Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V01/P301–V01/P303

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العظم والسن والقرن والظلف والظفر ففيه طريقان . من أصحابنا من قال : هو كالشعر والصوف لأنه لا يحس ولا يألم ، ومنهم من قال : ينجس قولا واحدا . + الشرح : هذان الطريقان مشهوران ، المذهب منهما عند الأصحاب القطع بالنجاسة وقد تقدم دليل المسألة ومذاهب العلماء فيها في مسألة الشعر ، والقائل بأنه لا خلاف هو أبو أسحاق المروزي ، قال أصحابنا : وقوله : لأنه لا يحس ولا يألم غير مسلم فإن السن تضرس والعظم يحس ، قال أصحابنا : حكم الظفر حكم العظم والظلف والقرن في هذا غير الآدمي وأما أجزاء الآدمي فتقدم بيانها في مسألة الشعر ، وأما خف البعير الميت فنجس بلا خلاف . فرع : العاج المتخذ من عظم الفيل نجس عندنا كنجاسة غيره من العظام لا يجوز استعماله في شيء رطب ، فإن استعمل فيه نجسه قال أصحابنا : ويكره استعماله في الأشياء اليابسة لمباشرة النجاسة ولا يحرم لأنه لا يتنجس به ، ولو اتخذ مشطا من عظم الفيل فاستعمله في رأسه أو لحيته فإن كانت رطوبة من أحد الجانبين تنجس شعره وإلا فلا ولكنه يكره ولا يحرم ، هذا هو المشهور للأصحاب . ورأيت في نسخة من تعليق الشيخ أبي حامد أنه قال : ينبغي أن يحرم وهذا غريب ضعيف . قلت : وينبغي أن يكون الحكم هكذا في استعمال ما يصنع ببعض بلاد حوران من أحشاء الغنم على هيئة الأقداح والقصاع ونحوها لا يجوز استعماله في رطب ويجوز في يابس مع الكراهة ، قال الروياني : ولو جعل الدهن في عظم الفيل للاستصباح أو غيره من الاستعمال في غير البدن فالصحيح جوازه ، وهذا هو الخلاف في جواز الاستصباح بزيت نجس لأنه ينجس بوضعه في العظم . هذا تفصيل مذهبنا في عظم الفيل ، وإنما أفردته عن العظام كما أفرده الشافعي ثم الأصحاب ، قالوا : وإنما أفرده لكثرة استعمال الناس له ، ولاختلاف العلماء فيه . فإن أبا حنيفة قال بطهارته بناء على أصله في كل العظام ، وبه قال مالك في رواية : إن ذكى فطاهر وإلا فنجس بناء على رواية له أن الفيل مأكول ، قال إبراهيم النخعي : إنه نجس لكن يطهر بخرطه ، وقد قدمنا دليل نجاسة جميع العظام وهذا منها ومذهب النخعي ضعيف بين الضعف والله أعلم . فرع : قال صاحب الشامل وغيره من أصحابنا في هذا الموضع : سئل فقيه العرب عن الوضوء من الإناء المعوج فقال : إن أصاب الماء تعويجه لم يجز وإلا فيجوز ، والإناء المعوج هو المضبب بقطعة من عظم الفيل ، وهذا صحيح والصورة فيما دون القلتين . وفقيه العرب ليس شخصا بعينه وإنما العلماء يذكرون مسائل فيها ألغاز وملح ينسبونها إلى فتيا فقيه العرب وصنف الإمام أبو الحسين بن فارس كتابا سماه فتيا فقيه العرب ، ذكر فيه هذه المسألة وأشد ألغازا منها . فرع : يجوز إيقاد عظام الميتة غير الآدمي تحت القدور وفي التنانير وغيرها ، صرح به صاحب الحاوي والجرجاني في كتابيه التحرير والبلغة والروياني وغيرهم .

Section V01/P303–V01/P304

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما اللبن في ضرع الشاة الميتة فهو نجس ، لأنه ملاق للنجاسة فهو كاللبن في إناء نجس وأما البيض في جوف الدجاجة الميتة فإن لم يتصلب قشره فهو كاللبن ، وإن تصلب قشره لم ينجس كما لو وقعت بيضة في شيء نجس . + الشرح : أما مسألة اللبن فهو نجس عندنا بلا خوف ، هذا حكم لبن الشاة وغيرها من الحيوان الذي ينجس بالموت ، فأما إذا ماتت امرأة وفي ثديها لبن فإن قلنا ينجس الآدمي بالموت فاللبن نجس كما في الشاة . وإن قلنا بالمذهب : أن الآدمي لا ينجس بالموت فهذا اللبن طاهر ، لأنه في إناء طاهر وقد ذكر الروياني المسألة في آخر باب بيع الغرر والله أعلم . وأما البيضة ففيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي والروياني والشاشي وآخرون أصحها وبه قطع المصنف والجمهور : إن تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة والثاني : طاهرة مطلقا والثالث : نجسة مطلقا ، وحكاه المتولي عن نص الشافعي وهذا نقل غريب شاذ ضعيف . قال صاحبا الحاوي والبحر : لو وضعت هذه البيضة تحت طائر فصارت فرخا كان الفرخ طاهرا على الأوجه كلها كسائر الحيوان . ولا خلاف أن ظاهر هذه البيضة نجس ، وأما البيضة الخارجة في حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها فيه وجهان ، حكاهما الماوردي والروياني والبغوي وغيرهم بناء على الوجهين في نجاسة رطوبة فرج المرأة ، وكذا الوجهان في الولد الخارج في حال الحياة ذكرهما الماوردي والروياني . وأما إذا انفصل الولد حيا بعد موتها فعينه طاهرة بلا خلاف ، ويجب غسل ظاهره بلا خلاف ، وإذا استحالت البيضة المنفصلة دما فهل هي نجسة أم طاهرة وجهان ، ولو اختلطت صفرتها ببياضها فهي طاهرة بلا خلاف ، وسنعيد المسألة في باب إزالة النجاسة مبسوطة إن شاء الله تعالى ، والدجاجة والدجاج بفتح الدال وكسرها لغتان والفتح أفصح والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن اللبن في ضرع الميتة نجس ، هذا مذهبنا وقول مالك وأحمد وقال أبو حنيفة : هو طاهر ، واحتج له بأنه يلاقي نجاسة باطنية فكان طاهرا كاللبن من شاة حية فإنه يخرج من بين فرث ودم ، قالوا : ولأن نجاسة الباطن لا حكم لها بدليل أن المني طاهر عندكم ويخرج من مخرج البول ، واحتج أصحابنا بأنه ملاق لنجاسة فهو كلبن في إناء نجس . وأجابوا عن قولهم : إن اللبن يلاقي الفرث والدم بأنا لا نسلم الملاقاة لأن الفرث في الكرش ، والدم في العروق واللبن بينه وبينهما حجاب رقيق ، وأما قولهم نجاسة الباطن لا حكم لها فغير مسلم بل لها حكم إذا انفصل ما لاصقها ، ولهذا لو ابتلع جوزة وتقايأها صارت نجسة الظاهر ، وأما المني فقال ابن الصباغ : إن سلمنا أن مخرجه مخرج البول فالفرق أنه عفي عنه لعموم البلوى به ، وتعذر الاحتراز عنه بخلاف اللبن في الشاة الميتة . وأما مسألة البيض في دجاجة ميتة فقد ذكرنا فيها ثلاثة أوجه لأصحابنا وحكي تنجيسها عن علي بن أبي طالب وابن مسعود ومالك رضي الله عنهم وطهارتها عن أبي حنيفة والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شيء من أجزائه ، ويجوز الانتفاع بجلده وشعره وعظمه ما لم يكن عليها نجاسة لأنه جزء طاهر من حيوان طاهر مأكول فجاز الانتفاع به بعد الذكاة كاللحم . + الشرح : هذا الذي ذكره متفق عليه ، وقوله : من حيوان مأكول احتراز من أجزاء غير المأكول لا يجوز الانتفاع بها بمجرد الذكاة .

Section V01/P304–V01/P305

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ذبح حيوان لا يؤكل نجس بذبحه كما ينجس بموته لأنه ذبح لا يبيح أكل اللحم فنجس به كما ينجس بالموت كذبح المجوسي . + الشرح : مذهبنا أنه لا يطهر بذبح ما لا يؤكل شعره ولا جلده ولا شيء من أجزائه وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة يطهر جلده واختلف أصحابه في طهارة لحمه واتفقوا أنه لا يحل أكله ، وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن مالك طهارة الجلد بالذكاة . قال ابن الضباغ : إلا جلد الخنزير فإن مالكا وأبا حنيفة وافقا على نجاستهما ، واحتج لأبي حنيفة بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : دباغ الأديم ذكاته فشبه الدباغ بالذكاة والدباغ يطهره فكذا الذكاة ولأنه جلد يطهر بالدباغ فطهر بالذكاة كالمأكول ولأن ما طهر جلد المأكول طهر غيره كالدباغ . واحتج أصحابنا بأشياء أحسنها ما ذكره المصنف وفيه كفاية . فإن قالوا : هذا منتقض بذبح الشاة المسمومة فإنه لا يبيح أكلها ويفيد طهارتها ، فالجواب أن أكلها كان مباحا وإنما امتنع لعارض وهو السم حتى لو قدر على رفع السم بطريق أبيح الأكل ، ودليل آخر وهو أن المقصود الأصلي بالذبح أكل اللحم فإذا لم يبحه هذا الذبح فلأن لا يبيح طهارة الجلد أولى . وأما الجواب عما احتجوا به من حديث : دباغ الأديم ذكاته فمن أوجه على تقدير صحته أحدها : أنه عام من المأكل وغيره فنخصه بالمأكول بدليل ما ذكرنا والثاني : أن المراد أن الدباغ يطهره الثالث : ذكره القاضي أبو الطيب أن الأديم إنما يطلق على جلد الغنم خاصة وذلك يطهر بالذكاة بالإجماع فلا حجة فيه للمختلف فيه . والجواب عن قياسهم على الدباغ من وجهين أحدهما : أن الدباغ موضوع لإزالة نجاسة حصلت بالموت وليس كذلك بالذكاة ، فإنها تمنع عندهم حصول نجاسة والثاني : أن الدباغ إحالة ولهذا لا يشترط فيه فعل بل لو وقع في المدبغة اندبغ بخلاف الذكاة فإنها مبيحة فيشترط فيها فعل فاعل بصفة في حيوان بصفة ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه لا يجوز ذبح الحيوان الذي لا يؤكل لأخذ جلده ولا ليصطاد على لحمه النسور والعقبان ونحو ذلك ، وسواء في هذا الحمار الزمن والبغل المكسر وغيرهما ، وممن نص على المسألة القاضي حسين ذكرها في تعليقه في باب بيع الكلاب قبيل كتاب السلم ، قال : وقال أبو حنيفة : يجوز ذبحه لجلده ، وحكى غيره عن مالك روايتين أصحهما عنه جوازه والثانية تحريمه ، وهما مبنيتان على تحريم لحمه عنده . فرع : اتخذ حوضا من جلد نجس ووضع فيه قلتين أو أكثر من الماء فالماء طاهر والإناء نجس ، وفي كيفية استعماله كلام سبق في موضعه ، وإن كان دون قلتين فنجس ونظيره لو ولغ كلب في إناء فيه ماء فإن كان قلتين فهو ماء طاهر في إناء نجس ، وإلا فهما نجسان . قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : ولا نظير لهاتين المسألتين والله أعلم .

Section V01/P305–V01/P308

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره استعمال أواني الذهب والفضة لما روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة هل يكره كراهة تنزيه أو تحريم قولان قال في القديم : كراهة تنزيه لأنه إنما نهى عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالأعاجم ، وهذا لا يوجب التحريم ، وقال في الجديد : يكره كراهة تحريم وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم فتوعد عليه بالنار فدل على أنه محرم ، وإن توضأ منه صح الوضوء لأن المنع لا يختص بالطهارة فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة ولأن الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء وليس في ذلك معصية وإنما المعصية في استعمال الظرف دون ما فيه ، فإن أكل أو شرب منه لم يكن المأكول والمشروب حراما لأن المنع لأجل الظرف دون ما فيه . وأما اتخاذها ففيه وجهان أحدهما : يجوز لأن الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ . والثاني : لا ، وهو الأصح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالطنبور والبربط ، وأما أواني البلور والفيروزج وما أشبههما من الأجناس المثمنة ففيه قولان ، روى حرملة أنه لا يجوز لأنه أعظم في السرف من الذهب والفضة ، فهو بالتحريم أولى ، وروى المزني أنه يجوز وهو الأصح لأن السرف غير ظاهر لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس . + الشرح : قد جمع هذا الفصل جملا من الحديث في اللغة والأحكام ويحصل بيانها بمسائل إحداها : حديث حذيفة في الصحيحين لكن لفظه فيهما : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة إلخ فذكر فيه الذهب والفضة ، ووقع في أكثر نسخ المهذب الفضة فقط ، وفي بعضها الذهب والفضة ، أما الصحاف فجمع صحفه كقصعة وقصاع والصحفة دون القصعة ، قال الكسائي : القصعة ما تسع ما يشبع عشرة والصحفة ما يشبع خمسة . وأما راويه فهو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان ، واليمان لقب واسمه حسيل بضم الحاء وفتح السين المهملتين وآخره لام ويقال حسل بكسر الحاء وإسكان السين ، واليمان صحابي شهد هو وابنه حذيفة أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المسلمون يومئذ اليمان رضي الله عنه خطأ ، وكان حذيفة من فضلاء الصحابة والخصيصين برسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد وفاة عثمان بأربعين ليلة . وأما قوله : الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر فهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية أم سلمة رضي الله عنها ولفظه فيهما : الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وفي رواية لمسلم : أن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب وفي رواية له : من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم . وقوله صلى الله عليه وسلم يجرجر بكسر الجيم الثانية بلا خلاف ونارا بالنصب على المشهور الذي جزم به المحققون وروي بالرفع على أن النار فاعلة والصحيح الأول ، وهو الذي اختاره الزجاج والخطابي والأكثرون ، ولم يذكر الأزهري وآخرون غيره ، ويؤيده رواية مسلم : نارا من جهنم ، ورويناه في مسند أبي عوانة وفي الجعديات من رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في الفضة إنما يجرجر في جوفه نارا كذا هو في الأصول نارا بالألف من غير ذكر جهنم .

Section V01/P308–V01/P309

وأما معناه فعلى رواية النصب الفاعل هو الشارب مضمر في يجرجر ، أي يلقيها في بطنه بجرع متتابع يسمع له صوت لتردده في حلقه ، وعلى رواية الرفع تكون النار فاعلة ، معناه أن النار تصوف في جوفه ، وسمى المشروب نارا لأنه يؤول إليها كما قال الله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء : 01 وأما جهنم عافانا الله منها ومن كل بلاء وسائر المسلمين فقال الواحدي : قال يونس وأكثر النحويين : هي عجمية لا تنصرف للتعريف والعجمة ، وقال آخرون : وهي عربية لا تنصرف للتأنيث والتعريف ، وسميت بذلك لبعد قعرها يقال : بئر جهنام إذا كانت عميقة القعر ، وقال بعض اللغويين : مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت به لغلظ أمرها في العذاب . المسألة الثانية : في لغات الفصل : سبق منها ما يتعلق بالحديثين ، وأما السرف فقال أهل اللغة : هو مجاوزة الحد قال الأزهري : هو مجاوزة القدر المحدود لمثله ، وأما الخيلاء فبضم الخاء والمد من الاختيال ، قال الواحدي : الاختيال مأخوذ من التخيل وهو التشبه بالشيء فالمختال يتخيل في صوره من هو أعظم منه تكبرا . وقوله : والتشبه بالأعاجم يعني بهم الفرس من المجوس وغيرهم وكان هذا غالبا في الأكاسرة ، وأما الطنبور فبضم الطاء والباء والبربط بفتح البائين الموحدتين وهو العود والأوتار ، وهو فارسي ومعناه بالفارسية صدر البط وعنقه لأن صورته تشبه ذلك . قال الإمام أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي في كتابه المعرب هو معرب وتكلمت به العرب قديما وهو من ملاهي العجم ، قال الجواليقي : والطنبور معرب وقد استعمل في لفظ العرب قال : والطنبار لغة فيه ، وأما الفيروزج فبفتح الفاء وضم الراء وفتح الزاي والبلور بكسر الباء وفتح اللام هذا هو المشهور ، ويقال : بفتح الباء وضم اللام وممن حكى عنه هذا الثاني أبو القاسم الحريري وهاتان اللفظتان أيضا عجميتان والله أعلم . المسألة الثالثة : في أحكام الفصل : فاستعمال الإناء من ذهب أو فضة حرام على المذهب الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور وحكى المصنف وآخرون من العراقيين والقاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي قولا قديما أنه يكره كراهة تنزيه ولا يحرم ، وأنكر أكثر الخراسانيين هذا القول وتأوله بعضهم على أنه أراد أن المشروب في نفسه ليس حراما ، وذكر صاحب التقريب : أن سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد أن عين الذهب والفضة الذي اتخذ منه الإناء ليست محرمة ، ولهذا لم يحرم الحلي على المرأة ، ومن أثبت القديم فهو معترف بضعفه في النقل والدليل . ويكفي في ضعفه منابذته للأحاديث الصحيحة كحديث أم سلمة وأشباهه ، وقولهم في تعليله : إنما نهى عنه للسرف والخيلاء ، وهذا لا يوجب التحريم . ليس بصحيح بل هو موجب للتحريم ، وكم من دليل على تحريم الخيلاء ، قال القاضي أبو الطيب : هذا الذي ذكروه للقديم موجب للتحريم كما أوجب تحريم الحرير والمعنى فيهما واحد . واعلم أن هذا القديم لا تفريع عليه وما ذكره الأصحاب ونذكره تفريع على الجديد وحكى أصحابنا عن داود أنه قال : إنما يحرم الشرب دون الأكل والطهارة وغيرهما وهذا الذي قاله غلط فاحش ففي حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب كما سبق ، وهذان نصان في تحريم الأكل وإجماع من قبل داود حجة عليه ، قال أصحابنا : أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة إلا ما حكي عن داود وإلا قول الشافعي في القديم ، ولأنه إذا حرم الشرب فالأكل أولى لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف .

Section V01/P309–V01/P311

وأما قوله صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة ولم يذكر الأكل فجوابه من أوجه أحدها : أنه مذكور في رواية مسلم كما سبق الثاني : أن الأكل مذكور في رواية حذيفة وليس في هذا الحديث معارضة له والثالث : أن النهي عن الشرب تنبيه على الاستعمال في كل شيء لأنه في معناه كما قال الله تعالى : لا تأكلوا الربا وجميع أنواع الاستيلاء في معنى الأكل بالإجماع وإنما نبه به لكونه الغالب والله أعلم . الرابعة : قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : يستوي في تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الرجال والنساء وهذا لا خلاف فيه لعموم الحديث وشمول المعنى الذي حرم بسببه ، وإنما فرق بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد فيهن من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم . الخامسة : قال أصحابنا : يستوي في التحريم جميع أنواع الاستعمال من الأكل والشرب والوضوء والغسل والبول في الإناء ، والأكل بمعلقة الفضة والتجمر بمجمرة فضة إذا احتوى عليها قالوا : ولا بأس إذا لم يحتو عليها وجاءته الرائحة من بعيد وينبغي أن يكون بعدها بحيث لا ينسب إليه أنه متطيب بها ، وتحرم المكحلة ، وظرف الغالية وإن صغر على الصحيح الذي قطع به الجمهور ، وحكى إمام الحرمين عن والده أبي محمد ترددا في جواز ذلك إذا كان من فضة . قال الإمام : والوجه القطع بتحريمه ، وأطلق الغزالي خلافا في استعمال الإناء الصغير كالمكحلة ولم يخصه بالفضة وكلامه محمول على ما ذكره شيخه وهو التخصيص بالفضة ، ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الذهب والفضة على المذهب الصحيح المشهور ، وحكى إمام الحرمين أن شيخه حكى فيه وجهين ، قال الإمام : والوجه القطع بالتحريم للسرف ، واتفقوا على تحريم استعمال ماء الورد من قارورة الفضة . قال القاضي حسين في تعليقه : والحيلة في استعماله منها أن يصبه في يده اليسرى ثم يصبه من اليسرى في اليمنى ويستعمله فلا يحرم ، وكذا قال البغوي في فتاويه : لو توضأ من إناء فضة فصب الماء على يده ثم صبه منها على محل الطهارة جاز . قال : وكذا لو صب الماء في يده ثم شربه منها جاز فلو صب الماء على العضو الذي يريد غسله فهو حرام ، لأنه استعمال ، وذكر صاحب الحاوي نحو هذا فقال : من أراد التوقي عن المعصية في الأكل من إناء الذهب والفضة فليخرج الطعام إلى محل آخر ثم يأكل من ذلك المحل فلا يعصي ، قال : وفعل مثل هذا الحسن البصري ، وحكى القاضي حسين مثله عن شيخه القفال المروزي ودليله ظاهر ، لأن فعله ترك للمعصية فلا يكون حراما كمن توسط أرضا مغصوبة فإنه يؤمر بالخروج بنية التوبة ، ويكون في خروجه مطيعا لا عاصيا والله أعلم . السادسة : لو توضأ أو اغتسل من إناء الذهب صح وضوؤه وغسله بلا خلاف نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ودليله ما ذكره المصنف ، وقوله : كالصلاة في الدار المغصوبة ، هكذا عادة أصحابنا يقيسون ما كان من هذا القبيل على الصلاة في الدار المغصوبة ، وسبب ذلك أنهم نقلوا الإجماع على صحة الصلاة في الدار المغصوبة قبل مخالفة أحمد رحمه الله ، ومثل هذا لو توضأ أو تيمم بماء أو بتراب مغصوب أو ذبح بكسين مغصوب أو أقام الإمام الحد بسوط مغصوب صح الوضوء والتيمم والذبح والحد ويأثم والله أعلم . وأما قول المصنف : ولأن الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء ففيه تصريح منه بما اتفق عليه الأصحاب من أنه لا يصح الوضوء حتى يجري الماء على العضو ، وأنه لا يكفي إمساسه والبلل وستأتي المسألة مبسوطة في باب صفة الوضوء إن شاء الله تعالى ، وبهذا الذي ذكرناه من صحة الوضوء من إناء الذهب والفضة قال مالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء وقال داود : لا يصح .

Section V01/P311–V01/P313

السابعة : إذا أكل أو شرب من إناء الفضة أو الذهب عصى بالفعل ولا يكون المأكول والمشروب حراما نص عليه الشافعي في الأم واتفق الأصحاب عليه ودليله ما ذكره المصنف والله أعلم . الثامنة : هل يجوز اتخاذ الإناء من ذهب أو فضة وادخاره من غير استعمال فيه خلاف حكاه المصنف هنا في التنبيه والماوردي والقاضي أبو الطيب والأكثرون وجهين وحكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والبندنيجي وصاحب العدة والشيخ نصر المقدسي قولين وذكر صاحبا الشامل والبحر وصاحب البيان أن أصحابنا اختلفوا في حكايته فبعضهم حكاه قولين وبعضهم وجهين واتفقوا على أن الصحيح تحريم الاتخاذ وقطع به بعضهم وهو مذهب مالك وجمهور العلماء لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالطنبور . ولأن اتخاذه يؤدي إلى استعماله فحرم كإمساك الخمر . قالوا : لأن المنع من الاستعمال لما فيه من السرف والخيلاء وذلك موجود في الاتخاذ ، وبهذا يحصل الجواب عن قول القائل الآخر : إن الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ فيقال : عقلنا العلة في تحريم الاستعمال وهي السرف والخيلاء وهي موجودة في الاتخاذ والله أعلم . قال أصحابنا : ولو صنع الإناء صانع أو كسره كاسر فإن قلنا : يجوز اتخاذه وجب للصانع الأجرة وعلى الكاسر الأرش وإلا فلا . التاسعة : هل يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروزج والعقيق والزمرد وهو بالزاي المعجمة وفتح الراء وضمها والزبرجد وهو بالدال المهملة والبلور وأشباهها فيه قولان : أصحهما باتفاق الأصحاب الجواز وهو نصه في الأم ومختصر المزني وبه قال مالك ، ودليل القولين مذكور في الكتاب ، وإذا قلنا بالأصح : أنه لا يحرم فهو مكروه ولو اتخذ إناء من هذه الجواهر النفيسة ولم يستعمله قال المحاملي : إن قلنا يجوز استعماله فالاتخاذ أولى وإلا فكاتخاذ إناء ذهب أو فضة في جميع الأحكام . قال أصحابنا : وما كانت نفاسته بسبب الصنعة لا لجوهره كالزجاج المخروط وغيره لا يحرم بلا خلاف هكذا صرحوا في جميع الطرق بأنه لا خلاف فيه وأشار صاحب البيان إلى وجه في تحريمه وهو غلط والصواب من حيث المذهب والدليل الجزم بإباحته ، ونقل صاحب الشامل الإجماع على ذلك ، قال أصحابنا : وكذا لو اتخذ لخاتمه فصا من جوهرة مثمنة فهو مباح بلا خلاف ، قال أصحابنا : وكذا لا يكره لبس الكتان النفيس والصوف ونحوه قال صاحبا الحاوي والبحر : الإناء المتخذ من طيب رفيع كالكافور المرتفع والمصاعد والمعجون من مسك وعنبر يخرج فيه وجهان أحدهما : يحرم استعماله لحصول السرف والثاني : لا ، لعدم معرفة أكثر الناس له قالا : وأما غير المرتفع كالصندل والمسك فاستعماله جائز قطعا . فرع : قد ذكر المصنف أن البلور كالياقوت وأن في جواز استعماله القولين وقد علق في ذهن كثير من المبتدئين وشبههم أن المصنف خالف الأصحاب في هذا ، وأنهم قطعوا بجواز استعمال إناء البلور لأنه كالزجاج ، وهذا الذي علق بأذهانهم وهم فاسد ، بل صرح الجمهور بجريان القولين في البلور ، وممن صرح بذلك شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد في تعليقه وأبو علي البندنيجي والمحاملي في المجموع والتجريد والقاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وأبو العباس الجرجاني في كتابيه التحرير والبلغة والشيخ نصر المقدسي وصاحب البيان وآخرون من العراقيين والقاضي حسين وصاحب الإنابة والغزالي في الوجيز وصاحب التتمة والتهذيب والروياني في كتابيه البحر والحلية وصاحب العدة وآخرون من الخراسانيين ، وإنما خالفهم صاحب الحاوي فقطع بجوازه وقال إمام الحرمين : ألحق شيخي البلور بالزجاج وألحقه الصيدلاني والعراقيون بالجواهر النفيسة فيكون على القولين . فحصل أن الجمهور من أصحابنا في الطريقتين على طرد القولين في البلور ولم يخالف فيه إلا صاحب الحاوي والشيخ أبو محمد والله أعلم .

Section V01/P313

فرع : إذا باع إناء ذهب أو فضة قال القاضي أبو الطيب : البيع صحيح لأن المقصود عين يصح بيعها هكذا أطلق القاضي هنا ونقل أبو علي البندنيجي في جامعه هنا اتفاق الأصحاب عليه ، وينبغي أن يبني على الاتخاذ فإن جووزناه صح البيع ، وإن حرمناه كان حكمه حكم ما إذا باع جارية مغنية تساوي ألفا بلا غناء ، وألفين بسبب الغناء وذكرها إمام الحرمين في أواخر كتاب الصداق في فروع تتعلق به . قال : قال الشيخ أبو علي : إن باعها بألف صح ، وإن باعها بألفين فثلاثة أوجه أحدها : لا يصح البيع قاله أبو بكر المحمودي ، لئلا يصير الغناء مقابلا بمال والثاني : إن قصد المشتري بالمغالاة في ثمنها غناءها لم يصح البيع ، وإن لم يقصده صح ، قاله الشيخ أبو زيد والثالث : يصح بكل حال ولا يختلف الحكم بالمقصود والأغراض قاله أبو بكر الأودني ، قال الإمام : وهذا هو القياس السديد والله أعلم . فرع : إذا خلل رجل أو امرأة أسنانه أو شعره بخلال فضة أو اكتحلا بميل فضة فهو حرام كما سبق في المكحلة .

Section V01/P313–V01/P316

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما المضبب بالذهب فإنه يحرم قليله وكثيره لقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير : إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها فإن اضطر إليه جاز لما روي أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب . + الشرح : أما الحديث الأول فحديث صحيح رواه الترمذي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإسناد حسن ، وليس في رواية أبي داود والنسائي حل لإناثها ووقع في رواية لغيرهما ، ورواه البيهقي وغيره من رواية عقبة بن عامر بلفظه في المهذب والله أعلم . وأما حديث عرفجة فحديث حسن أيضا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد جيد قال الترمذي وغيره : هو حديث حسن ، وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة تمريض في حديث حسن وقد تقدم ذكرنا التنبيه على هذا في مقدمة الكتاب وبعدها ، وراوي حديث عرفجة هذا هو عرفجة رضي الله عنه . وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن هذين حرام أي حرام استعمالهما في التحلي ونحو ، والحل بكسر الحاء هو الحلال ، قوله : يوم الكلاب هو بضم الكاف وتخفيف اللام وهو يوم معروف من أيام الجاهلية كانت لهم فيه وقعة مشهورة ، والكلاب اسم لماء من مياه العرب كانت عنده الوقعة فسمى ذلك اليوم يوم الكلاب ، وقيل : عنده وقعتان مشهورتان يقال فيهما : الكلاب الأول والكلاب الثاني ، وقوله : من ورق هو بكسر الراء وهو الفضة وهذا لا خلاف فيه ممن صرح به ابن قتيبة ثم الخطابي وخلائق لا يحصون كلهم مصرحون بأنه ورق بكسر الراء ويوضحه أنه في رواية النسائي : اتخذ أنفا من فضة وكذا رواه الشافعي في الأم في باب ما يوصل بالرجل والمرأة من أبواب الطهارة ، وكذا رواه المصنف في المهذب في باب ما يكره لبسه . واعلم أن كل ما كان على فعل مفتوح الأول مكسور الثاني جاز إسكان ثانيه مع فتح أوله وكسره فيصير فيه ثلاثة أوجه كورق وورق وورق وكتف وكتف وكتف وورك وورك وأشباهه ، فإن كان الحرف الثاني أو الثالث حرف حلق جاز فيه أربعة أوجه الثلاثة المذكورة ، والرابع بكسر أوله وثانيه كفخذ وفخذ وفخذ . وحروف الحلق العين والغين والحاء والخاء والهاء والهمزة . وهذا إنما أذكره وإن كان ظاهرا لكثرة تكرره في هذا الكتاب وغيره فقد يتكلم به إنسان على بعض الأوجه الجائزة فيغلطه فيه من لا يعرف هذه القاعدة وقد رأيت ذلك وبالله التوفيق . وأما عرفجة الراوي فهو بفتح العين المهملة وأسعد بفتح الهمزة والعين وهو عرفجة بن أسعد بن كرب بن صفوان التميمي والعطاردي رضي الله عنه . أما أحكام المسألة : فاعلم أن المضبب هو ما أصابه شق ونحوه فيوضع عليه صفيحة تضمه وتحفظه وتوسع الفقهاء في إطلاق الضبة على ما كان للزينة بلا شق ونحوه ، ثم المضبب بالذهب فيه طريقان الصحيح منهما القطع بتحريمه سواء كثرت الضبطة أو قلت لحاجة أو زينة ، وبهذا قطع المصنف وصاحب الحاوي والجرجاني في كتابيه . والشيخ نصر في كتابه الكافي والعبدري في الكفاية وغيرهم من العراقيين ، ونقله البغوي عن العراقيين . والطريق الثاني وقاله الخراسانيون أنه كالمضبب بالفضة على الخلاف والتفصيل المذكور فيه ، ونقله الرافعي عن معظم الأصحاب لأنه لما استويا في الإناء فكذا في الضبة ، والمختار الطريق الأول للحديث فإنه يقتضي تحريم الذهب مطلقا ، وأما ضبة الفضة فإنما إبيحت لحديث قبيعة السيف وضبة القدح وغير ذلك ، ولأن باب الفضة أوسع فإنه يباح منه الخاتم وغيره والله أعلم .

Section V01/P316

وأما قول المصنف : إن اضطر إلى الذهب جاز استعماله فمتفق عليه وقال أصحابنا : فيباح له الأنف والسن من الذهب ومن الفضة ، كذا شد السن العليلة بذهب وفضة جائز ويباح أيضا الأنملة منهما ، وفي جواز الأصبع واليد منهما وجهان حكاهما المتولي أحدهما : يجوز كالأنملة وبه قطع القاضي حسين في تعليقه ، وأشهرهما لا يجوز وبه قطع الفوراني والروياني وصاحبا العدة والبيان لأن الأصبع واليد منهما لا تعمل عمل الأصلية بخلاف الأنملة ، والله أعلم .

Section V01/P316–V01/P319

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما المضبب بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال : إن كان قليلا للحاجة لم يكره لما روى أنس رضي الله عنه : أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة وإن كان للزينة كره لأنه غير محتاج إليه ولا يحرم لما روى أنس قال : كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق الفضة وإن كان كثيرا للحاجة كره لكثرته ولم يحرم للحاجة ، وإن كان كثيرا للزينة حرم لقول ابن عمر : لا يتوضأ ولا يشرب من قدح فيه حلقة من فضة أو ضبة من فضة ، وعن عائشة رضي الله عنها : أنها نهت أن تضبب الأقداح بالفضة ومن أصحابنا من قال : يحرم في موضع الشرب لأنه يقع الاستعمال به ولا يحرم فيما سواه لأنه لا يقع به الاستعمال ، ومنهم من قال : يكره ولا يحرم لحديث أنس في سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم + الشرح : قد جمعت هذه القطعة جملا من الأحاديث واللغات والأحكام يحصل بيانها بمسألتين إحداهما حديث القدح صحيح رواه البخاري إلا أنه وقع في المهذب فاتخذ مكان الشفة هو تصحيف ، والصواب ما في صحيح البخاري وغيره فاتخذ مكان الشعب بفتح الشين المعجمة وإسكان العين وبعدها باء موحدة والمراد بالشعب الشق والصدع ، وقوله : انكسر معناه انشق كما جاء في رواية انصدع والمراد أنه شد الشق بخيط فضة فصارت صورته صورة سلسلة وفي رواية للبخاري فسلسله بفضة . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : وقوله : فاتخذ ، ويوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المتخذ وليس كذلك بل أنس هو المتخذ ففي رواية قال أنس : فجعلت مكان الشعب سلسلة . وهذا الذي قاله أبو عمرو قد أشار إليه البيهقي وغيره ، وفي رواية للبخاري عن عاصم الأحول قال : رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك فكان قد انصدع فسلسله بفضة ، وقد أوضحت ذلك مع طرق الحديث في جامع السنة والله أعلم . وأما الحديث الآخر فحسن روى أبو داود والترمذي منه : كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة قال الترمذي : هو حديث حسن وروى محمد بن سعد كاتب الواقدي في الطبقات القدر المذكور في المهذب كله بالطريق الذي رواه منه أبو داود والترمذي فجميع الحديث على شرط أبي داود والترمذي فهو حديث حسن . والقبيعة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وهي التي تكون على رأس قائم السيف وطرف مقبضه ، والحلق بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان واللام فيهما مفتوحة جمع حلقة بإسكان اللام ، وحكى الجوهري فتحها أيضا في لغة رديئة ، والمشهور إسكانها ، ونعل السيف ما يكون في أسفل غمده من حديد أو فضة ونحوهما . وأما الأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما فصحيح رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح لكن لفظه : كان ابن عمر لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة وأما الأثر عن عائشة رضي الله عنها فحسن رواه الطبراني والبيهقي بمعناه والله أعلم . وأما أنس فهو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني ثم البصري خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، وتوفي بالبصرة ودفن بها سنة ثلاث وتسعين وهو ابن مائة وثلاث سنين ، وكان أكثر الصحابة لو أولادا لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بكثرة المال والولد والبركة ، وهو من أكثر الصحابة رواية .

Section V01/P319–V01/P320

وأما ابن عمر فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ، أسلم مع أبيه بمكة قديما شهد الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة وما بعده من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن ثلاث وثمانين وقيل : أربع ، ومناقب ابن عمر وأنس مشهورة ذكرت جملا منها في تهذيب الأسماء وبالله التوفيق . والمسألة الثانية في الاحكام : قال الشافعي رحمه الله في المختصر : وأكره المضبب بالفضة لئلا يكون شاربا على فضة . وللأصحاب في المسألة أربعة أوجه حكى المصنف ثلاثة بدلائلها أحدها : إن كان قليلا للحاجة لم يكره ، وإن كان للزينة كره ، وإن كان كثيرا للزينة حرم ، وإن كان للحاجة كره والوجه الثاني : إن كان في موضع الاستعمال كموضع فم الشارب حرم وإلا فلا والثالث : يكره ولا يحرم بحال والرابع حكاه الشيخ أبو محمد الجويني يحرم بكل حال لما ذكرناه عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ، وأصح هذه الأوجه الأول وهو الأشهر عند العراقيين وقطع به كثيرون منهم أو أكثرهم وصححه الباقون منهم ، ممن قطع به الشيخ أبو حامد والمحاملي والماوردي والشيخ نصر المقدسي ونقله القاضي أبو الطيب عن الداركي ومتأخري الأصحاب ، قال : وحملوا نص الشافعي عليه . والوجه الثاني : هو قول أبي إسحاق المروزي حكاه عنه القاضي أبو الطيب . والقائل لا يحرم بحال هو أبو علي الطبري وغيره ، وكذا قاله القاضي أبو الطيب ، وعلى هذا الوجه الأول وهو الصحيح المختار ذكرنا أن القليل للزينة يكره ، وحكى الخراسانيون وجها على هذا أنه يحرم ، وحكى الماوردي وجها أنه لا يكره . فرع : في بيان الحاجة والقلة في قولهم إن كان قليلا للحاجة ، أما الحاجة فقال الأصحاب : المراد بها غرض بتعلق بالتضبيب سوى الزينة كإصلاح موضع الكسر ونحوه ولا يتحاوز به موضع الكسر إلا بقدر ما يستمسك به ، قال أصحابنا : ولا يشترط العجز عن التضبيب بنحاس وحديد وغيرهما ، هكذا صرح به ابن الصباغ والمتولي والغزالي والروياني وصاحب البيان وغيرهم وذكر إمام الحرمين احتمالين لنفسه أحدهما هذا ، والثاني : معناها أن يعدم ما يضبب به غير الذهب والفضة وأما ضبط القليل والكثير ففيه ثلاثة أوجه أحدها : وهو المشهور في طريقتي العراق وخراسان أن الكثير هو الذي يستوعب جزءا من أجزاء الإناء بكماله كأعلاه أو أسفله أو شفته أو عروته أو شبه ذلك ، والقليل ما دونه وبهذا قطع الفوراني والمتولي والبغوي وصاحبا العدة والبيان وغيرهم . واستدل له الإمام أبو الحسن الكيا الهراسي صاحب إمام الحرمين في كتابه زوايا المسائل بأنه إذا استوعبت الفضة جزءا كاملا خرج عن أن يكون تابعا للإناء وخرج الإناء عن أن يكون إناء نحاس أو حديد مثلا ، بل يقال : إناء مركب من نحاس وفضة لكون جزء من أجزائه المقصودة بكماله فضة بخلاف ما إذا لم يستوعب جزءا بكماله فإنه يقع مغمورا تابعا ، ولا يعد الإناء بسببه مركبا من فضة ونحاس ، وهذا استدلال حسن . والوجه الثاني : أن الرجوع في القلة والكثرة إلى العرف قاله الروياني وحكاه الرافعي وأشار إلى اختياره واستحسانه ، ودليله أن ما أطلق ولم يحد رجع في ضبطه إلى العرف كالقبض في البيع والحرز في السرقة وإحياء الموات ونظائرها . والثالث : وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما أن الكثير ما يلمع للناظر عن بعد ، والقليل ما لا يلمع ومرادهم ما لا يخرج عن الاعتدال والعادة في رقته وغلظه ، وأنكر إمام الحرمين والوجه الأول وضعفه ثم اختار هذا الثالث ، وهذا الذي اختاره فيه ضعف المختار الرجوع إلى العرف ، والوجه المشهور حسن متجه أيضا ، ومتى شككنا في الكثرة فالأصل الإباحة والله أعلم .

Section V01/P320–V01/P322

فرع : إذا ضبب الإناء تضبيبا جائزا فله استعماله مع وجود غيره من الآنية التي لا فضة فيها ، وهذا لا خلاف فيه ، صرح به إمام الحرمين وغيره . فروع تتعلق بالفصلين السابقين في الأواني أحدها : قال أصحابنا : لو شرب بكفيه وفي إصبعه خاتم فضة لم يكره وكذا لو صب الدراهم في إناء وشرب منه أو كان في فمه دنانير ودراهم فشرب لم يكره ولم أثبت الدراهم في الإناء بمسامير للزينة قال المتولي والروياني وصاحب العدة : هو كالضبة للزينة وقطع القاضي حسين بجوازه . الثاني : لو اتخذ إناء من ذهب أو فضة وطلاه بنحاس داخله وخارجه فوجهان مشهوران في تعليق القاضي حسين والتتمة والتهذيب والعدة والبيان وغيرهما أصحهما لا يحرم قالوا : وهما مبنيان على أن الذهب والفضة حرام لعينهما أم للخيلاء إن قلنا لعينهما حرم وإلا فلا ، وقال إمام الحرمين : إن غشي ظاهره ففيه الوجهان وإن غشي ظاهره وداخله فالذي أراه القطع بجواز استعماله لأنه إناء نحاس أدرج فيه ذهب مستتر ، وبهذا الذي قاله الإمام جزم الغزالي في البسيط وقال : لا خلاف فيه ولو اتخذ إناء من نحاس وموهه بذهب أو فضة قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي وغيرهم : إن كان يتجمع منه شيء بالنار حرم استعماله وإلا فوجهان بناء على المعنيين ، والأصح لا يحرم قاله في الوسيط والوجيز وأطلق القاضي حسين والبغوي والمتولي وصاحبا العدة والبيان الوجهين ولم يفرقوا بين المستهلك وما يتجمع منه شيء . والصواب حمل كلامهم على المستهلك كما صرح به إمام الحرمين وتابعوه ، وقد جزم الماوردي والجرجاني بأنه إذا غشي جميعه بالفضة حرم استعماله والله أعلم . الثالث : لو كان له قدح عليه سلسلة فضة قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وصاحب العدة بجوازه ، وزاد المتولي والبغوي فقالا : لو اتخذ لإنائه حلقة أو سلسلة فضة أو رأسا جاز لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله ، هذا كلام هؤلاء الأئمة وينبغي أن يجفل كالتضبيب ويجيء فيه التفصيل والخلاف . الرابع : إذا قلنا بطريقة الخراسانيين : إن المضبب بذهب كالمضبب بفضة فهل يسوى بينهما في التفصيل في الصغر والكبر على ما سبق ، قال الرافعي : لم يتعرض الأكثرون لذلك وعن الشيخ أبي محمد أنه ينبغي أن لا يسوى لأن الخيلاء في قليل الذهب كالخيلاء في كثير الفضة ، وأقرب ضابط له أن تعتبر قيمة ضبة الذهب إذا قومت بفضة ، قال الرافعي وقياس الباب أن لا فرق ، وهذا الذي قاله الرافعي هو الصحيح لأن مأخذ المسألة أن بعض الإناء كالإناء أم لا والله أعلم . الخامس : لو اضطر إلى استعمال إناء ولم يجد إلا ذهبا أو فضة جاز استعماله حال الضرورة ، وصرح به إمام الحرمين والغزالي وجماعات والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في المضبب بالفضة قد ذكرنا نفصيل مذهبنا فيه ونقل القاضي عياض أن جمهور العلماء من السلف والخلف على كراهة الضبة والحلقة من الفضة ، قال : وجوزهما أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق إذا لم يكن فمه على الفضة في الشرب ، هذا كلام القاضي والمعروف عن أحمد كراهة المضبب .

Section V01/P322–V01/P324

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره استعمال أواني المشركين وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال : لا تأكلوا في آنيتهم إلا إن لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها ولأنهم لا يجتنبون النجاسة فكره لذلك فإن توضأ من أوانيهم نظرت فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة . وتوضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصراني . ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة . وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان أحدهما : أنه يصح الوضوء لأن الأصل في أوانيهم الطهارة الثاني : لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة . + الشرح : حديث أبي ثعلبة رواه البخاري ومسلم ولفظه فيهما : قلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم فقال : إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وفي رواية للبخاري : فلا تأكلوا في آنيتهم إلا أن لا تجدوا بدا فإن لم تجدوا بدا فاغسلوها وكلوا وفي رواية أبي داود : إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا ، وإن لم تجدوا غيرها فارخصوها بالماء وكلوا واشربوا . هذا لفظ الحديث في كتب الحديث ، ووقع في المهذب لا تأكل خطابا للواحد وله وجه ولكن المعروف لا تأكلوا ، قال أهل اللغة : يقال : لا بد من كذا أي لا فراق منه ولا انفكاك عنه أي هو لازم ، وأبو ثعلبة الراوي وهو الخشني بخاء مضمومة ثم شين مفتوحة معجمتين ثم نون منسوب إلى خشين بطن من قضاعة واسمه جرهم بضم الجيم والهاء ، قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون . وقيل : جرثوم بضم الجيم والمثلثة وقيل غير ذلك ، واسم أبيه ناشم بالنون والشين المعجمة وقيل غير ذلك . وكان أبو ثعلبة ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ثم نزل الشام وتوفي أيام معاوية وقيل : أيام عبد الملك سنة خمس وسبعين . وأما قوله : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة فهو بعض من حديث طويل رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية عمران بن حصين رضي الله عنهما أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فعطشوا فأرسل من يطلب الماء فجاؤوا بامرأة مشركة على بعير بين مزادتين من ماء فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فأفرغ فيه منهما ثم قال فيه ما شاء الله ثم أعاده في المزادتين ونودي في الناس : اسقوا واستقوا فشربوا حتى رووا ولم يدعوا إناء ولا سقاء إلا ملؤوه وأعطي رجلا أصابته جنابة إناء من ذلك الماء وقال : أفرغه عليك ثم أمسك عن المزادتين وكأنهما أشد امتلاء مما كانتا ، ثم أسلمت المرأة بعد ذلك وهي قومها . هذا معنى الحديث مختصرا وفيه المعجزة الظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ منه صريحا ، لكن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم توضأ منه لأن الماء كان كثيرا وإن لم يكن توضأ فقد أعطى الجنب ما يغتسل به ، وبهذا يحصل المقصود وهو طهارة إناء المشرك ، والمزادة هي التي تسميها الناس الراوية ، وإنما الراوية في الأصل البعير الذي يسقى عليه .

Section V01/P324–V01/P326

وأما قوله : توضأ عمر من جر نصراني ، فصحيح رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح وذكره البخاري في صحيحه بمعناه تعليقا فقال : وتوضأ عمر بالحميم من بيت نصرانية والحميم الماء الحار ، لكن وقع في المهذب نصراني بالتذكير ، قال الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي رواه خلاد بن أسلم عن سفيان بن عيينة بإسناده كذلك قال : والمحفوظ ما رواه الشافعي عن ابن عيينة بإسناده نصرانية بالتأنيث . قوله : من جر كذا هو في المهذب وغيره جر ورواه الشافعي في الأم جرة نصرانية بالهاء في آخرهما وهو الصحيح واختلف الأئمة في معنى الذي في المهذب فالمشهور الذي قاله الأكثرون أنه جمع جرة وهي الإناء المعروف من الخزف ، وقولنا جمع جرة هو على اصطلاح أهل اللغة وأما أهل التصريف والنحو فيقولون فيه وفي أشباهه هو اسم جنس ولا يسمونه جمعا ، وذكر ابن فارس في كتابه حلية العلماء أن الجر هنا سلاخة عرقوب البعير يجعل وعاء للماء ، وذكر هو في المجمل نحوه والله أعلم . أما حكم المسألة : فيكره استعمال أواني الكفار وثيابهم سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم والمتدين باستعمال النجاسة وغيره ، ودليله ما ذكره المصنف من الحديث والمعنى ، قال الشافعي رحمه الله : وأنا لسراويلاتهم وما يلي أسافلهم أشد كراهة ، قال أصحابنا وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة فإن تيقن طهارة أوانيهم أو ثيابهم قال أصحابنا : فلا كراهة حينئذ في استعمالها كثياب المسلم . ممن صرح بهذا المحاملي في المجموع والبندنيجي والجرجاني في البلغة والبغوي وصاحبا العدة والبيان وغيرهم ولا نعلم فيه خلافا . ومراد المصنف بقوله يكره استعمالها إذا لم يتيقن طهارتها وتعليله يدل عليه ، فإن قيل : فحديث أبي ثعلبة يقتضي كراهة استعمالها إذا وجد عنها بدا وإن تيقن طهارتها . فالجواب أن المراد النهي عن الأكل في أوانيهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر كما سبق بيانه في رواية أبي داود ، وإنما نهى عن الأكل للاستقذار كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة ، وإذا تطهر من إناء كافر ولم يعلم طهارته ولا نجاسته فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمال النجاسة صحت طهارته بلا خلاف وإن كان من قوم يتدينون باستعمال النجاسة فوجهان الصحيح منهما باتفاق الأصحاب في الطريقتين أنه تصح طهارته وهو نصه في الأم وحرملة والقديم وبه قال ابن أبي هريرة . والوجه الثاني : لا تصح طهارته وهو قول أبي إسحاق وصححه المتولي وهو مخرج من القولين في الصلاة في المقبرة المنبوشة كذا قاله الشيخ أبو حامد وقال القاضي أبو الطيب : هو مخرج من مسألة بول الصبية وهذا أجود ، قال أصحابنا المتدينون باستعمال النجاسة وهم الذين يعتقدون ذلك دنيا وفضيلة وهم طائفة من المجوس يرون استعمال أبوال البقر وأحشائها قربة وطاعة قال الماوردي وممن يرى ذلك البراهمة ، وأما الذين لا يتدينون فكاليهود والنصارى قال إمام الحرمين : ولو ظهر من الرجل اختلاطه بالنجاسات وعدم تصونه منها مسلما كان أو كافرا ففي نجاسة ثيابه وأوانيه الخلاف والله أعلم . فرع : هذا الذي ذكرناه من الحكم بطهارة أواني الكفار وثيابهم هو مذهبنا ومذهب الجمهور من السلف وحكى أصحابنا عن أحمد وإسحاق نجاسة ذلك لقوله تعالى : إنما المشركون نجس ولحديث أبي ثعلبة وقوله صلى الله عليه وسلم : فاغسلوها واحتج أصحابنا بقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ومعلوم أن طعامهم يطبخونه في قدورهم ويباشرونه بأيديهم وبحديث عمران وفعل عمر المذكورين في الكتاب وبأن الأصل الطهارة وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأذن للكفار في دخول المسجد ، ولو كانوا أنجاسا لم يأذن .

Section V01/P326–V01/P327

وأجاب الأصحاب عن الآية بجوابين أحدهما : معناها أن المشركين نجس ، أديانهم واعتقادهم وليس المراد أبدانهم وأوانيهم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخلهم المسجد ، واستعمل آنيتهم وأكل طعامهم وأجابوا عن حديث أبي ثعلبة بأن السؤال كان عن الآنية التي يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر كما جاء في رواية أبي داود التي قدمناها ، وجواب آخر : أنه محمول على الاستحباب ، ذكره الشيخ أبو حامد ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استعمالها مع وجود غيرها وهذا محمول على الاستحباب بلا شك والله أعلم . فرع : قول المصنف : ويكره استعمال أواني المشركين يعني بالمشركين الكفار سواء أهل الكتاب وغيرهم واسم المشركين يطلق على الجميع ، ومن ذلك قول الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء : 84 ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ونظائر ذلك في الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة مشهورة ، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله التوبة : 03 وقال في آخر الآية الثانية : سبحانه عما يشركون والله أعلم .

Section V01/P327–V01/P330

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب تغطية الإناء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الإناء وإيكاء السقاء . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وروي في غير الصحيح من رواية أبي هريرة ولفظ رواية جابر : غطوا الإناء وأوكوا السقاء وفي رواية : خمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا وتعرض بضم الراء ، روى بكسرها والضم أصح وأشهر ومعناه تضع عليه عودا أو نحوه عرضا . وقوله : تغطية الوضوء هو بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به ، وقوله : وإيكاء السقاء الإيكاء والسقاء ممدودان والإيكاء هو شد رأس السقاء وهو قربة اللبن أو الماء ونحوهما بالوكاء وهو الخيط الذي يشد به وهو ممدود أيضا وهذا الحكم الذي ذكره وهو استحباب تغطية الإناء متفق عليه ، وسواء فيه إناء الماء واللبن وغيرهما ودليله الحديث الذي ذكرناه وفائدته ثلاثة أشياء . أحدها : ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن الشيطان لا يحل سقاء ولا يشكف إناء . والثاني : جاء في رواية لمسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء قال الليث بن سعد أحد رواته في مسلم : فالأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول . والوباء بالمد والقصر لغتان وإذا قصر همز وكانون عجمي لا ينصرف ، والثالث : صيانته من النجاسة وشبهها والله أعلم . فرع : أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث وهو أول من كني بهذه الكنية قيل : له هرة يلعب بها في صغره فكني بها . واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولا أشهرها وأصحها أنه عبد الرحمن بن صخر ، وبه قطع جماعات من أهل هذا الفن وهو سابق المحدثين وأول حفاظه المتصدين لحفظه ، تصدى لحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى برع فيه وفاق سائر الصحابة رضي الله عنهم فيه ، وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثا وليس لأحد من الصحابة ما يقارب هذا . قال الشافعي رحمه الله : أبو هريرة احفظ من روى الحديث في دهره ، وقال البخاري رحمه الله : روى عن أبي هريرة نحو ثمانمائة رجل أو أكثر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وكان أبو هريرة أشهر أهل الصفة في زمن صحبته ، وكان عريف أهل الصفة توفي بالمدينة ودفن في البقيع سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة رضي الله عنه وقد بسطت حاله في تهذيب الأسماء وبالله التوفيق . فرع : مما يتعلق بما سبق ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان جنح الليل وأمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشيطان ينتشر حينئذ ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم وأغلقوا الباب واذكروا اسم الله ، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا واطفئوا مصابيحكم وفي رواية لمسلم أيضا : لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وفي الصحيحين عن ابن عمر وأبي موسى رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون فهذه سنن ينبغي المحافظة عليها ، وجنح الليل بضم الجيم وكسرها ظلامه ، والفواشي بالفاء جمع فاشية وهي كل ما ينتشر من المال كالبهائم وغيرها ، وفحمة العشاء ظلمتها ، وقد أوضحت شرح هذه الأحاديث وما يتعلق بها ومعانيها في شرح صحيح مسلم رحمه الله .

Section V01/P330–V01/P331

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ، وإذا دخل ولم يذكر الله تعالى قال الشيطان : أدركتم المبيت ، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء . واعلم أنه يستحب التسمية عند دخوله بيته وبيت غيره ، والسلام إذا دخله وإن لم يكن فيه أحد ، ويدعو عند خروجه ، قال أنس رضي الله عنه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال يعني إذا خرج من بيته : باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، يقال له : كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ، وفي الباب أحاديث كثيرة من هذا أوضحتها في أول كتاب الأذكار ، وفيها أشياء كثيرة تتعلق بهذا الفصل والله أعلم . & باب السواك &

Section V01/P331–V01/P335

قال المصنف رحمه الله تعالى : السواك سنة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ويستحب في ثلاثة أحوال أحدها : عند القيام للصلاة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك الثاني : عند اصفرار الأسنان لما روى العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : استاكوا لا تدخلوا علي قلحا والثالث عند : تغير الفم وذلك قد يكون من النوم وقد يكون بالأزم ، وهو ترك الأكل وقد يكون بأكل شيء يتغير به الفم لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك وإنما استاك لأن النائم ينطبق فمه ويتغير ، وهذا المعنى موجود في كل ما يتغير به الفم فوجب أن يستحب له السواك . + الشرح : في هذه القطعة جمل من الأحاديث والأسماء واللغات والأحكام يحصل بيانها إن شاء الله تعالى بمسائل إحداها : حديث عائشة : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب حديث صحيح رواه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة في صحيحه والنسائي والبيهقي في سننهما وآخرون بأسانيد صحيحة ، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا فقال : وقالت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب وهذا التعليق صحيح لأنه بصيغة جزم ، وقد ذكرت في علوم الحديث أن تعليقات البخاري إذا كانت بصيغة الجزم فهي صحيحة . والمطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان ذكرهما ابن السكيت وآخرون وهي كل إناء يتطهر به ، شبه السواك بها لأنه ينظف الفم . والطهارة : النظافة . وقوله صلى الله عليه وسلم : مرضاة للرب قال العلماء : الرب بالألف واللام لا يطلق إلا على الله تعالى بخلاف رب فإنه يضاف إلى المخلوق ، فيقال : رب المال ورب الدار ورب الماشية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث في ضالة الإبل : دعها حتى يأتيها ربها وقد أنكر بعضهم إضافة رب إلى الحيوان وهذا الحديث يرد قوله . وقد أوضحت كل هذا بدلائله في آخر كتاب الأذكار . ومما جاء في فضل السواك مطلقا حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكثرت عليكم في السواك رواه البخاري في باب الجمعة والله أعلم . وأما حديث عائشة : صلاة بسواك خير من سبعين بغير سواك فضعيف رواه البيهقي من طرق وضعفها كلها وكذا ضعفه غيره ، وذكره الحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وأنكروا ذلك على الحاكم وهو معروف عندهم بالتساهل في التصحيح ، وسبب ضعفه أن مداره على محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يذكر سماعه ، والمدلس إذا لم يذكر سماعه لا يحتج به بلا خلاف كما هو مقرر لأهل هذا الفن . وقوله : إنه على شرط مسلم ليس كذلك فإن محمد بن إسحاق لم يرو له مسلم شيئا محتجا به ، وإنما روى له متابعة ، وقد علم من عادة مسلم وغيره من أهل الحديث أنهم يذكرون في المتابعات من لا يحتج به للتقوية لا للاحتجاج ، ويكون اعتمادهم على الإسناد الأول وذلك مشهور عندهم ، والبيهقي أتقن في هذا الفن من شيخه الحاكم وقد ضعفه والله أعلم . ويغني عن هذا الحديث حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري : مع كل صلاة وقد غلط بعض الأئمة الكبار فزعم أن البخاري لم يروه وجعله من أفراد مسلم ، وقد رواه البخاري في كتاب الجمعة .

Section V01/P335–V01/P336

وأما حديث العباس فهو ضعيف رواه أبو بكر ابن أبي خيثمة في تاريخه ثم البيهقي عن العباس ، ورواه البيهقي أيضا عن ابن عباس وإسنادهما ليس بقوي ، قال البيهقي : هو حديث مختلف في إسناده وضعفه أيضا غيره ، ويغني عنه في الدلالة حديث : السواك مطهرة للفم والله أعلم . وأما حديث عائشة : إذا قام من النوم يشوض فاه بالسواك فهو في الصحيحين بهذا اللفظ من رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، لا من رواية عائشة ، وقيل : إن ذكر عائشة وهم من المصنف وعدوه من غلطه والله أعلم . المسألة الثانية في لغاته : قال أهل اللغة : السواك بكسر السين ويطلق السواك على الفعل وهو الاستياك وعلى الآلة التي يستاك بها ويقال في الآلة أيضا مسواك بكسر الميم ، يقال : ساك فاه يسوكه سوكا ، فإن قلت : استاك ، لم تذكر الفم . والسواك مذكر نقله الأزهري عن العرب ، قال : وغلط الليث بن المظفر في قوله : إنه مؤنث ، وذكر صاحب المحكم أنه يؤنث ويذكر لغتان ، قالوا : وجمعه سواك بضم السين والواو ككتاب وكتب ويخفف بإسكان الواو وقال صاحب المحكم : قال أبو حنيفة : يعني الدينوري الإمام في اللغة : ربما همز فقيل سؤاك ، قال : والسواك مشتق من ساك الشيء إذا دلكه ، وأشار غيره إلى أنه مشتق من التساوك يعني التمايل يقال : جاءت الإبل تتساوك أي تتمايل في مشيتها ، والصحيح أنه من ساك إذا دلك ، وهذا مختصر كلام أهل اللغة فيه وهو في اصطلاح الفقهاء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهان التغير ونحوه والله أعلم . وقوله : مطهرة للفم مرضاة للرب سبق شرحهما ، وميم الفم مخففة على المشهور ، وفي لغية يجوز تشديدها ، وقد بسطت ذلك في تهذيب الأسماء واللغات ، وقوله : يستحب في ثلاثة أحوال كذا هو في المهذب ثلاثة صحيح ، وفي الحال لغتان التذكير والتأنيث فيقال : ثلاثة أحوال ، وثلاث أحوال وحال حسن ، وحالة حسنة . وقوله : صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك معناه ثوابها أكثر من ثواب سبعين ، وقوله : لا تدخلوا علي قلحا بضم القاف وإسكان اللام والحاء المهملة جمع أقلح وهو الذي على أسنانه قلح بفتح القاف واللام وهو صفرة ووسخ يركبان الأسنان . قال صاحب المحكم : ويقال فيه أيضا القلاح بضم القاف وتخفيف اللام ويقال : قلح الرجل بفتح القاف وكسر اللام وأقلح . وقوله : وقد يكون بالأزم وهو ترك الأكل ، والأزم بفتح الهمزة وإسكان الزاي وأصله في اللغة الإمساك وذكره الشافعي وتأوله أصحابنا تأويلين أحدهما : الجوع ، والثاني : السكوت وكلاهما صحيح ، وقول المصنف : ترك الأكل كان ينبغي أن يقول : ترك الأكل والشرب وقوله : يشوص فاه بضم الشين المعجمة بالصاد المهملة ، والشوص دلك الأسنان عرضا بالسواك ، كذا قاله الخطابي وغيره ، وقيل : الغسل وقيل : التنقية وقيل غير ذلك والصحيح الأول والله أعلم . المسألة الثالثة : العباس هو العباس بن عبد المطلب أبو الفضل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمام نسبه في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث ، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل : أربع وثلاثين ، وكان أشد الناس سمعا . المسألة الرابعة في الأحكام : فالسواك سنة ليس بواجب هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا عن داود أنه أوجبه ، وحكى الحاوي أن داود أوجبه ولم يبطل الصلاة بتركه ، قال : قال إسحاق بن راهويه . هو واجب فإن تركه عمدا بطلت صلاته .

Questions