Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( ليكفروا بما آتيناهم ) قيل : هي لام كي وقيل : هي لام أمر فيه معنى التهديد كما قال جل وعز : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( فتمتعوا فسوف تعلمون ) تهديد ووعيد وفي مصحف عبد الله وليتمتعوا أي مكناهم من ذلك لكي يتمتعوا فهو إخبار عن غائب مثل : ليكفروا وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار عن غائب أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا < < الروم : ( 35 ) أم أنزلنا عليهم . . . . . > > < > ( الروم 35 ) < > قوله تعالى : ( أم أنزلنا عليهم سلطانا ) استفهام فيه معنى التوقيف قال الضحاك : سلطانا أي كتابا وقاله قتادة والربيع بن أنس وأضاف الكلام إلى الكتاب توسعا وزعم الفراء أن العرب تؤنث السلطان تقول : قضت به عليك السلطان فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح وبه جاء القرآن والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة أي حجة تنطق بشرككم قاله بن عباس والضحاك أيضا وقال علي بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال : سلطان جمع سليط مثل رغيف ورغفان فتذكيره على معنى الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة وقد مضى في آل عمران الكلام في السلطان أيضا مستوفي والسلطان : ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة كما قال تعالى : أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين < < الروم : ( 36 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . > > < > ( الروم 36 ) < > قوله تعالى : ( وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ) يعني الخصب والسعة والعافية قاله يحيى بن سلام النقاش : النعمة والمطر وقيل : الأمن والدعة والمعنى متقارب ( فرحوا بها ) أي بالرحمة ( وأن تصبهم سيئة ) أي بلاء وعقوبة قاله مجاهد السدي : قحط المطر ( بما قدمت أيديهم ) أي بما عملوا من المعاصي ( إذا هم يقنطون ) أي ييأسون من الرحمة والفرج قاله الجمهور وقال الحسن : إن القنوط ترك فرائض الله سبحانه وتعالى في السر قنط يقنط وهي قراءة العامة وقنط يقنط وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب وقرأ الأعمش : قنط يقنط بالكسر فيهما مثل حسب يحسب والآية صفة للكافر يقنط عند الشدة ويبطر عند النعمة كما قيل : كحمار السوء إن أعلفته رمح الناس وإن جاع نهق وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة وقد مضى في غير موضع فأما المؤمن فيشكر ربه عند النعمة ويرجوه عند الشدة < < الروم : ( 37 ) أو لم يروا . . . . . > > < > ( الروم 37 ) < > قوله تعالى : ( أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) < < الروم : ( 38 ) فآت ذا القربى . . . . . > > < > ( الروم 38 ) <
> قوله تعالى : ( فآت ذا القربى حقه ) فيه ثلاث مائل : الأولى لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أمر من وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو وأمته لأنه قال : ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه وخير الصدقة ما كان على القريب وفيها صلة الرحم وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة : ( أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ( الثانية واختلف في هذه الآية فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث وقيل : لا نسخ بل للقريب حق لازم في البر على كل حال وهو الصحيح قال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله عز وجل حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة وقيل : المراد بالقربى أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى وقيل : إن الأمر بالإيتاء لذي القربى على جهة الندب قال الحسن : حقه المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر ( والمسكين ) قال بن عباس : أي أطعم السائل الطواف وبن السبيل : الضيف فجعل الضيافة فرضا وقد مضى جميع هذا مبسوطا مبينا في مواضعه والحمد لله الثالثة ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله ) أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه ( وأولئك هم المفلحون ) أي الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة وقد تقدم في البقرة القول فيه < < الروم : ( 39 ) وما آتيتم من . . . . . > > < > ( الروم 39 ) <
> قوله تعالى : ( وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ) فيه أربع مسائل : الأولى لما ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضا وجهه وقرأ الجمهور : آتيتم بالمد بمعنى أعطيتم وقرأ بن كثير ومجاهد وحميد بغير مد بمعنى ما فعلتم من ربا ليربو كما تقول : أتيت صوابا وأتيت خطأ وأجمعوا على المد في قوله : وما آتيتم من زكاة والربا الزيادة وقد مضى في البقرة معناه وهو هناك محرم وها هنا حلال وثبت بهذا أنه قسمان : منه حلال ومنه حرام قال عكرمة في قوله تعالى : وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس قال : الربا ربوان ربا حلال وربا حرام فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه وعن الضحاك في هذه الآية : هو الربا الحلال الذي يهدي ليثاب ما هو أفضل منه لا له ولا عليه ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم وكذلك قال بن عباس : وما آتيتم من ربا يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه وفي هذا المعنى نزلت الآية قال بن عباس وبن جبير وطاوس ومجاهد : هذه آية نزلت في هبة الثواب قال بن عطية : وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازي عليه كالسلام وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى وقاله القاضي أبو بكر بن العربي وفي كتاب النسائي عن عبد الرحمن بن علقمة قال : قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال : ( أهدية أم صدقة فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة وإن كانت صدقة فإنما يبتغي بها وجه الله عز وجل ( قالوا : لا بل هدية فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسألونه وقال بن عباس أيضا وإبراهيم النخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على وجه النفع لهم وقال الشعبي : معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحدا وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزئ به الخدمة لا يربو عند الله وقيل : كان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص قال الله تعالى : ولا تمنن تستكثر فنهى أن يعطي شيئا فيأخذ أكثر منه عوضا وقيل : إنه الربا المحرم فمعنى : لا يربو عند الله على هذا القول لا يحكم به لآخذه بل هو للمأخوذ منه قال السدي : نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : صريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة قال المهلب : اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها وقال : إنما أردت الثواب فقال مالك : ينظر فيه فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك مثل هبة الفقير للغني وهبة الخادم لصاحبه وهبة الرجل لأميره ومن فوقه وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترط وهو قول الشافعي الآخر قال : والهبة للثواب باطلة لاتنفعه لأنها بيع بثمن مجهول واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى المعاوضات والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض والهبة بخلاف ذلك ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها ونحوه عن علي رضي الله عنه قال : المواهب ثلاثة : موهبة يراد بها وجه الله وموهبة يراد بها وجوه الناس وموهبة يراد بها الثواب فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب منها وترجم البخاري رحمه الله ( باب المكافأة في الهبة ) وساق حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها وأثاب على لقحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائدا على القيمة خرجه الترمذي الثالثة ماذكره علي رضي الله عنه وفصله من الهبة صحيح وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال : أحدها أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه والثاني أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها والثالث أن يريد بها الثواب من الموهوب له وقد مضى الكلام فيه وقال صلى الله عليه وسلم : ( الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ( فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله بفضله ورحمته قال الله عز وجل : ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيا حتى لا يكون كلا فالنية في ذلك متبوعة فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله وإن كان لما له عليه من حق القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة قال الله عز وجل : يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس الآية وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته وله أن يرجع فيها مالم يثب بقيمتها على مذهب بن القاسم أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها على ظاهر قول عمر وعلي وهو قول مطرف في الواضحة : أن الهبة ما كانت قائمة العين وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها وقد قيل : إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء وقيل : تلزمه القيمة كنكاح التفويض وأما إذا كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا قاله بن العربي الرابعة قوله تعالى : ( ليربو ) قرأ جمهور القراء السبعة : ليربو بالياء وإسناد الفعل إلى الربا وقرأ نافع وحده : بضم التاء والواو ساكنة على المخاطبة بمعنى تكونوا ذوي زيادات وهذه قراءة بن عباس والحسن وقتادة والشعبي قال أبو حاتم : هي قراءتنا وقرأ أبو مالك : لتربوها بضمير مؤنث ( فلا يربوا عند الله ) أي لا يزكوا ولا يثيب عليه لأنه لايقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصا له وقد تقدم في النساء ( وما آتيتم من زكاة ) قال بن عباس : أي من صدقة ( تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر كما قال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وقال : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة وقال : فأولئك هم المضعفون ولم يقل فأنتم المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة مثل قوله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم وفي معنى المضعفين قولان : أحدهما أنه تضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا والآخر أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم أي هم أصحاب أضعاف كما يقال : فلان مقو إذا كانت إبله قوية أوله أصحاب أقوياء ومسمن إذا كانت إبله سمانا ومعطش إذا كانت إبله عطاشا ومضعف إذا كانت إبله ضعيفة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ( فالمخبث : الذي أصابه خبث يقال : فلان رديء أي هو رديء في نفسه ومردئ : أصحابه أردئاء < <
الروم : ( 40 ) الله الذي خلقكم . . . . . > > < > ( الروم 40 ) < > قوله تعالى : ( الله الذي خلقكم ) ابتداء وخبر وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرزاق المميت المحي ثم قال على جهة الاستفهام : ( هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ) لايفعل ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد بقوله الحق : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء ويجعلون لهم من أموالهم < < الروم : ( 41 ) ظهر الفساد في . . . . . > > < > ( الروم 41 ) < > قوله تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر ) اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر فقال قتادة والسدي : الفساد الشرك وهو أعظم الفساد وقال بن عباس وعكرمة ومجاهد : فساد البر قتل بن آدم أخاه قابيل قتل هابيل وفي البحر بالملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا وقيل : الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة ونحوه قال بن عباس قال : هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا قال النحاس : وهو أحسن ماقيل في الآية وعنه أيضا : أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقال عطية : فإذا قل المطر قل الغوص عنده وأخفق الصيادون وعميت دواب البحر وقال بن عباس : إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ وقيل : الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش وقيل : الفساد المعاصي وقطع السبيل والظلم أي صار هذا العمل مانعا من الزرع والعمارات والتجارات والمعنى كله متقارب والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس لا ما قاله بعض العباد : أن البر اللسان والبحر القلب لظهور ماعلى اللسان وخفاء ما في القلب وقيل : البر : الفيافي والبحر : القري قاله عكرمة والعرب تسمي الأمصار البحار وقال قتادة : البر أهل العمود والبحر أهل القرى والريف وقال بن عباس : إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر والبحر ما كان على شط نهر وقاله مجاهد قال : أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهي بحر وقال معناه النحاس قال : في معناه قولان : أحدهما ظهر الجدب في البر أي في البوادي وقراها وفي البحر أي في مدن البحر مثل : واسأل القرية أي ظهر قلة الغيث وغلاء السعر ( بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ) أي عقاب بعض ( الذي عملوا ) ثم حذف والقول الآخر أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم فهذا هو الفساد على الحقيقة والأول مجاز إلا أنه على الجواب الثاني فيكون في الكلام حذف واختصار دل عليه ما بعده ويكون المعنى : ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا ( لعلهم يرجعون ) لعلهم يتوبون وقال : بعض الذي عملوا لأن معظم الجزاء في الآخرة والقراءة ليذيقهم بالياء وقرأ بن عباس بالنون وهي قراءة السلمي وبن محيصن وقنبل ويعقوب على التعظيم أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا < < الروم : ( 42 ) قل سيروا في . . . . . > > < > ( الروم 42 ) < > قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض ) أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل ( كان أكثرهم مشركين ) أي كافرين فأهلكوا < < الروم : ( 43 ) فأقم وجهك للدين . . . . . > > < > ( الروم 43 ) <
> قوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين القيم ) قال الزجاج : أي أقم قصدك واجعل جهتك اتباع الدين القيم يعني الإسلام وقيل : المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم ( من قبل أن يأتي يوم لا يرده الله عنهم فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه ويجوز عند غير سيبويه لا مرد له وذلك عند سيبويه بعيدا إلا أن يكون في الكلام عطف والمراد يوم القيامة ( يومئذ يصدعون ) قال بن عباس : معناه يتفرقون وقال الشاعر : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا أي لن يتفرقا نظيره قوله تعالى : يومئذ يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير والأصل يتصدعون ويقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ومنه اشتق الصداع لأنه يفرق شعب الرأس < < الروم : ( 44 ) من كفر فعليه . . . . . > > < > ( الروم 44 ) < > قوله تعالى : ( ومن كفر فعليه كفره ) أي جزاء كفره ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح ومنه : مهد الصبي والمهاد الفراش وقد مهدت الفراش مهدا : بسطته ووطأته وتمهيد الأمور : تسويتها وإصلاحها وتمهيد العذر : بسطه وقبوله والتمهد : التمكن وروى بن أبي نجيح عن مجاهد فلأنفسهم يمهدون قال : في القبر < < الروم : ( 45 ) ليجزي الذين آمنوا . . . . . > > < > ( الروم 45 ) < > قوله تعالى : ( ليجزي الذين آمنوا ) أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله وقيل يصدعون ليجزيهم الله أي ليميز الكافر من المسلم ( إنه لا يحب الكافرين ) < < الروم : ( 46 ) ومن آياته أن . . . . . > > < > ( الروم 46 ) < > قوله تعالى : ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) أي ومن أعلام كمال قدرته إرسال الرياح مبشرات أي بالمطر لأنها تتقدمه وقد مضى في الحجر بيانه ( وليذيقكم من رحمته ) يعني الغيث والخصب ( ولتجري الفلك ) أي في البحر عند هبوبها وإنما زاد بأمره لأن الرياح قد تهب ولا تكون مواتية فلا بد من إرساء السفن والاحتيال بحبسها وربما عصفت فأغرقتها بأمره ( ولتبتغوا من فضله ) يعني الرزق بالتجارة ( ولعلكم تشكرون ) هذه النعم بالتوحيد والطاعة وقد مضى هذا كله مبينا < < الروم : ( 47 ) ولقد أرسلنا من . . . . . > > < > ( الروم 47 ) < > قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ) أي المعجزات والحجج النيرات ( فانتقمنا ) أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) حقا نصب على خبر كان ونصر اسمها وكان أبو بكر يقف على حقا أي وكان عقابنا حقا ثم قال : علينا نصر المؤمنين ابتداء وخبر أي أخبر بأنه لا يخلف الميعاد ولا خلف في خبرنا وروي من حديث أبي الدرداء قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري وغيرهم < < الروم : ( 48 ) الله الذي يرسل . . . . . > > < > ( الروم 48 : 49 ) <
> قوله تعالى : ( الله الذي يرسل الرياح ) قرأ بن محيصن وبن كثير وحمزة والكسائي : الريح بالتوحيد والباقون بالجمع قال أبو عمرو : وكل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع وما كان بمعنى العذاب فهو موحد وقد مضى في البقرة معنى هذه الآية وفي غيرها كسفا جمع كسفة وهي القطعة وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج وبن عامر كسفا بإسكان السين وهي أيضا جمع كسفة كما يقال : سدرة وسدر وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه أي فترى الودق أي المطر يخرج من خلال الكسف لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء لا غير فالتذكير فيه حسن ومن قرأ : كسفا فالمضمر عنده عائد على السحاب وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وبن عباس : فترى الودق يخرج من خلله ويجوز أن يكون خلل جمع خلال ( فإذا أصاب به ) أي بالمطر ( من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ) يفرحون بنزول المطر عليهم ( وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) أي يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم ومن قبله تكرير عند الأخفش معناه التأكيد وأكثر النحويين على هذا القول قاله النحاس وقال قطرب : إن قبل الأولى للإنزال والثانية للمطر أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر وقيل : المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع ودل على الزرع المطر إذ بسببه يكون ودل عليه أيضا فرأوه مصفرا على مايأتي وقيل : المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته واختار هذا القول النحاس أي من قبل رؤية السحاب ( لمبلسين ) أي ليائسين وقد تقدم ذكر السحاب < < الروم : ( 50 ) فانظر إلى آثار . . . . . > > < > ( الروم 50 ) < > قوله تعالى : ( فانظر إلى أثر رحمة الله ) يعني المطر أي انظروا نظر استبصار واستدلال أي استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى وقرأ بن عامر وحفص وحمزة والكسائي : آثار بالجمع الباقون بالتوحيد لأنه مضاف إلى مفرد والأثر فاعل يحيي ويجوز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل ومن قرأ : آثار بالجمع فلأن رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة كما قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها وقرأ الجحدري وأبو حيوة وغيرهما : كيف تحيي الأرض بتاء ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة لأن أثر الرحمة يقوم مقامها فكأنه هو الرحمة أي كيف تحيي الرحمة الأرض أو الآثار ويحيي أي يحيي الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء و ( كيف يحيي الأرض ) في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لأن اللفظ لفظ الإستفهام والحال خبر والتقدير : فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها ( إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) استدلال بالشاهد على الغائب < < الروم : ( 51 ) ولئن أرسلنا ريحا . . . . . > > < > ( الروم 51 ) < > قوله تعالى : ( ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ) يعني الريح والريح يجوز تذكيره قال محمد بن يزيد : لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي نحو أعجبني الدار وشبهه وقيل : فرأوا السحاب وقال بن عباس : الزرع وهو الأثر والمعنى : فرأوا الأثر مصفرا واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه وكذا السحاب يدل على أنه لايمطر والريح على أنها لاتلقح ( لظلوا من بعده يكفرون ) أي ليظلن وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل قاله الخليل وغيره < < الروم : ( 52 ) فإنك لا تسمع . . . . . > > < > ( الروم 52 : 53 ) <
> قوله تعالى : ( فإنك لاتسمع الموتى ) أي وضحت الحجج يا محمد لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم وعميت بصائرهم فلا يتهيأ لك إسماعهم وهدايتهم وهذا رد على القدرية ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) أي لاتسمع مواعظ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخلقت لهم الهداية وقد مضى هذا في النمل ووقع قوله بهاد العمي هنا بغير ياء < < الروم : ( 54 ) الله الذي خلقكم . . . . . > > < > ( الروم 54 ) < > قوله تعالى : ( الله الذي خلقكم من ضعف ) ذكر استدلالا آخر على قدرته في نفس الإنسان ليعتبر ومعنى : من ضعف من نطفة ضعيفة وقيل : من ضعف أي في حال ضعف وهو ماكانوا عليه في الإبتداء من الطفولة والصغر ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) يعني الشبيبة ( ثم جعل من بعد قوة ضعفا ) يعني الهرم وقرأ عاصم وحمزة : بفتح الضاد فيهن الباقون بالضم لغتان والضم لغة النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجحدري : من ضعف ثم جعل من بعد ضعف بالفتح فيهما ضعفا بالضم خاصة أراد أن يجمع بين اللغتين قال الفراء : الضم لغة قريش والفتح لغة تميم الجوهري : الضعف والضعف : خلاف القوة وقيل : الضعف بالفتح في الرأي وبالضم في الجسد ومنه الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع : ( أنه يبتاع وفي عقدته ضعف ( ( وشيبة ) مصدر كالشيب والمصدر يصلح للجملة وكذلك القول في الضعف والقوة ( يخلق مايشاء ) يعني من قوة وضعف ( وهو العليم ) بتدبيره ( القدير ) على إرادته وأجاز النحويون الكوفيون من ضعف بفتح العين وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا < < الروم : ( 55 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . > > < > ( الروم 55 ) < > قوله تعالى : ( ويوم يقوم الساعة يقسم المجرمون ) أي يحلف المشركون ( مالبثوا غير ساعة ) ليس في هذا رد لعذاب القبر إذ كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوذ منه وأمر أن يتعوذ منه فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي تقول : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر ( في أحاديث مشهورة خرجها مسلم والبخاري وغيرهما وقد ذكرنا منها جملة في كتاب ( التذكرة ) وفي معنى : ما لبثوا غير ساعة قولان : أحدهما أنه لا بد من خمدة قبل يوم القيامة فعلى هذا قالوا : مالبثنا غير ساعة والقول الآخر أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها كما قال تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير مايدرون قال الله عز وجل : ( كذلك كانوا يؤفكون ) أي كانوا يكذبون في الدنيا يقال : أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والخير وأرض مأفوكة : ممنوعة من المطر وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه والقرآن يدل على غير ذلك قال الله عز وجل : كذلك كانوا يؤفكون أي كما صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا وقال عز وجل : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون وقال : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا < <
الروم : ( 56 ) وقال الذين أوتوا . . . . . > > < > ( الروم 56 ) < > قوله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) اختلف في الذين أوتوا العلم فقيل الملائكة وقيل الأنبياء وقيل علماء الأمم وقيل مؤمنو هذه الأمة وقيل جميع المؤمنين أي يقول المؤمنون للكفار ردا عليهم لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث والفاء في قوله : فهذا يوم البعث جواب لشرط محذوف دل عليه الكلام مجازه : إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وحكى يعقوب عن بعض القراء وهي قراءة الحسن : إلى يوم البعث بالتحريك وهذا مما فيه حرف من حروف الحلق وقيل : معنى في كتاب الله في حكم الله وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث قاله مقاتل وقتادة والسدي القشيري : وعلى هذا أوتوا العلم بمعنى كتاب الله وقيل : الذين حكم لهم في الكتاب بالعلم ( فهذا يوم البعث ) أي اليوم الذي كنتم تنكرونه < < الروم : ( 57 ) فيومئذ لا ينفع . . . . . > > < > ( الروم 57 ) < > قوله تعالى : ( فيومئذ لاينفع الذين ظلموا معذرتهم ) أي لا ينفعهم العلم بالقيامة ولا الاعتذار يومئذ وقيل : لما رد عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا ( ولا هم يستعتبون ) أي ولا حالهم حال من يستعتب ويرجع يقال : استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني وذلك إذا كنت جانيا عليه وحقيقة أعتبته : أزلت عتبه : وسيأتي في فصلت بيانه وقرأ عاصم وحمزة والكسائي : فيومئذ لا ينفع بالياء والباقون بالتاء < < الروم : ( 58 ) ولقد ضربنا للناس . . . . . > > < > ( الروم 58 : 60 ) < > قوله تعالى : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي من كل مثل يدلهم على مايحتاجون إليه وينبههم على التوحيد وصدق الرسل ( ولئن جئتهم بآية ) أي معجزة كفلق البحر والعصا وغيرهما ( ليقولن الذين كفروا إن أنتم ) يامعشر المؤمنين ( إلا مبطلون ) أي تتبعون الباطل والسحر ( كذلك ) أي كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله فكذلك ( يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ) أدلة التوحيد ( فاصبر إن وعد الله حق ) أي اصبر على أذاهم فإن الله ينصرك ( ولا يستخفنك ) أي لا يستفزنك عن دينك ( الذين لايوقنون ) قيل : هو النضر بن الحارث والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته يقال : استخف فلان فلانا أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي وهو في موضع جزم بالنهي أكد بالنون الثقيلة فبني على الفتح كما يبنى الشيئان إذا ضم أحدهما إلى الآخر الذين لا يوقنون في موضع رفع ومن العرب من يقول : اللذون في موضع الرفع وقد مضى في الفاتحة < > تفسير سورة لقمان < > وهي مكية غير آيتين قال قتادة : أولهما ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام إلى آخر الآيتين وقال بن عباس : ثلاث آيات أولهن ولو أن ما في الأرض وهي أربع وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < لقمان : ( 1 ) الم > > < > ( لقمان 1 : 5 ) <
> قوله تعالى : ( الم تلك آيات الكتاب الحكيم ) مضى الكلام في فواتح السور وتلك في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هذه تلك ويقال : تيك آيات الكتاب الحكيم بدلا من تلك والكتاب : القرآن والحكيم : المحكم أي لا خلل فيه ولا تناقض وقيل ذو الحكمة وقيل الحاكم ( هدى ورحمة ) بالنصب على الحال مثل : هذه ناقة الله لكم آية وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي وقرأ حمزة : هدى ورحمة بالرفع وهو من وجهين : أحدهما على إضمار مبتدأ لأنه أول آية والآخر أن يكون خبر تلك والمحسن : الذي يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه وقيل : هم المحسنون في الدين وهو الإسلام قال الله تعالى : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله الآية ( الذين يقيمون الصلاة ) في موضع الصفة ويجوز الرفع على القطع بمعنى : هم الذين والنصب بإضمار أعني وقد مضى الكلام في هذه الآية والتي بعدها في البقرة وغيرها < < لقمان : ( 6 ) ومن الناس من . . . . . > > < > ( لقمان 6 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) من في موضع رفع بالابتداء ولهو الحديث : الغناء في قول بن مسعود وبن عباس وغيرهما النحاس : وهو ممنوع بالكتاب والسنة والتقدير : من يشتري ذا لهو أو ذات لهو مثل : واسأل القرية أو يكون التقدير : لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو قلت : هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه والآية الثانية قوله تعالى : وأنتم سامدون قال بن عباس : هو الغناء بالحميرية اسمدي لنا أي غني لنا والآية الثالثة قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال مجاهد : الغناء والمزامير وقد مضى في سبحان الكلام فيه وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لاتبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ( إلى آخر الآية قال أبو عيسى : هذا حديث غريب إنما يروي من حديث القاسم عن أبي أمامة والقاسم ثقة وعلي بن زيد يضعف في الحديث قاله محمد بن إسماعيل قال بن عطية : وبهذا فسر بن مسعود وبن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي قلت : هذا أعلى ماقيل في هذه الآية وحلف على ذلك بن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال : سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث فقال : الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وعن بن عمر أنه الغناء وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب وقاله مجاهد وزاد : إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل وقال الحسن : لهو الحديث المعازف والغناء وقال القاسم بن محمد : الغناء باطل والباطل في النار وقال بن القاسم سألت مالكا عنه فقال : قال الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال أفحق هو وترجم البخاري ( باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك ) وقوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) فقوله : إذا شغل عن طاعة الله مأخوذ من قوله تعالى : ليضل عن سبيل الله وعن الحسن أيضا : هو الكفر والشرك وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب وقيل : نزلت في النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب الأعاجم : رستم واسفنديار فكان يجلس بمكة فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك منه وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول : حديثي هذا أحسن من حديث محمد حكاه الفراء والكلبي وغيرهما وقيل : كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه ويقول : هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه وهذا القول والأول ظاهر في الشراء وقالت طائفة : الشراء في هذه الآية مستعار وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل قال بن عطية : فكان ترك مايجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها على حد قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه منه واختاروه عليه وقال مطرف : شراء لهو الحديث استحبابه قتادة : ولعله لا ينفق فيه مالا ولكن سماعه شراؤه قلت : القول الأول أولى ماقيل به في هذا الباب للحديث المرفوع فيه وقول الصحابة والتابعين فيه وقد زاد الثعلبي والواحدي في حديث أبي أمامة : ( وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكر فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت ( وروي الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ومرح ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ( وروي جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بعثت بكسر المزامير ( خرجه أبو طالب الغيلاني وخرج أبن بشران عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت بهدم المزامير والطبل ( وروي الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء فذكر منها : إذا اتخذت القينات والمعازف ( وفي حديث أبي هريرة : ( وظهرت القيان والمعازف ( وروي بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك يوم القيامة ( وروي أسد بن موسى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر قال : بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة : ( أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلوهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني ( وروي بن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر مثله وزاد بعد قوله ( المسك : ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( وقد روي مرفوعا هذا المعنى من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين ( فقيل : ومن الروحانيون يا رسول الله قال : ( قراء أهل الجنة ( خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول وقد ذكرنا في كتاب التذكرة مع نظائره : ( فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ( إلى غير ذلك وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك ومن رواية مكحول عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه ( ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء وهي المسألة : الثانية وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمحبون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات لايختلف في تحريمه لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع فأما ما ابتدعته الصوفيه اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلآت المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام بن العربي : فأما طبل الحرب فلا حرج فيه لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو وفي اليراعة تردد والدف مباح الجوهري : وربما سموا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة قال القشيري : ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح ( فكن يضربن ويقلن : نحن بنات النجار حبذا محمد من جار وقد قيل : إن الطبل في النكاح كالدف وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث الثالثة الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة فإن لم يدم لم ترد وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا وقال بن خويز منداد : فأما مالك فيقال عنه : إنه كان عالما بالصناعة وكان مذهبه تحريمها وروي عنه أنه قال : تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب فقالت لي أمي : أي بني إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك فاطلب العلوم الدينية فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيرا قال أبو الطيب الطبري : وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة : إبراهيم والشعبي وحماد والثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه إلا ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا قال : وأما مذهب الشافعي فقال : الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته وذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال : وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات قال وعلى هذا يحمل مالم يكرهه أحمد ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال : تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية فقيل له : إنها تساوي ثلاثين ألفا ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا فقال : لا تباع إلا على أنها ساذجة قال أبو الفرج : وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لاتغني بقصائد الزهد بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم : عندي خمر لآيتام فقال : ( أرقها ( فلو جاز استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى قال الطبري : فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالسواد الأعظم ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية ( قال أبو الفرج : وقال القفال من أصحابنا : لا تقبل شهادة المغني والرقاص قلت : وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك وقد مضى في الأنعام عند قوله : وعنده مفاتح الغيب وحسبك الرابعة قال القاضي أبو بكر بن العربي : وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها فكيف يمنع من التلذذ بصوتها أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله وقال أبو الطيب الطبري : أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز سواء كانت حرة أو مملوكة قال : وقال الشافعي : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ثم غلظ القول فيه فقال : فهي دياثة وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها الخامسة قوله تعالى : ( ليضل عن سبيل الله ) قراءة العامة بضم الياء أي ليضل غيره عن طريق الهدى وإذا أضل غيره فقد ضل وقرأ بن كثير وبن محيصن وحميد وأبو عمرو ورويس وبن أبي إسحاق ( بفتح الياء ) على اللازم أي ليضل هو نفسه ( ويتخذها هزوا ) قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفا على من يشتري ويجوز أن يكون مستأنفا وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : ويتخذها بالنصب عطفا على ليضل ومن الوجهين جميعا لا يحسن الوقف على قوله : بغير علم والوقف على قوله : هزوا والهاء في يتخذها كناية عن الآيات ويجوز أن يكون كناية عن السبيل لأن السبيل يؤنث ويذكر ( أولئك لهم عذاب مهين ) أي شديد يهينهم قال الشاعر : ولقد جزعت إلى النصارى بعد ما لقي الصليب من العذاب مهينا < <
لقمان : ( 7 ) وإذا تتلى عليه . . . . . > > < > ( لقمان 7 ) < > قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليه آياتنا ) يعني القرآن ( ولى ) أي أعرض ( مستكبرا ) نصب على الحال ( كأن لم يسمعها كأن كأن في أذنيه وقرا ) ثقلا وصمما وقد تقدم ( فبشره بعذاب أليم ) تقدم أيضا < < لقمان : ( 8 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( لقمان 8 : 9 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم ) لما ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين ( خالدين فيها ) أي دائمين ( وعد الله حقا ) أي وعدهم الله هذا وعدا حقا لا خلف فيه ( وهو العزيز الحكيم ) تقدم أيضا < < لقمان : ( 10 ) خلق السماوات بغير . . . . . > > < > ( لقمان 10 : 11 ) < > قوله تعالى : ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ) تكون ترونها في موضع خفض على النعت ل عمد فيمكن أن يكون ثم عمد ولكن لا ترى ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من السماوات ولا عمد ثم البتة النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : الأولى أن يكون مستأنفا ولا عمد ثم قاله مكي ويكون بغير عمد التمام وقد مضى في الرعد الكلام في هذه الآية ( وألقى في الأرض رواسي ) أي جبالا ثوابت ( أن تميد ) في موضع نصب أي كراهية أن تميد والكوفيون يقدرونه بمعنى لئلا تميد ( وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) عن بن عباس : من كل لون حسن وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض قال : من كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم ومن كان منهم يصير إلى النار فهو اللئيم وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب وظاهر القرآن يدل على ذلك قوله تعالى : ( هذا خلق الله ) مبتدأ وخبر والخلق بمعنى المخلوق أي هذا الذي ذكرته مما تعاينون خلق الله أي مخلوق الله أي خلقها من غير شريك ( فأروني ) معاشر المشركين ( ماذا خلق الذين من دونه ) يعني الأصنام ( بل الظالمون ) أي المشركون ( في ضلال مبين ) أي خسران ظاهر وما استفهام في موضع رفع بالابتداء وخبره ذا وذا بمعنى الذي وخلق واقع على هاء محذوفة تقديره فأروني أي شيء خلق الذين من دونه والجملة في موضع نصب ب أروني وتضمر الهاء مع خلق تعود على الذين أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه وعلى هذا القول تقول : ماذا تعلمت أنحو أم شعر ويجوز أن تكون ما في موضع نصب ب أروني وذا زائد وعلى هذا القول يقول : ماذا تعلمت أنحوا أم شعرا < < لقمان : ( 12 ) ولقد آتينا لقمان . . . . . > > < > ( لقمان 12 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) مفعولان ولم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم ينصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين قد زال قاله النحاس وهو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم كذا نسبه محمد بن إسحاق وقيل : هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة ذكره السهيلي قال وهب : كان بن أخت أيوب وقال مقاتل : ذكر أنه كان بن خالة أيوب الزمخشري : وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو بن خالته وقيل كان من أولاد آزر عاش ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذ كفيت وقال الواقدي : كان قاضيا في بني إسرائيل وقال سعيد بن المسيب : كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليا ولم يكن نبيا وقال بنبوته عكرمة والشعبي وعلى هذا تكون الحكمة النبوة والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل قاضيا في بني إسرائيل أسود مشقق الرجلين ذا مشافر أي عظيم الشفتين قاله بن عباس وغيره وروي من حديث بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين أحب الله تعالى فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق فقال رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني ذكره بن عطية وزاد الثعلبي : فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إن يعن فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا ومن يختر الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ثم نودي داود بعده فقبلها يعني الخلافة ولم يشترط ما اشترطه لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة كل ذلك يعفو الله عنه وكان لقمان يوازره بحكمته فقال له داود : طوبى لك يالقمان أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء وأعطي داود الخلافة وابتلي بالبلاء والفتنة وقال قتادة : خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق بها فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي واختلف في صنعته فقيل : كان خياطا قاله سعيد بن المسيب وقال لرجل أسود : لا تحزن من أنك أسود فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان : بلال ومهجع مولى عمر ولقمان وقيل : كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب وقال لرجل ينظر إليه : إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض وقيل : كان راعيا فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له : ألست عبد بني فلان قال بلى قال : فما بلغ بك ما أرى قال : قدر الله وأدائي الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر وقال خالد الربعي : كان نجارا فقال له سيده : اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين فأتاه باللسان والقلب فقال له : ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له : ألق أخبثها مضغتين فألقى اللسان والقلب فقال له : أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب فقال له : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا قلت : هذا معناه مرفوع في غير ما حديث من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ( وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة منها قوله عليه السلام : ( من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة : ما بين لحييه ورجليه ( الحديث وحكم لقمان كثيرة مأثورة هذا منها وقيل له : أي الناس شر قال : الذي لا يبالي أن رآه الناس مسيئا قلت : وهذا أيضا مرفوع معنى قال صلى الله عليه وسلم : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ( رواه أبو هريرة خرجه البخاري وقال وهب بن منبه : قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدروع وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله فقال له داود : بحق ما سميت حكيما قوله تعالى : ( أن اشكر لله ) فيه تقديران : أحدهما أن تكون أن بمعنى أي مفسرة أي قلنا له اشكر والقول الآخر أنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها كما حكى سيبويه : كتبت إليه أن قم إلا أن هذا الوجه عنده بعيد وقال الزجاج : المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى وقيل : أي بأن اشكر لله تعالى فشكر فكان حكيما بشكره لنا والشكر لله : طاعته فيما أمر به وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في البقرة وغيرها ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) أي من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه لأن نفع الثواب عائد إليه ( ومن كفر ) أي كفر النعم فلم يوحد الله ( فإن الله غني ) عن عبادة خلقه ( حميد ) عند الخلق أي محمود وقال يحيى بن سلام : غني عن خلقه حميد في فعله < <
لقمان : ( 13 ) وإذ قال لقمان . . . . . > > < > ( لقمان 13 ) < > قوله تعالى : ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ) قال السهيلي : اسم ابنه ثاران في قول الطبري والقتبي وقال الكلبي : مشكم وقيل أنعم حكاه النقاش وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما قلت : ودل على هذا قوله : لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم وفي صحيح مسلم وغيره عن عبد الله قال : لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لا يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ( واختلف في قوله : إن الشرك لظلم عظيم فقيل : إنه من كلام لقمان وقيل : هو خبر من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم فأنزل الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم فسكن إشفاقهم وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون خبرا من الله تعالى وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد وإذ في موضع نصب بمعنى اذكر وقال الزجاج في كتابه في القرآن : إن إذ في موضع نصب ب آتينا والمعنى : ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال النحاس : وأحسبه غلطا لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك وقال : ( يا بني ) بكسر الياء لأنها دالة على الياء المحذوفة ومن فتحها فلخفة الفتحة عنده وقد مضى في هود القول في هذا وقوله : يابني ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه وإنما هو على وجه الترقيق كما يقال للرجل : يا أخي وللصبي هو كويس < < لقمان : ( 14 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . . > > < > ( لقمان 14 : 15 ) <
> فيه ثمان مائل : الأولى قوله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه ) هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان وقيل : إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه أخبر الله به عنه أي قال لقمان لإبنه : لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى وقيل : أي وإذ قال لقمان لابنه فقلنا للقمان فيما آتيناه من الحكمة ووصينا الإنسان بوالديه أي قلنا له اشكر لله وقلنا له ووصينا الإنسان وقيل : وإذ قال لقمان لابنه لا تشرك ونحن وصينا الإنسان بوالديه حسنا وأمرنا الناس بهذا وأمر لقمان به ابنه ذكر هذه الأقوال القشيري والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص كما تقدم في العنكبوت وعليه جماعة المفسرين وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان وتلزم طاعتهما في المباحات ويستحسن في ترك الطاعات الندب ومنه أمر الجهاد الكفاية والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة على أن هذا أقوى من الندب لكن يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب وخالف الحسن في هذا التفصيل فقال : إن منعته أمه من شهود العشاء شفقة فلا يطعها الثانية لما خص تعالى الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مراتب وللأب واحدة وأشبه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل من أبر قال : ( أمك ( قال ثم من قال : ( أمك ( قال ثم من قال : ( أمك ) قال ثم من قال : ( أبوك ( فجعل له الربع من المبرة كما في هذه الآية وقد مضى هذا كله في سبحان الثالثة قوله تعالى : ( وهنا على وهن ) أي حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف وقيل : المرأة ضعيفة الخلقة ثم يضعفها الحمل وقرأ عيسى الثقفي : وهنا على وهن بفتح الهاء فيهما ورويت عن أبي عمرو وهما بمعنى واحد قال قعنب بن أم صاحب : هل للعواذل من ناه فيزجرها إن العواذل فيها الأين والوهن يقال : وهن يهن ووهن يوهن ووهن يهن مثل ورم يرم وانتصب وهنا على المصدر ذكره القشيري النحاس : على المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر أي حملته بضعف على ضعف وقرأ الجمهور : وفصاله وقرأ الحسن ويعقوب : وفصله وهما لغتان أي وفصاله في انقضاء عامين والمقصود من الفصال الفطام فعبر بغايته ونهايته ويقال : انفصل عن كذا أي تميز وبه سمى الفصيل الرابعة الناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة بالعام لا زيادة ولا نقص وقالت فرقة : العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرضاع وقالت فرقة : إن فطم الصبي قبل العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرم وقد مضى هذا في البقرة مستوفي الخامسة قوله تعالى : ( أن اشكر لي ) أن في موضع نصب في قول الزجاج وأن المعنى : ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي النحاس : وأجود منه أن تكون أن مفسرة والمعنى : قلنا له أن اشكر لي ولوالديك قيل : الشكر لله على نعمة الإيمان وللوالدين على نعمة التربية وقال سفيان بن عيينة : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما السادسة قوله تعالى : ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروف واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) قد بينا أن هذه الآية والتي قبلها نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص لما أسلم وأن أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية حلفت ألا تأكل كما تقدم في الآية قبلها السابعة قوله تعالى : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) نعت لمصدر محذوف أي مصاحبا معروفا يقال صاحبته مصاحبة ومصاحبا ومعروفا أي ما يحسن والآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي عليه الصلاة والسلام وقد قدمت عليها خالتها وقيل أمها من الرضاعة فقالت : يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها قال : ( نعم ( وراغبة قيل معناه : عن الإسلام قال بن عطية : والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسد وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام الثامنة قوله تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان وأناب معناه مال ورجع إلى الشيء وهذه سبيل الأنبياء والصالحين وحكى النقاش أن المأمور سعد والذي أناب أبو بكر وقال : إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا : آمنت قال نعم فنزلت فيه : أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه فلما سمعها الستة آمنوا فأنزل الله تعالى فيهم : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى إلى قوله أولئك الذين هداهم الله وقيل : الذي أناب النبي صلى الله عليه وسلم وقال بن عباس : ولما أسلم سعد أسلم معه أخواه عامر وعويمر فلم يبق منهم مشرك إلا عتبة ثم توعد عز وجل ببعث من في القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها < <
لقمان : ( 16 ) يا بني إنها . . . . . > > < > ( لقمان 16 ) < > المعنى : وقال لقمان لإبنه يا بني وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه لأن الخردلة يقال : إن الحس لا يدرك لها ثقلا إذ لا ترجح ميزانا أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض وعن اتباع سبيل من أناب إلي قلت : ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود : ( لا تكثر همك ما يقدر يكون وما ترزق يأتيك ( وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا سبحانه لا شريك له وروي أن بن لقمان سأل أباه عن الحية تقع في سفل البحر أيعلمها الله فراجعه لقمان بهذه الآية وقيل : المعنى أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة يأت بها الله أي لا تفوت الإنسان المقدر وقوعها منه وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى وفي القول الأول ليس فيه ترجية ولا تخويف قوله تعالى : ( مثقال حبة ) عبارة تصلح للجواهر أي قدر حبة وتصلح للأعمال أي ما يزنه على جهة المماثلة قدر حبة ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر : قراءة عبد الكريم الجزري فتكن بكسر الكاف وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى وقرأ جمهور القراء : إن تك بالتاء من فوق مثقال بالنصب على خبر كان واسمها مضمر تقديره : مسألتك على ما روي أو المعصية والطاعة على القول الثاني ويدل على صحته قول بن لقمان لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله فقال لقمان له : يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة الآية فما زال ابنه يضطرب حتى مات قاله مقاتل والضمير في إنها ضمير القصة كقولك : إنها هند قائمة أي القصة إنها إن تك مثقال حبة والبصريون يجيزون : إنها زيد ضربته بمعنى إن القصة والكوفيون لا يجيزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا وقرأ نافع : مثقال بالرفع وعلى هذا تك يرجع إلى معنى خردلة أي إن تك حبة من خردل وقيل : أسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث أنضاف إلى مؤنث هو منه لأن مثقال الحبة من الخردل إما سيئة أو حسنة كما قال : فله عشر أمثالها فأنث وإن كان المثل مذكرا لأنه أراد الحسنات وهذا كقول الشاعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم وتك ها هنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا قوله تعالى : ( فتكن في صخرة ) قيل : معنى الكلام المبالغة والإنتهاء في التفهيم أي أن قدرته تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء والأرض وقال بن عباس : الصخرة تحت الأرضين السبع وعليها الأرض وقيل : هي الصخرة على ظهر الحوت وقال السدي : هي صخرة ليست في السماوات والأرض بل هي وراء سبع أرضين عليها ملك قائم لأنه قال : ( أو في السماوات أو في الأرض ) وفيهما غنية عن قوله : فتكن في صخرة وهذا الذي قاله ممكن ويمكن أن يقال : قوله : فتكن في صخرة تأكيد كقوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق وقوله : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا < < لقمان : ( 17 ) يا بني أقم . . . . . > > < > ( لقمان 17 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يابني أقم الصلاة ) وصى إبنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع ولقد أحسن من قال : وابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم في أبيات تقدم في البقرة ذكرها الثانية قوله تعالى : ( واصبر على ما أصابك ) يقتضي حضا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحيانا وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله وأما على اللزوم فلا وقد مضى الكلام في هذا مستوفي في آل عمران والمائدة وقيل : أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل وهذا قول حسن لأنه يعم الثالثة قوله تعالى : ( إن ذلك من عزم الأمور ) قال بن عباس : من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره وقيل : إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور أي مما عزمه الله وأمر به قاله بن جريج ويحتمل إن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة وقول بن جريج أصوب < < لقمان : ( 18 ) ولا تصعر خدك . . . . . > > < > ( لقمان 18 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وبن محيصن : تصاعر بالألف بعد الصاد وقرأ بن كثير وعاصم وبن عامر والحسن ومجاهد : تصعر وقرأ الجحدري : تصعر بسكون الصاد والمعنى متقارب والصعر : الميل ومنه قول الأعرابي : وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره ومنه قول عمرو بن حني التغلبي : وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوم وأنشده الطبري : فتقوما قال بن عطية : وهو خطأ لأن قافية الشعر مخفوضة وفي بيت آخر : أقمنا له من خده المتصعر قال الهروي : ولا تصاعر أي لا تعرض عنهم تكبرا عليهم يقال : أصاب البعير صعر وصيد إذ أصابه داء يلوي منه عنقه ثم يقال للمتكبر : فيه صعر وصيد فمعنى : لا تصعر أي لا تلزم خدك الصعر وفي الحديث : ( يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر والأصعر : المعرض بوجهه كبرا وأراد رذالة الناس الذين لا دين لهم وفي الحديث : ( كل صعار ملعون ( أي كل ذي أبهة وكبر معنى الآية : ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم وإعجابا واحتقارا لهم وهذا تأويل بن عباس وجماعة وقيل : هو أن تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره فالمعنى : أقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا وإذا حدثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل قلت : ومن هذا المعنى ما رواه مالك عن بن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ( فالتدابر الإعراض وترك الكلام والسلام ونحوه وإنما قيل للإعراض تدابر لأن من أبغضته أعرضت عنه ووليته دبرك وكذلك يصنع هو بك ومن أحببته أقبلت عليه بوجهك وواجهته لتسره ويسرك فمعنى التدابر موجود فيمن صعر خده وبه فسر مجاهد الآية وقال بن خويز منداد : قوله : ولا تصاعر خدك للناس كأنه نهى أن يذل الإنسان نفسه من غير حاجة ونحو ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس للإنسان أن يذل نفسه ( الثالثة قوله تعالى : ( ولا تمش في الأرض مرحا ) أي متبخترا متكبرا مصدر في موضع الحال وقد مضى في سبحان وهو النشاط والمشي فرحا في غير شغل وفي غير حاجة وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء فالمرح مختال في مشيته روى يحيى بن جابر الطائي عن بن عائذ الأزدي عن غضيف بن الحارث قال : أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال : فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي فسمعته يقول : إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول : يا بن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الوحدة ألم تعلم أني بيت الظلمة ألم تعلم أني بيت الحق يا بن آدم ماغرك بي لقد كنت تمشي حولي فدادا قال بن عائذ قلت لغضيف : ما الفداد يا أبا أسماء قال : كبعض مشيتك يابن أخي أحيانا قال أبو عبيد : والمعنى ذا مال كثير وذا خيلاء وقال صلى الله عليه وسلم : ( من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة ( والفخور : هو الذي يعدد ما أعطي ولا يشكر الله تعالى قاله مجاهد وفي اللفظة الفخر بالنسب وغير ذلك < <
لقمان : ( 19 ) واقصد في مشيك . . . . . > > < > ( لقمان 19 ) < > فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( واقصد في مشيك ) لما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله فقال : واقصد في مشيك أي توسط فيه والقصد : ما بين الإسراع والبطء أي لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ( فأما ما روي عنه عليه السلام أنه كان إذا مشى أسرع وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما : كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت والله أعلم وقد مدح الله سبحانه من هذه صفته حسبما تقدم بيانه في الفرقان الثانية قوله تعالى : ( واغضض من صوتك ) أي انقص منه أي لا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي والمراد بذلك كله التواضع وقد قال عمر لمؤذن تكلف رفع الأذان بأكثر من طاقته : لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك والمؤذن هو أبو محذورة سمرة بن معير والمريطاء : ما بين السرة إلى العانة الثالثة قوله تعالى : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) أي أقبحها وأوحشها ومنه أتانا بوجه منكر والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه ومن استفحاشهم لذكره مجردا أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون : الطويل الأذنين كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد عد في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولى المروءة ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن بلغت منه الرجلة وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعا وتذللا لله تبارك وتعالى الرابعة في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا ( وقد روي : أنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا وقال سفيان الثوري : صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير وقال عطاء : نهيق الحمير دعاء على الظلمة الخامسة وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم أو بترك الصياح جملة وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز ومن كان أخفض كان أذل حتى قال شاعرهم : جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عدوي الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير أي لو أن شيئا يهاب لصوته لكان الحمار فجعلهم في المثل سواء السادسة قوله تعالى : ( لصوت الحمير ) اللام للتأكيد ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه مصدر والمصدر يدل على الكثرة وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت ويقال : صوت تصويتا فهو مصوت ورجل صات أي شديد الصوت بمعنى صائت كقولهم : رجل مال ونال أي كثير المال والنوال < < لقمان : ( 20 ) ألم تروا أن . . . . . > > < > ( لقمان 20 : 21 ) <
> قوله تعالى : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) ذكر نعمه على بني آدم وأنه سخر لهم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم وما في الأرض عام في الجبال والأشجار والثمار وما لايحصى ( وأسبغ عليكم نعمه ) أي أكملها وأتمها وقرأ بن عباس ويحيى بن عمارة : وأصبغ بالصاد على بدلها من السين لأن حروف الإستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا والنعم : جمع نعمة كسدرة وسدر ( بفتح الدال ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص الباقون : نعمة على الإفراد والإفراد يدل على الكثرة كقوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وهي قراءة بن عباس من وجوه صحاح وقيل : إن معناها الإسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية الظاهرة : ( الإسلام وما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ( النحاس : وشرح هذا أن سعيد بن جبير قال في قول الله عز وجل : ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم قال : يدخلكم الجنة وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة فكذا لما كان الإسلام يئول أمره إلى الجنة سمى نعمة وقيل : الظاهرة الصحة وكمال الخلق والباطنة المعرفة والعقل وقال المحاسبي : الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم العقبى وقيل : الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات والباطنة مايجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة كلها ترجع إلى هذا قوله تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) تقدم معناها في الحج وغيرها نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو فجاءت صاعقة فأخذته قاله مجاهد وقد مضى هذا في الرعد وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث كان يقول : إن الملائكة بنات الله قاله بن عباس ( يجادل ) يخاصم ( بغير علم ) أي بغير حجة ( ولا هدى ولا كتاب منير ) أي نير بين إلا الشيطان فيما يلقي إليهم وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد ( أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) يتبعونه < < لقمان : ( 22 ) ومن يسلم وجهه . . . . . > > < > ( لقمان 22 ) <
> قوله تعالى : ( ومن يسلم وجهه إلى الله ) أي يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى ( وهو محسن ) لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع نظيره : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن وفي حديث جبريل قال : فأخبرني عن الإحسان قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) قال بن عباس : لا إله إلا الله وقد مضى في البقرة وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار : ومن يسلم النحاس : ويسلم في هذا أعرف كما قال عز وجل : فقل أسلمت وجهي لله ومعنى : أسلمت وجهي لله قصدت بعبادتي إلى الله عز وجل ويكون يسلم على التكثير إلا أن المستعمل في سلمت أنه بمعنى دفعت يقال سلمت في الحنطة وقد يقال أسلمت الزمخشري : قرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : ومن يسلم بالتشديد يقال : أسلم أمرك وسلم أمرك إلى الله تعالى فإن قلت : ماله عدي بإلى وقد عدي باللام في قوله عز وجل : بلى من أسلم وجهه لله قلت : معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالما لله أي خالصا له ومعناه مع إلى راجع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه والمراد التوكل عليه والتفويض إليه ( وإلى الله عاقبة الأمور ) أي مصيرها < < لقمان : ( 23 ) ومن كفر فلا . . . . . > > < > ( لقمان 23 : 24 ) < > قوله تعالى : ( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فينبئهم بما عملوا ) أي نجازيهم ( إن الله عليهم بذات الصدور ) ( نمتعهم قليلا ) أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها ( ثم نضطرهم ) أي نلجئهم ونسوقهم ( إلى عذاب غليظ ) وهو عذاب جهنم ولفظ من يصلح للواحد والجمع فلهذا قال : كفره ثم قال : مرجعهم وما بعده على المعنى < < لقمان : ( 25 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > < > ( لقمان 25 : 26 ) < > قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلم يعبدون غيره ( قل الحمد لله ) أي على ما هدانا له من دينه وليس الحمد لغيره ( بل أكثرهم لايعلمون ) أي لا ينظرون ولا يتدبرون ( لله مافي السماوات والأرض ) أي ملكا وخلقا ) أي الغني عن خلقه وعن عبادتهم وإنما أمرهم لينفعهم ( الحميد ) أي المحمود على صنعه < < لقمان : ( 27 ) ولو أنما في . . . . . > > < > ( لقمان 27 ) <
> لما احتج على المشركين بما احتج بين أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد وأنها لا نهاية لها وقال القفال : لما ذكر أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما والبحار مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب قال القشيري : فرد معنى تلك الكلمات إلى المقدورات وحمل الآية على الكلام القديم أولى والمخلوق لا بد له من نهاية فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدر في المستقبل على إيجاده فأما ما حصره الوجود وعده فلا بد من تناهيه والقديم لا نهاية له على التحقيق وقد مضى الكلام في معنى كلمات الله في آخر الكهف وقال أبو علي : المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود وهذا نحو مما قاله القفال وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور ومعنى نزول الآية : يدل على أن المراد بالكلمات الكلام القديم قال بن عباس : إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت : يا محمد كيف عنينا بهذا القول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه وعندك أنها تبيان كل شيء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التوراة قليل من كثير ( ونزلت هذه الآية والآية مدنية قال أبو جعفر النحاس : فقد تبين أن الكلمات ها هنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السماوات والأرض من كل شيء وعلم ما فيه من مثاقيل الذر وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو وما في الشجرة من ورقة وما فيها من ضروب الخلق وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون فلو سمى كل دابة وحدها وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحولت عليه من الأحوال وما زاد فيها في كل زمان وبين كل شجرة وحدها وما تفرعت إليه وقدر ما ييبس من ذلك في كل زمان ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر قلت : هذا معنى قول القفال وهو قول حسن إن شاء الله تعالى وقال قوم : إن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر فنزلت وقال السدي : قالت قريش ما أكثر كلام محمد فنزلت قوله تعالى : ( والبحر يمده ) قراءة الجمهور بالرفع على الإبتداء وخبره في الجملة التي بعدها والجملة في موضع الحال كأنه قال : والبحر هذه حاله كذا قدرها سيبويه وقال بعض النحويين : هو عطف على أن لأنها في موضع رفع بالإبتداء وقرأ أبو عمرو وبن أبي إسحاق : والبحر بالنصب على العطف على ما وهي اسم أن وقيل : أي ولو أن البحر يمده أي يزيد فيه وقرأ بن هرمز والحسن : يمده من أمد قالت فرقة : هما بمعنى واحد وقالت فرقة : مد الشيء بعضه بعضا كما تقول : مد النيل الخليج أي زاد فيه وأمد الشيء ما ليس منه وقد مضى هذا في البقرة وآل عمران وقرأ جعفر بن محمد : والبحر مداده ( ما نفدت كلمات الله ) تقدم ( إن الله عزيز حكيم ) تقدم أيضا وقال أبو عبيدة : البحر ها هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام < < لقمان : ( 28 ) ما خلقكم ولا . . . . . > > < > ( لقمان 28 ) <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?