Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V01/P336–V01/P338

وهذا النقل عن إسحاق غير معروف ولا يصح عنه ، وقال القاضي أبو الطيب والعبدري : غلط الشيخ أبو حامد في حكايته وجوبه عن داود ، بل مذهب داود أنه سنة لأن أصحابنا نصوا أنه سنة ، وأنكروا وجوبه ولا يلزم من هذا الرد على أبي حامد . واحتج لداود بظاهر الأمر ، واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم والمختصر بحديث أبي هريرة الذي ذكرناه : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة قال الشافعي رحمه الله : لو كان واجبا لأمرهم به ، شق أو لم يشق . قال العلماء في هذا الحديث أن الأمر للوجوب واستدل أصحابنا بأحاديث أخر وأقيسة ، ولا حاجة إلى الإطالة في الاستدلال إذا لم يتيقن خلافا ، والأحاديث الواردة بالأمر محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث والله أعلم . واعلم أن السواك سنة في جميع الأحوال إلا للصائم بعد الزوال ، ويتأكد استحبابه في أحوال ، هكذا قاله أصحابنا . وعبارة المصنف توهم اختصاص الاستحباب بالأحوال الثلاثة المذكورة وليس الحكم كذلك بل هو مستحب في كل الأحوال لغير الصائم لقوله صلى الله عليه وسلم : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب . وأما الأحوال التي يتأكد الاستحباب فيها بخمسة فيها خمسة أحدها : عند القيام إلى الصلاة ، سواء صلاة الفرض والنفل ، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم أو بغير طهارة كمن لم يجد ماء ولا ترابا وصلى على حسب حاله ، صرح به الشيخ أبو حامد والمتولي وغيرهما . والثاني : عند اصفرار الإسنان ودليله حديث : السواك مطهرة وأما احتجاج المصنف له بحديث العباس فلا يصح لأنه ضعيف كما سبق . والثالث : عند الوضوء اتفق عليه أصحابنا ، ممن صرح به صاحبا الحاوي والشامل وإمام الحرمين والغزالي والروياني وصاحب البيان واخرون ولا يخالف هذا اختلاف الأصحاب في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا فإن ذلك الخلاف إنما هو في أنه يعد من سنن الوضوء أم سنة مستقلة عند الوضوء لا منه ، وكذا اختلفوا في التسمية وغسل الكفين ولا خلاف أنهما سنة وإنما الخلاف في كونها من سنن الوضوء ، ودليل استحبابه عند الوضوء حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء وفي رواية لفرضت عليهم السواك مع الوضوء وهو حديث صحيح رواه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما وصححاه وأسانيده جيدة ، وذكره البخاري في صحيحه في كتاب الصيام تعليقا بصيغة جزم ، وفيه حديث آخر في الصحيح ذكرته في جامع السنة تركته هنا لطوله . الرابع : عند قراءة القرآن ذكره الماوردي والروياني وصاحب البيان والرافعي وغيرهم . والخامس : عند تغير الفم ، وتغيره قد يكون بالنوم وقد يكون بأكل ما له رائحة كريهة ، وقد يكون بترك الأكل والشرب ، وبطول السكوت ، قال صاحب الحاوي : ويكون أيضا بكثرة الكلام والله أعلم . هذه الأحوال الخمسة التي ذكرها أصحابنا ، وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك والله أعلم . فرع : إذا أراد أن يصلي صلاة ذات تسليمات كالتراويح والضحى وأربع ركعات سنة الظهر أو العصر والتهجد ونحو ذلك استحب أن يستاك لكل ركعتين لقوله صلى الله عليه وسلم : لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة أو مع كل صلاة وهو حديث صحيح كما سبق . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي رحمه الله : أحب السواك للصلوات عند كل حال تتغير فيها الفم . كذا وقع في المختصر عند بغير واو ، قال القاضي حسين أخل المزني بالواو ، وكذا قاله غير القاضي وهو كما قالوه فقد قاله الشافعي رحمه الله في الأم بالواو ، واتفق نص الشافعي رحمه الله والأصحاب على أن السواك سنة عند الصلاة ، وإن لم يتغير الفم .

Section V01/P338–V01/P339

فرع : في أول كتاب النكاح من الترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من سنن المرسلين : الحياء والتعطر والسواك والنكاح قال الترمذي : حديث حسن ، هذا كلامه وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وأبو الشمال ، والحجاج ضعيف عند الجمهور ، وأبو الشمال مجهول فلعله اعتضد بطريق آخر فصار حسنا وقوله : الحياء هو بالياء لا بالنون وإنما ضبطته لأني رأيت من صحفه في عصرنا وقد سبق بتصحيفه وقد ذكر الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهاني هذا الحديث في كتابه الاستغناء في استعمال الحناء وأوضحه وقال : وهو مختلف في إسناده ومتنه ، يروى عن عائشة وابن عباس وأنس وجد مليح كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : واتفقوا على لفظ الحياء قال : وكذا أورده الطبري والدارقطني وأبو الشيخ وابن منده وأبو نعيم وغيرهم من الحفاظ والأئمة قال : وكذا هو في مسند الإمام أحمد وغيره من الكتب . ومرادي بذكر هذا الفرع بيان أن السواك كان في الشرائع السابقة والله أعلم .

Section V01/P339–V01/P341

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يكره إلا في حالة واحدة وهو للصائم بعد الزوال لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والسواك يقطع ذلك فوجب أن يكره ، ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهداء . + الشرح : حديث أبي هريرة هذا رواه البخاري ومسلم وهو بعض حديث والخلوف بضم الخاء واللام وهو تغير رائحة الفم ، ولا يجوز فتح الخاء يقال : خلف فم الصائم بفتح الخاء واللام يخلف بضم اللام وأخلف يخلف إذا تغير . أما حكم المسألة : فلا يكره السواك في حال من الأحوال لأحد إلا للصائم بعد الزوال فإنه يكره . نص عليه الشافعي في الأم وفي كتاب الصيام من مختصر المزني وغيرهما ، وأطبق عليه أصحابنا ، وحكى أبو عيسى في جامعه في كتاب الصيام عن الشافعي رحمه الله أنه لم ير بالسواك للصائم بأسا أول النهار وآخره ، وهذا النقل غريب وإن كان قويا من حيث الدليل ، وبه قال المزني وأكثر العلماء وهو المختار . والمشهور الكراهة وسواء فيه صوم الفرض والنفل وتبقى الكراهة حتى تغرب الشمس وقال الشيخ أبو حامد : حتى يفطر . قال أصحابنا : وإنما فرقنا بين ما قبل الزوال وبعده لأن بعد الزوال يظهر كون الخلوف من خلو المعدة بسبب الصوم لا من الطعام الشاغل للمعدة بخلاف ما قبل الزوال والله أعلم . فرع : قول المصنف ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهداء قال أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي علي القلعي رحمه الله : قوله مشهود له بالطيب واحتراز من بلل الوضوء على أحد الوجهين ومن أثر التيمم وشعر المحرم . وقال غيره : احتراز مما يصيب ثوب العالم من الحبر فإنه وإن كان أثر عبادة لكنه مشهود له بالفضل لا بالطيب ودم الشهداء مشهود له بالطيب في قوله صلى الله عليه وسلم : فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تفجر دما ، اللون لون الدم والريح ريح المسك . وأما الشهداء فجمع شهيد ، واختلف في سبب تسميته شهيدا فقال الأزهري : لأن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم شهدا له الجنة ، وقال النضر بن شميل : الشهيد الحي ، فسموا بذلك لأنهم أحياء عند ربهم ، وقيل : لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيقبضون روحه ، وقيل : لأنه ممن يشهد يوم القيامة على الأمم . حكى هذه الأقوال الأزهري ، وقيل : لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله وقيل : لأن له شاهدا بقتله وهو دمه لأنه يبعث وجرحه يتفجر دما ، وقيل : لأن روحه تشهد دار السلام وروح غيره لا تشهدها إلا يوم القيامة . فرع : يتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم : ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وكان وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح والشيخ أبي محمد بن عبد السلام رضي الله عنهما في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة أم في الآخرة ، فقال أبو محمد : في الآخرة خاصة لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية لمسلم : والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة وقال أبو عمرو : هو عام في الدنيا والآخرة واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في المسند الصحيح لأبي حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي وهو من أصحابنا المحدثين الفقهاء قال : باب في كون ذلك يوم القيامة . وباب في كونه في الدنيا وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه صلى الله عليه وسلم قال : لخلوف فم الصائم حين يخلف أطيب عند الله من ريح المسك .

Section V01/P341–V01/P344

وروى الإمام الحسن بن سفيان في مسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا قال : وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك وروى هذا الحديث الإمام الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه وقال : هو حديث حسن ، فكل واحد من الحديثين مصرح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكون أطيب عند الله من ريح المسك قال : وقد قال العلماء شرقا وغربا معنى ما ذكرته في تفسيره ، قال الخطابي : طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه . وقال ابن عبد البر معناه أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك ، وقال البغوي في شرح السنة : معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله ، وكذا قاله الإمام القدوري إمام الحنفية في كتابه في الخلاف معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة ، ومثله قال البوني من قدماء المالكية ، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابوني وأبو بكر السمعاني وأبو حفص بن الصفار الشافعيون في أماليهم وأبو بكر بن العربي المالكي وغيرهم . فهؤلاء أئمة المسلمين شرقا وغربا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجها بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة ، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح ، بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة ، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات ، فخص يوم القيامة بالذكر في الرواية لذلك كما خص في قوله تعالى : إن ربهم بهم يومئذ لخبير العاديات : 11 وأطلق في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين كما سبق تقريره ، وهذا مختصر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله . فرع في مذاهب العلماء في السواك للصائم قد ذكرنا أن مذهبنا : المشهور أنه يكره له بعد الزوال وحكاه ابن المنذر عن عطاء وعن مجاهد وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وحكاه ابن الصباغ أيضا عن ابن عمر والأوزاعي ومحمد بن الحسن ، قال ابن المنذر : ورخص فيه في جميع النهار النخعي وابن سيرين وعروة بن الزبير ومالك وأصحاب الرأي ، قال : وروى ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنها . واحتج القائلون بأنه لا يكره في جميع النهار بالأحاديث الصحيحة في فضله ولم ينه عنه ، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن البيطار الخوارزمي قال : قلت لعاصم الأحول : أيستاك الصائم أول النهار وآخره قال : نعم قلت : عمن قال : عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : ولأنه طهارة للفم فلم يكره في جميع النهار كالمضمضة . واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة في الخلوف وهو صحيح كما سبق . وبحديث عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فال : إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة رواه البيهقي ولكنه ضعفه وبين ضعفه ، واحتجوا بما ذكره المصنف أنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكره إزالته كدم الشهيد ، وأجابوا عن أحاديث فضل السواك بأنها عامة مخصوصة والمراد بها غير الصائم آخر النهار ، وعن حديث الخوارزمي بأنه ضعيف فإن الخوارزمي ضعيف باتفاقهم . وعن المضمضة بأنها لا تزيل الخلوف بخلاف السواك والله أعلم .

Section V01/P344–V01/P345

فرع : إن قيل ما ذكرتموه من الحديث والمعنى يقتضي فضيلة الخلوف فلم قلتم أنه أفضل من تحصيل فضيلة السواك فالجواب أنه قد ثبت أن دم الشهيد لا يزال بل يترك للمحافظة عليه غسل الميت والصلاة عليه وهما واجبان فإذا ترك من أجله واجبان دل على رجحانه عليهما لكونه مشهودا له بالطيب ، فالمحافظة على الخلوف الذي يشاركه في الشهادة له بالطيب أولى بالمحافظة فإنه إنما يترك من أجله سنة السواك والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه لا يكره للصائم السواك الرطب قبل الزوال إذا لم ينفصل منه شيء يدخل جوفه وبه قال جماعات من العلماء ، وكرهه بعض السلف ، وستأتي المسألة مبسوطة حيث ذكرها الشافعي والأصحاب رحمهم الله في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى .

Section V01/P345–V01/P346

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يستاك عرضا لقوله صلى الله عليه وسلم : استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا . + الشرح : هذا الحديث ضعيف غير معروف ، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : بحثت عنه فلم أجد له أصلا ولا ذكرا في شيء من كتب الحديث ، واعتنى جماعة بتحريج أحاديث المهذب فلم يذكروه أصلا ، وعقد البيهقي بابا في الاستياك عرضا ولم يذكر فيه حديثا يحتج به وهذا الحكم الذي ذكره وهو استحباب الاستياك عرضا يستدل له أنه يخشى في الاستياك طولا إدماء اللثة وإفساد عمود الأسنان وأما الحديث الذي اعتمده المصنف فلا اعتماد عليه ولا يحتج به ، وهذا الذي ذكرناه من استحباب الاستياك عرضا هو المذهب الصحيح الذي قطع به الأصحاب في الطريقتين إلا إمام الحرمين والغزالي فإنهما قالا : يستاك عرضا وطولا فإن اقتصر فعرضا ، وهذا الذي قالاه شاذ مردود مخالف للنقل والدليل . وقد صرح جماعة من الأصحاب بالنهي عن الاستياك طولا منهم الماوردي والقاضي حسين وصاحب العدة وغيرهم ، وصرح صاحب الحاوي بكراهة الاستياك طولا فلو خالف واستاك طولا حصل السواك وإن خالف المختار ، وصرح به أصحابنا وأوضح صاحب الحاوي كيفية السواك فقال : يستحب أن يستاك عرضا في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ، ويمره على سقف حلقه إمرارا خفيفا ، قال : فأما جلاء الأسنان بالحديد وبردها بالمبرد فمكروه لأنه يضعف الأسنان ويفضي إلى انكسارها ولأنه يخشنها فتتراكم الصفرة عليها والله أعلم . فرع : ذكر في هذا الحديث الادهان غبا وهو بكسر الغين وهو أن يدهن ثم يترك حتى يجف الدهن ثم يدهن ثانيا ، وأما الاكتحال وترا فاختلف فيه فقيل يكون في عين وترا وفي عين شفعا ليكون المجموع وترا ، والصحيح الذي عليه المحققون أنه في كل عين وتر ، وعلى هذا فالسنة أن يكون في كل عين ثلاثة أطراف لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها كل ليلة في كل عين ثلاثة رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، والوتر بفتح الواو وكسرها لغتان فصيحتان قريء بهما في السبع والله أعلم .

Section V01/P346–V01/P349

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن لا يستاك بعود رطب لا يقلع ولا بيابس يجرح اللثة ، بل يستاك بعود بين عودين ، وبأي شيء استاك مما يقلع القلح ويزيل التغير كالخرقة الخشنة وغيرها أجزأه لأنه يحصل به المقصود ، وإن أمر أصبعه على أسنانه لم يجزئه لأنه لا يسمى سواكا . + الشرح : اللثة بكسر اللام وتخفيف الثاء المثلثة وهي ما حول الأسنان من اللحم ، كذا قاله الجوهري وقال غيره : هي اللحم الذي ينبت فيه الأسنان ، فأما اللحم الذي يتخلل الأسنان فهو عمر بفتح العين وإسكان الميم وجمعه عمور بضم العين ، وجمعها لثات ولثى . أما حكم المسألة : فقوله : لا يستاك بيابس ولا رطب بل بمتوسط ، كذا قاله أصحابنا قالوا : فإن كان يابسا نداه بماء ، وقوله : وبأي شيء استاك مما يزيل التغير والقلح أجزأه ، كذا قاله أصحابنا واتفقوا عليه ، قال القاضي أبو الطيب وصاحبه صاحب الشامل وآخرون : فيجوز الاستياك بالسعد والأشنان وشبههما . وأما الأصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك بلا خلاف ، وإن كانت خشنة ففيها أوجه : الصحيح المشهور لا يحصل ، لأنها لا تسمى سواكا ولا هو في معناه ، وبهذا الوجه قطع المصنف والجمهور والثاني : يحصل لحصول المقصود بهذا قطع القاضي حسين المحاملي في اللباب والبغوي واختاره الروياني في كتابه البحر والثالث : إن لم يقدر على عود ونحوه حصل وإلا فلا ، حكاه الرافعي . ومن قال بالحصول فدليله ما ذكرناه من حصول المقصود . وأما الحديث المروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : يجزىء من السواك الأصابع فحديث ضعيف ضعفه البيهقي وغيره ، والمختار الحصول لما ذكرناه ثم الخلاف إنما هو في أصبعه أما أصبع غيره الخشنة فتجزىء قطعا لأنها ليست جزءا منه فهي كالأشنان . وفي الأصيح عشر لغات كسر الهمزة ، وفتحها ، وضمها مع الحركات الثلاث في الباء ، والعاشرة أصبوع بضع الهمزة والباء وأفصحهن كسر الهمزة مع فتح الباء والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يستحب أن يكون السواك بعود وأن يكون بعود أراك ، قال الشيخ نصر المقدسي : الأراك أولى من غيره ثم بعده النخل أولى من غيره ، قال المتولي : يستحب أن يكون عودا له رائحة طيبة كالأراك ، واستدلوا للأراك بحديث أبي خيرة الصباحي رضي الله عنه قال : كنت في الوفد يعني وفد عبد القيس الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأمر لنا بأراك فقال استاكوا بهذا وأبو خيرة بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت ، والصباحي بضم الصاد المهملة ، وبعدها باء موحدة مخففة وبالحاء المهملة هكذا ضبطه ابن ماكولا وغيره ، قال : ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من هذه القبيلة سواه والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بالسواك قال أصحابنا : يستحب أن يبدأ في الاستياك بجانب فمه الأيمن للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يحب التيامن في تطهره وترجله وشأنه كله وقياسا على الوضوء ، قال القاضي حسين : وينوي به الإتيان بالسنة ، ولا بأس بالاستياك بسواك غيره بإذنه للحديث الصحيح فيه .

Section V01/P349

قالوا : ويستحب أن يعود الصبي السواك ليألفه كسائر العبادات ، قال الصيمري : ويستحب إذا أراد أن يستاك ثانيا أن يغسل مسواكه ، وهذا يحتج له بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله فأدفعه إليه حديث حسن رواه أبو داود بإسناد جيد ، وهذا محمول على ما إذا حصل عليه شيء من وسخ أو رائحة ونحوهما قال الصيمري : ويكره أن يدخل مسواكه في ماء وضوئه ، وهذا فيه نظر ، وينبغي ألا يكره ، قال الروياني : قال بعض أصحابنا : يستحب أن يقول عند ابتداء السواك : اللهم بيض به أسناني وشد بي لثاتي وثبت به لهاتي ، وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين . وهذا الذي قاله وإن لم يكن له أصل فلا بأس به فإنه دعاء حسن .

Section V01/P349–V01/P351

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يقلم الأظافر ويقص الشارب ويغسل البراجم وينتف الإبط ويحلق العانة لما روى عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفطرة عشرة : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، والانتضاح بالماء ، والختان ، والاستحداد . + الشرح : في هذه القطعة جمل وبيانها بمسائل : إحداها : حديث عمار رواه أحمد بن حنبل وأبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف منقطع من رواية علي بن زيد بن جدعان عن سلمة بن محمد بن عمار عن عمار ، قال الحافظ : لم يسمع سلمة عمارا ولكن يحصل الاحتجاج بالمتن لأنه رواه مسلم في صحيحه من رواية عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء قال مصعب بن شيبة أحد رواته : ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة وقال وكيع وهو أحد رواته : انتقاص الماء الاستنجاء وهو بالقاف والصاد المهملة . المسألة الثانية في لغاته : فالظفر فيه لغات : ضم الظاء والفاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء مع إسكان الفاء وكسرها وأظفور ، والفصيح الأول ، وبه جاء القرآن ، والبراجم بفتح الباء الموحدة جمع برجمة بضمها وهي العقد المتشنجة الجلد في ظهور الأصابع ، وهي مفاصلها التي في وسطها بين الرواجب والأشاجع فالرواجب هي المفاصل التي تلي رؤوس الأصابع ، والأشاجع بالشين المعجمة هي المفاصل التي تلي ظهر الكف ، وقال أبو عبيد : الرواجب والبراجم جميعا هي مفاصل الأصابع كلها وكذا قاله صاحب المحكم وآخرون ، وهذا مراد الحديث إن شاء الله فإنها كلها تجمع الوسخ . وأما الإبط فبإسكان الباء وفيه لغتان : التذكير والتأنيث حكاهما أبو القاسم الزجاجي وآخرون . قال ابن السكيت : الإبط مذكر وقد يؤنث فيقال إبط حسن وحسنة وأبيض وبيضاء ، وأما الفطرة فبكسر الفاء وأصلها الخلقة قال الله تعالى : فطرة الله التي فطر الناس عليها النساء : 03 واختلفوا في تفسيرها في هذا الحديث : فقال المصنف في تعليقه في الخلاف ، والماوردي في الحاوي ، وغيرهما من أصحابنا : هي الدين . وقال الإمام أبو سليمان الخطابي : فسرها أكثر العلماء في الحديث بالسنة ، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : هذا فيه إشكال لبعد معنى السنة من معنى الفطرة في اللغة قال : فلعل وجهه أن أصله سنة الفطرة أو أدب الفطرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . قلت : تفسير الفطرة هنا بالسنة هو الصواب ، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار وأصح ما فسر به غريب الحديث تفسيره بما جاء في رواية أخرى لا سيما في صحيح البخاري . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : الفطرة عشرة فمعناه معظمها عشرة كالحج عرفة فإنها غير منحصرة في العشرة ، ويدل عليه رواية مسلم عشر من الفطرة وأما ذكر الختان في جملتها وهو واجب وباقيها سنة فغير ممتنع فقد يقرن المختلفان كقول الله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه الأنعام : 141 والأكل مباح والإيتاء واجب ، وقوله تعالى : فكاتبوهم النور : 33 والإيتاء واجب والكتابة سنة ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة مشهورة . وأما الانتضاح فاختلف فيه فقيل هو نضح الفرج بقليل من الماء بعد الوضوء لدفع الوسواس ، والصحيح الذي قاله الخطابي والمحققون أنه الاستنجاء بالماء ، بدليل رواية مسلم : وانتقاص الماء . وهو بالقاف والصاد المهملة ، قال الخطابي : هو مأخوذ من النضح وهو الماء القليل . وأما الاستحداد فهو استعمال الحديدة ، وصار كناية عن حلق العانة .

Section V01/P351–V01/P353

وأما راوي الحديث فهو أبو اليقظان عمار بن باسر واسم أم عمار سمية بضم السين المهملة وهو وأبوه ياسر وأمه سمية صحابيون رضي الله عنهم ، وكانوا ممن تقدم إسلامهم في أول الأمر وكانوا يعذبهم الكفار على الإسلام فيمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة وسمية أول شهيدة في الإسلام توفي عمار سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وقيل : أربع وتسعين سنة رضي الله عنه ، والله أعلم . المسألة الثالثة في الأحكام : أما تقليم الأظفار فمجمع على أنه سنة ، وسواء فيه الرجل والمرأة واليدان والرجلان ، ويستحب أن يبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم اليسرى ، قال الغزالي في الإحياء : يبدأ بمسبحة اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم خنصر اليسرى إلى إبهامها اليمنى ، وذكر فيه حديثا وكلاما في حكمته وهذا الذي قاله مما أنكره عليه الإمام أبو عبد الله المأزري المالكي الإمام في علم الأصول والكلام والفقه ، وذكر في إنكاره عليه كلاما ولا أوثر ذكره ، والمقصود أن الذي ذكره الغزالي لا بأس به ، إلا في تأخير إبهام اليمنى فلا يقبل قوله فيه ، بل يقدم اليمنى بكمالها ثم يشرع في اليسرى ، وأما الحديث الذي ذكره فباطل لا أصل له . وأما الرجلان فيبدأ بخنصر اليمنى ثم يمر على الترتيب حتى يختم بخنصر اليسرى كما في تخليل الأصابع في الوضوء ، وأما التوقيت في تقليم الأظفار فهو معتبر بطولها ، فمتى طالت قلمها ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال ، وكذا الضابط في قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ، وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه قال : وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة رواه مسلم وهذا لفظه ، وفي رواية أبي داود والبيهقي : وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . فذكر ما سبق وقال : أربعين يوما لكن إسنادها ضعيف والاعتماد على رواية مسلم فإن قوله : وقت لنا كقول الصحابي : أمرنا بكذا ونهينا عن كذا مرفوع كقوله : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول . ثم معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يوما ، ليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقا ، وقد نص الشافعي والأصحاب رحمهم الله على أنه يستحب تقليم الأظفار والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة ، والله أعلم . ولو كان تحت الأضفار وسخ فإن لم يمنع وصول الماء إلى ما تحته لقلته صح الوضوء ، وإن منع فقطع المتولي بأنه لا يجزيه ولا يرتفع حدثه ، كما لو كان الوسخ في موضع آخر من البدن ، وقطع الغزالي في الإحياء بالأجزاء وصحة الوضوء والغسل أنه يعفى عنه للحاجة ، قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بتقليم الأظفار وينكر ما تحتها من وسخ ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة والله أعلم . وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة . ودليله الحديثان السابقان وحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يأخذ من شاربه فليس منا رواه الترمذي في كتاب الاستئذان من جامعه وقال : حديث حسن صحيح .

Section V01/P353–V01/P355

ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله ، هذا مذهبنا ، وقال أحمد رحمه الله : إن حفه فلا بأس ، وإن قصه فلا بأس ، واحتج بالأحاديث الصحيحة كحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحفوا الشارب واعفوا اللحى رواه البخاري ومسلم وفي رواية : جزوا الشوارب وفي رواية : انهكوا الشوارب وهذه الروايات محمولة عندنا على الحف من طرف الشفة لا من أصل الشعر ، ومما يستدل به في أن ألسنة قص بعض الشارب كما ذكرنا ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه قال : وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، وروى البيهقي في سننه عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال : رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم : أبو أمامة الباهلي ، وعبد الله بن بسر ، وعتبة بن عبد السلمي ، والحجاج بن عامر الثمالي ، والمقدام بن معد يكرب وكانوا يقصون شواربهم من طرف الشفة . وروى البيهقي عن مالك بن أنس الإمام رحمه الله أنه ذكر إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك : ينبغي أن يضرب من صنع ذلك فليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ولكن يبدي حرف الشفة والفم ، قال مالك : حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس ، قال الغزالي : ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب ، فعل ذلك عمر رضي الله عنه وغيره . قلت : ولا بأس أيضا بتقصيره روى ذلك البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ويستحب في قص الشارب أن يبدأ بالجانب الأيمن لما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء ، والتوقيت في قص الشارب كما سبق في تقليم الأظفار ، وهو مخير بين أن يقص شاربه بنفسه أو يقصه له غيره لأن المقصود يحصل من غير هتك مروءة ، والله أعلم . وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء ، وقد أوضحها الغزالي في الإحياء وألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح ، وبما أضرت كثرته بالسمع ، قال : وكذا ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات الملتصقة بجوانبه ، وكذا الوسخ الذي يجتمع على غير ذلك من البدن بعرق وغبار ونحوهما ، والله أعلم . وأما نتف الإبط فمتفق أيضا على أنه سنة ، والتوقيت فيه كما سبق في الأظفار فإنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، ثم السنة نتفه كما صرح به الحديث ، فلو حلقه جاز ، وحكي عن يونس بن عبد الأعلى قال : دخلت على الشافعي رحمه الله وعنده المزين يحلق إبطيه ، فقال الشافعي : قد علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع ، ولو أزاله بالنورة فلا بأس . قال الغزالي : المستحب نتفه وذلك سهل لمن تعوده فإن حلقه جاز لأن المقصود النظافة ، وأن لا يجتمع الوسخ في خلل ذلك وربما حصل بسببه رائحة ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن كما سبق والله أعلم . وإما حلق العانة فمتفق على أنه سنة أيضا وهل يجب على الزوجة إذا أمرها زوجها فيه قولان مشهوران أصحهما الوجوب ، وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق ، فإن فحش بحيث نفره وجب قطعا وستأتي المسألة مبسوطة في كتاب النكاح حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى . والسنة في العانة الحلق كما هو مصرح به في الحديث فلو نتفها أو قصها أو أزالها بالنورة جاز ، وكان تاركا للأفضل وهو الحلق ويحلق عانته بنفسه ، ويحرم أن يوليها غيره إلا زوجته أو جاريته التي تستبيح النظر إلى عورته ومسها ، فيجوز مع الكراهة .

Section V01/P355–V01/P357

والتوقيت في حلق العانة على ما سبق من اعتبار طولها ، وأنه إن أخره فلا يجاوز أربعين يوما ، وقد فعل من السلف جماعة بالنورة ، وكرهها آخرون منهم ، وجمع البيهقي الآثار عنهم في السنن الكبير وأفرد لها بابا . وأما حقيقة العانة التي يستحب حلقها فالمشهور أنها الشعر النابت حوالي ذكر الرجل وقبل المرأة وفوقهما ، ورأيت في كتاب الودائع المنسوب إلى أبي العباس بن سريج وما أظنه يصح عنه قال : العانة الشعر المستدير حول حلقة الدبر . وهذا الذي قاله غريب ولكن لا مانع من حلق شعر الدبر ، وأما استحبابه فلم أر فيه شيئا لمن يعتمد غير هذا فإن قصد به التنظيف وسهولة الاستنجاء فهو حسن محبوب والله أعلم . فرع : يستحب دفن ما أخذ من هذه الشعور والأظفار ومواراته في الأرض نقل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما واتفق عليه أصحابنا وسنبسطه في كتاب الجنائز حيث ذكره الأصحاب إن شاء الله تعالى . فرع : سبق في الحديث أن إعفاء اللحية من الفطرة فالإعفاء بالمد ، قال الخطابي وغيره : هو توفيرها وتركها بلا قص ، كره لنا قصها كفعل الأعاجم ، قال : وكان من زي كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب ، قال الغزالي في الإحياء : اختلف السلف فيما طال من اللحية فقيل : لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة ، فعله ابن عمر ثم جماعة من التابعين ، واستحسنه الشعبي وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة ، وقالوا : يتركها عافية لقوله صلى الله عليه وسلم : واعفوا اللحى . قال الغزالي : والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيصها لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة . هذا كلام الغزالي والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقا ، بل يتركها على حالها كيف كانت للحديث : اعفوا اللحى وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به . وأما المرأة إذا نبت لها لحية فيستحب حلقها ، صرح به القاضي حسين وغيره وكذا الشارب والعنفقة لها ، هذا مذهبنا وقال محمد بن جرير : لا يجوز لها حلق شيء من ذلك ، ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص . وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا فلم أر شيئا لأصحابنا ، وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء فكره ، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لا بأس به ، قال : وكان أحمد يفعله وحكى أيضا عن الحسن البصري ، قال الغزالي : تكره الزيادة في اللحية والنقص منها ، وهو أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق رأسه ، أو ينزل فيحلق بعد العذارين ، قال : وكذلك نتف جانبي العنفقة وغير ذلك فلا يغير شيئا ، وقال أحمد بن حنبل : لا بأس بحلق ما تحت حلقه من لحيته ولا يقص ما زاد منها على قبضه اليد ، وروى نحوه عن ابن عمر وأبي هريرة وطاوس وما ذكرناه أولا هو الصحيح والله أعلم . فرع : ذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب ثم الغزالي في الإحياء في اللحية عشر خصال مكروهة إحداها : خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد إرعابا للعدو بإظهار الشباب والقوة فلا بأس إذا كان بهذه النية ، لا لهوى وشهوة ، وهذا كلام الغزالي وسأفرد فرعا للخضاب بالسواد قريبا إن شاء الله تعالى الثانية : تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة وإظهارا للعلو في السن لطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم ولقبول حديثه وإيهاما للقاء المشايخ ونحوه . الثالثة : خضابها بحمرة أو صفرة تشبها بالصالحين ومتبعي السنة لا بنية اتباع السنة .

Section V01/P357–V01/P360

الرابعة : نتفها أول طلوعها وتخفيفها بالموسى إيثارا للمرودة واستصحابا للصبا وحسن الوجه ، وهذه الخصلة من أقبحها الخامسة : نتف الشيب ، وسيأتي بسطه إن شاء الله تعالى السادسة : تصفيفها وتعبيتها طاقة فوق طاقة للتزين والتصنع ليستحسنه النساء وغيرهن السابعة : الزيادة فيها والنقص منها كما سبق الثامنة : تركها شعثة منتفشة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه التاسعة : تسريح تصنعا . العاشرة : النظر إليها إعجابا وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب ، وهاتان الخصلتان في التحقيق لا تعود الكراهة فيهما إلى معنى في اللحية ، بخلاف الخصال السابقة والله أعلم . ومما يكره في اللحية عقدها ، ففي سنن أبي داود وغيره عن رويفع رضي الله عن بإسناد جيد قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا منه برىء قال الخطابي في عقدها تفسيران أحدهما : أنهم كانوا يعقدون لحاهم في الحرب وذلك من زي العجم والثاني : معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد وذلك من فعل أهل التأنيث والتوضيع . فرع : يكره نتف الشيب لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم يوم القيامة حديث حسن رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد حسنة قال الترمذي : حسن . هكذا قال أصحابنا يكره ، صرح به الغزالي كما سبق والبغوي وآخرون ، ولو قيل : يحرم للنهي الصريح الصحيح لم يبعد ، ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس . فرع : قال أصحابنا : يستحب ترجيل الشعر ودهنه غبا ، وقد سبق تفسير الغب وتسريح اللحية لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان له شعر فليكرمه رواه أبو داود بإسناد حسن . وعن عبد الله بن مغفل بالغين المعجمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن الترجل إلا غبا حديث صحيح رواه أبو داود الترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم رواه النسائي بإسناد صحيح . وجهالة اسم الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول . فرع : يس خضاب الشيب بصفرة أو حمرة اتفق عليه أصحابنا ، وممن صرح به الصيمري والبغوي وآخرون للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم رواه البخاري ومسلم . فرع : اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد . ثم قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب : هو مكروه ، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه ، والصحيح بل الصواب أنه حرام ، وممن صرح بتحريمه صاحب الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة ، قال : إلا أن يكون في الجهاد ، وقال في آخر كتابه الأحكام السلطانية يمنع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد . ودليل تحريمه حديث جابر رضي الله عنه قال : أتي بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيروا هذا واجتنبوا السواد رواه مسلم في صحيحه . والثغامة بفتح الثاء المثلثة وتخفيف الغين المعجمة نبات له ثمر أبيض .

Section V01/P360–V01/P363

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة رواه أبو داود والنسائي وغيرهما ، ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة ، هذا مذهبنا وحكى عن إسحاق بن راهويه أنه رخص فيه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم . فرع : أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فمستحب للمتزوجة من النساء ، للأحاديث المشهورة فيه وهو حرام على الرجال إلا لحاجة التداوي ونحوه . ومن الدلائل على تحريمه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال ويدل عليه الحديث الصحيح عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل رواه البخاري ومسلم ، وما ذاك إلا للونه لا لريحه فإن ريح الطيب للرجال محبوب والحناء في هذا كالزعفران . وفي كتاب الأدب من سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال : ما بال هذا فقيل : يا رسول الله يتشبه بالنساء ، فأمر به فنفي إلى النقيع ، فقالوا : يا رسول الله ألا نقتله فقال : إني نهيت عن قتل المصلين لكن إسناده فيه مجهول ، والنقيع بالنون ، وسنعيد هذا الحديث في أول كتاب الصلاة حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . وقد أوضح الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهاني هذه المسألة وبسطها بالأدلة المتظاهرة في كتابه الاستغناء في معرفة استعمال الحناء ، وهو كتاب نفيس ، وسنعيد هذه المسألة مبسوطة مع نظائرها في أول باب طهارة البدن ، إن شاء الله تعالى عند ذكر من جبر عظمه بعظم نجس فهناك ذكرها الشافعي في المختصر والأصحاب والله أعلم . فرع : ومن هذا القبيل ما روى يعلى بن مرة الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأى رجلا عليه خلوق فقال : اذهب فاغسله ثم اغسله ثم لا تعد رواه الترمذي والنسائي قال الترمذي : حديث حسن ، وفي النهي عن الخلوق للرجال أحاديث كثيرة وهو مباح للنساء . فرع : يستحب فرق الشعر من الرأس لحديث ابن عباس رضي الله عنه : كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعده رواه البخاري ومسلم . فرع : يكره القزع وهو حلق بعض الرأس لحديث ابن عمر رضي الله عنه عنهما في الصحيحين قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع وقد ذكره المصنف في باب العقيقة وسيأتي هناك مبسوطا إن شاء الله تعالى . فرع : أما حلق جميع الرأس فقال الغزالي : لا بأس به لمن أراد التنظيف ولا بأس بتركه لمن أراد دهنه وترجيله . هذا كلام الغزالي ، وكلام غيره من أصحابنا في معناه ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله : لا بأس بقصه بالمقراض ، وعنه في كراهة حلقه روايتان ، والمختار أن لا كراهة فيه ولكن السنة تركه فلم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم حلقه إلا في الحج والعمرة ، ولم يصح تصريح بالنهي عنه .

Section V01/P363–V01/P364

ومن الدليل على جواز الحلق وأنه لا كراهة فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال : احلقوه كله أو اتركوه كله رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثا ثم أتاهم فقال : لا تبكوا على أخي بعد اليوم ثم قال : ادعوا لي بني أخي فجىء بنا كأنا أفرخ فقال : ادعوا لي الحلاق فأمره فحلق رؤوسنا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . فرع : يحرم وصل الشعر بشعر على الرجل والمرأة ، وكذلك الوشم للأحاديث الصحيحة في لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة إلى آخرهن ، وسنوضح المسألة إن شاء الله تعالى في باب طهارة البدن عند وصل العظم حيث ذكرها الأصحاب ، ونذكر هناك جملا من الفروع المتعلقة بها إن شاء الله تعالى . فرع له تعلق بما تقدم يكره لمن عرض عليه طيب أو ريحان رده لحديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من عرض عليه طيب فلا يرده رواه مسلم ، وعن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب رواه البخاري .

Section V01/P364–V01/P366

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب الختان لقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم النحل : 321 وروي : أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ختن نفسه بالقدوم ولأنه لو لم يكن واجبا لما كشفت له العورة لأن كشف العورة محرم فلما كشفت له العورة دل على وجوبه . + الشرح : روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم رواه البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف قوله : روي بصيغة التمريض الموضوعة للتضعيف مع أنه في الصحيحين وقد سبق له نظيره ونبهنا عليه هناك . وقد سبق إيضاح هذه القاعدة في مقدمة الكتاب . وفي القدوم روايتان التخفيف والتشديد ، والأكثرون رووه بالتشديد ، وعلى هذا هو اسم مكان بالشام ورواه جماعة بالتخفيف ، وقيل : إنه قول أكثر أهل اللغة . واختلفوا على هذا فقيل : المراد به أيضا موضع بالشام ، وأنه يجوز فيه التشديد والتخفيف وقال الأكثرون : المراد به آلة النجار وهي مخففة لا غير وجمعها قدم ، قال أبو حاتم السجستاني : ويجمع أيضا على قدائم ، ولا يقال قداديم قال : وهي مؤنثة ، واتفقوا على فتح القاف في الآلة والمكان والله أعلم . فإن قيل : لا دلالة في الآية على وجوب الختان لأنا أمرنا بالتدين بدينه فما فعله معتقدا وجوبه فعلناه معتقدين وجوبه ، وما فعله ندبا فعلناه ندبا ، ولم يعلم أنه كان يعتقده واجبا . فالجواب أن الآية صريحة في اتباعه فيما فعله ، وقد يقتضي إيجاب كل فعل فعله إلا ما قام دليل على أنه سنة في حقنا كالسواك ونحوه ، وقد نقل الخطابي أن خصال الفطرة كانت واجبة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم . وأما الاستدلال بكشف العورة فقد ذكره آخرون مع المصنف وقاله قبلهم أبو العباس بن سريج رحمه الله وأورد عليه كشفها للمداواة التي لا تجب ، والجواب : أن كشفها لا يجوز لكل مداواة وإنما يجوز في موضع يقول أهل العرف : إن المصلحة في المداواة راجحة على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في أول كتاب النكاح حيث ذكره المصنف والأصحاب . فلو كان الختان سنة لما كشفت العورة المحرم كشفها له . واعتمد المصنف في كتابه في الخلاف والغزالي في الوسيط وجماعة قياسا فقالوا : الختان قطع عضو سليم ، فلو لم يجب لم يجز كقطع الأصبع ، فإن قطعها إذا كانت سليمة لا يجوز إلا إذا وجب بالقصاص والله أعلم . فرع : الختان واجب على الرجال والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف ، كذا حكاه الخطابي ، وممن أوجبه أحمد وقال مالك وأبو حنيفة : سنة في حق الجميع وحكاه الرافعي وجها لنا ، وحكى وجها ثالثا أنه يجب على الرجل وسنة على المرأة ، وهذان الوجهان شاذان ، والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي رحمه الله وقطع به الجمهور أنه واجب على الرجال والنساء ، ودليلنا ما سبق . فإن احتج القائلون بأنه سنة بحديث : الفطرة عشرة ومنها الختان ، فجوابه قد سبق عند ذكرنا تفسير الفطرة والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الواجب في ختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة بحيث تنكشف الحشفة كلها ، فإن قطع بعضها وجب قطع الباقي ثانيا ، صرح به إمام الحرمين وغيره ، وحكى الرافعي عن ابن كج أنه قال : عندي أنه يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها ، وهذا الذي قاله ابن كج شاذ ضعيف ، والصحيح المشهور الذي قطع به الأصحاب في الطرق ما قدمناه أنه يجب قطع جميع ما يغطي الحشفة ، والواجب في المرأة قطع ما ينطلق عليه الاسم من الجلدة التي كعرف الديك فوق مخرج البول ، وصرح بذلك أصحابنا واتفقوا عليه .

Section V01/P366–V01/P368

قالوا : ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير ولا يبالغ في القطع واستدلوا فيه بحديث عن أم عطية رضي الله عنها أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل رواه أبو داود . ولكن قال : ليس هو بالقوي ، وتنهكي بفتح التاء والهاء أي لا تبالغي في القطع والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : وقت وجوب الختان بعد البلوع ، لكن يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره لأنه أرفق به ، وقال صاحب الحاوي وصاحبا المستظهري والبيان وغيرهم : ويستحب أن يختن في اليوم السابع لخبر ورد فيه إلا أن يكون ضعيفا لا يحتمله فيؤخره حتى يحتمله ، قال صاحب الحاوي والمستظهري ، وهل يحسب يوم الولادة من السبعة فيه وجهان ، قال أبو علي بن أبي هريرة : يحسب ، وقال الأكثرون : لا يحسب ، فيختن في السابع بعد يوم الولادة ذكره صاحب المستظهري في باب التعزير . قال صاحب الحاوي : فإن ختنه قبل اليوم السابع كره . قال : وسواء في هذا الغلام والجارية قال : فإن أخر عن السابع استحب ختانه في الأربعين ، فإن أخر استحب في السنة السابعة . واعلم أن هذا الذي ذكرناه من أنه يجوز ختانه في الصغر ولا يجب لكن يستحب هو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، وفي المسألة وجه أنه يجب على الولي ختانه في الصغر لأنه من مصالحه فوجب . حكاه صاحب البيان عن حكاية القاضي أبي الفتوح عن الصيدلاني وأبي سليمان قال : وقال سائر أصحابنا : لا يجب . ووجه ثالث أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين ، لأن ألمه فوق ألم الضرب ولا يضرب على الصلاة إلا بعد عشر سنين ، حكاه جماعة منهم القاضي حسين في تعليقه ، وأشار إليه البغوي في أول كتاب الصلاة وليس بشيء ، وهو كالمخالف للإجماع والله أعلم . فرع : لو كان لرجل ذكران قال صاحب البيان : إن عرف الأصلي منهما ختن وحده ، قال صاحب الإبانة : يعرف الأصلي بالبول ، وقال غيره بالعمل فإن كانا عاملين أو يبول منهما وكانا على منبت الذكر على السواء وجب ختانهما وأما الخنثى المشكل فقال في البيان : قال القاضي أبو الفتوح : يجب ختانه في فرجيه جميعا لأن أحدهما واجب ولا يتوصل إليه إلا بختانهما كما أن من تزوج بكرا لما لم يتمكن من وصوله إلى الوطء المستحق إلا بقطع بكارتها كان له ذلك بلا ضمان ، قال : فإن كان الخنثى صغيرا ختنه الرجال والنساء إذا قلنا بالوجه الضعيف : إن الصغير يجب ختانه ، وإن قلنا بالمذهب أنه لا يجب ختان الصغير لم يختن الخنثى الصغير حتى يبلغ فيجب ، وحينئذ إن كان هو يحسن الختان ختن نفسه وإلا اشترى له جارية تختنه فإن لم توجد جارية تحسن ذلك ختنه الرجال والنساء للضرورة كالتطبيب ، هذا كلام صاحب البيان وقطع البغوي بأن لا يختن الخنثى المشكل لأن الجرح على الإشكال لا يجوز ، ذكره قبل كتاب الصداق بأسطر في فصلين ذكر فيهما أحكام الخنثى وهذا الذي ذكره البغوي هو الأظهر المختار والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه لا يجب الختان حتى يبلغ فإذا بلغ وجب على الفور . قال صاحب الحاوي وإمام الحرمين وغيرهما : فإن كان الرجل ضعيف الخلقة بحيث لو ختن خيف عليه لم يجز أن يختن بل ينتظر حتى يصير بحيث يغلب على الظن سلامته ، قال صاحب الحاوي : لأنه لا تعبد فيما يفضي إلى التلف .

Section V01/P368–V01/P370

فرع : لو مات غير مختون فثلاثة أوجه : الصحيح الذي قطع به الجمهور لا يختن ، لأن ختانه كان تكليفا وقد زال بالموت والثاني : يختن الكبير والصغير والثالث : يختن الكبير دون الصغير ، حكاهما في البيان وهما شاذان ضعيفان ، وهذه المسألة موضعها كتاب الجنائز ، وهناك ذكرها الأصحاب وسنوضحها هناك إن شاء الله تعالى . فرع : قال القاضي حسين والبغوي : يجب على السيد أن يختن عبده أو يخلي بينه وبين كسبه ليختن به نفسه ، قال القاضي : فإن كان العبد زمنا فأجرة ختانه في بيت المال ، وهذا الذي قاله فيه نظر وينبغي أن يجب على السيد كالنفقة . فرع : أجرة ختان الطفل في ماله ، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته والله أعلم . فرع : قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه التبصرة في الوسوسة : لو ولد مختونا بلا قلفة فلا ختان لا إيجابا ولا استحبابا ، فإن كان من القلفة التي تغطي الحشفة شيء موجود وجب قطعه كما لو ختن ختانا غير كامل فإنه يجب تكميله ثانيا حتى يبين جميع القلفة التي جرت العادة بإزالتها في الختان . فرع في مذاهب العلماء في وقت الختان قد ذكرنا أن أصحابنا استحبوه يوم السابع من ولادته ، قال ابن المنذر في كتاب الختان من كتابه الأشراف وهو عقب الأضحية وهي عقب كتاب الحج : روي عن أبي جعفر عن فاطمة أنه كانت تختن ولدها يوم السابع ، قال : وكره الحسن البصري ومالك الختان يوم سابعه لمخالفة اليهود ، قال مالك : عامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا ثغر الصبي . قال أحمد بن حنبل : لم أسمع في ذلك شيئا ، وقال الليث بن سعد : يختن ما بين السبع إلى العشر ، قال : وروي عن مكحول أو غيره أن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام ، وإسماعيل لسبع عشرة سنة ، قال ابن المنذر بعد حكايته هذا كله : ليس في باب الختان نهي يثبت ، ولا لوقته حد يرجع إليه ، ولا سنة تتبع ، والأشياء على الإباحة ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة ، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة . وهذا آخر كلام ابن المنذر . & باب نية الوضوء &

Section V01/P370–V01/P371

قال المصنف رحمه الله تعالى : الطهارة ضربان : عن حدث ، وطهارة عن نجس . فأما الطهارة عن النجس فلا تفتقر إلى النية لأنها من باب التروك . فلا تفتقر إلى نية ، كترك الزنا والخمر واللواط والغصب والسرقة . + الشرح : قال أهل اللغة : النية القصد وعزم القلب ، وهي بتشديد الياء وهذه هي اللغة المشهورة ويقال بتخفيفها . قال الأزهري : هي مأخوذة من قولك : نويت بلدة كذا أن عزمت بقلبي قصده ، قال : ويقال للموضع الذي بقصده نية بتشديد الياء ونية بتخفيفها ، وكذلك الطية والطية العزم والموضع قاله ابن الأعرابي : وانتويت موضع كذا أي قصدته للنجعة . ويقال : للبلد المنوي نوى أيضا ، ويقال : نواك الله أي حفظك كان المعنى قصد الله بحفظه إياك ، فالنية عزم القلب على عمل فرض أو غيره ، هذا كلام الأزهري . وكذا ذكر غيره بتشديد الياء وتخفيفها من النية . وأما الوضوء فهو من الوضاءة بالمد وهي النظافة والنضارة وفيه ثلاث لغات أشهرها أنه بضم الواو اسم للفعل وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به ، قال ابن الأنباري وغيره : وهذه اللغة هي قول الأكثرين من أهل اللغة والثانية بفتح الواو فيهما وهي قول الخليل والأصمعي وابن السكيت وغيرهم ، قال الأزهري : والضم لا يعرف ، والثالثة بالضم فيهما وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب مطالع الأنوار ، وهذه اللغات هي التي في الطهور والطهور ، وقد سبقت في أول كتاب الطهارة والله أعلم . وأما قول المصنف : الطهارة ضربان ، طهارة عن حدث وطهارة عن نجس فمعناه أن الطهارة منحصرة في هذين الضربين فيرد عليه تجديد الوضوء ، والأغسال المسنونة فإنها طهارة وليس فيها رفع حدث ولا إزالة نجس ، ويجاب عنه بأن المراد بطهارة الحدث الطهارة بسبب الحدث أو على صورتها ، وينقسم إلى رافعة للحدث وغير رافعة كتجديد الوضوء والأغسال المسنونة والتيمم ، وقد سبق مثل هذه العبارة في أول باب ما يفسد الماء من الاستعمال ، وذكر المصنف هناك ما يدل على ما ذكرته والله أعلم . وقوله : كترك الزنا هو بالقصر والمد لغتان ، القصر أشهر وأفصح وبه جاء القرآن : ولا تقربوا الزنى الإسراء : 23 وقوله : لأنها من باب التروك معناه أن المأمورية في إزالة النجاسة ترك ما طرأ عليه مما لم يكن ، وليس المطلوب تحصيل شيء بخلاف الوضوء وشبهه فإن المأمور به إيجاد فعل لم يكن فصارت إزالة النجاسة كترك الزنا واللواط ورد المغصوب فإنها لا تفتقر إلى نية . فإن قيل : فالطهارة عن الحدث ترك أيضا فإنها ترك للحدث . فالجواب : لا نسلم أنها ترك بل إيجاد للطهارة بدليل أن تجديد الوضوء والتيمم طهارة ولا ترفع حدثا ، وإنما توجد الطهارة . فإن قيل : الصوم ترك ويفتقر إلى النية ، فالجواب أن الصوم كف مقصود لقمع الشهوة ومخالفة الهوى فالتحق بالأفعال والله أعلم . أما الحكم الذي ذكره وهو أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية فهو المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، ونقل صاحب الحاوي والبغوي في شرح السنة إجماع المسلمين عليه ، وحكى الخراسانيون وصاحب الشامل وجها أنه يفتقر إلى النية ، حكاه القاضي حسين وصاحبا الشامل والتتمة عن ابن سريج وأبي سهل الصعلوكي ، وقيل : لا يصح عن ابن سريج . قال إمام الحرمين : غلط من نسبه إلى ابن سريج ، وبين الإمام سبب الغلط بما سنذكره في باب إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى والله أعلم .

Section V01/P371–V01/P373

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الطهارة عن الحدث من الوضوء والغسل والتيمم فلا يصح شيء منها إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال فلم تصح من غير نية كالصلاة . + الشرح : هذا الحديث متفق على صحته ، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو حديث عظيم ، أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام بل هو أعظمها ، وهي أربعون حديثا . قد جمعتها في جزء ، قال الشافعي رحمه الله : يدخل في هذا الحديث ثلث العلم . وقال أيضا : يدخل في سبعين بابا من الفقه . وقال غيره نحو هذه العبارة . وكان السلف يستحبون أن يبدأ كل تصنيف بهذا الحديث لكونه منبها على تصحيح النية . قال العلماء : والمراد بالحديث لا يكون العمل شرعيا يتعلق به ثواب وعقاب إلا بالنية ، ولفظة إنما للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه ، قال الخطابي : وأفاد قوله صلى الله عليه وسلم : وإنما لكل امرىء ما نوى فائدة لم تحصل بقوله : إنما الأعمال بالنيات وهي أن تعيين العبادة المنوية شرط لصحتها والله أعلم . وأما قول المصنف : ولأنها عبادة محضة . فالمحضة الخالصة التي ليس فيها شوب بشيء آخر ، واختلف العلماء في حد العبادة فقال الأكثرون العبادة الطاعة لله تعالى والطاعة موافقة الأمر ، وكذا نقل هذا عن المصنف . وذكر المصنف في كتابه في الحدود الكلامية والفقهية خلافا في العبادة فقال : العبادة والتعبد والنسك بمعنى وهو الخضوع والتذلل ، فحد العبادة ما تعبدنا به على وجه القربة والطاعة . قال : وقيل : العبادة طاعة لله تعالى . وقيل : ما كان قربة لله تعالى وامتثالا لأمره . قال : وهذان الحدان فاسدان . لأنه قد يكون الشيء طاعة وليس بعبادة ولا قربة وهو النظر والاستدلال إلى معرفة الله تعالى في ابتداء الأمر . وقال إمام الحرمين في كتابه الأساليب في مسائل الخلاف هنا : العبادة التذلل والخضوع بالتقرب إلى المعبود بفعل ما أمر . وقال المتولي في كتابه في الكلام : العبادة فعل يكلفه الله تعالى عباده مخالفا لما يميل إليه الطبع على سبيل الابتلاء ، وقال الماوردي في الحاوي : العبادة ما ورد التعبد به قربة لله تعالى . وقيل أقوال أخر وفيما ذكرناه كفاية . وأما قول المصنف : ولأنها عبادة محضة ، فاحترز بالعبادة عن الأكل والنوم ونحوهما . وبالمحضة عن العدة ، وقوله : طريقها الأفعال : قال صاحب البيان والقلعي وغيرهما : هو احتراز من الأذان والخطبة وقيل : احتراز من إزالة النجاسة ، فإن طريقها التروك . وأما حكم المسألة : فهو أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم بلا خلاف عندنا . فرع : قد ذكرنا أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم وهذا مذهبنا ، وبه قال الزهري وربيعة شيخ مالك ومالك والليث بعد سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود ، قال صاحب الحاوي : وهو قول جمهور أهل الحجاز ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : ويروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وذهب طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية ، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والحسن بن صالح ، وحكاه أصحابنا عنهما وعن زفر ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري : يصح الوضوء والغسل بلا نية ، ولا يصح التيمم إلا بالنية ، وهي رواية عن الأوزاعي .

Questions