنباري : أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق لأنه لو كان قوله كن مخلوقا لاحتاج إلى قول ثان والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالا وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين : إما لكونه جاهلا لا يدري وإما لكونه مغلوبا لا يطيق ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد ويستحيل أن يكون فاعلا لشيء وهو غير مريد له لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد وهذا قول الطبيعيين وقد أجمع الموحدون على خلافه وفساده قوله تعالى : < < النحل : ( 41 ) والذين هاجروا في . . . . . > > < > ( النحل 41 ) < > قوله تعالى : ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ) قد تقدم في النساء معنى الهجرة وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله وترك السيئات وقيل : في بمعنى اللام أي لله ( من بعد ما ظلموا ) أي عذبوا في الله نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة قاله الكلبي وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل وقال قتادة : المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين والآية تعم الجميع ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) في الحسنة ستة أقوال : الأول نزول المدينة قاله بن عباس والحسن والشعبي وقتادة الثاني الرزق الحسن قاله مجاهد الثالث النصر على عدوهم قاله الضحاك الرابع إنه لسان صدق حكاه بن جريج الخامس ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات السادس ما بقي لهم في الدنيا من الثناء وما صار فيها لأولادهم من الشرف وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله والحمد لله ( ولأجر الآخرة أكبر ) أي ولأجر دار الآخرة أكبر أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ( لو كانوا يعلمون ) أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك وقيل : هو راجع إلى المؤمنين أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما ادخر لكم في الآخرة أكثر ثم تلا عليهم هذه الآية < < النحل : ( 42 ) الذين صبروا وعلى . . . . . > > < > ( النحل 42 ) < > قوله تعالى : ( الذين ) بدل من الذين الأول وقيل : من الضمير في لنبوئنهم وقيل : هم الذين صبروا على دينهم ( وعلى ربهم يتوكلون ) في كل أمورهم وقال بعض أهل التحقيق : خيار الخلق من إذا نابه أمر صبر وإذا عجز عن أمر توكل قال الله تعالى : الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون < < النحل : ( 43 ) وما أرسلنا من . . . . . > > <

Sección V10/P107–V10/P110

> ( النحل 43 : 44 ) < > قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) قراءة العامة يوحى بالياء وفتح الحاء وقرأ حفص عن عاصم نوحي إليهم بنون العظمة وكسر الحاء نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث إلينا ملكا فرد الله تعالى عليهم بقوله : وما أرسلنا من قبلك إلى الأمم الماضية يا محمد إلا رجالا آدميين ( فاسألوا أهل الذكر ) قال سفيان : يعني مؤمني أهل الكتاب ( إن كنتم لاتعلمون ) يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشرا وقيل : المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر روي معناه عن بن عباس ومجاهد وقال بن عباس : أهل الذكر أهل القرآن وقيل : أهل العلم والمعنى متقارب ( بالبينات والزبر ) قيل : بالبينات متعلق ب أرسلنا وفي الكلام تقديم وتأخير أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا أي غير رجال ف إلا بمعنى غير كقوله : لا إله إلا الله وهذا قول الكلبي نوحي إليهم وقيل : في الكلام حذف دل عليه أرسلنا أي أرسلناهم بالبينات والزبر ولا يتعلق بالبينات ب أرسلنا الأول على هذا القول لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها وإنما يتعلق بأرسلنا المقدرة أي أرسلناهم بالبينات وقيل : مفعول ب تعملون والباء زائدة أو نصب بإضمار أعني كما قال الأعشى : وليس مجيرا إن أتى الحي خائف ولا قائلا إلا هو المتعيبا أي أعني المتعيب والبينات : الحجج والبراهين والزبر : الكتب وقد تقدم في آل عمران ( وأنزلنا إليك الذكر ) يعني القرآن ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك فالرسول صلى الله عليه وسلم مبين عن الله عز وجل مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يفصله وقد تقدم هذا المعنى مستوفى من مقدمة الكتاب والحمد لله ( ولعلهم يتفكرون ) فيتعظون < < النحل : ( 45 ) أفأمن الذين مكروا . . . . . > > < > ( النحل 45 : 47 ) < > قوله تعالى : ( أفأمن الذين مكروا السيئات ) أي بالسيئات وهذا وعيد للمشركين الذين احتالوا في إبطال الإسلام ( أن يخسف الله بهم الأرض ) قال بن عباس : كما خسف بقارون يقال : خسف المكان يخسف خسوفا ذهب في الأرض وخسف الله به الأرض خسوفا أي غاب به فيها ومنه قوله : فخسفنا به وبداره الأرض وخسف هو في الأرض وخسف به والاستفهام بمعنى الإنكار أي يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين ( أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ) كما فعل بقوم لوط وغيرهم وقيل : يريد يوم بدر فإنهم أهلكوا ذلك اليوم ولم يكن شيء منه في حسابهم ( أو يأخذهم في تقلبهم ) أي في أسفارهم وتصرفهم قاله قتادة ( فما هم بمعجزين ) أي مسابقين الله ولا فائتيه وقيل : في تقلبهم على فراشهم اينما كانوا وقال الضحاك : بالليل والنهار ( أو يأخذهم على تخوف ) قال بن عباس ومجاهد وغيرهما : أي على تنقص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم وكذا قال بن الأعرابي : أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم وقال الضحاك : هو من الخوف المعنى : يأخذ طائفة ويدع طائفة فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها وقال الحسن : على تخوف أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه وهما راجعان إلى المعنى الأول وأن التخوف التنقص تخوفه تنقصه وتخوفه الدهر وتخونه [ بالفاء والنون ] بمعنى يقال : تخونني فلان حقي إذا تنقصك قال ذو الرمة : لا بل هو الشوق من دار تخونها مرا سحاب ومرا بارح ترب وقال لبيد : تخونها نزولي وارتحالي أي تنقص لحمها وشحمها وقال الهيثم بن عدي : التخوف [ بالفاء ] التنقص لغة لأزد شنوءة وأنشد : تخوف غدرهم مالي وأهدى سلاسل في الحلوق لها صليل وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : يا أيها الناس ما تقولون في قول الله عز وجل : أو يأخذهم على تخوف فسكت الناس فقال شيخ من بني هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين التخوف التنقص فخرج رجل فقال : يا فلان ما فعل دينك قال : تخوفته أي تنقصته فرجع فأخبر عمر فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه : تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر : يا أيها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم تمك السنام يتمك تمكا أي طال وارتفع فهو تامك والسفن والمسفن ما ينجر به الخشب وقال الليث بن سعد : على تخوف على عجل وقيل : على تقريع بما قدموه من ذنوبهم وهذا مروي عن بن عباس أيضا وقال قتادة : على تخوف أن يعاقب أو يتجاوز ( فإن ربكم لرءوف رحيم ) أي لا يعاجل بل يمهل < <

Sección V10/P110–V10/P112

النحل : ( 48 ) أو لم يروا . . . . . > > < > ( النحل 48 ) < > قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش ( تروا ) بالتاء على أن الخطاب لجميع الناس الباقون بالياء خبرا عن الذين يمكرون السيئات وهو الاختيار ( من شيء ) يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل قاله بن عباس وإن كانت الأشياء كلها سميعة مطيعة لله تعالى ( يتفيأ ظلاله ) قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتاء لتأنيث الظلال الباقون بالياء واختاره أبو عبيد أي يميل من جانب إلى جانب ويكون أول النهار على حال ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى فدورانها وميلانها من موضع إلى موضع سجودها ومنه قيل للظل بالعشي : فيء لأنه فاء من المغرب إلى المشرق أي رجع والفيء الرجوع ومنه حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما وقد مضى هذا المعنى في سورة الرعد وقال الزجاج : يعني سجود الجسم وسجوده انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة وهذا عام في كل جسم ومعنى ( وهم داخرون ) أي خاضعون صاغرون والدخور : الصغار والذل يقال : دخر الرجل [ بالفتح ] فهو داخر وأدخره الله وقال ذو الرمة : فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في حجر كذا نسبه الماوردي لذي الرمة ونسبه الجوهري للفرزدق وقال : المخيس اسم سجن كان بالعراق أي موضع التذلل وقال : أما تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا ووحد اليمين في قوله : عن اليمين وجمع الشمال لأن معنى اليمين وإن كان واحدا الجمع ولو قال : عن الأيمان والشمائل واليمين والشمائل أو اليمين والشمال أو الأيمان والشمال لجاز لأن المعنى للكثرة وأيضا فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى كقوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وكقوله : ويخرجهم من الظلمات إلى النور ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ ما والشمال على معناها ومثل هذا الكلام كثير قال الشاعر : ال واردون وتي م ف ي ذرا سب إ قد عض أعناقهم جلد الجواميس ولم يقل جلود وقيل : وحد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات فسماها شمائل < < النحل : ( 49 ) ولله يسجد ما . . . . . > > < > ( النحل 49 : 50 ) < > قوله تعالى : ( ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ) أي من كل ما يدب على الأرض ( والملائكة ) يعني الملائكة الذين في الأرض وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة فيميزهم من صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها كقوله : فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن وقيل : لخروجهم من جملة ما يدب لما جعل الله لهم من الأجنحة فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا وقيل : أراد ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب وما في الأرض من دابة وتسجد ملائكة الأرض ( وهم لا يستكبرون ) عن عبادة ربهم وهذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله ومعنى ( يخافون ربهم من فوقهم ) أي عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل : المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف وقيل : معنى يخافون ربهم من فوقهم يعني الملائكة يخافون ربهم وهي من فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون فلأن يخاف من دونهم أولى دليل هذا القول قوله تعالى : ( ويفعلون ما يؤمرون ) يعني الملائكة < < النحل : ( 51 ) وقال الله لا . . . . .

Sección V10/P112–V10/P114

> > < > ( النحل 51 ) < > قوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ) قيل : المعنى لا تتخذوا اثنين إلهين وقيل : جاء قوله اثنين توكيدا ولما كان الإله الحق لا يتعدد وأن كل من يتعدد فليس بإله اقتصر على ذكر الاثنين لأنه قصد نفي التعديد ( إنما هو إله واحد ) يعني ذاته المقدسة وقد قام الدليل العقلي والشرعي على وحدانيته حسبما تقدم في البقرة بيانه وذكرناه في اسمه الواحد في شرح الأسماء والحمد لله ( فإياي فارهبون ) أي خافون وقد تقدم في البقرة < < النحل : ( 52 ) وله ما في . . . . . > > < > ( النحل 52 ) < > قوله تعالى : ( وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا ) الدين : الطاعة والإخلاص وواصبا معناه دائما قاله الفراء حكاه الجوهري وصب الشيء يصب وصوبا أي دام ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه والمعنى : طاعة الله واجبة أبدا وممن قال واصبا دائما : الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك ومنه قوله تعالى : ولهم عذاب واصب أي دائم وقال الدؤلي : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه بدم يكون الدهر أجمع واصبا أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما : ما أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا وقيل : الوصب التعب والإعياء أي تجب طاعة الله وإن تعب العبد فيها ومنه قول الشاعر : لا يمسك الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر وقال بن عباس : واصبا واجبا الفراء والكلبي : خالصا ( أفغير الله تتقون ) أي لا ينبغي أن تتقوا غير الله ف غير نصب ب تتقون < < النحل : ( 53 ) وما بكم من . . . . . > > < > ( النحل 53 : 55 ) < > قوله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) قال الفراء ما بمعنى الجزاء والباء في بكم متعلقة بفعل مضمر تقديره : وما يكن بكم ( من نعمة ) أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله وقيل : المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي ( ثم إذا مسكم الضر ) أي السقم والبلاء والقحط ( فإليه تجأرون ) أي تضجون بالدعاء يقال : جأر يجأر جؤارا والجؤار مثل الخوار يقال : جأر الثور يجأر أي صاح وقرأ بعضهم عجلا جسدا له جؤار حكاه الأخفش وجأر الرجل إلى الله أي تضرع بالدعاء وقال الأعشى يصف بقرة : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا ( ثم إذا كشف الضر عنكم ) أي البلاء والسقم ( إذا فريق منكم بربهم يشركون ) بعد إزالة البلاء وبعد الجؤار فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك وهذا المعنى مكرر في القرآن وقد تقدم في الأنعام ويونس ويأتي في سبحان وغيرها وقال الزجاج : هذا خاص بمن كفر ( ليكفروا بما آتيناهم ) أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء أي أشركوا ليجحدوا فاللام لام كي وقيل لام العاقبة وقيل : ليكفروا بما آتيناهم أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر وكل هذا فعل خبيث كما قال : والكفر مخبثة لنفس المنعم ( فتمتعوا ) أمر تهديد وقرأ عبد الله قل تمتعوا ( فسوف تعلمون ) أي عاقبة أمركم قوله تعالى : < < النحل : ( 56 ) ويجعلون لما لا . . . . . > > < > ( النحل 56 ) <

Sección V10/P114–V10/P116

> قوله تعالى : ( ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ) ذكر نوعا آخر من جهالتهم وأنهم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضر وينفع وهي الأصنام شيئا من أموالهم يتقربون به إليه قاله مجاهد وقتادة وغيرهما ف يعلمون على هذا للمشركين وقيل هي للأوثان وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل فهو رد على ما ومفعول يعلم محذوف والتقدير : ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا وقد مضى في الأنعام تفسير هذا المعنى في قوله : فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال : ( تالله لتسئلن ) وهذا سؤال توبيخ ( عما كنتم تفترون ) أي تختلقونه من الكذب على الله أنه أمركم بهذا < < النحل : ( 57 ) ويجعلون لله البنات . . . . . > > < > ( النحل 57 ) < > قوله تعالى : ( ويجعلون لله البنات ) نزلت في خزاعة وكنانة فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله فكانوا يقولون ألحقوا البنات بالبنات ( سبحانه ) نزه نفسه وعظمها عما نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد ( ولهم ما يشتهون ) أي يجعلون لأنفسهم البنين ويأنفون من البنات وموضع ما رفع بالابتداء والخبر لهم وتم الكلام عند قوله : سبحانه وأجاز الفراء كونها نصبا على تقدير : ويجعلون لهم ما يشتهون وأنكره الزجاج وقال : العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم < < النحل : ( 58 ) وإذا بشر أحدهم . . . . . > > < > ( النحل 58 ) < > قوله تعالى : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ) أي أخبر أحدهم بولادة بنت ( ظل وجهه مسودا ) أي متغيرا وليس يريد السواد الذي هو ضد البياض وإنما هو كناية عن غمه بالبنت والعرب تقول لكل من لقي مكروها : قد اسود وجهه غما وحزنا قاله الزجاج وحكى الماوردي أن المراد سواد اللون قال : وهو قول الجمهور ( وهو كظيم ) أي ممتلىء من الغم وقال بن عباس : حزين وقال الأخفش : هو الذي يكظم غيظه فلا يظهره وقيل : إنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الغم مأخوذ من الكظامة وهو شد فم القربة قاله علي بن عيسى وقد تقدم هذا المعنى في سورة يوسف < < النحل : ( 59 ) يتوارى من القوم . . . . . > > < > ( النحل 59 ) <

Sección V10/P116–V10/P118

> قوله تعالى : ( يتوارى من القوم ) أي يختفي ويتغيب ( من سوء ما بشر به ) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت ( أيمسكه ) ذكر الكناية لأنه مردود على ما على هون أي هوان وكذا قرأ عيسى الثقفي على هوان والهون الهوان بلغة قريش قاله اليزيدي وحكاه أبو عبيد عن الكسائي وقال الفراء : هو القليل بلغة تميم وقال الكسائي : هو البلاء والمشقة وقالت الخنساء : نهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أبقى لها وقرأ الأعمش أيمسكه على سوء ذكره النحاس قال : وقرأ الجحدري أم يدسها في التراب يرده على قوله : بالأنثى ويلزمه أن يقرأ أيمسكها وقيل : يرجع الهوان إلى البنت أي أيمسكها وهي مهانة عنده وقيل : يرجع إلى المولود له أيمسكه على رغم أنفه أم يدسه في التراب وهو ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية قال قتادة : كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء وأشدهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر : وعمي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد وقيل : دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس في التراب لإخفائه عن الأبصار وهذا محتمل مسألة ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ثم قامت فخرجت وابنتاها فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته حديثها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار ( ففي هذا الحديث ما يدل على أن البنات بلية ثم أخبر أن في الصبر عليهن والإحسان إليهن ما يقي من النار وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله عز وجل قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار ( وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ( وضم أصابعه خرجهما أيضا مسلم رحمه الله وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار ( وخطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال : إني وإن سيق إلي المهر ألف وعبدان وخور عشر أحب أصهاري إلى القبر وقال عبد الله بن طاهر : لكل أبي بنت يراعي شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبر ( ألا ساء ما يحكمون ) أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم نظيره ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى النجم أي جائرة وسيأتي < < النحل : ( 60 ) للذين لا يؤمنون . . . . . > > < > ( النحل 60 ) <

Sección V10/P118–V10/P119

> قوله تعالى : ( للذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي لهؤلاء الواصفين لله البنات ( مثل السوء ) أي صفة السوء من الجهل والكفر وقيل : هو وصفهم الله تعالى بالصاحبة والولد وقيل : أي العذاب والنار ( ولله المثل الأعلى ) أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد قاله قتادة وقيل : أي الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجاز وقال بن عباس : مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وقيل : ليس كمثله شيء وقيل : ولله المثل الأعلى كقوله : الله نور السماوات والأرض مثل نوره فإن قيل : كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال : فلا تضربوا لله الأمثال فالجواب أن قوله : فلا تضربوا لله الأمثال أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص أي لا تضربوا لله مثلا يقتضي نقصا وتشبيها بالخلق والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ( وهو العزيز الحكيم ) تقدم معناه < < النحل : ( 61 ) ولو يؤاخذ الله . . . . . > > < > ( النحل 61 ) < > قوله تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) أي بكفرهم وافترائهم وعاجلهم ( ما ترك عليها ) أي على الأرض فهو كناية عن غير مذكور لكن دل عليه قوله : ( من دابة ) فإن الدابة لا تدب إلا على الأرض والمعنى المراد من دابة كافرة فهو خاص وقيل : المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء وقيل : المراد بالآية العموم أي لو آخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة من نبي ولا غيره وهذا قول الحسن وقال بن مسعود وقرأ هذه الآية : لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذاب جميع الخلق حتى الجعلان في حجرها ولأمسك الأمطار من السماء والنبات من الأرض فمات الدواب ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل كما قال : ويعفو عن كثير ( فإذا جاء أجلهم ) أي أجل موتهم ومنتهى أعمارهم ( لا يستأخرون ساعة ولايستقدمون ) وقد تقدم فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم قيل : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم ( وعن أم سلمة وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام بن الزبير فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعوذ بالبيت عائذ فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم ( فقلت : يا رسول الله فكيف بمن كان كارها قال : ( يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ( وقد أتينا على هذا المعنى مجودا في [ كتاب التذكرة ] وتقدم في المائدة وآخر الأنعام ما فيه كفاية والحمد لله وقيل : فإذا جاء أجلهم أي فإذا جاء يوم القيامة والله أعلم < < النحل : ( 62 ) ويجعلون لله ما . . . . . > > < > ( النحل 62 ) <

Sección V10/P119–V10/P121

> قوله تعالى : ( ويجعلون لله ما يكرهون ) أي من البنات ( وتصف ألسنتهم الكذب ) أي وتقول ألسنتهم الكذب ( أن لهم الحسنى ) قال مجاهد : هو قولهم أن لهم البنين ولله البنات الكذب مفعول تصف وأن في محل نصب بدل من الكذب لأنه بيان له وقيل : الحسنى الجزاء الحسن قاله الزجاج وقرأ بن عباس وأبو العالية ومجاهد وبن محيصن الكذب برفع الكاف والذال والباء نعتا للألسنة وكذا ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب والكذب جمع كذوب مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر ( لا ) رد لقولهم وتم الكلام أي ليس كما تزعمون ( جرم أن لهم النار ) أي حقا أن لهم النار وقد تقدم مستوفى ( وأنهم مفرطون ) متركون منسيون في النار قاله بن الأعرابي وأبو عبيدة والكسائي والفراء وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقال بن عباس وسعيد بن جبير أيضا : مبعدون قتادة والحسن : معجلون إلى النار مقدمون إليها والفارط : الذي يتقدم إلى الماء ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا فرطكم على الحوض ( أي متقدمكم وقال القطامي : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراط لوراد والفراط : المتقدمون في طلب الماء والوراد : المتأخرون وقرأ نافع في رواية ورش مفرطون بكسر الراء وتخفيفها وهي قراءة عبد الله بن مسعود وبن عباس ومعناه مسرفون في الذنوب والمعصية أي أفرطوا فيها يقال : أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وقال له أكثر مما قال من الشر وقرأ أبو جعفر القارئ مفرطون بكسر الراء وتشديدها أي مضيعون أمر الله فهو من التفريط في الواجب < < النحل : ( 63 ) تالله لقد أرسلنا . . . . . > > < > ( النحل 63 ) < > قوله تعالى : ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ) أي أعمالهم الخبيثة هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن من تقدمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم ( فهو وليهم اليوم ) أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم ( ولهم عذاب أليم ) في الآخرة وقيل : فهو وليهم أي قرينهم في النار ( اليوم ) يعني يوم القيامة وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته وقيل يقال لهم يوم القيامة : هذا وليكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب على جهة التوبيخ لهم < < النحل : ( 64 ) وما أنزلنا عليك . . . . . > > < > ( النحل 64 ) < > قوله تعالى : ( وما أنزلنا عليك الكتاب ) أي القرآن ( إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) من الدين والأحكام فتقوم الحجة عليهم ببيانك وعطف هدى ورحمة على موضع قوله : لتبين لأن محله نصب ومجاز الكلام : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا تبيانا للناس ( وهدى ) أي رشدا ورحمة للمؤمنين < < النحل : ( 65 ) والله أنزل من . . . . . > > < > ( النحل 65 ) < > قوله تعالى : ( والله أنزل من السماء ) أي السحاب ( ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) عاد الكلام إلى تعداد النعم وبيان كمال القدرة ( إن في ذلك لآية ) أي دلالة على البعث وعلى وحدانيته إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئا فتكون هذه الدلالة ( لقوم يسمعون ) عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور < < النحل : ( 66 ) وإن لكم في . . . . . > > < > ( النحل 66 ) <

Sección V10/P121–V10/P126

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) قد تقدم القول في الأنعام وهي هنا الأصناف الأربعة : الإبل والبقر والضأن والمعز ( لعبرة ) أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة ومنه فاعتبروا الحشر وقال أبو بكر الوراق : العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم وتمردك على ربك وخلافك له في كل شيء ومن أعظم العبر بريء يحمل مذنبا الثانية قوله تعالى : ( نسقيكم ) قراءة أهل المدينة وبن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ( بفتح النون ) من سقى يسقي وقرأ الباقون وحفص عن عاصم [ بضم النون ] من أسقى يسقى وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة قيل : هما لغتان وقال لبيد : سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال وقيل : يقال لما كان من يدك إلى فيه سقيته فإذا جعلت له شربا أو عرضته لأن يشرب بفيه أو يزرعه قلت أسقيته قاله بن عزيز وقد تقدم وقرأت فرقة تسقيكم بالتاء وهي ضعيفة يعني الأنعام وقرىء بالياء أي يسقيكم الله عز وجل والقراء على القراءتين المتقدمتين ففتح النون لغة قريش وضمها لغة حمير الثالثة قوله تعالى : ( مما في بطونه ) اختلف الناس في الضمير من قوله : مما في بطونه على ماذا يعود فقيل : هو عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث قال سيبويه : العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد قال بن العربي : وما أراه عول عليه إلا من هذه الآية وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه وقيل : لما كان لفظ الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال : هو الأنعام وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير وقاله الزجاج وقال الكسائي : معناه مما في بطون ما ذكرناه فهو عائد على المذكور وقد قال الله تعالى : إنها تذكرة فمن شاء ذكره عبس وقال الشاعر : مثل الفراخ نتفت حواصله ومثله كثير وقال الكسائي : مما في بطونه أي مما في بطون بعضه إذ الذكور لا ألبان لها وهو الذي عول عليه أبو عبيدة وقال الفراء : الأنعام والنعم واحد والنعم يذكر ولهذا تقول العرب : هذا نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام قال بن العربي : إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع والتأنيث إلى معنى الجماعة فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة فقال : نسقيكم مما في بطونها وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاما حسنا والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من رمل يبرين وتيهاء فلسطين الرابعة استنبط بعض العلماء الجلة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير أن لبن الفحل يفيد التحريم وقال : إنما جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم لأن اللبن للذكر محسوب ولذلك قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لبن الفحل يحرم حين أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس فللمرأة السقي وللرجل اللقاح فجرى الاشتراك فيه بينهما وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في النساء والحمد لله الخامسة قوله تعالى : ( من بين فرث ودم لبنا خالصا ) نبه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصا بين الفرث والدم والفرث : الزبل الذي ينزل إلى الكرش فإذا خرج لم يسم فرثا يقال : أفرثت الكرش إذا اخرجت ما فيها والمعنى : أن الطعام يكون منه ما في الكرش ويكون منه الدم ثم يخلص اللبن من الدم فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في العروق وقال بن عباس : إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش حكمة بالغة فما تغن النذر القمر ( خالصا ) يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهما وعاء واحد وقال بن بحر : خالصا بياضه قال النابغة : بخالصة الأردان خضر المناكب أي بيض الأكمام وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة السادسة قال النقاش في : هذا دليل على أن المني ليس بنجس وقاله أيضا غيره واحتج بأن قال : كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهرا قال بن العربي : إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه قلت : قد يعارض هذا بأن يقال : وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم وقد قال تعالى : يخرج من بين الصلب والترائب الطارق وقال : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة وهذا غاية في الامتنان فإن قيل : إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول قلنا : هو ما أردناه فالنجاسة عارضة وأصله طاهر وقد قيل : إن مخرجه غير مخرج البول وخاصة المرأة فإن مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول على ما قاله العلماء وقد تقدم في البقرة فإن قيل : أصله دم فهو نجس قلنا ينتقض بالمسك فإن أصله دم وهو طاهر وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفري قال الشافعي : فإن لم يفرك فلا بأس به وكان سعد بن أبي وقاص يفرك المني من ثوبه وقال بن عباس : هو كالنخامة أمطه عنك بإذخرة وامسحه بخرقة فإن قيل : فقد ثبت عن عائشة أنها قالت : كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه قلنا : يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء التي تزال من الثوب كالنجاسة ويكون هذا جمعا بين الأحاديث والله أعلم وقال مالك وأصحابه والأوزاعي : هو نجس قال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا وهو قول الكوفيين ويروى عن عمر بن الخطاب وبن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم واختلف فيه عن بن عمر وعائشة وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون السابعة في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه فمن قال : إن الإنسان طاهر حيا وميتا فهو طاهر ومن قال : ينجس بالموت فهو نجس وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم ( ولم يخص وقد مضى في النساء الثامنة قوله تعالى : ( سائغا للشاربين ) أي لذيذا هينا لا يغص به من شربه يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق وأساغه شاربه وسغته أنا أسيغه وأسوغه يتعدى ولايتعدى والأجود أسغته إساغة يقال : أسغ لي غصتي أي أمهلني ولا تعجلني وقال تعالى : يتجرعه ولا يكاد يسيغه إبراهيم والسواغ [ بكسر السين ] ما أسغت به غصتك يقال : الماء سواغ الغصص ومنه قول الكميت : فكانت سواغا ان جئزت بغصة وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم التاسعة في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ولا يقال : إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده لكن إذا كان من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار وقد تقدم هذا المعنى في المائدة وغيرها وفي الصحيح عن أنس قال : لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله : العسل والنبيذ واللبن والماء وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج واللبن من الطعام وأباحه عامة العلماء وروي عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار فأتى بفالوذج فامتنع عن أكله فقال له الحسن : كل فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا العاشرة روى أبو داود وغيره عن بن عباس قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن ( قال علماؤنا : فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذي به الإنسان وتنمي به الجثث والأبدان فهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجسام وقد جعله الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة فقال في الصحيح : ( فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفطرة أما أنك لو اخترت الخمر غوت أمتك ( ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات والبركات فهو مبارك كله < <

Sección V10/P126

النحل : ( 67 ) ومن ثمرات النخيل . . . . . > > < > ( النحل 67 ) <

Sección V10/P126–V10/P132

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( ومن ثمرات النخيل ) قال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون فحذف ما ودل على حذفه قوله : منه وقيل المحذوف شيء والأمر قريب وقيل : معنى منه أي من المذكور فلا يكون في الكلام حذف وهو أولى ويجوز أن يكون قوله : ومن ثمرات عطفا على الأنعام أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة ويجوز أن يكون معطوفا على مما أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات الثانية قوله تعالى : ( سكرا ) السكر ما يسكر هذا هو المشهور في اللغة قال بن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر وأراد بالسكر الخمر وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين وقال بهذا القول بن جبير والنخعي والشعبي وأبو ثور وقد قيل : إن السكر الخل بلغة الحبشة والرزق الحسن الطعام وقيل : السكر العصير الحلو الحلال وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي فإذا بلغ الإسكار حرم قال بن العربي : أسد هذه الأقوال قول بن عباس ويخرج ذلك على أحد معنيين إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر وإما أن يكون المعنى : أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء وتحريم الخمر مدني قلت : فعلى أن السكر الخل أو العصير الحلو لا نسخ وتكون الآية محكمة وهو حسن قال بن عباس : الحبشة يسمون الخل السكر إلا أن الجمهور على أن السكر الخمر منهم بن مسعود وبن عمر وأبو رزين والحسن ومجاهد وبن أبي ليلى والكلبي وغيرهم ممن تقدم ذكرهم كلهم قالوا : السكر ما حرمه الله من ثمرتيهما وكذا قال أهل اللغة : السكر اسم للخمر وما يسكر وأنشدوا : بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر والرزق الحسن : ما أحله الله من ثمرتيهما وقيل : إن قوله تتخذون منه سكرا خبر معناه الاستفهام بمعنى الإنكار أي أتتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا الخل والزبيب والتمر كقوله : فهم الخالدون أي أفهم الخالدون والله أعلم وقال أبو عبيدة : السكر الطعم يقال : هذا سكر لك أي طعم وأنشد : جعلت عيب الأكرمين سكرا أي جعلت ذمهم طعما وهذا اختيار الطبري أن السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وهذا حسن ولا نسخ إلا أن الزجاج قال : قول أبي عبيدة هذا لا يعرف وأهل التفسير على خلافه ولا حجة له في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس وقال الحنفيون : المراد بقوله : سكرا ما لا يسكر من الأنبذة والدليل عليه ان الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز وعضدوا هذا من السنة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها ( وبما رواه عبد الملك بن نافع عن بن عمر قال : رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركن ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده إلى صاحبه فقال له حينئذ رجل من القوم : يا رسول الله أحرام هو فقال : ( علي بالرجل ( فأتي به فأخذ منه القدح ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطب ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال : ( إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء ( وروي أنه عليه السلام كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادم إذا تغير ولو كان حراما ما سقاه إياه قال الطحاوي : وقد روى أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن بن عباس قال : حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب خرجه الدارقطني أيضا ففي هذا الحديث وما كان مثله أن غير الخمر لم تحرم عينه كما حرمت الخمر بعينها قالوا : والخمر شراب العنب لا خلاف فيها ومن حجتهم أيضا ما رواه شريك بن عبد الله حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون قال قال عمر بن الخطاب : إنا نأكل لحوم هذه الإبل وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ قال شريك : ورأيت الثوري يشرب النبيذ في بيت حبر أهل زمانه مالك بن مغول والجواب أن قولهم : إن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده ولا يكون امتنانه إلا بما أحل فصحيح بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر كما بيناه فيكون منسوخا كما قدمناه قال بن العربي : إن قيل كيف ينسخ هذا وهو خبر والخبر لا يدخله النسخ قلنا : هذا كلام من لم يتحقق الشريعة وقد بينا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي أو عن إعطاء ثواب فضلا من الله فهو الذي لا يدخله النسخ فأما إذا تضمن الخبر حكما شرعيا فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو أمر ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ وإنما يرجع إلى ما تضمنه فإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ويكلف ما يشاء ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب قلت : هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار والمسألة أصولية وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز نسخها أم لا اختلف في ذلك والصحيح جوازه لهذه الآية وما كان مثلها ولأن الخبر عن مشروعية حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع وذلك الطلب هو الحكم الشرعي الذي يستدل على نسخه والله أعلم وأما ما ذكروا من الأحاديث فالأول والثاني ضعيفان لأنه عليه السلام قد روي عنه بالنقل الثابت أنه قال : ( كل شراب أسكر فهو حرام ( وقال : ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ( وقال : ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ( قال النسائي : وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون بصحة النقل وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة وبالله التوفيق وأما الثالث وإن كان صحيحا فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة فلذلك لم يشربه ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زينب بأن قيل له : إنا نجد منك ريح مغافير يعني ريحا منكرة فلم يشربه بعد وسيأتي في التحريم وأما حديث بن عباس فقد روي عنه خلاف ذلك من رواية عطاء وطاوس ومجاهد أنه قال : ما أسكر كثيره فقليله حرام ورواه عنه قيس بن دينار وكذلك فتياه في المسكر قاله الدارقطني والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شداد وقد خالفه الجماعة فسقط القول به مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما روي عن عمر من قوله : ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ فإنه يريد غير المسكر بدليل ما ذكرنا وقد روى النسائي عن عتبة بن فرقد قال : كان النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب قد خلل قال النسائي : ومما يدل على صحة هذا حديث السائب قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن بن القاسم : حدثني مالك عن بن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه شراب الطلاء وأنا سائل عما شرب فإن كان مسكرا جلدته فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد تاما وقد قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما بعد أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل وقد تقدم في المائدة فإن قيل : فقد أحل شربه إبراهيم النخعي وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه وكان سفيان الثوري يشربه قلنا : ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم ولاحجة في قول أحد مع السنة وذكر النسائي أيضا عن بن المبارك قال : ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم قال أبو أسامة : ما رأيت رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات ومصر واليمن والحجاز وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة على أن الطحاوي قد ذكر في كتابه الكبير في الاختلاف خلاف ذلك قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له : قال أبو جعفر الطحاوي اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر ومستحله كافر واختلفوا في نقيع التمر إذا غلي وأسكر قال : فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب ( غير معمول به عندهم لأنهم لو قبلوا الحديث لأكفروا مستحل نقيع التمر فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة غير عصير العنب الذي قد اشتد وبلغ أن يسكر قال : ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا بها فقط غير مقيس عليها غيرها أو يجب القياس عليها فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع التمر إذا غلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب قال : فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة قال : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل مسكر حرام ( واستغنى عن مسنده لقبول الجميع له وإنما الخلاف بينهم في تأويله فقال بعضهم : أراد به جنس ما يسكر وقال بعضهم : اراد به ما يقع السكر عنده كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل قلت : فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة وقد روى الدارقطني في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر قال بن المنذر : وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام وما روي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها وليس يخلو ذلك من أحد معنيين : إما مخطىء اخطأ في التأويل على حديث سمعه أو رجل أتى ذنبا لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة وقد قيل في تأويل الآية : إنها إنما ذكرت للاعتبار أي من قدر على خلق هذه الأشياء قادر على البعث وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو حراما فاتخاذ السكر لا يدل على التحريم وهو كما قال تعالى : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس والله أعلم < <

Sección V10/P132–V10/P133

النحل : ( 68 ) وأوحى ربك إلى . . . . . > > < > ( النحل 68 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل ) قد مضى القول في الوحي وأنه قد يكون بمعنى الإلهام وهو ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر وهو من قوله تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها الشمس ومن ذلك البهائم وما يخلق الله سبحانه فيها من درك منافعها واجتناب مضارها وتدبير معاشها وقد أخبر عز وجل بذلك عن الموت فقال : تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها الزلزلة قال إبراهيم الحربي : لله عز وجل في الموات قدرة لم يدر ما هي لم يأتها رسول من عند الله ولكن الله تعالى عرفها ذلك أي ألهمها ولا خلاف بين المتأولين أن الوحي هنا بمعنى الإلهام وقرأ يحيى بن وثاب إلى النحل بفتح الحاء وسمي نحلا لأن الله عز وجل نحله العسل الذي يخرج منه قاله الزجاج الجوهري : والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى حتى يقال : يعسوب والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء وروي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الذبان كلها في النار يجعلها عذابا لأهل النار إلا النحل ( ذكره الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] وروي عن بن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد خرجه أبو داود أيضا وسيأتي في النمل إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ) هذا إذا لم يكن لها مالك ( ومما يعرشون ) جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع إما في الجبال وكواها وإما في متجوف الأشجار وإما فيما يعرش بن آدم من الأجباح والخلايا والحيطان وغيرها وعرش معناه هنا هيأ وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها ومنه العريش الذي صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ومن هذا لفظة العرش يقال : عرش يعرش ويعرش [ بكسر الراء وضمها ] وقرىء بهما قرأ بن عامر بالضم وسائرهم بالكسر واختلف في ذلك عن عاصم الثالثة قال بن العربي : ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة < < النحل : ( 69 ) ثم كلي من . . . . . > > < > ( النحل 69 ) <

Sección V10/P133–V10/P139

> قوله تعالى : ( ثم كلي من كل الثمرات ) وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار ( فاسلكي سبل ربم ذللا ) أي طرق ربك والسبل : الطرق وأضافها إليه لأنه خالقها أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر ( ذللا ) جمع ذلول وهو المنقاد أي مطيعة مسخرة ف ذللا حال من النحل أي تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا قاله بن زيد وقيل : المراد بقوله ذللا السبل يقول : مذلل طرقها سهلة للسلوك عليها واختاره الطبري وذللا حال من السبل واليعسوب سيد النحل إذا وقف وقفت وإذا سار سارت قوله تعالى : ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يخرج من بطونها ) رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال : يخرج من بطونها شراب يعني العسل وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس بن آدم فيها لعاب دودة وأشرف شرابه رجيع نحلة فظاهر هذا أنه من غير الفم وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو أسفلها ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمى أنفاسها وقد صنع أرسطا طاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين ذكره الغزنوي وقال : من بطونها لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن الثانية قوله تعالى : ( مختلف ألوانه ) يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل والأم واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وسلم : جرست نحله العرفط حين شبهت رائحته برائحة المغافير الثالثة قوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) الضمير للعسل قال الجمهور أي في العسل شفاء للناس وروي عن بن عباس والحسن ومجاهد والضحاك والفراء وبن كيسان : الضمير للقرآن أي في القرآن شفاء النحاس : وهذا قول حسن أو فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس وقيل : العسل فيه شفاء وهذا القول بين أيضا لأن أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل قال القاضي أبو بكر بن العربي : من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم ولو صح نقلا لم يصح عقلا فإن مساق الكلام كله للعسل ليس للقرآن فيه ذكر قال بن عطية : وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم وأنهم النحل وأن الشراب القرآن والحكمة وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي فقال له رجل ممن حضر : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فأضحك الحاضرين وبهت الآخر وظهرت سخافة قوله الرابعة اختلف العلماء في قوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) هل هو على عمومه أم لا فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد فروي عن بن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له : ألا نعالجك فقال : ائتوني بالماء فإن الله تعالى يقول : ونزلنا من السماء ماء مباركا ق ثم قال : ائتوني بعسل فإن الله تعالى يقول : فيه شفاء للناس وأتوني بزيت فإن الله تعالى يقول : من شجرة مباركة فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرىء ومنهم من قال : إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء وقالت طائفة : إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان بل إنه خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال ففائدة الآية إخبار منه في أنه دواء لما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين وليس هذا بأول لفظ خصص فالقرآن مملوء منه ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام ومما يدل على أنه ليس على العموم أن شفاء نكرة في سياق الاثبات ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان بن العربي : ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء والكل من حكم الفعال لما يشاء الخامسة إن قال قائل : قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره فكيف يكون شفاء للناس قيل له : الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاده من علة في البدن وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة قال معناه الزجاج وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السكنجبين في كل مرض وأصله العسل وكذلك سائر المعجونات على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حسم داء الإشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره بعود الشراب له فبرىء وقال : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ( السادسة اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال : قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال فالجواب أن ذلك القول حق في نفسه لمن حصل له التصديق بنبيه عليه السلام فيستعمله على الوجه الذي عينه وفي المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طوية فإنه يرى منفعته ويدرك بركته كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره كما تقدم وأما ما حكى من الإجماع فدليل على جهله بالنقل حيث لم يقيد وأطلق قال الإمام أبو عبد الله المازري : ينبغي أن يعلم أن الإسهال يعرض من ضروب كثيرة منها الإسهال الحادث عن التخم والهيضات والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك للطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية فأما حبسها فضرر فإذا وضح هذا قلنا : فيمكن أن يكون ذلك الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بشرب العسل فزاده إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال فوافقه شرب العسل فإذا خرج هذا عن صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة قال : ولسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم ولكفرناهم وصدقناه صلى الله عليه وسلم فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخريجه على ما يصح إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب السابعة في قوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) دليل على جواز التعالج بشرب الدواء وغير ذلك خلافا لمن كره ذلك من جلة العلماء وهو يرد على الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواة ولا معنى لمن أنكر ذلك روى الصحيح عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ( وروي أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب : ألا نتداوى يا رسول الله قال : ( نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد ( قالوا : يا رسول الله وما هو قال : ( الهرم ( لفظ الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وروي عن أبي خزامة عن أبيه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال : ( هي من قدر الله ( قال : حديث حسن ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي ( أخرجه الصحيح والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء روي أن بن عمر اكتوى من اللقوة ورقى من العقرب وعن بن سيرين أن بن عمر كان يسقي ولده الترياق وقال مالك : لا بأس بذلك وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت أمة بقضها وقضيضها الجنة كانوا لا يسترقون ولايكتوون ولايتطيرون وعلى ربهم يتوكلون قالوا : فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه فإن الله تعالى قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا قال الله تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها الحديد وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر وهو قول بن مسعود وأبي الدرداء رضوان الله عليهما دخل عثمان بن عفان على بن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان : ما تشتكي قال ذنوبي قال : فما تشتهي قال رحمة ربي قال : ألا أدعو لك طبيبا قال : الطبيب أمرضني وذكر الحديث وسيأتي بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله تعالى وذكر وكيع قال : حدثنا أبو هلال عن معاوية بن قرة قال : مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا : ألا ندعوا لك طبيبا قال : الطبيب أضجعني وإلى هذا ذهب الربيع بن خيثم وكره سعيد بن جبير الرقي وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل وأجاب الأولون عن الحديث بأنه لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه بدليل كي النبي صلى الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على أكحله لما رمي وقال : ( الشفاء في ثلاثة ( كما تقدم ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقى بما ليس في كتاب الله وقد قال سبحانه وتعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء على ما يأتي بيانه ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية على ما يأتي بيانه الثامنة ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل وإن كان مطعوما مقتاتا واختلف فيه قول الشافعي والذي قطع به في قوله الجديد : أنه لا زكاة فيه وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره لأن النصاب عنده فيه ليس بشرط وقال محمد بن الحسن : لا شيء فيه حتى يبلغ ثمانية أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلا من أرطال العراق وقال أبو يوسف : في كل عشرة أزقاق زق متمسكا بما رواه الترمذي عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في العسل في كل عشرة أزقاق زق ( قال أبو عيسى : في إسناده مقال ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم : ليس في العسل شيء التاسعة قوله تعالى : ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) أي يعتبرون ومن العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها فيشهد اليقين بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة وحذقها باحتيالها في تفاوت أحوالها هو الله سبحانه وتعالى كما قال : وأوحى ربك إلى النحل الآية ثم إنها تأكل الحامض والمر والحلو والمالح والحشائش الضارة فيجعله الله تعالى عسلا حلوا وشفاء وفي هذا دليل على قدرته < <

Sección V10/P139–V10/P141

النحل : ( 70 ) والله خلقكم ثم . . . . . > > < > ( النحل 70 ) < > قوله تعالى : ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) بين معناه ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) يعني أردأه وأوضعه وقيل : الذي ينقص قوته وعقله ويصيره إلى الخرف ونحوه وقال بن عباس : يعني إلى أسفل العمر يصير كالصبي الذي لا عقل له والمعنى متقارب وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ يقول ( اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل ( وفي حديث سعد بن أبي وقاص ( وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ( الحديث خرجه البخاري ( لكيلا يعلم بعد علم شيئا ) أي يرجع إلى حالة الطفولية فلا يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط الكبر وقد قيل : هذا لا يكون للمؤمن لأن المؤمن لا ينزع عنه علمه وقيل : المعنى لكيلا يعمل بعد علم شيئا فعبر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه والمعنى المقصود الاحتجاج على منكري البعث أي الذي رده إلى هذه الحال قادر على أن يميته ثم يحييه < < النحل : ( 71 ) والله فضل بعضكم . . . . . > > < > ( النحل 71 ) < > قوله تعالى : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) أي جعل منكم غنيا وفقيرا وحرا وعبدا ( فما الذين فضلوا ) أي في الرزق ( برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ) أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا حتى يستوي المملوك والمالك في المال وهذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام أي إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء فلما لم يكن يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في عبادة غيره من الأوثان والأنصاب وغيرهما مما عبد كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه حكى معناه الطبري وقاله بن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم وعن بن عباس أيضا أنها نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى بن الله فقال الله لهم فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتى يكون المولى والعبد في المال شرعا سواء فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم فتجعلون لي ولدا من عبيدي ونظيرها ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء الروم على ما يأتي ودل هذا على أن العبد لا يملك على ما يأتي آنفا < < النحل : ( 72 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( النحل 72 ) <

Sección V10/P141–V10/P145

> قوله تعالى : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) جعل بمعنى خلق وقد تقدم ( من أنفسكم أزواجا ) يعني آدم خلق منه حواء وقيل : المعنى جعل لكم من أنفسكم أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم كما قال : لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي من الآدميين وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها حتى روي أن عمرو بن هند تزوج منهم غولا وكان يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة فقالت : عمرو ونفرت فلم يرها أبدا وهذا من أكاذيبها وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن ويحيلون طعامهم ( أزواجا ) زوج الرجل هي ثانيته فإنه فرد فإذا انضافت إليه كانا زوجين وإنما جعلت الإضافة إليه دونها لأنه أصلها في الوجود كما تقدم قوله تعالى : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين ) ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء ووجود الأبناء يكون منهما معا ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية قال بن العربي : سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول : إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الأكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها الثانية قوله تعالى : ( وحفدة ) روى بن القاسم عن مالك قال وسألته عن قوله تعالى : بنين وحفدة قال : الحفدة الخدم والأعوان في رأيي وروي عن بن عباس في قوله تعالى : وحفدة قال هم الأعوان من أعانك فقد حفدك قيل له : فهل تعرف العرب ذلك قال نعم وتقوله أو ما سمعت قول الشاعر : حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال أي أسرعن الخدمة والولائد : الخدم الواحدة وليدة قال الأعشى : كلفت مجهولها نوقا يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا أي أسرعوا وقال بن عرفة : الحفدة عند العرب الأعوان فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع فهو حافد قال : ومنه قولهم إليك نسعى ونحفد والحفدان السرعة قال أبو عبيد : الحفد العمل والخدمة وقال الخليل بن أحمد : الحفدة عند العرب الخدم وقاله مجاهد وقال الأزهري : قيل الحفدة أولاد الأولاد وروي عن بن عباس وقيل الأختان قاله بن مسعود وعلقمة وأبو الضحا وسعيد بن جبير وإبراهيم ومنه قول الشاعر : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد ما يعد كثير ولكنها نفس علي أبية عيوف لإصهار اللئام قذور وروى زر عن عبد الله قال : الحفدة الأصهار وقاله إبراهيم والمعنى متقارب قال الأصمعي : الختن من كان من قبل المرأة مثل أبيها وأخيها وما أشبههما والأصهار منهما جميعا يقال : أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر وقول عبد الله هم الأختان يحتمل المعنيين جميعا يحتمل أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن فيكون لكم بسببهن أختان وقال عكرمة : الحفدة من نفع الرجل من ولده وأصله من حفد يحفد [ بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل ] إذا أسرع في سيره كما قال كثير : حفد الولائد بينهن البيت ويقال : حفدت وأحفدت لغتان إذا خدمت ويقال : حافد وحفد مثل خادم وخدم وحافد وحفدة مثل كافر وكفرة قال المهدوي : ومن جعل الحفدة الخدم جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم كأنه قال : جعل لكم حفدة وجعل لكم من أزواجكم بنين قلت : ما قاله الأزهري من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهر القرآن بل نصه ألا ترى أنه قال : وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة فجعل الحفدة والبنين منهن وقال بن العربي : الأظهر عندي في قوله بنين وحفدة أن البنين أولاد الرجل لصلبه والحفدة أولاد ولده وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا ويكون تقدير الآية على هذا : وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة وقال معناه الحسن الثالثة إذا فرعنا على قول مجاهد وبن عباس ومالك وعلماء اللغة في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان قاله بن العربي روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه فكانت امرأته خادمهم الحديث وقد تقدم في سورة هود وفي الصحيح عن عائشة قالت : أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي الحديث ولهذا قال علماؤنا : عليها أن تفرش الفراش وتطبخ القدر وتقم الدار بحسب حالها وعادة مثلها قال الله تعالى : وجعل منها زوجها ليسكن إليها فكأنه جمع لنا فيها السكن والاستمتاع وضربا من الخدمة بحسب جري العادة الرابعة ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها لما روته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج وهذا قول مالك : ويعينها وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف النعل ويقم البيت ويخيط الثوب وقالت عائشة وقد قيل لها : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته قالت : كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه الخامسة وينفق على خادمة واحدة وقيل على أكثر على قدر الثروة والمنزلة وهذا أمر دائر على العرف الذي هو أصل من أصول الشريعة فإن نساء الأعراب وسكان البوادي يخدمن أزواجهن في استعذاب الماء وسياسة الدواب ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها وأما أهل الثروة فيخدمون أزواجهن ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك فإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه قوله تعالى : ( ورزقكم من الطيبات ) أي من الثمار والحبوب والحيوان ( أفبالباطل ) يعني الأصنام قاله بن عباس ( يؤمنون ) قراءة الجمهور بالياء وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء ( وبنعمة الله ) أي بالإسلام ( هم يكفرون < <

Sección V10/P145

النحل : ( 73 ) ويعبدون من دون . . . . . > > < > ( النحل 73 : 74 ) < > قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لايملك لهم رزقا من السماوات ) يعني المطر ( والأرض ) يعني النبات ( شيئا ) قال الأخفش : هو بدل من الرزق وقال الفراء : هو منصوب بإيقاع الرزق عليه أي يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئا ( ولايستطيعون ) أي لا يقدرون على شيء يعني الأصنام ( فلا تضربوا لله الأمثال ) أي لا تشبهوا به هذه الجمادات لأنه واحد قادر لا مثل له وقد تقدم < < النحل : ( 75 ) ضرب الله مثلا . . . . . > > < > ( النحل 75 ) <

Preguntas