Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P132–V09/P133

فرع : لو صاد سمكة فوجد في جوفها درة مثقوبة لم تملك الدرة ، بل تكون لقطة ، وإن كانت غير مثقوبة فهي له مع السمكة ، ولو اشترى سمكة فوجد في جوفها درة غير مثقوبة فهي للمشتري ، وإن كانت مثقوبة فهي للبائع إن ادعاها ، كذا ذكر المسألة البغوي ، قال الرافعي : يشبه أن يقال : الدرة للصائد كالكنز الموجود في الأرض يكون لمحييها . فصل : إذا تحول بعض حمام إلى برج غيره ، قال أصحابنا : إن كان المتحول ملكا للأول لم يزل ملكه عنه ، ويلزم الثاني رده ، فإن حصل بينهما بيض أو فرخ فهو تبع للأنثى دون الذكر ، وإن ادعى تحول حمامه إلى برج غيره لم يصدق إلا ببينة ، والورع أن يصدقه إلا أن يعلم كذبه ، فإن كان المتحول مباحا دخل برج الأول ثم تحول إلى الثاني فعلى الخلاف السابق في دخول الصيد ملكه فإن قلنا : بالأصح : إنه لا يملكه والثاني : إنه يملكه . ومن دخل برجه حمام وشك هل هو مباح أو مملوك فهو أولى به ، وله التصرف فيه ، لأن الظاهر أنه مباح ، وإن تحقق أنه اختلط بملكه ملك غيره وعسر التمييز فقد قال البغوي : لو اختلطت حمامة واحدة بحماماته فله أن يأكله بالاجتهاد واحدة واحدة ، حتى تبقى واحدة . كما لو اختلطت ثمرة الغير بثمره . والذي حكاه الروياني أنه ليس له أن يأكل واحدة منها حتى يصالح ذلك الغير أو يقاسمه . قال : ولهذا قال بعض مشايخنا ينبغي للورع أن يتجنب طير البروج . وأن يجتنب بناءها ، ونقل الإمام وغيره أنه ليس لواحد منهما التصرف في شيء منها ببيع أو هبة لثالث ، لأنه لا يتحقق الملك ولو باع أحدهما أو وهب الآخر صح على أصح الوجهين وتحتمل الجهالة للضرورة ، ولو باع الحمام المختلط كله أو بعضه لثالث ، ولا يعلم واحد منهما عين ماله ، فإن كانت الأعداد معلومة كمائتين ومائة ، والقيمة متساوية ، ووزعا الثمن على أعدادها ، صح البيع باتفاق الأصحاب ، وإن جهلا العدد لم يصح البيع ، لأنه لا يعلم كل واحد حصته من الثمن ، فالطريق أن يقول كل واحد : بعتك الحمام الذي في هذا البرج بكذا . فيكون الثمن معلوما ، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة . قال الغزالي في الوسيط : لو تصالحا على شيء صح البيع واحتمل الجهل بقدر المبيع . ويقرب من هذا ما أطلقه الأصحاب من مقاسمتهما ، قال أصحابنا : وقد يجوز للضرورة المسامحة ببعض الشروط المعتبرة في حال الاختيار ، كالكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة . ومات قبل الاختيار . فإنه يصح اصطلاحهن على القسمة بالتساوي وبالتفاوت مع الجهل بالاستحقاق ، فيجوز أن تصح القسمة أيضا بحسب تراضيهما ، ويجوز أن يقال : إذا قال كل واحد : بعت مالي من حمام هذا البرج بكذا . والأعداد مجهولة . يصح أيضا مع الجهل بما يستحقه كل واحد منهما ، والمقصود أن ينفصل الأمر بحسب ما يتراضيان عليه ، ولو باع أحدهما جميع حمام البرج بإذن الآخر فيكون أصل في البعض ، ووكيلا في البعض جاز . ثم يقتسمان الثمن .

Section V09/P133–V09/P135

فرع : لو اختلطت حمامة مملوكة أو حمامات بحمامات مباحة محصورة لم يجز الاصطياد منها ولو اختلطت بحمام ناحية جاز الاصطياد في الناحية ، ولا يتغير حكم ما لا يحصر في العادة باختلاط ما يحصر به ، ولو اختلط حمام أبراج مملوكة لا تكاد تحصر بحمام بلدة أخرى مباحة ، ففي جواز الاصطياد منها وجهان أصحهما : الجواز ، وإليه مال معظم الأصحاب ، ومن أهم ما يجب معرفة ضبطه العدد المحصور ، فإنه يتكرر في أبواب الفقه ، وقل من ينبه عليه قال الغزالي في الإحياء في كتاب الحلال والحرام : تحديد هذا غير ممكن ، فإنما يضبط بالتقريب ، قال : فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف ونحوه ، فهو غير محصور ، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور . وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن ، وما وقع فيه الشك استفتى في القلب ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا انصبت حنطته على حنطة غيره ، أو انصب مائعه في مائعه . وجهلا قدرهما فحكمه ما سبق في الحمام المختلط . فرع : ولو اختلط درهم حرام أو دراهم بدراهمه ، ولم يتميز ، أو دهن بدهن أو غيره من المائعات ونحو ذلك ، قال الغزالي في الإحياء وغيره من أصحابنا : طريقه أن يفصل قدر الحرام فيصرفه إلى الجهة التي يجب صرفه فيها ، ويبقى الباقي له يتصرف فيه بما أراد ، والله تعالى أعلم . ومن هذا الباب ما إذا اختلطت دراهم أو حنطة ونحوها لجماعة ، أو غصب منهم وخلطت ولم تتميز ، فطريقه أن يقسم الجميع بينهم على قدر حقوقهم وأما : ما يقوله العوام : اختلاط الحلال بالحرام يحرمه فباطل لا أصل له ، وسيأتي بسط المسألة بأدلتها في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى ، والله سبحانه أعلم . = كتاب البيوع =

Section V09/P135–V09/P136

قال المصنف رحمه الله تعالى : البيع جائز والأصل فيه قوله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة : 275 وقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 . + الشرح : قوله تعالى : إلا أن تكون تجارة هو استثناء منقطع ، أي لكن لكم أكلها بتجارة عن تراض منكم ، قال العلماء : خص الله سبحانه وتعالى الأكل بالنهي تنبيها على غيره ، لكونه معظم المقصود من المال ، كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء : 10 وقوله تعالى : الذين يأكلون الربا البقرة : 275 وأجمعت الأمة على أن التصرف في المال بالباطل حرام . سواء كان أكلا أو بيعا أو هبة أو غير ذلك ، وقوله تعالى : بالباطل قال ابن عباس وغيره : إلا يحقها قال أهل المعاني : الباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم ورد الشرع به ، قال الواحدي : أجمعوا على أن هذا الاستثناء منقطع ، وقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة فيها قراءتان الرفع والنصب ، فمن رفع جعل كان تامة ، إلا أن تقع تجارة ، ومن نصب قال : تقديره : إلا أن يكون المأكول تجارة أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف قال الواحدي : والأجود الرفع ، لأنه أدل على انقطاع الاستثناء ولأنه لا يحتاج إلى إضمار . وأما صاحب الحاوي فبسط تفسير الآية في الحاوي قوله تعالى : أموالكم فيه تأويلان أحدهما : المراد مال كل إنسان في نفسه ، أي لا يصرفه في المحرمات والثاني : معناه لا يأخذ بعضكم مال بعض كما قال تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم النساء : 29 وقوله : بالباطل قيل : معناه الصرف في المحرمات ، وقيل : النهب والغارات ، والثالث : التجارات الفاسدة ونحوها ، والمختار ما قدمنا عن ابن عباس وأهل المعاني والله تعالى أعلم . وأما قوله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة : 275 فقد ذكر الشافعي رحمه الله في كتاب الأم تفسيرها مستوفى مع اختصار وشرحه صاحب الحاوي فقال : قال الشافعي : ومعنى الآية أربعة أقوال أحدها : أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل ، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابنا . قال في الأم : هذا أظهر معاني الآية . قال صاحب الحاوي . والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز ، فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها ، وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص . قال : فعلى هذا في العموم قولان أحدهما : أنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص . قال : والفرق بينهما من وجهين أحدهما : أن العموم المطلق الذي يراد به العموم ، وهو ما يجري على عمومه ، وإن دخله تخصيص كان الخارج منه بالتخصيص أقل مما بقي على العموم والوجه الثاني : أن البيان فيما أريد به الخصوص مقدم على اللفظ ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به ، قال : وعلى القولين جميعا يجوز الاستدلال بهذه الآية الكريمة في المسائل المختلف فيها . ما لم يقم دليل تخصيص ، وإخراجها من العموم .

Section V09/P136–V09/P138

والقول الثاني : من الأقوال الأربعة أنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليله أن في البياعات الجائز وغيره ، وبين في الآية ما يميز هذا من ذاك ، فاقتضت كونها مجملة ، فعلى هذا هل هي مجملة بنفسها أم بعارض فيه وجهان لأصحابنا أحدهما : أنها مجملة بنفسها ، لأن قوله تعالى : وأحل الله البيع البقرة : 275 يقتضي جواز البيع متفاضلا . وقوله تعالى : وحرم الربا البقرة : 275 يقتضي تحريم بيع الربوي متفاضلا ، فصار آخرها معارضا لأولها ، فحصل الإجمال فيها بنفسها والثاني : أنها مجملة بغيرها ، لأنها جواز كل بيع من غرر ومعدوم وغيرهما ، وقد وردت السنة بالنهي عن بيع الغرر وبيع الملامسة وغيرهما ، فوقع الإجمال فيها بغيرها ، قال : ثم اختلف أصحابنا في الإجمال على وجهين أحدهما : أن الإجمال وقع في المعنى المراد به دون صيغة لفظها ، لأن لفظ البيع اسم لغوي ولم يرد من طريق الشرع ، ومعناه معقول . لكن لما قام بإزائه من الشبه ما يعارضه تدافع العمومان وحدهما ، ولم يتعين المراد منهما إلا ببيان الشبه ، فصارا مجملين لهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشكل المعنى . والثاني : أن اللفظ محتمل ، والمعنى المراد منه مشكل ، لأنه لما لم يكن المراد من اللفظ ما وقع عليه الاسم ، وتبينا أن له شرائط لم تكن معقولة في اللغة ، خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه في اللغة إلى ما استقرت عليه شرائط الشرع ، وإن كان له في اللغة معان معقولة كما قلنا في الصلاة إنها مجملة لأنها متضمنة شرائط لم تكن معقولة في اللغة كالخضوع ، فكذلك البيع ، قال الماوردي : وعلى الوجهين جميعا لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ، وإن دلت على صحة البيع من أصله قال : وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم . ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل ، والله أعلم . والقول الثالث : من الأربعة يتناولهما جميعا ، فيكون عموما دخله التخصيص ، ومجملا لحقه التفسير ، لقيام الدلالة عليها ، قال الماوردي . واختلف أصحابنا في وجه دخول ذلك فيهما على ثلاثة أوجه أحدها : أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير والثاني : أن العموم في قوله تعالى : وأحل الله البيع والإجمال في قوله : وحرم الربا والثالث : أنه كان مجملا ، فلما بينه النبي صلى الله عليه وسلم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، قال : فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني . والقول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا ، فقوله تعالى : وأحل الله البيع أي البيع الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ، وعرفه المسلمون منه ، فتناولت الآية بيعا معهودا ، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد أو للجنس ، ولا يكون الجنس هنا مرادا لخروج بعضه عن التحليل ، فعلم أن المراد العهد ، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده ، بل يرجع فيما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة ، فيحصل الفرق بينها وبين المجمل من وجه ، وبينها وبين العموم من وجهين . فأما : الوجه الواحد فهو أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم للبيوع كان قبل نزولها .

Section V09/P138–V09/P139

وبيان المجمل يكون مقترنا للفظ ، أو متأخرا عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان ، وأما الوجهان فأحدهما : ما سبق من تقديم البيان في المعهود ، وإقرار بيان التخصيص بالعموم والثاني : جواز الاستدلال بظاهر العموم دون ظاهر المعهود ، هذا آخر كلام الماوردي ، وذكر أصحابنا نحوه ، واتفقوا على نقل هذه الأقوال الأربعة عن الشافعي . واتفقوا على أن أصحها عند الشافعي أن الآية عامة تتناول كل بيع إلا ما نهى الشرع عنه والله أعلم . فرع : أما الحكم الذي ذكره المصنف وهو جواز البيع ، فهو مما تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري ، قال الغزالي في أول بيوع الوسيط : أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : وإذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب ، وهي خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار العيب ، وخيار الخلف ، بأن كان شرطه كاتبا فخرج غير كاتب ، والإقالة ، والتخالف ، وتلف المبيع ، وأما خيار الرؤية ففي بيع الغائب إذا جوزناه فهو ملتحق في المعنى بخيار الشرط ، والله تعالى أعلم . فرع : قال ابن قتيبة وغيره : يقال : بعت الشيء بمعنى بعته وبمعنى شريته ، ويقال شريت الشيء بمعنى شريته وبعته ، وأكثر الاستعمال بعته إذا أزلت الملك فيه بالمعاوضة ، واشتريته إذا تملكته بها ، وقال الأزهري : العرب تقول : بعت بمعنى بعت ما كنت ملكته ، وبعت بمعنى اشتريت ، قال : وكذلك شريت بالمعنيين ، قال : وكل واحد مبيع وبائع ، لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ، ويقال : بعته أبيعه فهو مبيع ومبيوع ، مخيط ومخيوط قال الخليل : المحذوف من مبيع واو مفعول ، لأنها زائدة ، فهي أولى بالحذف ، وقال الأخفش : المحذوف عين الكلمة ، قال المازني : كلاهما حسن ، وقول الأخفش أقيس ، والابتياع الاشتراء ، وبايعته وتبايعنا واستبعته سألته أن يبيعني ، وأبعت الشيء عرضته للبيع ، وبيع الشيء بكسر الباء وضمها والكسر أفصح وبوع بضم الباء وبالواو لغة فيه ، وكذلك القول في كيل وقيل . وأما الشراء ففيه لغتان مشهورتان أفصحهما : المد والثانية : القصر فمن مد كتبه بالألف وإلا فبالياء ، وجمعه أشرية وهو جمع نادر ، ويقال شريت الشيء أشريه شريا إذا بعته ، وإذا اشتريته كما سبق ، فهو من الأضداد على اصطلاح اللغويين ، ومن المشترك على اصطلاح الأصوليين ، قال الله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه البقرة : 207 وقال تعالى : وشروه بثمن بخس يوسف : 20 وأما حقيقة البيع في اللغة فهم مقابلة المال بالمال وفي الشرع مقابلة المال بمال أو نحوه تمليكا فرع : أركان البيع ثلاثة : العاقدان والصيغة والمعقود عليه ، وشروط العاقد أن يكون بالغا عاقلا مختارا بصيرا ، غير محجور عليه ويشترط إسلام المشتري إن كان المبيع عبدا مسلما ، أو مصحفا ، وعصمته إن كان المبيع سلاحا . وشروط المبيع خمسة ، أن يكون طاهرا منتفعا به معلوما مقدورا على تسليمه مملوكا لمن يقع العقد له ، ويدخل في الضابط أم الولد والمرهون والموقوف والمكلف والجاني إذا منعنا بيعهما والمنذور إعتاقه ، وهذا الحد ناقص ، لأنه يرد عليه المجهول والمعجوز عن تسليمه وغير المملوك ، فالصواب الحد والأول هذه الشروط ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى في مواضعها . فرع : سبق في آخر باب الأطعمة الخلاف في أن أطيب المكاسب التجارة أم الزراعة أم الصنعة فصل : في الورع في البيع وغيره واجتناب الشبهات .

Section V09/P139–V09/P141

قال الله تعالى : وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم النور : 15 وقال تعالى : إن ربك لبالمرصاد الفجر : 14 وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما شبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة . وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام . وقد اختلف في عددها . وقد جمعتها في كتاب الأربعين ، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها رواه البخاري ومسلم ، وعن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم حاك بالحاء المهملة والكاف أي تردد فيه . وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت تسأل عن البر قلت : نعم . قال : استفت قلبك ، البر ما اطمأنت إليه النفس . واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر . وإن أفتاك الناس وافتوك حديث حسن ، رواه أحمد بن حنبل والدارمي في مسنديهما ، وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أنه تزوج امرأة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها ، فقال لها : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وقد قيل ، ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره رواه البخاري ، إهاب بكسر الهمزة وعرير بفتح العين وبراء مكررة وعن الحسن ابن علي رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، معناه اترك ما تشك فيه ، وخذ ما لا تشك فيه . وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس رواه الترمذي وقال : هو حديث حسن ، قال البخاري : وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وحسان هذا من تابعي التابعين ، روى عن الحسن البصري .

Section V09/P141

فصل : عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أجملوا في طلب الدنيا ، فإن كلا ميسر لما كتب له منها رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه بآخر رزق هو له ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب من الحلال وترك الحرام رواه ابن ماجه والبيهقي . فصل : في النهي عن اليمين في البيع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح وفي رواية : للبر ، وفي رواية : للكسب رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق رواه مسلم ، وعن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم . فصل

Section V09/P141–V09/P144

: عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله ، وبر وصدق رواه الترمذي ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وعن قيس بن أبي غررة بغين معجمة ثم راء ثم راء مفتوحات الصحابي رضي بالصدقة رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء رواه الترمذي وقال : حديث حسن . فصل : في التبكير في طلب المعيشة ، عن صخر الغامدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار ، وكان صخر رجلا تاجرا ، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار . فأثرى وكثر ماله رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن . فصل : في استحباب السماحة في البيع والشرى والتقاضي والاقتضاء وإرجاح المكيال والميزان . قال الله تعالى : وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم البقرة : 215 وقال تعالى : ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم هود : 85 وقال تعالى : ويل للمطففين المطففين : 1 الآية . وعن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رواه البخاري ، وعن جابر قال : اشترى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا فوزن لي وأرجح رواه البخاري ومسلم . وعن سويد بن قيس قال : جلبت أنا ومخرمة العبدري برا من هجر فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فسامنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان : زن وأرجح رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمح يسمح لك رواه ابن أبي عاصم . فصل : عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما رواه البخاري ومسلم ، وعن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم رواه البخاري ومسلم ، وعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة ، قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم ، وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه البخاري ومسلم . فصل : عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصاب من شيء فليلزمه رواه ابن ماجه بإسناد جيد ، وعن نافع مولى ابن عمر قال : كنت أجهز إلى الشام وإلى مصر فجهزت إلى العراق فأتيت عائشة رضي الله عنها فقلت : يا أم المؤمنين كنت أجهز إلى الشام فجهزت إلى العراق ، فقالت : لا تفعل ، ما لك منزل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سبب الله لأحد رزقا من وجه فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر رواه ابن ماجه بإسناد فيه ضعف .

Section V09/P144–V09/P145

فصل : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحب البلاد إلى الله مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها رواه مسلم ، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه من قوله : لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنها معركة الشيطان ، وبها ينصب رايته رواه مسلم هكذا موقوفا على سلمان ، ورواه الرقاني في صحيحه عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكن أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرخ قال الماوردي وغيره : الذم لمن أكثر ملازمة السوق وصرف أكثر الأوقات إليها والاشتغال بها عن العبادة ، وهذا كما قالوه ، لثبوت الأحاديث في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الأسواق مع نص القرآن ، قال الله تعالى : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( الفرقان : 7 ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه ، حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف رواه البخاري ومسلم ، قينقاع قبيلة من اليهود بفتح القاف الأولى وضم النون وفتحها وكسرها وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السوق فقال رجل : يا أبا القاسم فالتفت إليه وذكر تمام الحديث رواه البخاري ، وعن بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال : بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة ، أو صفقة خاسرة رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

Section V09/P145–V09/P146

فصل : سبق في مقدمة هذا الشرح أن من أراد التجارة لزمه أن يتعلم أحكامها فيتعلم شروطها ، وصحيح العقود من فاسدها ، وسائر أحكامها وبالله التوفيق . فصل : مذهبنا أن الإشهاد على عقد البيع والإجارة وسائر العقود غير النكاح والرجعة مستحب ، وليس بواجب ، وقد صرح المصنف بهذا اللفظ بحروفه في أول كتاب الشهادات ، واستدل المصنف وغيره للاستحباب بقوله تعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة : 282 هذا مذهبنا قال ابن المنذر وبه قال أبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والشعبي والحسن وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، وبهذا قال جمهور الأمة من السلف والخلف ، قال ابن المنذر : وقالت طائفة : يجب الإشهاد على البيع ، وهو فرض يعصى بتركه ، قال : روينا هذا عن ابن عباس قال : وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، ولم يكتب ، قال : وروينا عن مجاهد قال : ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة ، رجل باع بنقد قال : وروينا نحو هذا عن أبي بردة بن أبي موسى وأبي سليمان المرعشي ، واحتجوا بقوله تعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة : 282 واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى ، ولم ينقل الإشهاد في ذلك ، وكذلك الصحابة في زمنه وبعده ، وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب لما ذكرناه ، والله أعلم .

Section V09/P146–V09/P147

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويصح البيع من كل بالغ عاقل مختار ، فأما الصبي والمجنون فلا يصح بيعهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ولأنه تصرف في المال ، يفوض إلى الصبي والمجنون كحفظ المال . + الشرح : هذا الحديث صحيح من رواية علي وعائشة رضي الله عنهما ، سبق بيانه في أول كتاب الصلاة ، وأول كتابي الزكاة والصوم ، وقوله : ( تصرف في المال ) احتراز من اختيار الصبي أحد الأبوين وهو مميز ، ومن عباداته وحمله الهدية ، ومن وطء الصبي والمجنون امرأتيهما ، وأما قياسه على حفظ المال فلأنه مجمع عليه ومنصوص عليه في قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء : 6 وأما قول المصنف : يصح البيع من كل عاقل بالغ مختار ، فمما ينكر عليه ، لأنه يدخل فيه الأعمى ، وقد ذكر المصنف بعد هذا هو والأصحاب أن المذهب الصحيح أنه لا يصح بيعه ولا شراؤه ، ويدخل أيضا المحجور عليه بالسفه ، وهو لا يصح بيعه فكان ينبغي أن يزيد بصيرا غير محجور عليه كما ذكرناه في الفرع السابق قريبا ، وذكرنا هناك أنه يشترط أيضا إسلام المشتري إن اشترى عبدا مسلما أو مصحفا ، والله أعلم . وأما المجنون فلا يصح بيعه بالإجماع ، وكذلك المغمى عليه وأما : السكران فالمذهب صحة بيعه وشرائه وسائر عقوده التي تضره والتي تنفعه والثاني : لا يصح شيء منها والثالث : يصح ما عليه دون ما له فعلى هذا يصح بيعه وهبته دون إيهابه ، وتصح ردته دون إسلامه ، وقد ذكر المصنف هذه الأوجه في أول كتاب الطلاق ، وهناك نوضحها بفروعها إن شاء الله تعالى . وأما : الصبي فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا إجارته وسائر عقوده لا لنفسه ولا لغيره سواء باع بغبن أو بغبطة ، وسواء كان مميزا أو غيره ، وسواء باع بإذن الولي أو بغير إذنه ، وسواء بيع الاختبار وغيره ، وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه الولي به ليستبين رشده عند مناهزة الاحتلام ، ولكن طريق الولي أن يفوض إليه الاستلام وتدبير العقد ، فإذا انتهى الأمر إلى العقد أتى به الولي ولا خلاف في شيء مما ذكرته عندنا إلا في بيع الاختبار ، فإن فيه وجها شاذا ضعيفا حكاه إمام الحرمين وآخرون ، من الخراسانيين أنه يصح ، والمذهب بطلانه ، والله أعلم . واستدل المصنف وغيره بهذا الحديث ، ووجه الدلالة منه أنه لو صح البيع لزم منه وجوب التسليم على الصبي ، وقد صرح الحديث بأن الصبي لا يجب عليه شيء ، وقيل : وجه الدلالة منه أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الفقهاء : إذا اشترى الصبي شيئا وسلم إليه فتلف ففي يده أو أتلفه فلا ضمان عليه ، لا في الحال ولا بعد البلوغ ، وكذا لو اقترض مالا ، لأن المالك هو المضيع بالتسليم إليه ، وما دامت العين باقية فللمالك الاسترداد وإن قبضها الولي من الصبي دخلت في ضمان الولي ، ولو سلم الصبي إلى البائع ثمن ما اشتراه لم يصح تسليمه ، ويلزم البائع رده إلى الولي ، ويلزم الولي طلبه واسترداده ، قال أصحابنا : فإن رده إلى الصبي لم يبرأ من الضمان ، قال أصحابنا : وهذا كما لو سلم الصبي درهما إلى صراف لينقده ، أو سلم متاعا إلى مقوم ليقومه ، فإذا قبضه من الصبي دخل في ضمان القابض ، ولم يجز له رده إلى الصبي .

Section V09/P147–V09/P148

بل يلزمه أن يرده إلى وليه إن كان المال للصبي ، وإن كان لكامل لزمه رده إلى مالكه أو وكيله فيه ، قال أصحابنا : ولو أمره ولي الصبي بدفعه إلى الصبي فدفعه إليه سقط عنه الضمان إن كان المال للولي ، فإن كان للصبي لم يسقط كما لو أمره بالقاء مال الصبي في بحر فألقاه ، فإنه يلزمه ضمانه قطعا . فرع : لو تبايع صبيان وتقابضا ، وأتلف كل واحد منهما ما قبضه ، قال أصحابا : إن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما وإلا فلا ضمان على الوليين ، ويجب في حال الصبيين الضمان لأن تسليمهما لا يعد تسليطا وتضييعا بخلاف تسليم البالغ الرشيد ، والله سبحانه أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يصح نكاح الصبي بنفسه ، ولا سائر تصرفاته ، لكن في تدبيره ووصيته خلاف مذكور في موضعه ، والأصح بطلانهما أيضا ، وسواء في هذا كله إذن الولي أم لا ، لأن عبارته ملغاة ، فلا أثر لإذن الولي ، كما لو أذن لمجنون ، أما إذا فتح الصبي بابا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول ، أو أوصل هدية ، وأخبر عن إهداء مهديها ، فقال أصحابنا : إن انضمت إلى ذلك قرائن تحصل العلم بذلك جاز الدخول وقبول الهدية ، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بمجرد قوله ، وإن لم ينضم نظر إن كان غير مأمون القول لم يجز اعتماد قوله بلا خلاف ، وإلا فطريقان أصحهما : القطع بجواز الاعتماد وبهذا قطع المصنف في التنبيه في باب الوكالة وآخرون من الأصحاب لإطباق المسلمين على فعل ذلك في جميع الأعصار من غير إنكار ولحصول الظن بصدقه في العادة والطريق الثاني : حكاه الإمام والغزالي وآخرون : فيه وجهان كالوجهين في قبول روايته كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى . فرع : إذا سمع الصبي المميز حديثا فهل يصح تحمله وتقبل روايته فيه ثلاثة أوجه أحدها : لا تقبل مطلقا ، لا قبل بلوغه ولا بعده ، لضعف ضبطه ، كما لا يصح بيعه وغيره والثاني : تصح روايته قبل البلوغ وبعده ، كما حكاه إمام الحرمين والغزالي وسائر الخراسانيين وجماعات من غيرهم لأن الرواية مبنية على المسامحة ، واحتمل فيها أشياء لا تحتمل في غيرها ، كاعتماده على خطه ، وكونها لا ترد بالتهمة وغير ذلك من المسامحة والثالث : أنها تقبل بعد البلوغ ، ولا تقبل قبله ، وهذا هو الصحيح ، بل هو الصواب ، وما سواه باطل ، ومما يرد الأول إجماع الصحابة فمن بعدهم على قبول روايات صغار الصحابة ما تحملوه قبل البلوغ ، ورووه بعده كابن عباس والحسن والحسين وابن الزبير وابن جعفر والنعمان بن بشير وخلائق لا يحصون ، رضي الله عنهم أجمعين . فرع : قال أصحابنا : كما لا تصح من الصبي تصرفاته القولية ، لا يصح قبضه في تلك التصرفات ، فلو اتهب له الولي شيئا وقبله ثم قبضه الصبي بإذن الواهب لم يصح قبضه ، ولا يحصل له الملك فيه بهذا القبض ، ولو وهب لأجنبي وأذن الموهوب له للصبي أن يقبضه له ، وأذن له الواهب في القبض فقبضه ، لم يصح بلا خلاف ، ولو قال مستحق الدين لمن هو عليه : سلم حقي إلى هذا الصبي ، فسلم قدر حقه إلى الصبي لم يبرأ من الدين بلا خلاف ، بل يكون ما سلمه باقيا على ملكه حتى لو ضاع ضاع على الدافع ولا ضمان على الصبي ، لأن الدافع ضيعه بتسليمه ، ويبقى الدين على حاله . قال أصحابنا : لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح .

Section V09/P148–V09/P149

ولا يزول الدين عن الذمة كما لو قال صاحب الدين للمدين : ألق حقي في البحر ، فألقى قدر حقه لا يبرأ بلا خلاف وما يتلف من ضمان الملقى ، قال أصحابنا : ولو قال مالك الوديعة للمودع : سلم وديعتي إلى هذا الصبي ، فسلم إليه خرج من العهدة ، لأنه امتثل أمره في حقه المعين ، كما لو قال : ألقها في البحر فألقاها ، فإنه لا ضمان بلا خلاف ، لأنه أذن في إتلافها ، قال أصحابنا : فلو كانت الوديعة لصبي فسلمها إلى الصبي ضمن ، سواء كان بإذن الولي أو بغير إذنه ، لأنه ليس للمودع تضييعها ، وإن أذن له الولي فيه . هذا لا خلاف فيه ، والله أعلم . ونقل إمام الحرمين في النهاية هذا الفرع عن الأصحاب . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الصبي المميز . قد ذكرنا أن مذهبنا أن لا يصح سواء أذن له الولي أم لا ، وبه قال أبو ثور وقال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه . وعن أبي حنيفة رواية أنه يجوز بغير إذنه ويقف على إجازة الولي ، قال ابن المنذر : وأجاز أحمد وإسحاق بيعه وشراءه في الشيء اليسير يعني بلا إذن دليلنا ما ذكره المصنف .

Section V09/P149–V09/P151

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما المكره فإن كان بغير حق لم يصح بيعه . لقوله تعالى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 فدل على أنه إذا لم يكن عن تراض لم يحل الأكل ، ورى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما البيع عن تراض فدل على أنه لا بيع عن غير تراض ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ، ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم ، وإن كان بحق صح ، لأنه قول حمل عليه بحق فصح ، ككلمة الإسلام إذا أكره عليها الحربي . + الشرح : حديث أبي سعيد هذا رواه البيهقي ، وهو حديث طويل ، وروى أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لألقين الله من قبل أن أعطى أحدا من مال أحد شيئا بغير طيب نفسه ، إنما البيع عن تراض وقوله : لأنه قول أكره عليه بغير حق احترز بالقول عن الفعل ، بأن أكرهت على الإرضاع أو أكره على الحديث ، فإنه يثبت حكمهما ، وكذا الإكراه على القتل على أصح القولين واحترز بقوله : بغير حق عن الإكراه بحق كإكراه الحربي على الإسلام وإكراه من عليه دين متمكن في البيع في أدائه . أما الأحكام : فقال أصحابنا : المكره على البيع ، إن كان إكراهه بغير حق لم يصح بيعه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فإن كان بحق صح ، وصورة الإكراه بحق أن يكون عليه دين ومعه متاع يمكنه بيعه فيه ، فيمتنع من بيعه بعد امتناع المالك من الوفاء والبيع ، قال القاضي أبو الطيب في كتاب التفليس والأصحاب : القاضي بالخيار إن شاء باع ماله بغير إذنه لوفاء الدين ، وإن شاء أكرهه على بيعه ، وعزره بالحبس وغيره حتى يبيعه ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : التصرفات القولية التي يكره عليها بغير حق باطلة سواء الردة والبيع والإجارة ، وسائر المعاملات والنكاح والخلع والطلاق والإعتاق وغيرها وأما : ما أكره عليه بحق فهو صحيح ، قالوا : فتحصل من هذا أن المرتد والحربي إذا أكرها على الإسلام صح إسلامهما ، لأنه إكراه بحق ، وكذا المكره على البيع بحق يصح بيعه كما سبق وأما : الذمي إذا أكره على الإسلام فهو إكراه بغير حق ، لأنا شرطنا في الذمة أن نقره على دينه ، فإذا أكره فهل يصح إسلامه فيه طريقان : أحدهما : لا يصح وجها واحدا ، وهو مقتضى كلام المصنف هنا وآخرين . والطريق الثاني : فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين في كتاب الطلاق ، وفي كتاب الكفارات ، حكاهما الغزالي في هذين الموضعين لكنه حكاهما في الكفارات قولين ، وهو شاذ ، والمشهور أنهما وجهان أصحهما : باتفاق الأصحاب لا يصح . قال إمام الحرمين : المصير إلى صحته مع أن إكراهه غير سائغ وإن صح ما ذكرناه في إكراه الحربي ، لكونه إكراها بحق ، لم يكن ذلك في الذمي ، لأن أكراهه ممنوع ، قال إمام الحرمين : إذا أكره الحربي على الإسلام فنطق بالشهادتين تحت السيف حكم بإسلامه اتفقت الطرق على هذا مع ما فيه من الغموض من جهة المعنى ، لأن كلمتي الشهادتين نازلتان في الإعراب عن الضمير منزلة الإقرار والظاهر ممن يقولهما تحت السيف أنه كاذب في إخباره والله تعالى أعلم . وأما المولى بعد مضي المدة فإذا طلق باكراه القاضي له نفذ طلاقه ، لأنه إكراه بحق ليس بحقيقة إكراه فإنه لا يتعين الطلاق ، بل يلزمه بالفيئة أو الطلاق ، قال صاحب التتمة وغيره : هذا إذا أكرهه على طلقة واحدة ، فإن أكرهه على ثلاث طلقات فهو ظالم له ، فإذا تلفظ بها فإن قلنا : لا ينعزل القاضي بالفسق وقعت طلقة ولغت الزيادة وإن قلنا : ينعزل لم يقع شيء كما لو أكرهه غيره .

Section V09/P151–V09/P152

فرع : قال الغزالي في كتاب الطلاق : الإكراه يسقط أثر التصرفات عندنا إلا في خمسة مواضع أحدها : الإسلام فيصح إسلام الحربي المكره ولا يصح إكراه الذمي على الأصح الثاني : الإرضاع فإذا أكرهت عليه ثبت حكمه ، لأنه منوط بوصول اللبن إلى الجوف لا بالقصد الثالث : القتل فإذا أكره عليه لزمه القصاص على أصح القولين الرابع : الزنا ، فإذا أكره الرجل عليه لزمه الحد في أحد الوجهين ومأخذ الوجهين التردد في تصور الإكراه الخامس : إذا علق الطلاق على دخول الدار فأكره عليه وقع طلاقه في أحد القولين ، والأصح لا يقع وأنه لا يحد المكره على الزنا . قال : والاستثناء في التحقيق يرجع إلى الإسلام فحسب ، وإلى القتل على قول وأما : ما عداه فسببه عدم تصور الإكراه ، وعدم اشتراط القصد ، هذا آخر كلام الغزالي وقوله : إنه إنما يستثنى هذه الخمسة ، يرد عليه مسائل منها : إذا أكره على الأكل في الصوم ففي فطره قولان ، سبقا في موضعهما ، الأصح : لا يفطر ومنها : إذا أكره المصلي على الكلام فتكلم فقولان مشهوران أحدهما : لا تبطل صلاته وأصحهما : تبطل ، وبه قطع البغوي وغيره وسبق بيانه في موضعه ومنها : إذا أكره المصلي حتى فعل أفعالا كثيرة بطلت صلاته قطعا ومنها : لو أكره على التحول عن القبلة أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدا لزمه الإعادة لأنه عذر نادر . فرع : المصادر من جهة السلطان وغيره ممن يظلمه بطلب مال وقهره على إحضاره إذا باع ما له ليدفعه إليه للضرورة والأذى الذي يناله ، هل يصح بيعه فيه وجهان مشهوران ، حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون وقد سبقا في باب الأطعمة في مسائل أكل المضطر مال الأجنبي أحدهما : لا يصح كالمكره وأصحهما : يصح وبه قطع الشيخ إبراهيم المروذي ، لأنه لا إكراه على نفس البيع ، ومقصود الظالم تحصيل المال من أي جهة والله تعالى أعلم . فرع : ذكرنا أن المكره بغير حق لا يصح بيعه . هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأحمد والجمهور . وقال أبو حنيفة : يصح ويقف على إجارة المالك في حال اختياره واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وبحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث حسن ، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن فهذا مع ما ذكره المصنف هو المعتمد في دليل المسألة . . وقد احتج بعض أصحابنا بأشياء لا يحتج بها منها : ما رواه أبو داود بإسناده عن شيخ من بني تميم ، قال : خطبنا علي رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك ورواه البيهقي عن شيخ من بني تميم عن علي قال : سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك ، قال الله جل ثناؤه : ولا تنسوا الفضل بينكم البقرة : 237 يعز الأشرار ويستذل الأخيار وما يمنع المضطرون . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر ، وعن بيع الثمرة قبل أن تطعم وهذا لإسناد ضعيف ، لأن هذا الشيخ مجهول ، قال البيهقي : وقد روى من أوجه عن علي وابن عمر وكلها غير قوية ومنها : ما رواه البيهقي بإسناد ضعيف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا ، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا وتحت البحر نارا ، ولا يشتري مال امرىء مسلم في ضغطه قال البخاري لا يصح هذا الحديث ، والله تعالى أعلم .

Section V09/P152

فرع : ذكر الخطابي في تفسير حديث علي رضي الله عنه أن بيع المضطر يكون على وجهين أحدهما : أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه ، فلا ينعقد العقد والثاني : أن يضطر إلى البيع لدين أو مؤنة ترهقه ، فيبيع ما في يده ، فالوكس من أجل الضرورة ، فسبيله من حيث المروءة أن لا يترك حتى يبيع ماله ، ولكن يعان وبقرض ويستمهل له إلى الميسرة ، حتى يكون له فيه بلاغ . فإن عقد البيع على هذا الوجه صح ولم يفسخ ، ولكن كرهه عامة أهل العلم . هذا لفظ الخطابي رضي الله عنه ، والله أعلم .

Section V09/P152–V09/P154

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول ، فأما المعاطاة فلا ينعقد بها البيع ، لأن اسم البيع لا يقع عليه . والإيجاب أن يقول : بعتك أو ملكتك أو ما أشبههما ، والقبول أن يقول : قبلت أو ابتعت أو ما أشبههما ، فإن قال المشتري : يعني ، فقال البائع : بعتك انعقد البيع ، لأن ذلك يتضمن الإيجاب والقبول ، وإن كتب رجل إلى رجل ببيع سلعة ففيه وجهان أحدهما : ينعقد البيع ، لأنه موضع ضرورة والثاني : لا ينعقد وهو الصحيح ، فإنه قادر على النطق ، فلا ينعقد البيع بغيره ، وقول القائل الأول : إنه موضع ضرورة لا يصح ، لأنه يمكنه أن يوكل من بيعه بالقول . + الشرح : فيه مسائل : إحداها : المشهور من مذهبنا أنه لا يصح البيع إلا بالإيجاب والقبول ، ولا تصح المعاطاة في قليل ولا كلير ، وبهذا قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه مشهور عن ابن سريج أنه يصح البيع بالمعاطاة ، خرجه من مسألة الهدى إذا قلده صاحبه ، فهل يصير بالتقليد هديا منذورا فيه قولان مشهوران الصحيح : الجديد لا يصير والقديم : أنه يصير ويقام الفعل مقام القول ، فخرج ابن سريج من ذلك القول وجها في صحة البيع بالمعاطاة ، ثم إن الغزالي والمتولي وصاحب العدة والرافعي والجمهور نقلوا عن ابن سريج أنه تجوز المعاطاة في المحقرات ، وهو مذهب أبي حنيفة ، فإنه جوزها في المحقرات دون الأشياء النفيسة . ونقل إمام الحرمين هذا عن أبي حنيفة ، ونقل عن ابن سريج أنه جوزها ولم يقيد الإمام في نقله عن ابن سريج بالمحقرات كما قيد في نقله عن أبي حنيفة ، ولعله أراد ذلك واكتفى بالتقييد عن أبي حنيفة . . وقد أنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على الغزالي كونه حكى عن ابن سريج تجويزها في المحقرات ، وقال : ليست مختصة عند ابن سريج المحقرات ، وهذا الإنكار على الغزالي غير مقبول لأن المشهور عن ابن سريج التخصيص بالمحقرات كما ذكرناه ، والله أعلم . واختار جماعات من أصحابنا جواز اليبع بالمعاطاة فيما بعد بيعا . وقال مالك : كل ما عده الناس بيعا فهو بيع ، وممن أختارهم أصحابنا أن المعاطاة في يعد بيعا صحيحة وأن ما عده الناس بيعا فهو بيع صاحب الشامل والمتولي والبغوي والروياني ، وكان الروياني يفتي به وقال المتولي : وهذا هو المختار للفتوى ، وكذا قاله آخرون . وهذا هو المختار ، لأن الله تعالى أحل البيع ولم يثبت في الشرع لفظ له ، فوجب الرجوع إلى العرف فكل ما عده الناس بيعا كان بيعا كما في القبض والحرز وإحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ المطلقة فإنها كلها تحمل على العرف ، ولفظة البيع مشهورة ، وقد اشتهرت الأحاديث بالبيع عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في زمنه وبعده ، ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الايجاب والقبول والله أعلم . وأحسن من ذكر هذه المسألة وأوضحها المتولي فقال : المعاطاة التي جرت بها العادة بأن يزن النقد ، ويأخذ المتاع من غير إيجاب ولا قبول ليست بيعا على المشهور من مذهب الشافعي . وقال ابن سريج : كل ما جرت العادة فيه بالمعاطاة وعده بيعا فهو بيع . وما لم تجر فيه العادة بالمعاطاة كالجواري والدواب والعقار لا يكون بيعا . قال : وهذا هو المختار للفتوى ، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة : المعاطاة بيع في المحقرات . فأما النفيس فلا بد فيه من الايجاب والقبول ، ووجه المشهور القياس على النكاح . فإنه لا ينعقد إلا باللفظ وقياسا على العقار والنفائس . ووجه طريقه ابن سريج أن البيع كان معهودا قبل ورود الشرع .

Section V09/P154–V09/P155

فورد ولم يغير حقيقته ، بل علق به أحكاما فوجب الرجوع فيه إلى العرف وكل ما كان عدوه بيعا جعلناه بيعا ، كما يرجع في إحياء الموات والحرز والقبض إلى العرف قال : ولم ينقل عنهم لفظ التبايع ، والله أعلم . فرع : صورة المعاطاة التي فيها الخلاف السابق : أن يعطيه درهما أو غيره ويأخذ منه شيئا في مقابلته ، ولا يوجد لفظ أو يوجد لفظ من أحدهما دون الآخر ، فإذا ظهر والقرينة وجود الرضى من الجانبين حصلت المعاطاة ، وجرى فيها الخلاف . وقد صرح بهذا التصوير المتولي كما قدمناه عنه ، وكذا صرح به آخرون . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه . وما وجد من بعض أئمتنا في تصويرها من ذكر لفظ كقوله : خذ وأعط . فهو داخل في عموم ما ذكرناه من القرينة . فإن ذلك مفروض فيما إذا لم ينو البيع بهذا اللفظ الذي قرن بالعطية . فإن نواه به فهي مسألة البيع بالكناية . وفي صحته بالكناية وجهان أصحهما : الصحة مع قولنا لا ينعقد بالمعاطاة هذا كلام أبي عمرو . فأما إذا أخذ منه شيئا ، ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع ، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من الناس فهذا باطل بلا خلاف ، لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه ، ولا نغتر بكثرة من يفعله ، فإن كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ، ثم بعد مدة يحسابه ويعطيه العوض . وهذا باطل بلا خلاف ، لما ذكرناه والله أعلم . فرع : الرجوع في القليل والكثير والنفيس إلى العرف ، فما عدوه من المحقرات ، وعدوه بيعا ، فهو بيع ، وإلا فلا . هذا هو المشهور تفريعا على صحة المعاطاة وحكى الرافعي وجها أن المحقر دون نصاب السرقة . وهذا شاذ ضعيف ، بل الصواب أنه لا يختص بذلك ، بل يتجاوزه إلى ما يعده أهل العرف بيعا والله أعلم . فرع : إذا قلنا بالمشهور : إن المعاطاة لا يصح بها البيع ، ففي حكم المأخوذ بها ثلاثة أوجه ، حكاها المتولي وغيره مجموعة ، وحكاها متفرقة آخرون أصحها : عندهم له حكم المقبوض ببيع فاسد ، فيطالب كل واحد رد ما قبضه إن كان باقيا ، وإلا فرد بدله . فلو كان الثمن الذي قبضه البائع مثل القيمة ، فقد قال الغزالي في الإحياء : هذا مستحق ظفر بمثل حقه ، والمالك راض فله تملكه لا محالة . وظاهر كلام المتولي وغيره أنه يجب ردها مطلقا . والوجه الثاني : أن هذا إباحة لازمة لا يجوز الرجوع فيها . قاله القاضي أبو الطيب وحكاه عند صاحب الشامل . قال : وأوردت عليه . وأجاب فأوردت على جوابه . وذكر ذلك كله . وحاصله تضعيف هذا الوجه بما ضعفه به هو والمتولي . وهو أنه لو أتلف أحدهما ما أخذه وبقي مع الآخر ما أخذه لم يكن لمن تلف في يده أن يسترد الباقي في يد صاحبه من غير أن يغرم له بدل ما تلف عنده . ولو كان هذا إباحة لكان له الرجوع ، كما لو أباح كل واحد منهما لصاحبه طعامه ، وأكل أحدهما دون الآخر ، فإن للآكل أن يرجع عن الإباحة ويسترد طعامه بلا خلاف . والوجه الثالث : أن العوضين يستردان . فإن تلفا فلا مطالبة لأحدهما ، ويسقط عنهما الضمان ، ويتراد منهما بالتراضي السابق . وهذا قول الشيخ أبي حامد الاسفرايني وأنكروه عليه . وأوردوا عليه سائر العقود الفاسدة فإنه لا يراه فيها وإن وحد الرضى . قال المتولي : ولأن إسقاط الحقوق طريقه اللفظ . كالعفو عن القصاص والإبراء عن الديون . فإن أقمنا التراضي مقام اللفظ في الإسقاط وجب أن نقيمه مقامه في انعقاد العقد . والله أعلم .

Section V09/P155–V09/P156

فرع : ذكر أبو سعيد بن أبي عصرون تفريعا على المشهور أن البيع لا يصح بالمعاطاة أنه لا مطالبة بين الناس فيها في الدار الآخرة ، لوجود طيب النفس بها ، ووقوع الاختلاف فيها . هذا لفظه في كتابه الانتصار . فيحتمل أنه أراد ما قدمناه عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب في الوجه الثالث والثاني ، والظاهر أنه أراد أنه لا مطالبة على كل وجه بها في الدار الآخرة ، وإن كانت المطالبة ثابتة في الدنيا على الخلاف السابق والله أعلم . فرع : الخلاف المذكور في المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها . هكذا ذكره المتولي وآخرون وأما : الهدية وصدقة التطوع ففيها خلاف مرتب على البيع إن صححناه بالمعاطاة ولم نشترط فيهما لفظا فهما أولى بذلك ، وإن شرطنا اللفظ في البيع ففيهما وجهان مشهوران عند الخراسانين ، وذكرهما جماعة من العراقيين أحدهما : وبه قطع المصنف في باب اختلاف الزوجين في الصداق ، وآخرون من العراقيين أو أكثرهم يشترط فيهما الإيجاب والقبول كالبيع وأصحهما : عند الجمهور لا يشترط وهو الصواب . قال الرافعي في أول كتاب الهبة : هذا هو الصحيح الذي عليه قرار المذهب . ونقله الأثبات من متأخري الأصحاب وقطع به المتولي والبغوي . واعتمده الروياني وغيرهم . واحتجوا بأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذها ، ولا لفظ هناك . وعلى ذلك جرى الناس في جميع الأعصار . ولهذا كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم . قال أصحابنا : فإن قيل : كان هذا إباحة لا هدية وتمليكا فالجواب : أنه لو كان إباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك . ومعلوم أن ما قبله النبي صلى الله عليه وسلم من الهدايا كان يتصرف فيه ويملكه غيره ، قال الرافعي : ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الايجاب والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ . ويقال : الاشعار بالرضا يكون لفظا ، ويكون فعلا والله أعلم فرع : إذا اشترطنا الايجاب والقبول باللفظ ، فالايجاب كقول البائع : بعتك هذا أو ملكتك ، ونحوهما من الألفاظ ، وفي ملكتك وجه شاذ ، حكاه الماوردي وآخرون أنه ليس بصريح لأنه مستعمل في الهبة وادعى الماوردي أنه الأصح ، وليس كما قال ، بل المذهب الأول ، وبه قطع المصنف والجمهور . والقبول كقول المشتري : قبلت أو ابتعت أو اشتريت أو تملكت ، قال الرافعي : ويجيء في تملكت ذلك الوجه . قال أصحابنا : وسواء تقدم قول البائع أو قول المشتري : اشتريت ، فقال البائع بعده : بعت ، فيصح البيع في الحالين بلا خلاف لحصول المقصود . قال أصحابنا : ولا يشترط اتفاق اللفظين ، بل لو قال البائع : بعتك أو اشتريت فقال المشتري : تملكت أو قال البائع : ملكتك ، فقال المشتري اشتريت ، صح بلا خلاف ، لأن المعنى واحد . وكذا في النكاح لو قال : زوجتك بنتي فقال : قبلت نكاحها ، أو قال : أنكحتكها ، فقال : قبلت تزويجها صح النكاح بلا خلاف .

Section V09/P156–V09/P158

المسألة الثانية : قال أصحابنا : كل تصرف يستقل به الشخص كالطلاق والعتاق والإبراء ينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف ، كما ينعقد بالصريح ، وأما ما لا يستقل به ، بل يفتقر إلى إيجاب وقبول فضربان أحدهما : ما يشترط فيه الاشهاد كالنكاح وبيع الوكيل إذا شرط الموكل الإشهاد ، فهذا لا ينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف لأن الشاهد لا يعلم النية والثاني : ما لا يشترط فيه الإشهاد ، وهو نوعان أحدهما : ما يقبل مقصوده التعليق بالغرر الكتابة والخلع فينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف ، لأن مقصود الكتابة العتق ومقصود الخلع الطلاق وهما يصحان بالكناية مع النية والثاني : ما لا يقبله كالبيع والإجارة والمساقاة وغيرها ، وفي انعقاد هذه العقود بالكناية مع النية وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : الانعاقد كالخلع ولحصول التراضي مع جريان اللفظ وإرادة المعنى يدل عليه من حيث السنة حديث جابر في قصة بيعه جمله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث طويل مشهور في الصحيحين وغيرهما ، قال فيه : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : بعني جملك ، فقلت إن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها قال : قد أخذته به هذا لفظ رواية مسلم . قال أصحابنا : ومثال الكناية في البيع أن يقول : خذه مني بألف ، أو تسلمه بألف ، أو أدخلته في ملكي بألف ، أو جعلته لك أو هو لك بألف ، وما أشبهها ولو قال : أبحته لك بألف فليس بكناية بلا خلاف ، لأنه صريح في الإباحة فلا يكون كناية في غيره ، ولو قال : سلطتك عليه بألف ، ففي كونه كناية وجهان كقوله : أبحته لك بألف وأصحهما : يكون لأنه محتمل ، وليس صريحا في الإباحة بخلاف : أبحته ، قال إمام الحرمين : وفي هذا الخلاف في انعقاد البيع ونحوه بالكناية مع النية هو فيما إذا عدمت قرائن الأحوال ، فإن توفرت وأفادت التفاهم وجب القطع بالصحة ، لكن النكاح لا يصح بالكناية ، وإن توفرت القرائن وأما : البيع المقيد بالإشهاد فقال الغزالي في الوسيط الظاهر انعقاده عند توفر القرائن ، والله أعلم . فرع : قال الغزالي في الفتاوى : لو قال أحد المتبايعين : يعني فقال : قد باعك الله أو بارك الله فيه . أو قال في النكاح : زوجك الله ابنتي . أو قال في الإقالة : قد أقالك الله . أو قد رده الله عليك . فهذا كله كناية فلا يصح النكاح بكل حال ، وأما البيع والإقالة فإن نواهما صحا . وإلا فلا . وإذا نواهما كان التقدير : قد أقالك الله لأني أقلتك . والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ، قال أصحابنا : هو مرتب على أن الطلاق هل يقع بالكتب مع النية ، وفيه خلاف ، الأصح صحته ووقوعه فإن قلنا : لا يصح الطلاق فهذه العقود أولى أن لا تنعقد وإن قلنا : بالصحة ففي البيع ونحوه الوجهان في انعقاده بالكناية مع النية ، وهذان الوجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند المصنف لا يصح والثاني : وهو الأصح : أنه يصح البيع ونحوه بالمكاتبة لحصول التراضي ، لا سيما وقد قدمنا أن الراجح انعقاده بالمعاطاة . وقد صرح الغزالي في الفتاوى والرافعي في كتاب الطلاق بترجيح صحة البيع ونحوه بالمكاتبة : قال أصحابنا : وإن قلنا : يصح فشرطه أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب ، هذا هو الأصح ، وفيه وجه ضعيف أنه لا يشترط القبول ، بل يكفي التواصل اللائق بين الكتابين . أما إذا تبايع حاضران بالكتابة فقال أصحابنا : إن منعناه في الغيبة فههنا أولى ، وإلا فوجهان ، وإذا صححنا البيع بالمكاتبة جاز القبول بالكتب وباللفظ ، ذكره إمام الحرمين وغيره .

Questions