Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V09/P158–V09/P159

قال أصحابنا : وحكم الكتب على القرطاس والرق واللوح والأرض والنقش على الحجر والخشب واحد ، ولا أثر لرسم الأحرف على الماء والهواء ، قال بعض الأصحاب تفريعا على صحة البيع بالمكاتبة : لو قال : بعت داري لفلان وهو غائب . فلما بلغه الخبر قال : قبلت انعقد البيع . لأن النطق أقوى من الكتب . والله تعالى أعلم . فرع : أما النكاح ففي انعقاده بالمكاتبة خلاف مرتب على البيع ونحوه ذكره إمام الحرمين والبغوي وآخرون قالوا : إن قلنا : لا يصح البيع فالنكاح أولى وإلا فوجهان والمذهب : أنه لا يصح ، لأن الشهادة شرط فيه ، ولا اطلاع للشهود على النية ولو قالا بعد المكاتبة : نوينا ، كانت شهادة على إقرارهما لا على نفس العقد فلا يصح . ومن جوزه اعتمد الحاجة . قال أصحابنا : وحيث حكمنا بانعقاد النكاح بالمكاتبة فليكتب : زوجتك بنتي . ويحضر الكتاب عدلان ، ولا يشترط أن يحضرهما ، ولا أن يقول لهما : اشهدا ، بل لو حضرا بأنفسهما كفى فإذا بلغ الكتاب الزوج فليقبل لفظا ، ويكتب القبول ويحضر القبول شاهدا الإيجاب . فإن شهده آخران فوجهان أصحهما : لا يصح لأنه لم يحضره شاهد له والثاني : الصحة ، لأنه حضر الإيجاب والقبول شاهدان ويحتمل تغايرهما كما احتمل الفصل بين الإيجاب والقبول . ثم إذا قبل لفظا أو كتابة يشترط كونه على الفور . هذا هو المذهب . وفيه وجه ضعيف كما سبق في البيع والله أعلم . فرع : لو كتب إليه : وكلتك في بيع كذا من مالي أو إعتاق عبدي فإن قلنا : الوكالة لا تفتقر إلى القبول فهو ككتب الطلاق وإلا فكالبيع ونحوه ، والمذهب الصحة ، والله أعلم . فرع : قال الغزالي في الفتاوى : إذا صححنا البيع بالمكاتبة فكتب إليه فقبل المكتوب إليه ثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس القبول . قال : ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه صح رجوعه ، ولم ينعقد البيع . والله أعلم . المسألة الرابعة : لو قال الطالب : يعني فقال : بعتك إن قال بعده : اشتريت أو قبلت انعقد البيع بلا خلاف ، وإن لم يقبل بعده بل اقتصر على قوله أولا : بعني فطريقان ، حكاهما إمام الحرمين وآخرون أحدهما : القطع بالصحة ، وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين كما ذكره المصنف والثاني : فيه وجهان ، وقيل قولان أحدهما : الصحة والثاني : البطلان . قال إمام الحرمين وغيره : نص الشافعي أن البيع لا ينعقد ، ونص مثله في النكاح أنه ينعقد : فقيل قولان فيهما بالنقل والتخريج أصحهما : الصحة فيهما والثاني : البطلان فيهما وهو مذهب أبي حنيفة ، وقيل بالفرق على ظاهر النصين . لأن البيع قد يقع بغتة فيكون قوله : يعني على سبيل الاستفهام بحذف الهمزة بخلاف النكاح ، فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد طلب ومراودة ، فلا يراد به الاستفهام والمذهب الصحة فيهما والله أعلم . ولو قال : اشتر مني ، فقال المشتري : اشتريت فطريقان أصحهما : وبه قطع البغوي أنه كالصورة السابقة والثاني : لا ينعقد قطعا ، أما إذا قال المشتري : أتبيعني عبدك بكذا أو قال : بعتني بكذا ، فقال : بعت ، لا ينعقد البيع بلا خلاف ، إلا أن يقول بعده : اشتريت ، وكذا لو قال البائع : أتشتري داري أو اشتريت مني فقال : اشتريت لا ينعقد بلا خلاف حتى يقول بعده بعت ، والله أعلم .

Section V09/P159–V09/P160

فرع : قال أصحابنا : يشترط لصحة البيع ونحوه أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ، وأن لا يتخللهما أجنبي عن العقد ، فإن طال أو تخلل لم ينعقد ، سواء تفرقا من المجلس أم لا ، قال أصحابنا : ولا يضر الفصل اليسير ويضر الطويل ، وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول ، ولو تخللت كلمة أجنبية بطل العقد ، ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول ووارثه حاضر فقبل فوجهان : الصحيح لا يصح البيع ، لعدم الإيجاب والقبول من المتعاقدين والثاني : الصحة ، وبه قال الدرامي ، لأن الوارث كالميت ، ولهذا يقوم مقامه في خيار المجلس على الصحيح المنصوص ، والله أعلم . فرع : إذا وجد أحد شقي العقد من أحدهما اشترط إصراره عليه حتى يوجد الشق الآخر . واشترط أيضا بقاؤهما على أهلية العقد ، فلو رجع عنه قبل وجود الشق الآخر أو مات أو جن أو أغمي عليه بطل الإيجاب ، فلو قبل الآخر بعده لم يصح ، وكذا لو أذنت المرأة في عقد نكاحها حيث يشترط إذنها ، ثم أغمي عليها قبل العقد بطل إذنها ، ولو قال المشتري : بعتك ، فمات المشتري قبل القبول بطل العقد ، فلو كان وارثه حاضرا فقبل أو جن فقبل وليه لم يصح البيع ، وهذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في كل الطرق ، وحكى الروياني وجها أنه يصح قبول الوارث ، وهذا شاذ باطل ، وسنوضح الفرق بينه وبين انتقال خيار الشرط وخيار المجلس إلى الوارث في مسائل الخيار إن شاء الله تعالى . فرع : قال أصحابنا : يشترط موافقة القبول الإيجاب فلو قال : بعتك بألف صحاح ، فقال : قبلت بألف قراضة أو عكسه ، أو قال : بألف حال فقبل بمؤجل أو عكسه ، أو قال : بألف مؤجل إلى شهر فقبل بمؤجل إلى شهرين أو نصف شهر ، أو قال : بعتكه بألف درهم فقبل بألف دينار أو عكسه ، أو قال بعتكه بألف ، فقال : قبلت نصفه بخمسمائة لم يصح بلا خلاف ، لأنه لا يعد قبولا ، ولو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : قبلت نصفه بخمسمائة ونصفه بخمسمائة ، قال المتولي يصح العقد ، لأنه تصريح بمقتضى الاطلاق ، وقال الرافعي : فيه نظر وهو كما قال الرافعي ، لكن الظاهر الصحة ، وفي فتاوى القفال أنه لو قال بعتكه بألف درهم ، فقال اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع ، قال الرافعي : هذا غريب ، وهن كما قال ، والظاهر هنا فساد العقد لعدم الموافقة . فرع : إذا قال السمسار المتوسط بينهما للبائع ، بعت بكذا فقال نعم أو بعت ، وقال للمشتري : اشتريت بكذا فقال : نعم ، أو ا شتريت ، فوجهان حكاهما الرافعي أصحهما : عند الرافعي وغيره الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي والثاني : لا ينعقد لعدم تخاطبهما وبهذا قطع المتولي . فرع : إذا قال بعتك بألف ، فقال : قبل فقط صح البيع بلا خلاف ، بخلاف النكاح ، فإن الصحيح أنه يشترط أن يقول : قبلت نكاحها أو تزويجها ، والفرق الاحتياط . فرع : لو قال : بعتك هذا بألف إن شئت ، فقال : شئت ، لم يصح البيع بلا خلاف ، وصرح به المتولي وغيره ، قالوا : لأن لفظ المشيئة ليس من ألفاظ التمليك ، وإن قال : قبلت فوجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : لا يصح ، لأن الصيغة صيغة تعليق ولا مدخل له في المعاوضات ، فصار كقوله : بعتك إن دخلت الدار وأصحهما : الصحة لأنه تصريح بمقتضى الحال ، فإن القبول إلى مشيئة القابل ، وبهذا فارق سائر ألفاظ التعليق ، والله تعالى أعلم .

Section V09/P160–V09/P162

فرع : إذا باع مال نفسه لولده أو مال ولده لنفسه ، فهل يفتقر إلى صيغتي الإيجاب والقبول أم يكفي أحدهما فيه وجهان مشهوران الأصح : يفتقر فيقول بعت مال ولدي بكذا واشتريته له أو قبلته له لتنتظم صورة البيع والثاني : يكفي أحدهما ، لأنه لما قام الوالد في صحة العقد مقام اثنين قام لفظه مقام لفظين ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة وبالكتابة ، بلا خلاف للضرورة ، قال أصحابنا : ويصح بهما جميع عقوده وفسوخه ، كالطلاق والعتاق والنكاح والظهار والرجعة والإبراء والهبة وسائر العقود والفسوخ ونحوها ، بل قالوا : إشارته المفهومة كعبارة الناطق إلا في صورتين فيهما خلاف ، وهما شهادته وإشارته بالكلام في صلاته ، والأصح أنه لا تصح شهادته ، ولا تبطل صلاته ، لأن الشهادة يحتاط لها ، والصلاة لا تبطل إلا بكلام حقيقي ، وهذا مما يسأل عنه فيقال : إنسان باع وهو يصلي فيصح بيعه ولم تبطل صلاته ، وهذه صورته ، ويتصور أيضا فيمن باع فيها بالكلام ناسيا للصلاة ولم يطل ، فإنه يصح بيعه ولا تبطل صلاته ، والله أعلم . فرغ : قال المتولي والأصحاب : تقديم المساومة على البيع ليس بشرط لصحته ، بل لو لقي رجلا في طريقه فقال : بعتك هذا بألف ، فقال : قبلت أو اشتريت ، صح البيع بلا خلاف ، لأن اللفظ صريح في حكمه ، فلا يتوقف على قرينة ولا سابقة . فرع : قال أصحابنا : جميع ما سبق من صيغتي الإيجاب والقبول هو فيما ليس بضمني من البيوع ، فأما البيع الضمني فيما إذا قال : أعتق عبدك عني على ألف ، فلا تشترط فيه الصيغ التي قدمناها ، بل يكفي فيه الالتماس والإعتاق عنه بلا خلاف ، كما ذكره المصنف والأصحاب في كتاب كفارة الظهار ، والله تعالى أعلم . ينعقد هذا العقد هذا فيه خلاف مبني على قاعدة ، وهي أن الاعتبار في العقود بظواهرها أم بمعانيها وفيه وجهان أحدهما : الاعتبار بظواهرها ، لأن هذه الصيغ موضوعة لإفادة المعاني وتفهيم المراد منها عند إطلاقها ، فلا تتترك ظواهرها ، ولهذا لو استعمل لفظ الطلاق وأراد به الظهار أو عكسه تعلق باللفظ دون المنوي ، ولأن اعتبار المعنى يؤدي إلى ترك اللفظ ، ولأنا أجمعنا على أن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له ، فكذا ألفاظ العقود ، ولأن العقود تفسد باقتران شرط مفسد ، ففسادها بتغير مقتضاها أولى . والوجه الثاني : أن الاعتبار بمعانيها لأن الأصل في الأمر الوجوب ، فإذا تعذر حمله عليه حملناه على الاستحباب ، وأصل النهي التحريم ، فإذا تعذر حمله عليه حملناه على كراهة التنزيه ، وكذاهنا إذا تعذر حمل اللفظ على مقتضاه يحمل على معناه ، ولأن لفظ العقد إذا أمكن حمله على وجه صحيح لا يجوز تعطيله ، ولهذا لو باعه بعشرة دراهم وفي البلد نقود ، أحدها غالب ، حملناه على الغالب ، طلبا للصحة ، قال المتولي : ويتفرع على هذه القاعدة مسائل : ومنها : المسألة الأولى ، وهي إذا قال : وهبته لك بألف ، فإن اعتبرنا المعنى انعقد بيعا ، وإن اعتبرنا اللفظ فسد العقد ، فإذا حصل المال في يده كان مقبوضا بحكم عقد فاسد . ومنها : لو قال : بعتكه ولم يذكر ثمنا ، فإن عتبرنا المعنى انعقد هبة وإلا فبيع فاسد . ومنها : لو قال : أسلمت هذا الدينار أو دينارا في هذا الثوب فإن اعتبرنا المعنى انعقد بيع عين وإلا فهو سلم فاسد ، والله أعلم . فرع : إذا كان العقد بين بائع ووكيل المشتري فليقل البائع له : بعتك ويقول الوكيل : اشتريت ، وينوي موكله فيقع العقد للموكل ، وإن لم يسمه .

Section V09/P162–V09/P163

فلو قال البائع : بعت موكلك فلانا فقال الوكيل : اشتريت له ، لم يصح العقد على المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه ضعيف أنه يقع العقد للوكيل ، والصواب الأول ، لأنه لم يجر بينهما تعاقد قال أصحابنا : وهذا بخلاف النكاح فإن الولي يقول لوكيل الزوج : زوجت بنتي فلانا يعني الزوج ويقول الوكيل : قبلت نكاحها له ، فلو لم يقل له ففيه الخلاف المشهور فيما إذا قال الزوج : قبلت ولم يقل : نكاحها الأصح : لا يصح ، فلو قال الولي للوكيل : زوجتك بنتي لك . فقال : قبلت نكاحها لفلان ، لم ينعقد ، وإن قال : قبلت نكاحها ، وقع العقد للوكيل : ولم ينصرف إلى الموكل ، ولو جرى النكاح بين وكيلين ، فقال وكيل الولي : زوجت فلانة فلانا ، فقال وكيل الزوج : قبلت نكاحها لفلان صح . وفرق الأصحاب بين البيع والنكاح بوجهين أحدهما : أن الزوجين كالثمن والمثمن ولا بد من تسميتهما والثاني : أن البيع يرد على المال ، وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص ، والنكاح يرد على البضع ، وهو لا يقبل النقل ، ولهذا لو قبل النكاح لزيد بوكالته فأنكرها زيد ، لم يصح العقد له ، ولو اشترى لزيد بوكالة فأنكرها ، صح الشراء للوكيل قال صاحب البيان في باب الوكالة : ولو وكله أن يزوج بنته زيدا فزوجها وكيل زيد لزيد صح ولو وكله في بيع عبده لزيد فباعه وكيل زيد لزيد لم يصح ، والفرق بينهما أن النكاح لا يقبل الملك ، والبيع يقبله ، ولهذا يقول وكيل النكاح للولي : زوج موكلي ، ولا يقول : زوجني لموكلي ، ويقول في البيع : يعني لموكلي ، ولا يقول : بع موكلي ، والله أعلم . قال أصحابنا : وفي الهبة يشترط في قبول وكيل المتهب أن يسمى موكله في القبول فيقول : قبلت لفلان أو لموكلي فلان ، فإن لم يسمه وقع للمخاطب لجريان العقد معه ، ولا ينصرف إلى الموكل بالنية ، لأن الواهب قد يقصد بتبرعه المخاطب . وليس كل أحد سمح عليه بالتبرع بخلاف البيع ، فإن مقصوده حصول العوض والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : في بيع الهازل وشرائه وجهان أصحهما : ينعقد كالطلاق وغيره والثاني : لا ، لأن الطلاق يقبل الإعذار قال القاضي حسين : وهما مبنيان على مسألة السر والعلانية في الصداق . وهي إذا تواطآ في السر على أن المهر ألف ، ثم عقداه في العلانية بألفين فقولان ، هل المهر مهر السر أو العلانية فإن قلنا : بالسر لم ينعقد بيع الهازل ، لأنه لم يقصد بيعا وإلا فينعقد عملا باللفظ ، ولا مبالاة بالقصد . والله أعلم . هكذا ذكر الجمهور الخلاف في بيع الهازل وجهين وقال الجرجاني : هما قولان قال وقيل : وجهان والله سبحانه وتعالى أعلم .

Section V09/P163–V09/P165

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا انعقد البيع ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء إلى أن يتفرقا أو يتخايرا لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر أختر والنفرق أن يتفرقا بأبدانهما بحيث إذا كلمه على العادة لم يسمع كلامه لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا اشترى شيئا مشى أذرعا ليجب البيع ثم يرجع ولأن التفرق في الشرع مطلق ، فوجب أن يحمل على التفرق المعهود ، وذلك يحصل بما ذكرناه وإن لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حاجز من ستر أو غيره لم يسقط الخيار لأن ذلك لا يسمى تفرقا . وأما التخاير فهو أن يقول أحدهما للآخر : اختر إمضاء البيع أو فسخه ، فيقول الآخر : اخترت إمضاءه أو فسخه فينقطع الخيار لقول عليه السلام : أو يقول أحدهما للآخر اختر فإن خبر أحدهما صاحبه فسكت لم ينقطع خيار المسؤول وهل ينقطع خيار السائل فيه وجهان أحدهما : لا ينقطع خياره كما لو قال لزوجته : اختاري فسكتت فإن خيار الزوج في طلاقها لا يسقط والثاني : أنه ينقطع لقوله عليه السلام : أو يقول أحدهما للآخر اختر فد على أنه إذا قال يسقط خياره ويخالف تخيير المرأة فإن لم تكن مالكة للخيار ، وإذا خيرها فقد ملكها ما لم تكن تملكه فإذا سكتت بقي على حقه ، وههنا المشتري يملك الفسخ فلا يبفيد تخييره إسقاط حقه من الخيار . فإن أكرها على التفرق ففيه وجهان أحدهما : يبطل الخيار لأنه كان يمكنه أن يفسخ بالتخاير ، فإذا لم يفعل فقد رضي بإسقاط الخيار والثاني : أنه لا يبطل لأنه لم يوجد منه أكثر من السكوت ، والسكوت لا يسقط الخيار . فإن باعه على أن لا خيار له ففيه وجهان من أصحابنا من قال : يصح ، لأن الخيار جعل رفقا بهما ، فجاز لهما تركه ، ولأن الخيار غرر فجاز إسقاطه ، وقال أبو إسحاق : لا يصح وهو الصحيح لأنه خيار يثبت بعد تمام البيع فلم يجز إسقاطه قبل تمامه كخيار الشفيع فإن قلنا : بهذا فهل يبطل العقد بهذا الشرط فيه وجهان أحدهما لا يبطل ، لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى الجهل بالعوض والمعوض والثاني يبطل لأنه يسقط موجب العقد فأبطله ، كما لو شرط أن لا يسلم المبيع . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وأما الأثر المذكور عن ابن عمر أنه كان يمشي أذرعا فهو في الصحيحين بغير هذا اللفظ ، لفظ البخاري : فارق صاحبه ولفظ مسلم : قام فمشى هنيهة ثم رجع ولفظ الترمذي قال نافع : فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له البيع وقوله : أو يقول هكذا هو في الصحيحين وفي المهذب أو يقول وهو منصوب اللام وأو هنا ناصبة بتقدير إلا أن يقول أو إلى أن يقول ، ولو كان معطوفا على ما لكان مجزوما ، ولقال أو ليقل وقوله : ليجب البيع معناه ليلزم قوله : وههنا المشتري يملك الفسخ ، كان الأجود للقابل بدل المشتري ، لأن القابل قد يكون البائع وقد يكون المشتري وقوله بأنه خيار ثبت بعد عام البيع قالالقلعي ، قيل : هو احتراز عن خيار القبول في البيع ، قال : والظاهر أنه لا احتراز فيه ، وإنما ذكره لبيان معنى العلة . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الخيار ضربان : خيار نقص وهو ما يتعلق بفوات شيء مظنون الحصول وخيار شهوة وهو ما لا يتعلق بفوات شيء .

Section V09/P165–V09/P166

فالأول له باب مستقل ، وهو الذي سماه المصنف بعد هذا ( باب بيع المصراة والرد بالعيب ) وأما الثاني فله سببان المجلس والشرط ، فيقال : خيار المجلس وخيار الشرط ، وإذا صححنا بيع الغائب أثبتنا فيه خيار الرؤية ، فتصير الأسباب ثلاثة ، ثم في الفصل مسائل : إحداها : فيما ثبت فيه خيار المجلس من العقود ، وقد جمعها أصحابنا هنا ، وأعادوها في أبوابها مفرقة ، واقتصر المصنف على ذكرها في أبوابها مفرقة ، والمختار طريقة الجمهور فنسلكها ، قال أصحابنا : العقود ضربان : أحدهما : العقود الجائزة إما من الطرفين كالشركة والوكالة والوديعة والعارية والدين والقراض والجعالة ، وإما من أحدهما كالضمان والرهن والكتابة ، فلا خيار فيها كلها ، لأنه متمكن من الفسخ متى شاء ، وفي وجه ضعيف يثبت الخيار في الكتابة والضمان وهو ضعيف ، وممن حكاه في خيار المجلس وخيار الشرط الدارمي وهو شاذ . قال أصحابنا : وقد يتطرق الفسخ بسبب آخر إلى الرهن إن كان مشروطا في بيع وأقبضه قبل التفرق ، فيمكن فسخ الرهن بأن يفسخ البيع فيفسخ الرهن تبعا . الضرب الثاني : العقود اللازمة ، وهي نوعان ، واردة على العين ، وواردة على المنفعة والأول كالبيع والصرف وبيع الطعام بالطعام والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة فيثبت فيها كلها خيار المجلس ، ويستثنى منها صور إحداها : إذا باع ماله لولده ، أو مال ولده لنفسه ، ففي ثبوت خيار المجلس وجهان أصحهما : ثبوته فعلى هذا يثبت خيار للولد وخيار للأب ، ويكون الأب نائب الولد ، فإن ألزم البيع لنفسه وللولد لزم ، وإن ألزم لنفسه بقي الخيار للولد ، فإذا فارق المجلس لزم العقد على الأصح من الوجهين والثاني : لا يلزم إلا بالإلزام لأنه لا يفارق نفسه ، وإن فارق المجلس ، وذكر الماوردي أنه الوجه الأول قول أبي إسحاق المروزي ، قال : والثاني قول جمهور أصحابنا . قال : فعلى الثاني لا ينقطع الخيار إلا بأن يختار الأب لنفسه وللولد ، فإن لم يختر ثبت الخيار للولد إذا بلغ والمذهب الأول . قال البغوي : ولو كان العقد بينه وبين ولده صرفا ففارق المجلس قبل القبض ، بطل العقد على الوجه الأول ، ولا يبطل على الثاني إلا بالتخاير . الثانية : لو اشترى من يعتق عليه كولده ووالده ، قال جمهور الأصحاب : يبنى خيار المجلس على أقوال الملك في زمن الخيار فإن قلنا : هو للبائع فلهما الخيار ، ولا يحكم بالعتق حتى يمضي زمن الخيار وءن قلنا : موقوف فلهما الخيار ، فإذا أمضيا العقد تبينا أنه عتق بالشراء . فإن قلنا : الملك للمشتري فلا خيار له ، ويثبت للبائع ، وفي عتقه وجهان أصحهما : لا يعتق حتى يمضي زمن الخيار ، ثم حكم بعتقه من يوم الشراء والثاني : يحكم بعتقه حين الشرء ، وعلى هذا هل ينقطع خيار البائع فيه وهان كالوجهين فيما إذا أعتق المشتري العبد الأجنبي في زمن الخيار وقلنا : الملك له . قال البغوي : ويحتمل أن يحكم بثبوت الخيار للمشتري أيضا ، تفريعا على أن الملك له ، وأن لا يعتق العبد في الحال لأنه لم يوجد منه الرضا إلا بأصل العقد ، هذه طريقة الجمهور ، وهي المذهب .

Section V09/P166–V09/P167

وقال إمام الحرمين : المذهب أنه لا يخار ، وقال الأودني : يثبت وتابع الغزالي إمامه على ما اختاره ، قال الرافعي : واختيارهما شاذ ، والصحيح ما سبق عن الأصحاب وحكى القاضي حسين في بيع الأعطية عن الأودني أنه يثبت الخيار ، قال : وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه قال : وصورته إذا كان الخيار للمشتري ، وقلنا : الملك للبائع وأعتقه صح ، قال : ولو قلنا : الملك للمشتري صح العقد ولم يتصور إعتاقه ، لأنه صار بمجرد الشراء حرا . الثالثة : الصحيح المنصوص أن شراء العبد نفسه من سيده جائز ، وفيه قول ضعيف أو وجه أنه لا يصح ، وقد ذكر المصنف المسألة في أول كتاب الإقرار ، وذكر فيها طريقين ، المذهب والمنصوص صحته والثاني : على قولين ، فإذا قلنا بالصحة ففي ثبوت خيار المجلس وجهان حكاهما أبو الحسن العبادي والقاضي حسين ، ومالا إلى ترجيح ثبوته ، وقطع الغزالي والمتولي بترجيح ثبوته ، وهو الأصح ، لأن مقصوده العتق فأشبه الكتابة . الرابعة : في ثبوت الخيار في شرى الجمد في شدة الحر وجهان حكاهما المتولي والرياني وآخرون ، لأنه يتلف بمضي الزمان والأصح : ثبوته . الخامسة : إن صححنا بيع الغائب ولم يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية ، فهذا المبيع من صور الاستثناء . السادسة : إن باع بشرط نفي خيار المجلس فثلاثة أوجه ، سنذكرها مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى أحدها : يصح البيع والشرط ، فعلى هذا تكون هذه الصورة مستثناة ، هذا حكم البيع بأنواعه والله أعلم . ولا يثبت خيار المجلس في صلح الحطيطة ، ولا في الإبراء ، ولا في الإقالة إن قلنا : إنها فسخ وإن قلنا : هي بيع ففيها الخيار ولا يثبت في الحوالة إن قلنا : إنها ليست معاوضة وإن قلنا : معاوضة لم يثبت أيضا على أصح الوجهين ، لأنها ليست على قاعدة المعاوضات ، ولا يثبت في الشفعة للمشتري ، وفي ثبوته للشفيع وجهان مشهوران أصحهما : لا يثبت ، وممن صححه المصنف في التنبيه ، والفارقي والرافعي في المحرر . وقطع به البغوي في كتابيه التهذيب و شرح مختصر المزني ، وهو الراجح في الدليل أيضا ، فإن أثبتناه فقيل : معناه أنه بالخيار بين الأخذ والترك ما دام في المجلس مع تفريعنا على قولنا : الشفعة على الفور قال : إمام الحرمين : هذا الوجه غلط ، بل الصحيح أنه على الفور ، ثم له الخيار في نقض الملك ورده ما دام في المجلس ، وهذا هو الصواب ، وهي حقيقة خيار المجلس . وأما : من اختار عين ماله لإفلاس المشتري فلا خيار له ، وفيه وجه أنه يثبت له الخيار ما دام في المجلس ، والصحيح الأول ، ولا خيار في الوقف والعتق والتدبير والطلاق والرجعة وفسخ النكاح وغيره والوصية ، ولا في الهبة إن لم يكن ثواب ، فإن كان ثواب ، فإن كان ثواب مشروط أو قلنا نقيصته الإطلاق فلا خيار أيضا على أصح الوجهين لأنها لا تسمى بيعا ، والحديث ورد في المتبايعين قال : المتولي وغيره : موضع الوجهين من الهبة بعد القبض ، أما قبله فلا خيار قطعا وأما : إذا رجع البائع في المبيع لفلس المشتري فالأصح أنه لا خيار له ، وحكى الدارمي فيه قولين عن حكاية ابن القطان ، ويثبت الخيار في القسمة إن كان فيها رد ، وإلا فإن جرت بالإجبار فلا رد وإن جرت بالتراضي فإن قلنا : إنها إقرار فلا خيار وإن قلنا : بيع فلا خيار أيضا على أصح الوجهين ، هكذا ذكرهما الأصحاب وقال : المتولي : إن كانت قسمة إجبار وقلنا : هي بيع فلا خيار للمجبر وفي الطالب وجهان كالشفيع .

Section V09/P167–V09/P169

النوع الثاني : العقد الوارد على المنفعة ، فمنه النكاح ولا خيار فيه بلا خلاف ، ولا خيار في الصداق على أصح الوجهين ، فإن أثبتناه ففسخت وجب مهر المثل ، وعلى هذين الوجهين يكون ثبوت خيار المجلس في عوض الخلع ، والأصح أيضا أنه لا يثبت فيه ، ولا تندفع الفرقة بحال ، ومنه الإجارة ، وفي ثبوت خيار المجلس فيها وجهان أصحهما : عند المصنف وشيخه أبي القاسم الكرخي بالخاء يثبت وبه قال الإصطخري وابن القاص وأصحهما : عند إمام الحرمين والبغوي والجمهور لا يثبت ، وبه قال أبو علي بن خيران وأبو إسحاق المروزي . قال القفال وطائفة : الخلاف في إجارة العين أما : الإجارة على الذمة فيثبت فيها قطعا كالسلم ، فإن أثبتنا الخيار في إجارة العين ففي ابتداء مدتها وجهان أحدهما : من وقت انقضاء الخيار بالتفرق ، فعلى هذا لو أراد المؤجر أن يؤجره لغيره في مدة الخيار قال : الإمام : لم يجوزه أحد فيما أظن ، وإن كان محتملا في القياس وأصحهما : أنه يحسب من وقت العقد . فعلى هذا فعلى من تحسب مدة الخيار إن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر فهي محسوبة على المؤجر ، وإن كان بعده فوجهان : بناء على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمن الخيار على ضمان من يكون فيه وجهان الأصح : من ضمان المشتري فعلى هذا تحسب على المستأجر . وعليه تمام الأجرة والثاني : من ضمان البائع ، فعلى هذا تحسب على المؤجر ، ويحط من الأجرة قدر ما يقابل تلك المدة . وأما : المساقاة ففي ثبوت خيارالمجلس فيها طريقان ، أصحهما فيه الخلاف السابق في الإجارة والثاني : القطع بالمنع لعظم الغرر فيها ، فلا يضم إليه غرر الخيار وأما المسابقة : فكالإجارة إن قلنا : إنها لازمة ، وكالعقود الجائزة إن قلنا : إنها جائزة ، والله تعالى أعلم . المسألة الثانية : لو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس ، ففيه ثلاثة أوجه ، ذكرها المصنف بأدلتها وهي مشهورة ، وذكرها القاضي حسين أقوالا أصحها : أن البيع باطل ، وهو المنصوص في البويطي والقديم والثاني : أنه صحيح ولا خيار والثالث : صحيح والخيار ثابت ، ولو شرطا نفي خيار الرؤية على قولنا يصح بيع الغائب ، فالمذهب القطع ببطلان البيع ، وبه قطع الأكثرون ، وطرد الإمام والغزالي فيه الخلاف ، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في شرط البراءة من العيوب ، ويتفرع على نفي خيار المجلس ما إذا قال لعبده : إن بعتك فأنت حر ، ثم باعه بشرط نفي الخيار فإن قلنا : البيع باطل أو صحيح ولا خيار لم يعتق وإن قلنا : صحيح والخيار ثابت عتق ، لأن عتق البائع في مدة الخيار نافذ والله أعلم . المسألة الثالثة : فيما ينقطع به خيار المجلس ، قال أصحابنا : كل عقد ثبت فيه هذا الخيار حصل انقطاع الخيار فيه بالتخاير ، ويحصل أيضا بالتفرق بأبدانهما عن مجلس العقد أما : التخاير فهو أن يقولا : تخايرنا أو اخترنا إمضاء العقد ، أو أمضيناه أو أجزناه أو ألزمناه وما أشبهها ، ولو قال أحدهما : اخترت إمضاءه انقطع خياره ، وبقي خيار الآخر ، كما إذا أسقط أحدهما خيار الشرط ، وفيه وجه شاذ أنه لا يبقى للآخر خيار أيضا ، لأن هذا الخيار لا يتبعض ثبوته ، ولا يتبعض سقوطه ، حكاه المتولي وغيره وهو فاسد ، وفيه وجه ثالث حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين أنه لا يبطل خيار القائل ولا صاحبه لأن شأن الخيار أن يثبت بهما أو يسقط في حقهما ، ولا يمكن حق الساكت فينبغي أن لا يسقط حق القائل أيضا وهذا الوجه شاذ فاسد ، فحصل ثلاثة أوجه الصحيح : سقوط خيار القائل فقط والثاني : يسقط خيارهما والثالث : يبقى خيارهما .

Section V09/P169–V09/P170

أما : إذا قال أحدهما للآخر : اختر أو خيرتك ، فقال الآخر : اخترت فإنه ينقطع خيارهما بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، وإن سكت الآخر لم ينقطع خيار الساكت بلا خلاف لما ذكره المصنف وفي خيار القائل وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : لا يسقط خياره قال الروياني : هو قول القفال وأصحهما : باتفاق الأصحاب : يسقط ، وممن صرح بتصحيحه صاحب الشامل والبغوي والمتولي والروياني والرافعي وآخرون . قال أصحابنا : ولو اختار واحد وفسخ الآخر حكم بالفسخ ، لأنه مقصود الخيار ، ولو قالا : أبطلنا الخيار ، أو قالا : أفسدنا فوجهان : حكاهما إمام الحرمين عن حكاية والده أبي محمد أحدهما : لا يبطل الخيار ، لأن الإبطال يشعر بمناقضة الصحة ومنافاة الشرع ، وليس كالإجارة ، فإنها تصرف في الخيار والثاني : يبطل الخيار ، وهو الأصح قال : الإمام : الوجه الأول ضعيف جدا ، ولكن رمز إليه شيخي ، وذكره الصيدلاني أما : إذا تقابضا في المجلس وتبايعا العوضين بيعا ثانيا ، فيصح البيع الثاني أيضا على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، لأنه رضاء بلزوم الأول ، وقيل : فيه خلاف مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك إلى المشتري أم لا فإن قلنا : يمنع لم يصح ، وإلا فسخ والصواب الأول ، ولو تقابضا في الصرف ثم أجازا في المجلس لزم العقد ، فإن اختاراه قبل التقابض فوجهان أحدهما : تلغو الإجازة فيبقى الخيار وأصحهما : يلزم العقد ، وعليهما التقابض ، فإن تفرقا قبل التقابض انفسخ العقد ولا يأثمان إن تفرقا عن تراض ، وإن انفرد أحدهما بالمفارقة أثم هو وحده ، وفيه وجه ثالث أنه يبطل العقد بالتخاير قبل القبض ، لأن التخاير كالتفرق ، ولو تفرقا قبل القبض في الصرف بطل العقد ، وسنوضح المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في باب الربا حيث ذكرها المصنف والله أعلم . وأما التفرق فهو أن يتفرقا بأبدانهما ، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة متطاولة كسنة أو أكثر ، أو قاما أو تماشيا مراحل ، فهما على خيارهما ، هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه ضعيف حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وآخرون من الخراسانيين أنه لا يزيد على ثلاثة أيام ، لئلا يزيد على خيار الشرط ، وفيه وجه ثالث أنهما لو شرعا في أمر آخر وأعرضا عما يتعلق بالعقد فطال الفصل انقطع الخيار ، حكاه الرافعي ، والمذهب الأول ، قال أصحابنا : والرجوع في التفرق إلى العادة ، فما عده الناس تفرقا فهو تفرق ملتزم للعقد ، وما لا فلا ، قال أصحابنا : فإذا كانا في دار صغيرة فالتفرق أن يخرج أحدهما منها أو يصعد السطح ، وكذا لو كانا في مسجد صغير أو سفينة صغيرة فإن كانت الدار كبيرة حصل التفرق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى بيت أو صفة . وإن كانا في سوق أو صحراء أو ساحة أو بيعة فإذا ولي أحدهما ظهره ومشى قليلا حصل التفرق على الصحيح من الوجهين والثاني : قاله الإصطخري بشرط أن يبعد عن صاحبه ، بحيث لو كلمه على العادة من غير رفع الصوت لم يسمع كلامه ، وبهذا قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وصححه أبو الطيب في المجرد ، والمذهب الأول ، وبه قطع الجمهور ونقله المتولي والروياني عن جميع الأصحاب سوى الإصطخري . واحتجوا له بما رواه المصنف عن ابن عمر وهو صحيح كما سبق ، ودلالته للجمهور ظاهرة وحكى القاضي أبو الطيب والروياني وجها أنه يكفي أن يوليه ظهره ، ونقله الروياني عن ظاهر النص لكنه مؤول ، والمذهب الأول والله أعلم .

Section V09/P170–V09/P171

قال أصحابنا : فلو لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حائل من ستر أو نحوه ، أو شق بينهما نهر لم يحصل التفرق بلا خلاف ، وإن بنى بينهما جدار فوجهان حكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وآخرون أصحهما : لا يحصل التفرق كما لو جعل بينهما ستر ، ولأنهما لم يتفرقا ، وممن صححه البغوي والرافعي وظاهر كلام المصنف القطع به ، لأنه قال لو جعل بينهما حاجز من ستر وغيره لم يسقط الخيار والثاني : يسقط ، وبه قطع المتولي ، وادعى أنه يسمى تفرقا ، وليس كما قال وقال الروياني : إن جعل بينهما حائط أو غيره لم يحصل التفرق ، لأنهما لم يفترقا ، ولأنهما لو غمضا أعينهما لم يحصل التفرق ، وقال والدي : إن جعل الحائط بينهما بأمرهما فوجهان الصحيح : لا يحصل التفرق قال : وقيل إن أرخى ستر لم يحصل ، وإن بنى حائط حصل ، وليس بشيء ، قال أصحابنا وصحن الدار والبيت الواحد إذا تفاحش اتساعهما كالصحراء فيحصل التفرق فيه بما ذكرناه والله أعلم . فرع : لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف وأما الخيار فقال إمام الحرمين : يحتمل أن يقال : لا خيار لهما لأن التفرق الطارىء يقطع الخيار فالمقارن يمنع ثبوته قال : ويحتمل أن يقال : يثبت ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه فيه احتمالان للإمام ، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا حصل التفرق وسقط الخيار ، هذا كلامه ، والأصح في الجملة ثبوت الخيار وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه وينقطع بذلك خيارهما جميعا ، وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء أو ساحة أو كانا في بيتين من دار ، أو في صحن وصفة ، صرح به المتولي ، والله أعلم . فرع : إذا أكره أحد العاقدين على مفارقة المجلس فحمل مكرها حتى أخرج منه ، أو أكره حتى خرج بنفسه ، فإن منع الفسخ بأن سد فمه لم ينقطع خياره على المذهب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وجمهور الأصحاب ، وهو مقتضى كلام الأصحاب وقيل : في انقطاعه وجهان ، قاله القفال : وحكاه جماعات من الخراسانيين وصاحب البيان . قالوا : وهما مبنيان على الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في انقطاع الخيار بالموت ، قالوا : وهنا أولى ببقائه لأن إبطال حقه قهرا بعيد أما إذا لم يمنع من الفسخ فطريقان أحدهما : ينقطع وجها واحدا قاله القفال . وحكاه جماعات والثاني : هو الصحيح وبه قطع المصنف والجمهور : فيه وجهان ، ذكر المصنف بدليلهما أحدهما : ينقطع ، قاله أبو إسحاق المروزي والثاني : لا ينقطع ، وهو الصحيح باتفاقهم ، وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين وغيرهم ، وهو داخل في القاعدة السابقة قريبا أن الإكراه يسقط أثر ذلك المشي ويكون كأنه لم يوجد . فالحاصل أن المذهب أنه لا ينقطع الخيار سواء منع من الفسخ أم لا .

Section V09/P171–V09/P172

قال أصحابنا : فإن قلنا ينقطع خياره انقطع أيضا خيار الماكث في المجلس ، لحصول التفرق ، وإلا فله التصرف فيه بالفسخ والإجازة إذا تمكن ، وهل خياره بعد التمكن على الفور أم يمتد امتداد مجلس التمكن فيه وجهان كالوجهين اللذين سنذكرهما إن شاء الله تعالى ، فليس إذا مات ، وقلنا : يثبت الخيار لوارثه فإن قلنا : لا يقيد بالفور ، وكان مستقرا حين زايلة الإكراه في مجلس ، امتد الخيار امتداد ذلك المجلس ، وإن ان مارا فإذا فارق في مروره مكان التمكن انقطع خياره ، وليس عليه الرجوع إلى مجلس العقد ليجتمع هو والعاقد الآخر ، إن طال الزمان ، لأن المجلس قد انقطع حسا فلا معنى للعود إليه ، هكذا نقله الإمام وجزم به قال : فإن قصر الزمان ففي تكليفه الرجوع احتمال والله أعلم . وإذا قلنا : لا يبطل خيار المكره على المفارقة لم يبطل خيار الماكث أيضا إن منع الخروج معه ، فإن لم يمنع فوجهان أصحهما : يبطل ، هكذا ذكر الأصحاب المسألة ، ولم يفرقوا بين من حمل مكرها أو أكره على التفرق ، وقال المتولي والبغوي وطائفه : هذا التفصيل فيما إذا حمل مكرها ، فإن أكره حتى تفرقا بأنفسهما ففي انقطاع الخيار قولان كحنث الناسي ، والله أعلم . فرع : لو هرب أحد العاقدين ولم يتبعه الآخر ، فقد أطلق الأكثرون أنه ينقطع خيارهما ، ممن أطلق ذلك وجزم به الفوراني والمتولي وصاحبا العدة والبيان وغيرهم ، وقال البغوي والرافعي : إن لم يتبعه الآخر مع التمكن بطل خيارهما ، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب دون الآخر ، والصحيح ما قدمناه عن الأكثرين ، لأنه متمكن من الفسخ بالقول ، ولأنه فارقه باختياره فأشبه إذا مشى على العادة ، بخلاف ما قدمناه في المكره ، فإنه لا فعل له بسبب الإكراه ، فكأنه لم يفارق ، والله تعالى أعلم . فلو هرب وتبعه الآخر ، قال المتولي : يدوم الخيار ما داما متقاربين ، فإن تباعدا بحيث يعد فرقة بطل اختيارهما ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو جاء المتعاقدان معا فقال أحدهما : تفرقنا بعد العقد فنلزمه ، وقال الثاني : لم نتفرق ، وأراد الفسخ ، فالقول قول الثاني مع يمينه ، لأن الأصل عدم التفرق ولو اتفقا على التفرق وقال أحدهما : فسخت قبله وأنكر الآخر فوجهان : الصحيح أن القول قول المنكر عملا بالأصل ، وبه قطع القاضي حسين وصححه الروياني والباقون والثاني : قول مدعي الفسخ لأنه أعلم بتصرفه ، قال المتولي والروياني : وهذامحكي عن صاحب التقريب . ولو اتفقا على عدم التفرق وادعى أحدهما الفسخ وأنكر الآخر ، فدعواه الفسخ فسخ ، ولو أراد الفسخ فقال الآخر : أنت أجزت قبل هذا فأنكر الإجازة فالقول قول المنكر ، لأن الأصل عدمها والله أعلم . ولو قال أحدهما : فسخت قبل التفرق وقال الآخر : بعده ، قال الدارمي ، قال ابن القطان : فيه خلاف مبني على الخلاف فيما إذا قال : راجعتك ، فقالت : بعد العدة ، قال : وحاصله أربعة أوجه أحدها : يصدق البائع والثاني : المشتري والثالث : السابق بالدعوى والرابع : يقبل قول من يدعي الفسخ في الوقت الذي فسخ فيه ، وقول الآخر في وقت التفرق ، والله أعلم . فرع : لو مات من له الخيار أو من لو أغمي عليه في المجلس ، لم يبطل خياره بل ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره ، هذا هو المذهب وفيه خلاف ذكره المصنف بعد خيار الشرط ، وسنوضحه بفروعه إن شاء الله تعالى . وإن خرس ، قال أصحابنا : إن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة فهو على خياره ، وإلا نصب الحاكم نائبا عنه يعمل ما فيه حظه من الفسخ والإجازة ، والله أعلم .

Section V09/P172–V09/P174

أما : إذا ناما في المجلس فلا ينقطع خيارهما بلا خلاف ، صرح به المتولي وغيره لأن النوم لا يسمى تفرقا ، والله أعلم . فرع : يثبت خيار المجلس للوكيل دون الموكل باتفاق الأصحاب ، لأنه متعلق بالعاقد ، فلو مات الوكيل ، هل ينتقل الخيار إلى الموكل قال المتولي : فيه الخلاف الذي سنوضحه في المكاتب إن شاء الله تعالى إذا مات هل ينتقل خياره إلى سيده الأصح : الانتقال ، قال : ووجه الشبه أن الملك حصل بعقد الوكيل للموكل ، لا بطريق الإرث ، كما أنه حصل للسيد بحكم العقد لا بطريق الإرث هذا كلام المتولي ، وهو الأصح ، وفيه خلاف آخر سنذكره هناك إن شاء الله تعالى . فرع : قال القاضي حسين في تعليقه : لو باع الكافر عبده المسلم يثبت له خيار المجلس والشرط ، فلو فسخ البيع في مدة الخيار صح فسخه وأجبرناه على بيعه ثانيا ، ويثبت له الخيار والفسخ وهكذا أبدا . فرع : في مذاهب العلماء في خيار المجلس . مذهبنا ثبوته للمتعاقدين ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي الصحابي ، وسعيد بن المسيب وطاوس وعطاء وشريح والحسن البصري والشعبي والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد ، وبه قال سفيان بن عيينة وابن المبارك وعلي بن المديني وسائر المحدثين ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وابن أبي ذؤيب ، وقال مالك وأبو حنيفة : لا يثبت بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول ، وحكى هذا عن شريح والنخعي وربيعة واحتج لهم بقول الله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 24 فظاهر الآية جوازه في المجلس ، وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه فدل على أنه إذا جاز له بيعه ففي المجلس قبل التفرق . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله رواه أبو داود والترمذي وغيره بأسانيد صحيحة وحسنة ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، قالوا : وهذا دليل على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة ، وقياسا على النكاح والخلع وغيرهما ، ولأنه خيار بمجهول فإن مدة المجلس مجهولة فأشبه لو شرطا خيارا مجهولا . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار رواه البخاري ومسلم وعن نافع قال سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبايع المتبايعان وكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار ، قال : وكان ابن عمر إذا تبايع البيع وأراد أن يجب ، مشى قليلا ، ثم رجع رواه مسلم ، وعن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع خيارا ، قال نافع : وكان ابن عمر إذا اشترى الشيء يعجبه فارق صاحبه رواه البخاري ومسلم ، وعن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع رواه البخاري ومسلم وفي رواية البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر رواه البخاري ومسلم .

Section V09/P174–V09/P176

وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل بيعين لا يبيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار وعن حكيم بن حزام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البائعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما رواه البخاري ومسلم . وعن أبي الوضىء بكسر الضاد المعجمة وبالهمز واسمه عباد بن نسيب بضم النون وفتح السين المهملة وإسكان الياء قال : غزونا غزوة فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا لغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل فقام إلى فرسه يسرجه وندم ، وأتى الرجل وأخذه بالبيع ، فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له القصة ، فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وفي رواية قال : ما أراكما افترقتما رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير أعرابيا بعد البيع رواه الترمذي وقال حديث صحيح وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع رجلا فلما بايعه قال : اختر ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا البيع رواه أبو داود الطيالسي ، ورواه البيهقي ، وفي المسألة أحاديث كثيرة من رواية أبي هريرة وجابر وسمرة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وغيرهم ، وذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم عن ابن عمر قال : بعت أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني في البيع ، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال ابن عمر : فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال روى البيهقي هذا متصلا بإسناده . وروى البيهقي عن ابن المبارك قال الحديث في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا . أثبت من هذه الأساطير وروى البيهقي بإسناده عن علي ابن المديني عن ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا قال : فحدثوا به أبا حنيفة فقال أبو حنيفة : ليس هذا بشيء ، أرأيت إن كانا في سفينة قال ابن المديني إن الله سائله عما قال . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : اعترض مالك وأبو حنيفة على هذه الأحاديث فإنها بلغتهما فأما مالك فهو راوي حديث ابن عمر وأما أبو حنيفة فقال : ما قدمناه عنه الآن من قوله : أرأيت لو كانا في سفينة فإنه لا يمكن تفرقهما وأما مالك فقال : العمل عندنا بالمدينة خلاف ذلك فإن فقهاء المدينة لاي ثبتون خيار المجلس ، ومذهبه أن الحديث إذا خالف عمل أهل المدينة تركه قال أصحابنا : هذه الأحاديث صحيحة والاعتراضات باطلان مردودان لمنابذتهما السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة وأما قول أبي حنيفة : لو كانا في سفينة فنحن نقول به ، فإن خيارهما يدوم ما داما مجتمعين في السفينة ، ولو بقيا سنة وأكثر ، وقد سبقت المسألة مبينة ، ودليلها إطلاق الحديث .

Section V09/P176–V09/P177

وأما : قول مالك فهو اصطلاح له وحده منفرد به عن العلماء فلا يقبل قوله في رد السنن ، لترك فقهاء المدينة العلم بها وكيف يصح هذا المذهب مع العلم بأن الفقهاء ورواة الأخبار لم يكونوا في عصره ، ولا في العصر الذي قبله منحصرين في المدينة ، ولا في الحجاز ، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض مع كل واحد قطعة من الأخبار لا يشاركه فيها أحد ، فنقلها ووجب على كل مسلم قبولها ، ومع هذا فالمسألة متصورة في أصول الفقه غنية عن الإطالة فيها هنا ، هذا كله لو سلم أن فقهاء المدينة متفقون على عدم خيار المجلس ، ولكن ليس هم متفقين ، فهذا ابن أبي ذئب أحد أئمة فقهاء المدينة في زمن مالك أنكر على مالك في هذه المسألة وأغلظ في القول بعبارات مشهورة ، حتى قال : يستتاب مالك من ذلك ، وكيف يصح دعوى اتفاقهم ، فإن قيل : قوله صلى الله عليه وسلم : المتبايعان بالخيار أراد ما دام في المساومة وتقرير الثمن قبل تمام العقد ، لأنهما بعد تمام العقد لا يسميان متبايعين حقيقة ، وإنما يقال كانا متباعين . قال أصحابنا : فالجواب من أوجه : أحدها : جواب الشافعي رحمه الله ، وهو أنهما ما داما في المقاولة يسميان متساومين ، ولا يسميان متبايعين ، ولهذا لو حلف بطلاق أو غيره أنه ما بايع وكان مساوما ، وتقاولا في المساومة وتقرير الثمن ، ولم يعقدا لم يحنث بالاتفاق والثاني : أن المتبايعين اسم مشتق من البيع ، فما لم يوجد البيع لم يجز أن يشتق منه ، لأن كل اسم من معنى لا يصح اشتقاقه حتى يوجد المعنى الثالث : أن حمل الخيار على ما قلنا يحصل به فائدة لم تكن معروفة قبل الحديث ، وحمله على المساومة يخرجه عن الفائدة ، فإن كان أحد يعلم أن المتساومين بالخيار إن شاءا عقدا وإن شاءا تركا الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم مد الخيار إلى التفرق ، وهذا تصريح بثبوته بعد انقضاء العقد الخامس : أن راوي الحديث ابن عمر كان إذا أراد إلزام البيع مشى قليلا لينقطع الخيار ، كما ثبت عنه في الصحيحين على ما قدمناه عنه ، وهو أعلم بمراد الحديث . فإن قيل : المراد بالتفرق التفرق بالقول كقوله عز وجل وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة البينة : 4 فالمراد التفرق بالقول قلنا الإيجاب والقبول ليس تفرقا منهما في القول ، لأن من أوجب القول فغرضه أن يقبله صاحبه ، فإذا قبله فقد وافقه ولا يسمى مفارقة ، وذكر أصحابنا أقيسة كثيرة ، وقياسات لا حاجة إليها مع الأحاديث السابقة وأما الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 فهو أنه عام مخصوص بما ذكرنا ، وهكذا الجواب عن حديث فلا يبيعه حتى يستوفيه فإنه عام مخصوص بما ذكرنا . وأما : الجواب عن حديث : لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فهو أنه دليل لنا كما جعله الترمذي في جامعه دليلا لإثبات خيار المجلس ، واحتج به على المخالفين لأن معناه مخالفة أن يختار الفسخ فعبر بالإقامة عن الفسخ ، والدليل على هذا أشياء أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم أثبت لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا ، ثم ذكر الإقالة في المجلس ، ومعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الإقالة ، فدل أن المراد بالإقالة الفسخ والثاني : أنه لو كان المراد حقيقة الإقالة لا يمنعه من المفارقة مخافة أن يقيله ، لأن الإقالة لا تختص بالمجلس والله تعالى أعلم .

Section V09/P177–V09/P178

وأما : الجواب عن قياسهم على النكاح والخلع أنه ليس المقصود منهما المال ، ولهذا لا يفسدان بفساد العوض بخلاف البيع ، والجواب عن قولهم خيار مجهول أن الخيار الثابت شرعا لا يضر جهالة زمنه كخيار الرد بالعيب والأخذ بالشفعة ، بخلاف خيار الشرط فإنه يتعلق بشرطهما ، فاشترط بيانه والله أعلم . فرع : ذكرنا أنهما إذا قاما من مجلس وتماشيا جميعا دام خيارهما ما داما معا ، وإن بقيا شهرا أو سنة ، هذا مذهبنا ، وحكى الروياني عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال : ينقطع به مفارقة مجلسهما وإن كانا ودليلنا عموم الحديث : ما لم يتفرقا . فرع : لو حكم حاكم بإبطال خيار المجلس هل ينقص حكمه حكى الدارمي فيه وجهين أحدهما : لا ينقض للاختلاف والثاني : ، ينقض ، قاله الاصطخري .

Section V09/P178–V09/P179

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها ، لما روى محمد ابن يحيى بن حبان قال : كان جدي قد بلغ ثلاثين ومائة سنة ، لا يترك البيع والشراء ، ولا يزال يخدع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايعته فقل : لا خلابة ، وأنت بالخيار ثلاثا فأما في البيوع التي فيها الربا وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام ، فلا يجوز شرط الخيار ، لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع ، ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين ، فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ، ولم يتم البيع بينهما ، وجاز شرط الخيار في ثلاثة أيام ، وفيما دونها لأنه إذا جاز شرط الثلاث فما دونها أولى بذلك ، ولا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ، لأنه غرر ، وإنما جوز في الثلاث لأنه رخصة فلا يجوز فيما زاد ، ويجوز أن يشترط لهما ولأحدهما دون الآخر ويجوز أن يشترط لأحدهما ثلاثة أيام وللآخر يوم أو يومين ، لأن ذلك جعل إلى شرطهما فكان على حسب الشرط فإن شرطا ثلاثة أيام ثم تخايرا سقط قياسا على خيار المجلس . + الشرح : هذا الحديث أتى به المصنف مرسلا لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهذه القصة لم يذكر في هذه الرواية أنه سمعها من غيره ، وهو تابعي ، فثبت أنه وقع هنا مرسلا وحبان بفتح الحاء بلا خلاف بين أهل العلم من المحدثين وغيرهم وقد تصحفه المتفقهون ، ونحوهم وهو بالباء الموحدة وهي الغبن والخديعة ، وهذا الحديث قد روى بألفاظ منها حديث ابن عمر قال : ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بايعت فقل : لا خلابة رواه البخاري ومسلم وعن يونس بن بكير قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال : حدثني نافع عن ابن عمر قال : سمعت رجلا من الأنصار يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يغبن في البيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل : لا خلابة ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد قال ابن عمر : فكأني الآن أسمعه إذا ابتاع يقول : لا خذابة . قال بن إسحاق : فحدثت بهذا الحديث محمد بن يحيى بن حبان قال : كان جدي منقذ بن عمرو ، وكان رجلا قد أصيب في رأس أمه وكسرت لسانه ونقصت عقله وكان يغبن في البيع ، وكان لا يدع التجارة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا ابتعتة فقل : لا خلابة ثم أنت في كل بيع تبتاعه بالخيار ثلاث ليال ، إن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد فبقي حتى أدرك زمن عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة ، فكبر في زمان عثمان فكان إذا اشترى شيئا فرجع به فقالوا له : لم تشتري أنت فيقول : قد جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ابتعت بالخيار ثلاثا ، فيقولون : أردده فإنك قد غبنت ، أو قال : غششت فيرجع إلى بيعه فيقول : خذ سلعتك وأردد دراهمي ، فيقول : لا أفعل قد رضيت فذهبت حتى يمر به الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار فيما تبتاع ثلاثا ، فيرد عليه دراهمه ويأخذ سلعته .

Section V09/P179–V09/P180

هذا الحديث حسن رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد حسن ، وكذلك رواه ابن ماجه بإسناد حسن وكذا رواه البخاري في تاريخه في ترجمة منقذ بن عمرو بإسناد صحيح إلى محمد بن إسحاق ومحمد بن إسحاق المذكور في إسناده هو صاحب المغازي والأكثرون وثقوه وإنما عابوا عليه التدليس وقد قال في روايته : حدثني نافع ، والمدلس إذا قال : حدثني أو أخبرني أو سمعت ونحوها من الألفاظ المصرحة بالسماع احتج به عند الجماهير ، وهو مذهب البخاري ومسلم وسائر المحدثين ، وجمهور من يعتد به وإنما يتركون من حديث المدلس ما قال فيه : عن ، وقد سبقت هذه المسألة مقررة مرات ، لكن القطعة التي ذكرها محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلة ، لأن محمد بن يحيى لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر من سمعها منه ، ولكن مثل هذا المرسل يحتج به الشافعي لأنه يقول : إن المرسل إذا اعتضد بمرسل آخر ، أو بسند ، أو بقول بعض الصحابة ، أو بفتيا عوام أهل العلم احتج به وهذا المرسل قد وجد فيه ذلك ، لأن الأمة مجمعة على جواز شرط الخيار ثلاثة أيام والله أعلم . وأما : ما وقع في الوسيط وبعض كتب الفقه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : واشترط الخيار ثلاثة أيام فمنكر لا يعرف بهذا اللفظ في كتب الحديث . وأعلم أن أقوى ما يحتج به في ثبوت خيار الشرط الإجماع ، وقد نقلوا فيه الإجماع وهو كاف ، والحديث المذكور يحتج به لكن في دلالته باللفظ الذي ذكرناه نظر والله أعلم . أما الأحكام ففيها مسائل : إحداها : يصح شرط الخيار في البيع بالإجماع إذا كانت مدته معلومة . الثانية : لا يجوز عندنا أكثر من ثلاثة أيام للحديث المذكور ، ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من ذلك غالبا ، وكان مقتضى الدليل منع شرط الخيار ، لما فيه من العذر ، وإنما جوز للحاجة فيقتصر فيه على ما تدعو إليه الحاجة غالبا ، وهو ثلاثة أيام ، هذا هو المشهور في المذهب ، وتظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق ، وفيه وجه أنه يجوز أكثر من ثلاثة أيام إذا كانت مدة معلومة ، وهو قول ابن المنذر ، قاله في الإشراف ، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمنون على شروطهم والله أعلم . قال أصحابنا : فإن زاد على ثلاثة أيام ولو لحظة بطل البيع . الثالثة : يجوز شرط الخيار ثلاثة أيام ويجوز دونها إذا كان معلوما كما ذكره المصنف ، ويجوز لهما ، ويجوز لأحدهما ثلاثة وللآخر يومان أو يوم ، ونحو ذلك ، بحيث يكون معلوما ، وهذا كله لا خلاف فيه ، لكن لو كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد فباعه بشرط الخيار ثلاثة أيام فوجهان حكاهما صاحب البيان أصحهما : يبطل البيع والثاني : يصح ويباع عند الإشراف على الفساد ، ويقام ثمنه مقامه ، وهذا غلط ظاهر ، قال أصحابنا : ويشترط أن تكون المدة متصلة بالعقد ، فلو شرطا خيار ثلاثة أيام أو دونها من آخر الشهر أو من الغد أو متى شاءا أو شرطا خيار الغد دون اليوم بطل العقد لمافاته لمقتضاه .

Section V09/P180–V09/P181

قال أصحابنا : ويشترط كون المدة معلومة ، فإن شرطا الخيار مطلقا ولم يقدراه بشيء أو قدراه بمدة مجهولة كقوله بعض يوم ، أو إلى أن يجيء زيد أو غير ذلك ، بطل البيع بلا خلاف عندنا ، ولو شرطاه إلى وقت طلوع الشمس من الغد جاز بلا خلاف ، ولو شرطاه إلى طلوعهما فقد قال القاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد : قال أبو عبد الله الزبيري في كتاب الفصول : لا يصح البيع لأن طلوع الشمس قد لا يحصل لحصول غيم في السماء ، قال : فلو قال : إلى غروب الشمس أو إلى وقت الغروب صح ، لأن الغروب لا يستعمل إلا في سقوط قرص الشمس . هذا كلام الزبيري وسكت عليه القاضي أبو الطيب ، وحكاه أيضا عنه المتولي وسكت عليه . فأما : شرطهما إلى وقت الطلوع وإلى الغروب أو وقت الغروب فيصح باتفاق الأصحاب كما قاله الزبيري ، وأما إذا شرطاه إلى الطلوع فقد خالفه غيره وقال بالصحة لأن الغيم إنما يمنع من إشراق الشمس واتصال الشعاع لا من نفس الطلوع ، وهذا هو الصحيح والله أعلم . أما : إذا تبايعا نهارا بشرط الخيار إلى الليل أو ليلا بشرط الخيار إلى النهار ، فيصح البيع بلا خلاف ، ولا يدخل الزمن الآخر إلى الشرط بلا خلاف عندنا ، وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه عن أبي حنيفة أنه قال : يدخل ، لأن لفظة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم النساء : 2 دليلنا أن أصل إلى الغاية فهذا حقيقتها ، فلا تحمل على غيره عند الإطلاق ، وأما استعمالها بمعنى مع في بعض المواطن ففيه جوابان أحدهما : أنها مؤولة ، ففي الآية المذكورة تقديره مضافة إلى أموالكم والثاني : أنها استعملت بمعنى مع مجازا فلا يصير إلى المجاز في غيرها بغير قرينة ، ولأنهم وافقونا على أنه لو باع بثمن مؤجل إلى رمضان لا يدخل رمضان في الأجل والله أعلم . الرابعة : إذا شرطا الخيار ثلاثة أيام أو غيرها ثم أسقطاه قبل انقضاء المدة سقط ، لما ذكره المصنف ، وكذا لو أسقط أحدهما خياره سقط وبقي خيار الآخر ، ولو أسقطا اليوم الأول سقط الجميع ، ولو أسقطا الثالث لم يسقط ما قبله ، قال القاضي حسين والبغوي والمتولي : فلو قال : أسقطت الخيار في اليوم الثاني بشرط أنه يبقى في الثالث سقط خياره في اليومين جميعا ، لأنه كما لا يجوز أن يشرط خيارا متراخيا عن العقد ، لا يجوز أن يستبقى خيارا متراخيا ، وإنما يجوز أن يستبقى اليومين تغليبا للإسقاط ، لأن الأصل لزوم العقد وإنما جوزنا الشرط لأنه رخصة ، فإذا عرض له ذلك حكم بلزوم العقد ، والله أعلم . الخامسة : فيما يثبت فيه خيار الشرط من العقود ، قال أصحابنا : جملة القول فيه أنه مع خيار المجلس متلازمان غالبا ، لكن خيار المجلس أسرع وأولى ثبوتا من خيار الشرط ، فقد ينفكان لهذا ، فإذا أردت التفصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس ، وهما متفقان في صورة الوفاق والخلاف إلا في أشياء : أحدها : أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام أو القبض في أحد العوضين كالسلم لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف ، مع أن خيار المجلس يثبت فيها ، ودليل المسألة مذكور في الكتاب ، وقد أهمل المصنف ذكر السلم هنا ، ولكنه ذكره في كتاب السلم . الثاني : أن خيار الشرط لا يثبت في الشفعة بلا خلاف وكذا لا يثبت في الحوالة ، وفي خيار المجلس فيهما خلاف سبق . الثالث : أنه إذا كان رجع في سلعة باعها ثم حجر على المشتري بالفلس لا يثبت فيها خيار الشرط بلا خلاف ، وفي خيار المجلس خلاف ضعيف سبق .

Section V09/P181–V09/P183

الرابع : في الهبة بشرط ، وفي الإجارة طريق قاطع بأنه لا يثبت خيار الشرط مع جريان الخلاف في ثبوته في خيار المجلس . وأما : شرط الخيار في الصداق فسيأتي في كتاب الصداق إن شاء الله تعالى إيضاحه وتفصيله ، ومختصره أن الأصح صحة النكاح ، وفساد المسمى ، ووجوب مهر المثل ، وأنه لا يثبت الخيار ، والله تعالى أعلم . فرع : قال جماعة من أصحابنا : قد اشتهر في الشرع أن قوله : لا خلابة عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام ، فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط ، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار قطعا ، فإن علمه البائع دون المشتري فوجهان مشهوران حكاهما المتولي وابن القطان وآخرون أصحهما : لا يثبت والوجه الثاني : يثبت ، وهذا شاذ ضعيف ، بل غلط ، لأن معظم الناس لا يعرفون ذلك والمشتري غير عارف به . فرع : لو اشترى شيئا بشرط أنه إن لم ينقده الثمن في ثلاثة أيام ، فلا بيع بينهما ، أو باع بشرط أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما ، فوجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : يصح العقد ، ويكون تقدير الصورة الأولى أن المشتري شرط الخيار لنفسه فقط ، وفي الثانية أن البائع شرطه لنفسه فقط ، وهذا قول أبي إسحاق قال : لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجاز ذلك والثاني : وهو الصحيح باتفاقهم ، وبه قطع الروياني وغيره ، أن البيع باطل في الصورتين ، لأن هذا ليس بشرط خيار ، بل هو شرط فاسد مفسد للبيع ، لأنه شرط في العقد شرطا مطلقا ، فأشبه ما لو باع بشرط أنه إن قدم زيد القوم فلا بيع بينهما . فرع : قال أصحابنا : لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا بعينه بطل البيع لا خلاف ، كما لو باع أحدهما لا بعينه ولو باع بشرط الخيار في أحدهما بعينه ففيه القولان المشهوران في الجمع بين مختلفي الحكم ، وكذا لو شرط الخيار في أحدهما يوما وفي الآخر يومين والأصح : صحة البيع ، فإن صححنا البيع ثبت الخيار فيما شرط على ما شرط . ولو شرطا الخيار فيهما ثم أرادا الفسخ في أحدهما فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب الأصح : لا يجوز ولو اشترى اثنان شيئا من واحد صفقة واحدة بشرط الخيار فلأحدهما الفسخ في نصيبه ، كما في الرد بالعيب ، ولو شرطا الخيار لأحدهما دون الآخر ففي صحة البيع قولان الأصح : الصحة ، والله أعلم . فرع : قال المتولي وغيره : إذا قال بعتك بشرط خيار يوم ، اقتضي إطلاقه اليوم الذي وقع فيه العقد ، كما لو حلف لا يكلمه شهرا ، فإن كان العقد نصف النهار مثلا ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار في اليوم الثاني ، ويدخل الليل في حكم الخيار للضرورة ، وإن كان العقد في أول وقت العصر ، ثبت إلى مثله من اليوم الثاني ، وإن كان العقد في الليل ثبت الخيار إلى غروب الشمس من اليوم المتصل بذلك الليل .

Section V09/P183–V09/P184

فرع : إذا شرطا في البيع خيارا أكثر من ثلاثة أيام ، فقد ذكرنا أن البيع باطل ، فلو أسقطا الزيادة بعد مفارقة المجلس ، وقبل انقضاء الثلاثة ، لا ينقلب العقد صحيحا عندنا بلا خلاف ، وكذا لو باع بثمن إلى أجل مجهول ثم قدر الأجل قبل أن يتوهم دخول وقت المطالبة لا ينقلب العقد صحيحا ، ولا خلاف في الصورتين عندنا ، وقال أبو حنيفة : يصح العقد في الصورتين قال المتولي : واختلف أصحاب أبي حنيفة في أصل العقد فمنهم من يقول : وقع العقد فاسدا ، وبإسقاط الزيادة والجهالة يعود صحيحا ، ومنهم من قال : وقع صحيحا ، وإذا لم تسقط الزيادة فسد ومنهم من قال : هو موقوف ، دليلنا أن ما وقع على وجه لا يثبت دائما لم يعد صحيحا ، كما لو نكح امرأة وعنده أربع ، ثم طلق إحداهن ، لا يحكم بصحة نكاح الخامسة . أما : إذا أسقطا الزيادة على ثلاثة أيام في مجلس العقد ، فوجهان حكاهما المتولي وآخرون هنا ، وهما مشهوران جاريان في كل شرط فاسد قارن العقد ثم حذف في المجلس أحدهما : وبه قال صاحب التقريب : يصح العقد ، لأن حكم المجلس حكم حالة العقد ، ولأن الشافعي رحمه الله قال لو لم يذكرا في السلم أجلا ثم ذكراه قبل التفرق جاز والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب أن العقد باطل ، ولا يعود صحيحا بذلك ، لأن المجلس إنما ثبت لعقد صحيح لا لفاسد وأما : السلم ففرعه الشافعي على الصحيح من القولين وهو صحة السلم مطلقا ، ويكون حالا ، والله أعلم . فرع : لو تبايعا بغير إثبات خيار الشرط ، ثم شرطا في المجلس خيارا أو أجلا ، ففيه الخلاف المشهور الأصح : ثبوته ، ويكون كالشرط في العقد ، وسنوضح المسألة مبسوطة في باب ما يفسد البيع من الشروط إن شاء الله تعالى . فرع : اتفق أصحابنا على أن الوكيل بالبيع لا يجوز أن يشترط الخيار للمشتري ، وأن الوكيل في الشراء لا يجوز أن يشترط الخيار للبائع من غير إذن الموكل ، كما لو باع بثمن مؤجل من غير إذن ، وقد ذكر المصنف المسألة في كتاب الوكالة ، قال المصنف والأصحاب : وهل يجوز أن يشترط الخيار لنفسه أو لموكله فيه وجهان مشهوران أحدهما : لا يجوز ، لأن إطلاق البيع يقتضي البيع بلا شرط ، فلا يجوز الشرط من غير إذن ، فعلى هذا لو شرطه كان العقد باطلا وأصحهما : يصح ، وبه قطع جماعة منهم القاضي حسين والفوراني هنا ، والمتولي في كتاب الوكالة ، لأنه لا ضرر على الموكل في هذا ، ولأنه مأمور بالمصلحة ، وهذا منها ، قال أصحابنا : وإذا شرط الخيار لنفسه وجوزناه على الأصح ، أو أذن فيه الموكل ، ثبت له الخيار ، ولا يفعل إلا ما فيه المصلحة من الفسخ والإجازة ، لأنه مؤتمن . بخلاف ما سنذكره إن شاء الله تعالى قريبا إذا شرط الخيار لأجنبي وصححناه فإنه لا يلزمه رعاية الحظ ، لأنه ليس بمؤتمن ، هكذا ذكره الأصحاب . قال الرافعي : ولقائل أن يقول : جعل الخيار له استئتمانا قال : وهذا المعنى أظهر إذا جعلناه نائيا عن العاقد ثم هل يثبت للموكل الخيار مع الوكيل في هذه الصورة فيه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا شرط الخيار لأجنبي ، وقلنا : يثبت له ، هل يثبت للشارط فيه وجهان أو قولان أصحهما : لا يثبت .

Questions