Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( وزكريا إذ نادى ربه ) أي واذكر زكريا وقد تقدم في [ آل عمران ] ذكره ( رب لا تذرني فردا ) أي منفردا لا ولد لي وقد تقدم ( وأنت خير الوارثسن ) أي خير من يبقى بعد كل من يموت وإنما قال ( وأنت خير الوارثين ) لما تقدم من قوله : يرثني أي أعلم أنك لا تضيع دينك ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الدين عن عقبي كما تقدم في [ مريم ] بيانه قوله تعالى : ( فاستجبنا له ) أي أجبنا دعاءه : ( ووهبنا له يحيى ) تقدم ذكره مستوفى : ( وأصلحنا له زوجه ) قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا وقال بن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق طويلة اللسان فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا ( إنهم ) يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة ( كانوا يسارعون في الخيرات ) قيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى قوله تعالى : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف لأن الرغبة والرهبة متلازمان وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء والرهب رفع ظهورها قاله خصيف وقال بن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه الثانية روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه وقد مضى في [ الأعراف الاختلاف في رفع الأيدي وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه روى عن بن عمر وبن عباس وكان علي يدعو بباطن كفيه وعن أنس مثله وهو ظاهر حديث الترمذي وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم ( وروى عن بن عمر وبن الزبير برفعهما إلى وجهه واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل : حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه قال أبو جعفر الطبري والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال بن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الاخلاص وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما و ( رغبا ورهبا ) منصوبان على المصدر أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا أو على المفعول من أجله أي للرغب والرهب أو على الحال وقرأ طلحة بن مصرف ( ويدعونا ) بنون واحدة وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل والعدم والضر لغتان وبن وثاب والأعمش أيضا ( رغبا ورهبا ) بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء وهما لغتان مثل نهر ونهر وصخر وصخر ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو ( وكانوا لنا خاشعين ) أي متواضعين خاضعين < <
الأنبياء : ( 91 ) والتي أحصنت فرجها . . . . . > > < > ( الانبياء 91 ) < > قوله تعالى : ( والتي أحصنت فرجها ) أي واذكر مريم التي أحصنت فرجها وإنما ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام ولهذا قال : ( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام : وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين وقال الزجاج : إن الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل وعلى مذهب سيبويه التقدير : وجعلناها آية للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف وعلى مذهب الفراء : وجعلناها آية للعالمين وابنها مثل قوله جل ثناؤه : والله ورسوله أحق أن يرضوه وقيل : إن من آياتها أنها أول امرأة قبلت في النذر في المتعبد ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجره على يد عبد من عبيده وقيل : إنها لم تلقم ثديا قط ( وأحصنت ) يعني عفت فامتنعت من الفاحشة وقيل : إن المراد بالفرج فرج القميص أي لم تعلق بثوبها ريبة أي إنها طاهرة الأثواب وفروج القميص أربعة : الكمان والأعلى والأسفل قال السهيلي : فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا فإنه من لطيف الكناية لأن القرآن أنزه معنى وأوزن لفظا وألطف إشارة وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل لا سيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس فأضف القدس إلى القدوس ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس ( فنفخنا فيها من روحنا ) يعني أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها وقد مضى هذا في [ النساء ] و [ مريم ] فلا معنى للإعادة ( آية ) أي علامة وأعجوبة للخلق وعلما لنبوة عيسى ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء < < الأنبياء : ( 92 ) إن هذه أمتكم . . . . . > > < > ( الانبياء 92 ) < > قوله تعالى : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ) لما ذكر الأنبياء قال : هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد فالأمة هنا بمعنى الدين الذي هو الاسلام قاله بن عباس ومجاهد وغيرهما فأما المشركون فقد خالفوا الكل ( وأنا ربكم ) أي إلهكم وحدي ( فاعبدوني ) أي أفردوني بالعبادة وقرأ عيسى بن عمر وبن أبي إسحاق ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ) ورواها حسين عن أبي عمرو الباقون ( أمة واحدة ) بالنصب على القطع بمجيء النكرة بعد تمام الكلام قاله الفراء الزجاج : انتصب ( أمة ) على الحال أي في حال اجتماعها على الحق أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد فإذا تفرقتم وخالفتم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق وهو كما تقول : فلان صديقي عفيفا أي ما دام عفيفا فإذا خالف العفة لم يكن صديقي وأما الرفع فيجوز أن يكون على البدل من ( امتكم ) أو على إضمار مبتدإ أي إن هذه امتكم هذه أمة واحدة أو يكون خبرا بعد خبر ولو نصبت ( أمتكم ) على البدل من ( هذه ) لجاز ويكون ( أمة واحدة ) خبر ( إن ) < < الأنبياء : ( 93 ) وتقطعوا أمرهم بينهم . . . . . > > < > ( الانبياء 93 : 94 ) <
> قوله تعالى : ( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي تفرقوا في الدين قاله الكلبي الأخفش : اختلفوا فيه والمراد المشركون ذمهم لمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله قال الأزهري : أي تفرقوا في أمرهم فنصب ( أمرهم ) بحذف ( في ) فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول متعد والمراد جميع الخلق أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم فمن موحد ومن يهودي ومن نصراني ومن عابد ملك أو صنم ( كل إلينا راجعون ) أي إلى حكمنا فنجازيهم قوله تعالى : ( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) ( من ) للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات فرضها ونفلها فالمعنى : من يعمل شيئا من الطاعات فرضا أو نفلا وهو موحد مسلم وقال بن عباس : مصدقا بمحمد صلى الله عليه وسلم ( فلا كفران لسعيه ) أي لا جحود لعمله أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطى والكفر ضده الايمان والكفر أيضا جحود النعمة وهو ضد الشكر وقد كفره كفورا وكفرانا وفي حرف بن مسعود ( فلا كفر لسعيه ) ( وإنا له كاتبون ) لعمله حافظون نظيره أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) أي كل ذلك محفوظ ليجازى به < < الأنبياء : ( 95 ) وحرام على قرية . . . . . > > < > ( الانبياء 95 : 97 ) <
> قوله تعالى : ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة ( وحرام ) وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وأهل الكوفة ( وحرم ) ورويت عن علي وبن مسعود وبن عباس رضي الله عنهم وهما لغتان مثل حل وحلال وقد روى عن بن عباس وسعيد بن جبير ( وحرم ) بفتح الحاء والميم وكسر الراء وعن بن عباس أيضا وعكرمة وأبي العالية ( وحرم ) بضم الراء وفتح الحاء والميم وعن بن عباس أيضا ( وحرم ) وعنه أيضا ( وحرم ) ( وحرم ) وعن عكرمة أيضا ( وحرم ) وعن قتادة ومطر الوراق ( وحرم ) تسع قراءات وقرأ السلمي ( على قرية أهلكتها ) واختلف في ( لا ) في قوله : ( لا يرجعون ) فقيل : هي صلة روى ذلك عن بن عباس واختاره أبو عبيد أي وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك وقيل : ليست بصلة وإنما هي ثابتة ويكون الحرام بمعنى الواجب أي وجب على قرية كما قالت الخنساء : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بكيت على صخر تريد أخاها ف ( لا ) ثابتة على هذا القول قال النحاس : والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه بن عيينة وبن علية وهشيم وبن إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن بن عباس في قول الله عز وجل : ( وحرام على قرية أهلكناها ) قال : وجب أنهم لا يرجعون قال : لا يتوبون قال أبو جعفر : واشتقاق هذا بين في اللغة وشرحه : أن معنى حرم الشيء حظر ومنع منه كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه فإذا كان ( حرام ) و ( حرم ) بمعنى واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا فأما قول أبي عبيد : إن ( لا ) زائدة فقد رده عليه جماعة لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع ولا فيما يقع فيه إشكال ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرم وقيل : في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون قاله الزجاج وأبو علي و ( لا ) غير زائدة وهذا هو معنى قول بن عباس قوله تعالى : ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ) تقدم القول فيهم وفي الكلام حذف أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج مثل واسأل القرية ( وهم من كل حدب ينسلون ) قال بن عباس : من كل شرف يقبلون أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية والحدب ما ارتفع من الأرض والجمع الحداب مأخوذ من حدبة الظهر قال عنترة : فما رعشت يداي ولا ازدهاني تواترهم إلي من الحداب وقيل : ( ينسلون ) يخرجون ومنه قول امريء القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقيل : يسرعون ومنه قول النابغة : عسلان الذئب أمسى قاربا برد الليل عليه فنسل يقال : عسل الذئب يعسل عسلا وعسلانا إذا أعنق وأسرع وفي الحديث : ( كذب عليك العسل ( أي عليك بسرعة المشي وقال الزجاج : والنسلان مشية الذئب إذا أسرع يقال : نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا أي أسرع ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب : إنهم يأجوج ومأجوج وهو الأظهر وهو قول بن مسعود وبن عباس وقيل : جميع الخلق فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف وهم يسرعون من كل صوب وقريء في الشواذ ( وهم من كل حدب ينسلون ) أخذا من قوله : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يس وحكى هذه القراءة المهدوي عن بن مسعود والثعلبي عن مجاهد وأبي الصهباء قوله تعالى : ( واقترب الوعد الحق ) يعني القيامة وقال الفراء والكسائي وغيرهما : الواو زائدة مقحمة والمعنى : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق ( فاقترب ) جواب ( إذا ) وأنشد الفراء : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى أي انتحى والواو زائدة ومنه قوله تعالى : وتله للجبين وناديناه أي للجبين ناديناه وأجاز الكسائي أن يكون جواب ( إذا ) ( فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ) ويكون قوله : ( واقترب الوعد الحق ) معطوفا على الفعل الذي هو شرط وقال البصريون : الجواب محذوف والتقدير : قالوا يا ويلنا وهو قول الزجاج وهو قول حسن قال الله تعالى : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى المعنى : قالوا ما نعبدهم وحذف القول الكثير قوله تعالى : ( فإذا هي شاخصة ) ( هي ) ضمير الأبصار والأبصار المذكورة بعدها تفسير لها كأنه قال : فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد وقال الشاعر : لعمر أبيها لا تقول ظعينتي ألا فر عني مالك بن أبي كعب فكني عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها وقال الفراء : ( هي ) عماد مثل فإنها لا تعمى الأبصار الحج وقيل : إن الكلام تم عند قوله : ( هي ) التقدير : فإذا هي بمعنى القيامة بارزة واقعة أي من قربها كأنها آتية حاضرة ثم ابتدأ فقال : ( شاخصة أبصار الذين كفروا ) على تقديم الخبر على الابتداء أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم أي من هوله لا تكاد تطرف يقولون : يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا ووضعنا العبادة في غير موضعها < <
الأنبياء : ( 98 ) إنكم وما تعبدون . . . . . > > < > ( الانبياء 98 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إنكم وما تعبدون ) قال بن عباس : آية لا يسألني الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها فقيل : وما هي قال : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) لما أنزلت شق على كفار قريش وقالوا : شتم آلهتنا وأتوا بن الزبعري وأخبروه فقال : لو حضرته لرددت عليه قالوا : وما كنت تقول قال : كنت أقول له : هذا المسيح تعبده النصارى واليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم فعجبت قريش من مقالته ورأوا أن محمدا قد خصم فأنزل الله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وفيه نزل ولما ضرب بن مريم مثلا يعني بن الزبعري إذا قومك منه يصدون بكسر الصاد أي يضجون وسيأتي الثانية هذه الآية أصل في القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة خلافا لمن قال : ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها فهذا عبد الله بن الزبعري قد فهم ( ما ) في جاهليته جميع من عبد ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء واللسن البلغاء ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح الثالثة قراءة العامة بالصاد المهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم قاله بن عباس وقال مجاهد وعكرمة وقتادة : حطبها وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما ( حطب جهنم ) بالطاء وقرأ بن عباس ( حضب ) بالضاد المعجمة قال الفراء : يريد الحصب قال : وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب ذكره الجوهري والموقد محضب وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : ( حصب جهنم ) كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم ونظير هذه الآية قوله تعالى : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة وقيل : إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت على ما تقدم في [ البقرة ] وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة لأنها لم تذنب ولكن تكون عذابا على من عبدها : أول شيء بالحسرة ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار ثم يعذبون بها وقيل : تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم وقيل : إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم الرابعة قوله تعالى : ( أنتم لها واردون ) أي فيها داخلون والخطاب للمشركين عبدة الأصنام أي أنتم واردوها مع الأصنام ويجوز أن يقال : الخطاب للأصنام وعبدتها لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين وقال العلماء : لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم لأن ( ما ) لغير الآدميين فلو أراد ذلك لقال : ( ومن ) قال الزجاج : ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم < < الأنبياء : ( 99 ) لو كان هؤلاء . . . . . > > < > ( الانبياء 99 : 100 ) <
> قوله تعالى : ( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) أي لوكانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار وقيل : ما وردها العابدون والمعبودون ولهذا قال : ( وكل فيها خالدون ) قوله تعالى : ( لهم فيها زفير ) أي لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين فأما الأصنام فعلى الخلاف فيها هل يحييها الله تعالى ويعذبها حتى يكون لها زفير أو لا قولان : والزفير صوت نفس المغموم يخرج من القلب وقد تقدم في [ هود ] ( وهم فيها لا يسمعون ) قيل : في الكلام حذف والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا لأنهم يحشرون صما كما قال الله تعالى : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما وفي سماع الأشياء روح وأنس فمنع الله الكفار ذلك في النار وقيل : لا يسمعون ما يسرهم بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية وقيل : إذا قيل لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون يصيرون حينئذ صما بكما كما قال بن مسعود : إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره < < الأنبياء : ( 101 ) إن الذين سبقت . . . . . > > < > ( الانبياء 101 : 103 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) أي الجنة ( أولئك عنها ) أي عن النار ( مبعدون ) فمعنى الكلام الاستثناء ولهذا قال بعض أهل العلم : ( إن ) ها هنا بمعنى إلا وليس في القرآن غيره وقال محمد بن حاطب : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن عثمان منهم ( قوله تعالى : ( لا يسمعون حسيسها ) أي حس النار وحركة لهبها والحسيس والحس الحركة وروى بن جريج عن عطاء قال قال أبو راشد الحروري لابن عباس : ( لا يسمعون حسيسها ) فقال بن عباس : أمجنون أنت فأين قوله تعالى وإن منكم إلا واردها وقوله تعالى : فأوردهم النار وقوله : إلى جهنم وردا ولقد كان من دعاء من مضى : اللهم أخرجني من النار سالما وأدخلني الجنة فائزا وقال أبو عثمان النهدي على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون : حس حس وقيل : إذا دخل أهل الجنة لم يسمعوا حس أهل النار وقبل ذلك يسمعون فالله أعلم ( وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ) أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقال : ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما تدعون قوله تعالى : ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) وقرأ أبو جعفر وبن محيصن ( لا يحزنهم ) بضم الياء وكسر الزاي الباقون بفتح الياء وضم الزاي قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث عن بن عباس وقال الحسن : هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار وقال بن جريج وسعيد بن جبير والضحاك : هو إذا أطبقت النار على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار وقال ذو النون المصري : هو القطيعة والفراق وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر رجل أم قوما محتسبا وهم له راضون ورجل أذن لقوم محتسبا ورجل ابتلى برق في الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه ( وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : مررت برجل يضرب غلاما له فأشار إلى الغلام فكلمت مولاه حتى عفا عنه فلقيت أبا سعيد الخدري فأخبرته فقال : يا بن أخي من أغاث مكروبا أعتقه الله من النار يوم الفزع الأكبر ( سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وتتلقاهم الملائكة ) أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم : ( هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) وقيل : تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور عن بن عباس : ( هذا يومكم ) أي ويقولون لهم فحذف ( الذي كنتم توعدون ) فيه الكرامة < <
الأنبياء : ( 104 ) يوم نطوي السماء . . . . . > > < > ( الانبياء 104 ) <
> قوله تعالى : ( يوم نطوي السماء ) قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري ( تطوى ) بتاء مضمومة ( السماء ) رفعا على ما لم يسم فاعله مجاهد ( يطوي على معنى يطوي الله السماء الباقون ( نطوي ) بنون العظمة وانتصاب ( يوم ) على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة التقدير : الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء أو يكون منصوبا ب نعيد ) من قوله : كما بدأنا أول خلق نعيده أو بقوله : لا يحزنهم أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء أو على إضمار واذكر وأراد بالسماء الجنس دليله : والسموات مطويات بيمينه ( كطي السجل للكتاب قال بن عباس ومجاهد أي كطي الصحيفة على ما فيها فاللام بمعنى على وعن بن عباس أيضا اسم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم ولا في أصحابه من إسمه السجل وقال بن عباس : أيضا وبن عمر والسدي : السجل ملك وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه ويقال : إنه في السماء الثالثة ترفع إليه أعمال العباد يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت والسجل الصك وهو إسم مشتق من السجالة وهي الكتابة وأصلها من السجل وهو الدلو تقول : ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة وقد سجل الحاكم تسجيلا وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب : من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب ثم بنى هذا الأسم على فعل مثل حمر وطمر وبلي وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير كطي السجل بضم السين والجيم وتشديد اللام وقرأ الأعمش وطلحة كطي السجل بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام قال النحاس : والمعنى واحد إن شاء الله تعالى والتمام عند قوله : للكتاب والطي في هذه الآية يحتمل معنيين : أحدهما الدرج الذي هو ضد النشر قال الله تعالى : والسموات مطويات بيمينه والثاني الإخفاء والتعميه والمحو لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها قال الله تعالى : إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت التكوير وإذا السماء كشطت التكوير للكتاب وتم الكلام وقراءة الآعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف : للكتب جمعا ثم استأنف : الكلام فقال : ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون وروى النسائي عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ثم قرأ ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) ( أخرجه مسلم أيضا عن بن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ( وذكر الحديث وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب التذكرة مستوفى وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال : يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى وقرأ ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) وقال بن عباس : المعنى نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أول مرة وعلى هذا فالكلام متصل بقوله : يوم نطوي السماء أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا وقيل : نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها كقوله : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات إبراهيم والقول الأول أصح وهو نظير قوله : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة الأنعام وقوله عز وجل وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ( وعدا ) نصب على المصدر أي وعدنا وعدا ( علينا ) إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف ثم أكد ذلك بقوله جل ثناؤه : ( إنا كنا فاعلين ) قال الزجاج : معنى ( إنا كنا فاعلين ) إنا كنا قادرين على ما نشاء وقيل : ( إنا كنا فاعلين ) أي ما وعدناكم وهو كما قال : كان وعده مفعولا المزمل ) وقيل : كان للإخبار بما سبق من قضائه وقيل : صلة < <
الأنبياء : ( 105 ) ولقد كتبنا في . . . . . > > < > ( الانبياء 105 : 106 ) < > قوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور ) الزبور والكتاب واحد ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور زبرت أي كتبت وجمعة زبر وقال سعيد بن جبير : الزبور التوراة والإنجيل والقرآن ( من بعد الذكر ) الذي في السماء ( أن الأرض ) أرض الجنة ( يرثها عبادي الصالحون ) رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير الشعبي : الزبور زبور داود و ( الذكر ) توراة موسى عليه السلام مجاهد وبن زيد : الزبور كتب الأنبياء عليهم السلام و ( الذكر ) أم الكتاب الذي عند الله في السماء وقال بن عباس : الزبور الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على انبيائه و ( الذكر ) التوراة المنزلة على موسى وقرأ حمزة في الزبور بضم الزاي جمع زبر ( أن الأرض يرثها عبادى الصالحون ) أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم وهو قول بن عباس ومجاهد وغيرهما وقال مجاهد وأبو العالية : ودليل هذا التأويل قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض وعن بن عباس : أنها الأرض المقدسة وعنه أيضا : أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح وقيل : إن المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ) وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة ( عبادي الصالحون ) بتسكين الياء ( إن في هذا ) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه وقيل : إن في القرآن ( لبلاغا لقوم عابدين ) قال أبو هريرة وسفيان الثوري : هم أهل الصلوات الخمس وقال بن عباس رضي الله عنهما : ( عابدين ) مطيعين والعابد المتذلل الخاضع قال القشيري : ولا يبعد أن يدخل فيه كل عاقل لأنه من حيث الفطرة متذلل للخالق وهو بحيث لو تأمل القرآن واستعمله لأوصله ذلك إلى الجنة وقال بن عباس أيضا : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان وهذا هو القول الأول بعينه < < الأنبياء : ( 107 ) وما أرسلناك إلا . . . . . > > < > ( الانبياء 107 : 109 ) <
> قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) قال سعيد بن جبير عن بن عباس قال : كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق وقال بن زيد : أراد بالعالمين المؤمنين خاصة قوله تعالى : ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) فلا يجوز الإشراك به ( فهل أنتم مسلمون ) أي منقادون لتوحيد الله تعالى أي فأسلموا كقوله تعالى : فهل أنتم منتهون أي انتهو قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أي إن أعرضوا عن الإسلام ( فقل آذنتكم على سواء ) أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كقوله تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا أي استويت أنت وهم فليس لفريق عهد ملتزم في حق الفريق الآخر وقال الزجاج المعنى أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به ولم أظهر لأحد شيئا كتمته عن غيره ( وإن أدري ) ( إن ) نافية بمعنى ما أي وما أدري ( أقريب أم بعيد ما توعدون ) يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي مرسل ولا ملك مقرب قاله بن عباس وقيل : آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم < < الأنبياء : ( 110 ) إنه يعلم الجهر . . . . . > > < > ( الانبياء 110 : 112 ) < > قوله تعالى : ( إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون ) أي من الشرك وهو المجازى عليه ( وإن أدري لعله ) أي لعل الإمهال ( فتنة لكم ) أي اختبار ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم ( ومتاع إلى حين ) قيل : إلى انقضاء المدة وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية في منامه يلون الناس فخرج الحكم من عنده فأخبر بني أمية بذلك فقالوا له : ارجع فسله متى يكون ذلك فأنزل الله تعالى ( وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين يقول لنبيه عليه السلام قل لهم ذلك قوله تعالى : ( قل رب احكم بالحق ) ختم السورة بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفويض الأمر إليه وتوقع الفرج من عنده أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم روى سعيد عن قتادة قال : كانت الأنبياء تقول : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( رب احكم بالحق ) فكان إذا لقي العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل ( رب احكم بالحق ) أي اقض به وقال أبو عبيدة : الصفة ها هنا أقيمت مقام الموصوف والتقدير : رب احكم بحكمك الحق و ( رب ) في موضع نصب لأنه نداء مضاف وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وبن محيصن ( قل رب احكم بالحق ) بضم الباء قال النحاس : وهذا لحن عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل حتى تقول يا رجل أقبل أو ما أشبهه وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب ( قال ربي أحكم بالحق ) بقطع الألف مفتوحة الكاف والميم مضمومة أي قال محمد ربي أحكم بالحق من كل حاكم وقرأ الجحدري ( قل ربي أحكم ) على معنى أحكم الأمور بالحق ( وربنا المستعان على ما تصفون ) أي تصفونه من الكفر والتكذيب وقرأ المفضل والسلمي ( على ما يصفون ) بالياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب تم الجزء الحادي عشر من تفسير القرطبي < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الحج < > <
> هي مكية سوى ثلاث آيات قوله تعالى هذان خصمان إلى تمام ثلاث آيات قاله بن عباس ومجاهد وعن بن عباس أيضا أنهن أربع آيات إلى قوله عذاب الحريق وقال الضحاك وبن عباس أيضا هي مدنية وقاله قتادة إلا أربع آيات وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي - إلى - عذاب يوم عقيم فهن مكيات وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات وقال الجمهور السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني وهذا هو الأصح لأن الآيات تقتضي ذلك لأن يا أيها الناس مكي و يا أيها الذين آمنوا مدني الغزنوي وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا سفرا وحضرا مكيا ومدنيا سلميا وحربيا ناسخا ومنسوخا محكما ومتشابها مختلف العدد قلت وجاء في فضلها ما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين قال نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي واختلف أهل العلم في هذا فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبن عمر أنهما قالا فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين وبه يقول بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ورأى بعضهم أن فيها سجدة واحدة وهو قول سفيان الثوري وروى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال رأيت عمر بن الخطاب سجد في الحج سجدتين قلت في الصبح قال في الصبح بسم الله الرحمن الرحيم < < الحج : ( 1 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( الحج 1 ) <
> روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله ولكن عذاب الله شديد قال : أنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك فقالوا : الله ورسوله أعلم قال : ذاك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار قال يارب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاربوا وسددوا فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية قال فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا قال لا أدري قال الثلثين أم لا قال : هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين وفيه : فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس قال : فسرى عن القوم بعض الذي يجدون فقال : اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة قال : هذا حديث حسن صحيح وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك قال يقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قال فاشتد ذلك عليهم قالوا : يارسول الله أينا ذلك الرجل فقال : أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين وذكر أبو جعفر النحاس قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى ولكن عذاب الله شديد قال : نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال : أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم صلى الله عليه وسلم يا آدم قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فكبر ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سددوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والإنس قوله تعالى ( يأيها الناس اتقوا ربكم ) المراد بهذا النداء المكلفون أي اخشوه في أوامره أن تتركوها ونواهيه أن تقدموا عليها والاتقاء : الاحتراس من المكروه وقد تقدم في أول البقرة القول فيه مستوفي فلا معنى لإعادته والمعنى : احترسوا بطاعته عن عقوبته قوله تعالى : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) الزلزلة شدة الحركة ومنه وزلزلوا حتى يقول الرسول وأصل الكلمة من زل عن الموضع أي زال عنه وتحرك وزلزل الله قدمه أي حركها وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء وقيل : هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة هذا قول الجمهور وقد قيل : إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها فالله أعلم < <
الحج : ( 2 ) يوم ترونها تذهل . . . . . > > < > ( الحج 2 ) < > قوله تعالى : ( يوم ترونها ) الهاء في ترونها عائدة عند الجمهور على الزلزلة ويقوي هذا قوله عز وجل تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه وفيه : أتدرون أي يوم ذلك الحديث وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري قوله : ( تذهل ) أي تشتغل قاله قطرب وأنشد : ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وقيل تنسى وقيل تلهو وقيل تسلو والمعنى متقارب ( عما أرضعت ) قال المبرد : ما بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع إلا أن يقال : من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك ويقال : هذا كما قال الله عز وجل يوما يجعل الولدان شيبا المزمل وقيل : تكون مع النفخة الأولى وقيل : تكون مع قيام الساعة حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وكما قال عليه السلام : اللهم اهزمهم وزلزلهم وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح وتسمية الزلزلة ب شيء إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك أن تسمى شيئأ وهي معدومة إذ اليقين يشبه الموجودات وأما على المآل أي هي إذا وقعت شيء عظيم وكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس كما قال : ( وترى الناس سكارى ) أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع ( وما هم بسكارى ) من الخمر وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله وترى الناس بضم التاء أي تظن ويخيل إليك وقرأ حمزة والكسائي سكرى بغير ألف الباقون سكارى وهما لغتان لجمع سكران مثل كسلى وكسالى والزلزلة : التحريك العنيف والذهول : الغفلة عن الشيء بطروء ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره قال بن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها < < الحج : ( 3 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( الحج 3 : 4 ) < > قوله تعالى ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) قيل : المراد النضر بن الحارث قال : إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا ( ويتبع ) أي في قوله ذلك ( كل شيطان مريد ) متمرد ( كتب عليه أنه من تولاه ) قال قتادة ومجاهد : أي من تولى الشيطان ( فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) < < الحج : ( 5 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( الحج 5 ) <
> قوله تعالى ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث إلى قوله مسمى ) فيه إثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : إن كنتم في ريب من البعث هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى وقوله : إن كنتم في ريب متضمنة التوقيف وقرأ الحسن بن أبي الحسن البعث بفتح العين وهي لغة في البعث عند البصريين وهي عند الكوفيين بتخفيف بعث والمعنى : يأيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة فإنا خلقناكم أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر يعني آدم عليه السلام من تراب ثم خلقنا ذريته من نطفة وهو المني سمي نطفة لقلته وهو القليل من الماء وقد يقع على الكثير منه ومنه الحديث حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا أراد بحر المشرق وبحر المغرب والنطف : القطر نطف ينطف وينطف وليلة نطوفة دائمة القطر ثم من علقة وهو الدم الجامد والعلق الدم العبيط أي الطري وقيل : الشديد الحمرة ثم من مضغة وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ومنه الحديث ألا وإن في الجسد مضغة وهذه الأطوار أربعة أشهر قال بن عباس : وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح فذلك عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر الثانية روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة عن بن مسعود وعن بن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال : يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل والأثر بأي أرض تموت فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها ثم قرأ عامر يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب وفي الصحيح عن أنس بن مالك ورفع الحديث قال : إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم أنثى وذكر الحديث وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد الحديث فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول فإن فيه : يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح وهذه عدة المتوفي عنها زوجها كما قال بن عباس وقوله إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه قد فسره بن مسعود سئل الأعمش : ما يجمع في بطن أمه فقال : حدثنا خيثمة قال قال عبد الله إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المراة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم فذلك جمعها وهذا وقت كونها علقة الثالثة نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال : ولقد خلقناكم ثم صورناكم وقال : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين وقال : يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة وقال تعالى : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن التغابن ثم قال : وصوركم فأحسن صوركم غافر وقال : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم التين وقال : خلق الإنسان من علق العلق إلى غير ذلك من الآيات مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين وهكذا القول في قوله : ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح والحياة وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره فتأمل هذا الأصل وتمسك به ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس كما بيناه في الأحاديث وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف وقد قيل : إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشرا وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل الخامسة النطفة ليست بشيء يقينا ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم فهي كما لو كانت في صلب الرجل فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يتحقق به أنه ولد وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل تبرأ به الرحم وتنقضي به العدة ويثبت به لها حكم أم الولد وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه وقال الشافعي رضي الله عنه لا اعتبار بإسقاط العلقة وإنما الإعتبار بظهور الصورة والتخطيط فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج والمنصوص أنه تنقضي به العدة ولا تكون أم ولد قالوا : لأن العدة تنقضي بالدم الجاري فبغيره أولى السادسة قوله تعالى : ( مخلقة وغير مخلقة ) قال الفراء : مخلقة تامة الخلق وغير مخلقة السقط وقال بن الأعرابي : مخلقة قد بدأ خلقها وغير مخلقة لم تصور بعد بن زيد : المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء قال بن العربي : إذا رجعنا إلى أصل الإشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة لأن الكل خلق الله تعالى وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر فذلك ما قال بن زيد قلت : التخليق من الخلق وفيه معنى الكثرة فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق وإذا كان نطفة فهو مخلوق ولهذا قال الله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر والله أعلم وقد قيل : إن قوله مخلقة وغير مخلقة يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تام وقيل : المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت بن عباس : المخلقة ما كان حيا وغير المخلقة السقط قال : أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء السابعة أجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة قال مالك : إذا علم أنها مضغة وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم وروي عن بن عمر أنه يصلى عليه وقال بن المسيب وبن سيرين وغيرهما وروي عن المغيرة بن شعبة أنه كان يأمر بالصلاة على السقط ويقول سموهم واغسلوهم وكفنوهم وحنطوهم فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم ويتلو هذه الآية فإنا خلقناكم من تراب إلى وغير مخلقة قال بن العربي : لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى وما لم يتبين خلقه فلا وجود له وقال بعض السلف : يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وروي أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استهل المولود ورث الاستهلال : رفع الصوت فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو عطاس أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي قال الخطابي : وأحسنه قول أصحاب الرأي وقال مالك : لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل وروي عن محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة الثامنة قال مالك رضي الله عنه : ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة وقال : الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه قال مالك : إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة أبدا حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار : إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلاك أو بغير ذلك مما تستيقن به حياتة ففيه الدية التاسعة ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع واحتج عليه بأنه حمل وقال قال الله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قال القاضي إسماعيل : والدليل على ذلك أنه يرث أباه فدل على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا قال بن العربي ولا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا قلت : ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله عليه الصلاة والسلام : إن أحدكم يجمع خلقة في بطن أمه يدل على صحة ما قلناه ولأن مسقطه العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها فيشملها قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط وهذا بين العاشرة روى بن ماجة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يزيد عن عبد الملك النوفلي عن يزيد بن رومان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال : أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي الحادية عشر ( لنبين لكم ) يريد : كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم ( ونقر في الأرحام ) قرئ بنصب نقر ونخرج رواه أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم قال قال أبو حاتم : النصب على العطف وقال الزجاج : نقر بالرفع لا غير لأنه ليس المعنى : فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد والصلاح وقيل : المعنى لنبين لهم أمر البعث فهو اعتراض بين الكلامين وقرأت هذه الفرقة بالرفع ونقر المعنى : ونحن نقر وهي قراءة الجمهور وقرئ : ويقر ويخرجكم بالياء والرفع على هذا سائغ وقرأ بن وثاب ما نشاء بكسر النون والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا وقال ما نشاء ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل أي يقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى عنها بلفظ ما الثانية عشر قوله تعالى : ( ثم نخرجكم طفلا ) أي أطفالا فهو اسم جنس وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد قال الشاعر : يلحينني في حبها ويلمنني إن العواذل ليس لي بأمير ولم يقل أمراء وقال المبرد : وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل فيقع على الواحد والجمع قال الله تعالى : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء وقال الطبري : وهو نصب على التمييز كقوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا وقيل : المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ وولد كل وحشية أيضا طفل ويقال : جارية طفل وجاريتان طفل وجوار طفل وغلام طفل وغلمان طفل ويقال أيضا : طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال ولا يقال : طفلات وأطفلت المرأة صارت ذات طفل والمطفلة : الظبية معها طفلها وهي قريبة عهد بالنتاج وكذلك الناقة [ والجمع ] مطافل ومطافيل والطفل [ بالفتح في الطاء ] الناعم يقال : جارية طفلة أي ناعمة وبنان طفل وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه والطفل [ بالتحريك ] : بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب والطفل [ أيضا ] : مطر قال : لوهد جادة طفل الثريا ( ثم لتبلغوا أشدكم ) قيل : إن ثم زائدة كالواو في قوله حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها لأن ثم من حروف النسق كالواو أشدكم كمال عقولكم ونهاية قواكم وقد مضى في الأنعام بيانه ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) أي أخسه وأدونه وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل ولهذا قال : ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) كما قال في سورة يس : ومن نعمره ننكسه في الخلق يس وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر أخرجه النسائي عن سعد وقال : وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب الغلمان وقد مضى في النحل هذا المعنى قوله تعالى ( وترى الأرض هامدة ) ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول : فإنا خلقناكم من تراب فخاطب جمعا وقال في الثاني : وترى الأرض فخاطب واحدا فانفصل اللفظ عن اللفظ ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث ( هامدة ) يابسة لا تنبت شيئا قاله بن جريج وقيل : دارسة والهمود الدروس قال الأعشى : قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا وأرى ثيابك باليات همدا الهروي : هامدة أي جافة ذات تراب وقال شمر يقال : همد شجر الأرض إذا بلي وذهب وهمدت أصواتهم إذا سكنت وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر وفي الحديث : حتى كاد يهمد من الجوع أي يهلك يقال : همد الثوب يهمد إذا بلى وهمدت النار تهمد قوله تعالى : ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) أي تحركت والاهتزاز : شدة الحركة يقال : هززت الشيء فاهتز أي حركته فتحرك وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه واهتز الكوكب في انقضاضه وكوكب هاز فالأرض تهتز بالنبات لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية فسماه اهتزازا مجازا وقيل : اهتز نباتها فحذف المضاف قال المبرد واهتزازه شدة حركته كما قال الشاعر : تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت كما اهتز غصن البان في ورق خضر والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض ( وربت ) أي ارتفعت وزادت ) وقيل : انتفخت والمعنى واحد وأصله الزيادة ربا الشيء يربوا ربوا أي زاد ومنه الربا والربوة وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن الياس وربأت أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف فهو رابئ وربيئة على المبالغة قال امرؤ القيس بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي ( وأنبتت ) أي أخرجت ( من كل زوج ) أي لون ( بهيج ) أي حسن عن قتادة أي يبهج من يراه والبهجة الحسن يقال : رجل ذو بهجة وقد بهج [ بالضم ] بهاجة وبهجه فهو بهيج وأبهجني أعجبني بحسنه ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله : اهتزت وربت يرجع إلى الأرض لا إلى النبات والله أعلم < <
الحج : ( 6 ) ذلك بأن الله . . . . . > > < > ( الحج 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( ذلك بأن الله هو الحق ) لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره في قوله : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث إلى قوله بهيج قال بعد ذلك : ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه لأنه مسخر مصرف والحق الحقيقي : هو الموجود المطلق الغني المطلق وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده ولهذا قال في آخر السورة : وأن ما يدعون من دونه هو الباطل والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول وهو الله تعالى وقيل : ذو الحق على عباده وقيل : الحق بمعنى في أفعاله وقال الزجاج : ذلك في موضع رفع أي الأمر ما وصف لكم وبين ( بأن الله هو الحق ) أي لأن الله هو الحق قال : ويجوز أن يكون ذلك نصبا أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق ( وأنه يحيي الموتى ) أي بأنه ( وأنه على كل شيء قدير ) أي وبانه قادر على ما أراد ( وأن الساعة آتية ) عطف على قوله : ذلك بأن الله هو الحق من حيث اللفظ وليس عطفا في المعنى إذ لا يقال فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية بل لابد من إضمار فعل يتضمنه أي وليعلموا أن الساعة آتية ( لاريب فيها ) أي لاشك ( وأن الله يبعث من في القبور ) يريد للثواب والعقاب < < الحج : ( 8 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( الحج 8 : 10 ) < > قوله تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولاهدى ولاكتاب منير ) أي نير بين الحجة نزلت في النضر بن الحارث وقيل في أبي جهل بن هشام قاله بن عباس والمعظم على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى فهما في فريق واحد والتكرير للمبالغة في الذم كما تقول للرجل تذمه وتوبخه : أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة فكأنه قال : إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هدى وكتاب منير ليضل عن سبيل الله وهو كقولك : زيد يشتمني وزيد يضربني وهو تكرار مفيد قاله القشيري وقد قيل : نزلت فيه بضع عشرة آية فالمراد بالآية الأولى إنكارة البعث وبالثانية إنكاره النبوة وأن القرآن منزل من جهة الله وقد قيل : كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله وهذا جدال في الله تعالى من في موضع رفع بالإبتداء والخبر في قوله : ومن الناس ( ثاني عطفه ) نصب على الحال ويتأول على معنيين : أحدهما روي عن بن عباس انه قال : هو النضر بن الحارث لوى عنقه مرحا وتعظما والمعنى الآخر وهو قول الفراء أن التقدير : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه أي معرضا عن الذكر ذكره النحاس وقال مجاهد وقتادة : لاويا عنقه كفرا بن عباس : معرضا عما يدعى إليه كفرا والمعنى واحد وروى الأوزاعي عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن بن عباس في قوله عز وجل : ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله قال : هو صاحب البدعة المبرد : العطف ما انثنى من العنق وقال المفضل : والعطف الجانب ومنه قولهم : فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه وعطفا الرجل من لدن رأسه إلى وركيه وكذلك عطفا كل شيء جانباه ويقال : ثنى فلان عني عطفه إذا أعرض عنك فالمعنى : أي هو معرض عن الحق في جداله ومول عن النظر في كلامه وهو كقوله تعالى : ولى مستكبرا كأن لم يسمعها وقوله تعالى : لووا رؤوسهم المنافقون وقوله : أعرض ونأى بجانبه وقوله : ذهب إلى أهله يتمطى ( ليضل عن سبيل الله ) أي عن طاعة الله تعالى وقرئ ليضل بفتح الياء واللام لام العاقبة أي يجادل فيضل كقوله تعالى : ليكون لهم عدوا وحزنا القصص أي فكان لهم كذلك ونظيره إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا ( له في الدنيا خزي ) أي هوان وذل بما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة كما قال : ولا تطع كل حلاف مهين القلم الآية وقوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب المسد وقيل : الخزي ها هنا القتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرا كما تقدم في آخر الأنفال ( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) أي نار جهنم ( ذلك بما قدمت يداك ) أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار : ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر وعبر باليد عن الجملة لأن اليد التي تفعل وتبطش للجملة وذلك بمعنى هذا < <
الحج : ( 11 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( الحج 11 ) < > قوله تعالى : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) من في موضع رفع بالابتداء والتمام انقلب على وجهه على قراءة الجمهور خسر وهذه الآية خبر عن المنافقين قال بن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني فقال : إن الإسلام لا يقال فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا ذهب بصري ومالي وولدي فقال : يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب فأنزل الله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال : ومن الناس من يعبد الله على حرف قال : كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون فإن نالوا رخاء أقاموا وإن نالتهم شدة ارتدوا وقيل نزلت في النضر بن الحارث وقال بن زيد وغيره : نزلت في المنافقين ومعنى ( على حرف ) على شك قاله مجاهد وغيره وحقيقته أنه على ضعف في عبادته كضعف القائم على حرف مضطرب فيه وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد وقيل : على حرف أي على وجه واحد وهو أن يعبده على السراء دون الضراء ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف وقيل : على حرف على شرط وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر أمره : أدع لي ربك أن يرزقني مالا وإبلا وخيلا وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : ومن الناس من يعبد الله على حرف يريد شرط وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته وبين هذا بقوله : ( فإن أصابه خير ) صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه ( وإن أصابته فتنة ) أي خلاف ذلك مما يختبر به ( انقلب على وجهه ) أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر ( خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وبن أبي إسحاق وروي عن يعقوب خاسر الدنيا بألف نصبا على الحال وعليه فلا يوقف على وجهه وخسرانه الدنيا بأن لاحظ له في غنيمة ولا ثناء والآخرة بأن لا ثواب له فيها < < الحج : ( 12 ) يدعو من دون . . . . . > > < > ( الحج 12 ) < > قوله تعالى : ( يدعوا من دون الله ) أي هذا الذي يرجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لاينفع ولايضر ( ذلك هو الضلال البعيد ) قال الفراء : الطويل < < الحج : ( 13 ) يدعو لمن ضره . . . . . > > < > ( الحج 13 ) <
> قوله تعالى : ( يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ) أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار ولم ير منه نفعا أصلا ولكنه قال : ضره أقرب من نفعه ترفيعا للكلام كقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين سبأ وقيل : يعبدونهم توهم أنهم يشفعون لهم غدا كما قال الله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله يونس وقال تعالى : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقال الفراء والكسائي والزجاج : معنى الكلام القسم والتأخير أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه فاللام مقدمة في غير موضعها ومن في موضع نصب ب يدعو واللام جواب القسم وضره مبتدأ وأقرب خبره وضعف النحاس تأخير اللام وقال : وليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير قلت : حق اللام التقديم وقد تؤخر قال الشاعر : خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا أي لخالي أنت وقد تقدم النحاس : وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال : في الكلام حذف والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها قال النحاس : وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد لأنه لا معنى له لأن ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش وهو أحسن ما قيل في الآية عندي والله أعلم قال : يدعو بمعنى يقول ومن مبتدأ وخبره محذوف والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه قلت : وذكر هذا القول القشيري رحمه الله عن الزجاج والمهدوي عن الأخفش وكمل إعرابه فقال : يدعو بمعنى يقول ومن مبتدأ وضره مبتدأ ثان وأقرب خبره والجملة صلة من وخبر من محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه ومثله قول عنترة : يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم قال القشيري : والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من نفعه ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلهي وهو كقوله تعالى : يا أيها الساحر أدع لنا ربك الزخرف أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا وقال الزجاج : يجوز أن يكون يدعو في موضع الحال وفيه هاء محذوفة أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه أي في حال دعائه إياه ففي يدعو هاء مضمرة ويوقف على هذا على يدعو وقوله : لمن ضره أقرب من نفعه كلام مستأنف مرفوع بالابتداء وخبره لبئس المولى وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ويكون في محل النصب بوقوع يدعو عليه أي الذي هو الضلال البعيد يدعو كما قال : وما تلك بيمينك يا موسى أي ما الذي ثم قوله لمن ضره كلام مبتدأ ولبئس المولى خبر المبتدأ وتقدير الآية على هذا : يدعو الذي هو الضلال البعيد قدم المفعول وهو الذي كما تقول زيدا يضرب واستحسنه أبو علي وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول وأنشد : عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق أي والذي وقال الزجاج أيضا والفراء : يجوز أن يكون يدعو مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء ولا تعديه إذ قد عديته أولا أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو مثل ضربت زيدا ضربت ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى قال الفراء : ويجوز لمن ضره بكسر اللام أي يدعو إلى من ضره أقرب من نفعه قال الله عز وجل : بأن ربك أوحى لها أي إليها وقال الفراء أيضا والقفال : اللام صلة أي يدعو من ضره أقرب من نفعه أي يعبده وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود ( لبئس المولى ) أي في التناصر ( ولبئس العشير ) أي المعاشر والصاحب والخليل مجاهد : يعني الوثن < <
الحج : ( 14 ) إن الله يدخل . . . . . > > < > ( الحج 14 ) < > قوله تعالى : ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا ( إن الله يفعل مايريد ) أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله وللكافرين النار بما سبق من عدله لا أن فعل الرب معلل بفعل السيد < < الحج : ( 15 ) من كان يظن . . . . . > > < > ( الحج 15 ) < > قوله تعالى : ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ) قال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ( فليمدد بسبب إلى السماء ) أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ( ثم ليقطع ) أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له ( فلينظر هل يذهبن كيده ) وحيلته ما يغيظه من نصر النبي صلى الله عليه وسلم والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر وكذا قال بن عباس : إن الكناية في ينصره الله ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه لأن الإيمان هو الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صلى الله عليه وسلم ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا وعن بن عباس أيضا أن الهاء تعود على من والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق فليقتل نفسه إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله والنصر على هذا القول الرزق تقول العرب : من ينصرني نصره الله أي من أعطاني أعطاه الله ومن ذلك قول العرب : أرض منصورة أي ممطورة قال الفقعسي : وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره وكذا روى بن أبي نجيح عن مجاهد قال : من كان يظن أن لن ينصره الله أي لن يرزقه وهو قول أبي عبيدة وقيل : إن الهاء تعود على الدين والمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله دينه ( فليمدد بسبب ) أي بحبل والسبب ما يتوصل به إلى الشيء ( إلى السماء ) إلى سقف البيت بن زيد : هي السماء المعروفة وقرأ الكوفيون ثم ليقطع بإسكان اللام قال النحاس : وهذا بعيد في العربية لأن ثم ليست مثل الواو والفاء لأنها يوقف عليها وتنفرد وفي قراءة عبد الله فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ قيل : ما بمعنى الذي أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه فحذف الهاء ليكون أخف وقيل : ما بمعنى المصدر أي هل يذهبن كيده غيظه < < الحج : ( 16 ) وكذلك أنزلناه آيات . . . . . > > < > ( الحج 16 ) < > قوله تعالى : ( وكذلك أنزلنا آيات بينات ) يعني القرآن ( وأن الله ) أي وكذلك أن الله يهدي من يريد ) علق وجود الهداية بإرادته فهو الهادي لا هادي سواه < < الحج : ( 17 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( الحج 17 ) <
> قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) أي بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ( والذين هادوا ) اليهود وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام ( والصابئين ) هم قوم يعبدون النجوم ( والنصارى ) هم المنتسبون إلى ملة عيسى ( والمجوس ) هم عبدة النيران القائلين أن للعالم أصلين : نور وظلمة قال قتادة : الأديان خمسة أربعة للشيطان وواحد للرحمن وقيل : المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين والأيم والأين وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى ( والذين أشركوا ) هم العرب عبدة الأوثان ( إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ) أي يقضي ويحكم فللكافرين النار وللمؤمنين الجنة وقيل : هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والإستدلال ( إن الله على كل شيء شهيد ) أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم فلا يعزب عنه شيء منها سبحانه وقوله إن الله يفصل بينهم خبر إن في قوله إن الذين آمنوا كما تقول : إن زيدا إن الخير عنده وقال الفراء : ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق وزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن ومن تهود أو تنصر أو صبأ يفصل بينهم وحسابهم على الله عز وجل ورد أبو إسحاق على الفراء هذا القول واستقبح قوله : لا يجوز إن زيدا إن اخاه منطلق قال : لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين وإن تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيدا هو منطلق ثم تأتي بإن فتقول : إن زيدا إنه منطلق وقال الشاعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال عز به ترجى الخواتيم < < الحج : ( 18 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( الحج 18 ) < > قوله تعالى : ( ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) هذه رؤية القلب أي ألم تر بقلبك وعقلك وتقدم معنى السجود في البقرة وسجود الجماد في النحل ( والشمس ) معطوفة على من وكذا ( والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) ثم قال : ( وكثير حق عليه العذاب ) وهذا مشكل من الإعراب كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل والظالمين أعد لهم عذابا أليما الإنسان فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا ولكن اختير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود فيكون ابتداء وخبرا وتم الكلام عند قوله وكثير من الناس ويجوز أن يكون معطوفا على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح وهذا يدخل فيه كل شيء ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان كثيرا حق عليه العذاب ونحوه وقيل : تم الكلام عند قوله والدواب ثم ابتدأ فقال وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب وكذا روي عن بن عباس أنه قال : المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ذكره بن الأنباري وقال أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجدا لله حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس فهذا سجود حقيقي ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم وسيأتي في سورة يس عند قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها يس وقد تقدم في سورة البقرة معنى السجود لغة ومعنى قوله تعالى : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه وقال بن عباس : إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار ( إن الله يفعل ما يشاء ) يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه وحكى الأخفش والكسائي والفراء ومن يهن الله فما له من مكرم أي إكرام < <
الحج : ( 19 ) هذان خصمان اختصموا . . . . . > > < > ( الحج 19 : 21 ) <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?