Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V05/P015–V05/P017

وقيل : ليعلم أهل الطريقين ويفتيهم وقيل : ليغيظ المنافقين بإظهار الشعار وقيل : لئلا يرصده المنافقون فيؤذوه وقيل : للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا ونحو ذلك وقيل كان يخرج في الطريق الأول خلق كثير فيكثر الزحام فيرجع في آخر ليخف ، قال أصحابنا : ثم إن لم نعلم المعنى الذي خالف النبي صلى الله عليه وسلم بسببه الطريق استحب لنا مخالفة الطريق بلا خلاف ، وإن علمناه ووجد ذلك المعنى في إنسان استحب له مخالفة الطريق ، وإن لم يوجد فيه فوجهان مشهوران الصحيح : باتفاق الأصحاب يستحب أيضا ، وبه قال أبو علي ابن أبي هريرة ، وبه قطع المصنف والأكثرون لمطلق الأمر بالاقتداء . والثاني : قاله أبو إسحاق : لا يستحب لفوات سببه ، وأجاب الأولون عن هذا بأنه قد يزول سبب العبادة ويبقى أصلها ، كالرمل والسعي ونظائرهما ، وأصح الأقوال في حكمته هو الأول ، وهو الذهاب في أطول الطريقين والرجوع في الأقصر ، صححه جمهور أصحابنا ، وصحح الشيخ أبو حامد القول الأخير وأما قول إمام الحرمين وغيره : إن الرجوع ليس بقربة فغلطوهم : فيه بل يثاب في رجوعه للحديث الصحيح الذي قدمناه في الفصل السابق . قال الشافعي في الأم : ويستحب للإمام في رجوعه أن يقف في طريقه فيستقبل القبلة ويدعو وروي فيه حديثا . فرع في مذاهب العلماء في صلاة النفل قبل صلاة العيد وبعدها أجمعوا على أنه ليس لها سنة قبها ولا بعدها ، واختلفوا في كراهة النفل قبلهاوبعدها ، فمذهب الشافعي أنه لا يكره صلاة النفل قبل صلاة العيد ولا بعدها ، لا في البيت ولا في المصلى لغير الإمام ، وبه قال أنس بن مالك وأبو هريرة ورافع بن خديج وسهل بن سعد وأبو بردة والحسن البصري وأخوه سعد بن أبي الحسن وجابر بن زيد وعروة بن الزبير وابن المنذر . وقال آخرون : تكره الصلاة قبلها وبعدها ، حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وجابر بن عبد الله ( وعبد الله ) ابن أبي أوفى ومسروق والشعبي والضحاك بن مزاحم وسالم بن عبد الله والزهري وابن جريج ومعمر وأحمد . وقال آخرون : يصلى بعدها لا قبلها ، حكاه ابن المنذر عن أبي مسعود البدري وعلقمة والأسود ومجاهد والنخعي وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي ، وحكاه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ، وقال آخرون : يكره في المصلى قبلها وبعدها ولا يكره في غيره . ودليلنا ما احتج به الشافعي وابن المنذر والمصنف وسائر الأصحاب أن الأصل إباحة الصلاة حتى يثبت النهي .

Section V05/P017–V05/P019

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يؤذن لها ولا يقام لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم صلى قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة والسنة أن ينادى لها : الصلاة جامعة لما روى عن الزهري أنه كان ينادي به . + الشرح : حديث ابن عباس صحيح ، ورواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، إلا أنه قال : وعمر أو عثمان . ورواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وجابر : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وعن جابر بن سمرة : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة رواه مسلم . وأما هذا المروي عن الزهري فرواه الشافعي بإسناد ضعيف مرسلا ، فقال الشافعي في الأم : أخبرنا الثقة عن الزهري قال : لم يكن يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لأبي بكر ولا عمر ولا عثمان في العيدين حتى أحدث ذلك معاوية بالشام . وأحدثه الحجاج بالمدينة حين مر عليها ، قال الزهري : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر في العيدين المؤذن فيقول الصلاة جامعة ، ويغني عن هذا الحديث الضعيف القياس على صلاة الكسوف ، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فيها منها : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لما كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي بالصلاة جامعة وفي رواية أن الصلاة جامعة رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة : أن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث مناديا : الصلاة جامعة رواه البخاري ومسلم . قوله : عن الزهري أنه كان ينادي به ، هو بفتح الدال . وقوله : الصلاة جامعة هما منصوبان : الصلاة على الإغراء ، وجامعة على الحال . وأما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : لا يؤذن للعيد ولا يقام وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وعليه عمل الناس في الأمصار ، للأحاديث الصحيحة التي ذكرناها قال ابن المنذر : وروينا عن ابن الزبير أنه أذن لها وأقام . قال : وقال حصين : أول من أذن في العيد زياد ، وقيل أول من أذن لها معاوية وقيل غيره . قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن يقال : الصلاة جامعة لما ذكرناه من القياس على الكسوف . قال الشافعي في الأم : وأحب أن يأمر الأمام المؤذن أن يقول في الأعياد ، وما جمع الناس من الصلاة : الصلاة جامعة أو الصلاة . قال : وإن قال : هلم إلى الصلاة لم نكرهه ، وإن قال حي على الصلاة فلا بأس . وإن كنت أحب أن يتوقى ذلك لأنه من كلام الأذان . وأحب أن يتوقى جميع كلام الأذان ، قال : ولو أذن أو أقام للعيد كرهته له ولا إعادة عليه . هذا كلام الشافعي . وقال صاحب العدة : لو قال حي على الصلاة جاز . بل هو مستحب ، وقال الدارمي لو قال : حي على الصلاة كره لأنه من ألفاظ الأذان . والصواب ما نص عليه الشافعي أنه لا يكره وأن الأولى اجتنابه واجتناب سائر ألفاظ الأذان .

Section V05/P019–V05/P021

قال المصنف رحمه الله تعالى : وصلاة العيد ركعتان لقول عمر رضي الله عنه : صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة السفر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان . تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وقد خاب من افترى والسنة أن يصلي جماعة لنقل الخلف عن السلف ، والسنة أن يكبر في الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام ، وتكبيرة الركوع ، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام والركوع ، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يكبر في الفطر في الأولى سبعا ، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة الصلاة والتكبيرات قبل القراءة ، لما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبعا ، وفي الثانية خمسا قبل القراءة فإن حضر وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض ، لأنه ذكر مسنون فات محله ، فلم يقضه كدعاء الاستفتاح . وقال في القديم : يقضي لأن محله القيام وقد أدركه وليس بشيء ، والسنة أن يرفع يديه مع كل تكبيرة ، لما روي أن عمر رضي الله عنه : كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ويستحب أن يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية يذكر الله تعالى : لما روي أن الوليد بن عقبة خرج يوما على عبد الله بن حذيفة والأشعري وقال : إن هذا العيد غدا فكيف التكبير فقال عبد الله بن مسعود : تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ، فقال الأشعري و حذيفة : صدق والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة بق واقتربت لما روى أبو واقد الليثي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى بق واقتربت الساعة والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة لنقل الخلف عن السلف . + الشرح : حديث عمر صلاة الأضحى ركعتان : إلى آخره حديث حسن رواه أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما ، وسبق بيانه في آخر باب صلاة الجمة ، وفي صلاة المسافر وجواز القصر والإتمام . وحديث عمرو بن شعيب هذا صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة . قال الترمذي في كتاب العلل : سألت البخاري عنه فقال : ليس في هذا الباب شيء أصح منه قال : وبه أقول ، وهذا الذي قاله فيه نظر لأن كثير بن عبد الله ضعيف ، ضعفه الجمهور . وأما قوله : ( إن عمر كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد ) فقال البيهقي : رويناه في حديث مرسل ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، ورواه في السنن الكبير عن عمر رضي الله عنه بإسناد ضعيف ومنقطع . وأما قوله ( إن الوليد بن عقبة خرج على عبد الله وحذيفة ) فرواه البيهقي بإسناد حسن وليس في روايته ( فقال الأشعري وحذيفة صدق ) وأما حديث أبي واقد فرواه مسلم . وأما جد كثير بن عبد الله فهو عمر بن عوف الأنصاري الصحابي توفي بالمدينة آخر خلافة معاوية . وأما الوليد فهو أبو وهب الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الصحابي وهو أخو عثمان بن عفان لأمه ، أسلم يوم الفتح . وأما أبو واقد فبالقاف واسمه الحارث بن عوف ، وقيل : الحارث بن مالك وقيل : عوف بن الحارث شهد بدرا واليرموك والجابية وتوفي بمكة سنة ثمان وستين وهو ابن خمس وسبعين ، ودفن في مقبرة المهاجرين .

Section V05/P021–V05/P022

وأما قول المصنف ( لأنه ذكر مسنون فات محله فلم يقضه كدعاء الاستفتاح ) احترز بالمسنون عن قراءة الفاتحة إذا نسيها ، أو أدرك الإمام بعد فراغه منها وقوله : كدعاء الاستفتاح معناه أن المنفرد إذا شرع في الفاتحة قبل الافتتاح لا يأتي بعد ذلك ، وأما المأموم إذا أدرك الإمام بعد فراغه منه وشروعه في القراءة أتى به إن لم يخش فوت الفاتحة قبل ركوع الإمام ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفقوا عليه وهذا القياس الذي ذكره فيه إنكاران أحدهما : أنه ليس نظير مسألتنا ، بل نظيرها إذا أدرك الإمام في الفاتحة ، وقد نص في الأم على أنه يأتي بالافتتاح هنا . الثاني : أنه ينتقض بمن ترك قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى منها ، فإنه يقرأ في الثانية الجمعة والمنافقين بالاتفاق ، وبمن ترك التعوذ في الركعة الأولى وقلنا يختص بها فإنه يأتي به في الثانية بالاتفاق ، وبالمسبوق إذا أدرك ركعتين فإنه يأتي بالسورة في الباقيتين على الصحيح المنصوص مع قولنا لا تشرع السورة في الأخريين . قال الأصحاب : إنما يأتي بالسورة لكونها فاتته في الأوليين مع الإمام والله أعلم . أما الأحكام : فصلاة العيد ركعتان بالإجماع ، وصفتها المجزئة كصفة سائر الصلوات وسننها وهيئاتها كغيرها من الصلوات ، وينوى بها صلاة العيد ، هذا أقلها . وأما الأكمل فأن ريقرأ بعد تكبيرة الإحرام دعاء الاستفتاح ، ثم يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام ، وسوى تكبيرة الركوع وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام من السجود ، والهوي إلى الركوع ، وقال المزني : التكبيرات في الأولى ست ، وحكي الرافعي قولا شاذا أن دعاء الاستفتاح يكون بعد هذه التكبيرات ، والصواب الأول ، وهو المعروف من نصوص الشافعي ، وبه قطع الجمهور . قال الشافعي وأصحابنا : يستحب أن يقف بين كل تكبيرتين من الزوائد قدر قراءة آية ، لا طويلة ولا قصيرة ، يهلل الله تعالى ويكبره ، ويحمده ويمجده هذا لفظ الشافعي في الأم ومختصر المزنى ، لكن ليس في الأم ويمجده . قال جمهور الأصحاب : يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ولو زاد عليه جاز ، وقال الصيدلاني عن بعض الأصحاب : يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير . وقال ابن الصباغ : لو قال ما اعتاده الناس : الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا . كان حسنا . وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسعود المسعودي من أصحابنا أصحاب القفال يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ، ولا يأتي بهذا الذكر بعد السابعة والخامسة ، بل يتعوذ عقب السابعة ، وكذا عقب الخامسة إن قلنا يتعوذ في كل ركعة وهو الأصح ، ولا يأتي به أيضا بين تكبيرة الإحرام والأولى من الزوائد ، ولا يأتي به أيضا في الثانية قبل الأولى من الخمس ، هذا هو المذهب . وقال إمام الحرمين : يأتي به والصواب في المذهب والدليل هو الأول ، وبه قطع الأصحاب في طرقهم . قال الشافعي في الأم ( ولو وصل التكبيرات الزوائد بعضهن ببعض ولم يفصل بينهن بذكر كرهت ذلك ، ثم يقرأ بعد التعوذ الفاتحة ثم سورة ق ، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة اقتربت الساعة ) وثبت في صحيح مسلم في رواية النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قرأ في صلاة العيد أيضا سبح اسم ربك وهل أتاك حديث الغاشية فكلاهما سنة والله أعلم . والمستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في كل واحدة من التكبيرات الزوائد ، ويضع اليمنى على اليسرى بين كل تكبيرتين .

Section V05/P022–V05/P024

قال الرافعي : وفي العدة ما يشعر بخلاف فيه ، قال الشافعي في الأم : فإن ترك الرفع في التكبيرات أو بعضها كرهت ذلك له ، ولو شك في عدد التكبيرات أخذ بالأقل قياسا على عدد الركعات ، ولو كبر ثماني تكبيرات وشك ، هل نوى الإحرام بإحداهن لم تنعقد صلاته ، نص عليه في الأم ، واتفقوا عليه ، لأن الأصل عدم ذلك . ولو شك في التكبيرة التي نوى التحرم بها جعلها الأخيرة وأعاد الزوائد . ولو صلى خلف من يكبر ثلاثا أو ستا ففيه قولان أحدهما : يكبر سبعا في الأولى وخمسا في الثانية ، كما لو ترك إمامه التعوذ ونحوه وأصحهما : لا يزيد عليه لئلا يخالفه ، ولو ترك الزوائد عمدا أو سهوا لم يسجد للسهو وصلاته صحيحة ، لكن يكره تركهن أو ترك واحدة منهن والزيادة فيهن . نص عليه في الأم وأجمعت الأمة على أنه يجهر بالقراءة والتكبيرات الزوائد ويسر بالذكر بينهن . فرع : لو نسي التكبيرات الزائدة في صلاة العيد في ركعة فتذكرهن في الركوع أو بعده ، مضي في صلاته ولا يكبرهن ولا يقضيهن ، فإن عاد إلى القيام ليكبرهن بطلت صلاته إن كان عالما بتحريمه وإلا فلا ولو تذكرهن قبل الركوع أما في القراءة وأما بعدها فقولان الصحيح : الجديد أنه لا يأتي بهن لفوات محلهن وهو قبل القراءة ، والقديم يأتي بهن سواء ذكرهن في القراءة أو بعدها ، ما لم يركع عنده أن محلهن القيام وهو باق ، فعلى القديم لو تذكر في أثناء الفاتحة قطعها وكبرهن ثم استأنف الفاتحة ، ولو تذكرهن بعد الفاتحة كبرهن ويستحب استئناف الفاتحة ، وفيه وجه شاذ حكاه الرافعي أنه يجب استئناف الفاتحة والصواب الأول : وبه قطع الجمهور ونص عليه في الأم ، واتفقوا على أنه لو تركهن حتى تعوذ ولم يشرع في الفاتحة أتى بهن لأن محلهن قبل القراءة وتقديمهن على التعوذ سنة لا شرط ولو أدرك الإمام في أثناء الفاتحة أو قد كبر بعض التكبيرات الزائدة فعلى الجديد لا يكبر ما فاته وعلى القديم يكبره ، ولو أدركه راكعا ركع معه ولا يكبرهن بالاتفاق ، ولو أدركه في الركعة الثانية كبر معه خمسا على الجديد ، فإذا قام إلى ثانيته بعد سلام الإمام كبر أيضا خمسا . فرع : تسن صلاة العيد جماعة ، وهذا مجمع عليه للأحاديث الصحيحة المشهورة فلو صلاها المنفرد فالمذهب صحتها ، وفيه خلاف ذكره المصنف في آخر الباب سنوضحه هناك إن شاء الله تعالى . فرع في مذاهب العلماء في عدد التكبيرات الزوائد قد ذكرنا أن مذهبنا أن في الأولى سبعا ، وفي الثانية خمسا وحكاه الخطابي في معالم السنن عن أكثر العلماء وحكاه صاحب الحاوي عن أكثر الصحابة والتابعين ، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ويحيى الأنصاري و الزهري ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وحكاه المحاملي عن أبي بكر الصديق وعمر و على وزيد بن ثابت وعائشة رضي الله عنهم ، وحكاه العبدري أيضا عن الليث وأبي يوسف و داود . وقال آخرون : يكبر في كل ركعة سبعا ، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس والمغيرة بن شعبة و أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والنخعي ، وحكى أصحابنا عن مالك وأحمد وأبي ثور و المزني أن في الأولى ستا وفي الثانية خمسا وقال ابن مسعود : في الأولى خمس وفي الثانية أربع كذا حكاه عنه الترمذي وحكى غيره عن ابن مسعود أن في كل ركعة ثلاث تكبيرات وهو مذهب أبي حنيفة وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وعقبة بن عمرو ، وعن الحسن البصري في الأولى خمس ، وفي الثانية ثلاث ، وحكى أيضا عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير في كل ركعة أربع تكبيرات ، وعن الحسن البصري رواية يكبر في الأولى ثلاثا وفي الثانية ثنتين .

Section V05/P024–V05/P025

واحتج لأبي حنيفة وموافقيه بما روي أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر فقال أبو موسى : كان يكبر أربعا تكبيرة على الجنائز ، فقال حذيفة : صدق رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف ، وأشار البيهقي إلى تضعيفه وشذوذه ، ومخالفة رواية الثقات ، وأن المشهور وقفه على ابن مسعود . واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كبر في الأولى سبعا ، وفي الثانية خمسا رواه أبو داود وغيره وصححوه كما سبق بيانه ، وعن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، رواه أبو داود وغيره والجواب : عن حديثهم أنه ضعيف كما سبق ، مع أن رواة ما ذهبنا إليه أكثر وأحفظ وأوثق مع أن معهم زيادة والله أعلم . فرع في مذاهبهم في محل التكبير قد ذكرنا أن مذهبنا أن التكبيرات الزوائد تكون بين دعاء الاستفتاح والتعوذ ، وبه قال العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال : يقرأ في الثانية قبل التكبيرات ثم يكبر . وحكى ابن الصباغ وغيره عن أبي يوسف أنه يتعوذ قبل التكبيرات ، ليتصل التعوذ بدعاء الافتتاح ثم التعوذ . واحتج لأبي حنيفة بما روي عن ابن مسعود وحذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم : كبر في صلاة العيد أربعا كتكبيرات الجنازة ووالى بين القراءتين واحتج أصحابنا بحديث كثير بن عبد الله المذكور في الكتاب ونحوه أيضا في سنن أبي داود من جهة غيره ، والحديث المحتج به لأبي حنيفة ضعيف أو باطل ، وقول أبي يوسف غير مسلم ، فإن التعوذ إنما شرع للقراءة وهو تابع لها ، فينبغي أن يتصل بها ، والله أعلم . فرع في مذاهبهم في رفع اليدين في التكبيرات الزائده مذهبنا استحباب الرفع فيهن واستحباب الذكر بينهن ، وبه قال عطاء والأوزاعي وأبو حنيفة ومحمد وأحمد وداود وابن المنذر . وقال مالك والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف : لا يرفع اليدين إلا في تكبيرة الإحرام . فرع في مذاهبهم في الذكر بين التكبيرات الزوائد قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه ، وبه قال ابن مسعود وأحمد وابن المنذر ، وقال مالك والأوزاعي : لا يقوله . ومذهبنا أن دعاء الافتتاح في صلاة العيد قبل التكبيرات الزوائد . وقال الأوزاعي : يقوله بعدهن . وأما التعوذ فمذهبنا أنه يقوله بعد التكبيرات الزوائد وقبل الفاتحة ، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن . وقال أبو يوسف : يقوله عقب دعاء الاستفتاح قبل التكبيرات . فرع : في مذاهبهم فيمن نسي التكبيرات الزائدة حتى شرع في القراءة . قد ذكرنا أن مذهبنا الجديد الصحيح أنها تفوت ولا يعود يأتي بها ، وبهذا قال أحمد بن حنبل والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة ، والقديم أنه يأتي بها ما لم يركع ، وبه قال أبو حنيفة ومالك .

Section V05/P025–V05/P027

قال المصنف رحمه الله تعالى : والسنة إذا فرغ من الصلاة أن يخطب لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا بكر وعثمان رضي الله عنهما : كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة والمستحب أن يخطب على منبر لما روى جابر رضي الله عنه قال : شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم الأضحى فلما قضى خطبته نزل من منبره ويسلم على الناس إذا أقبل عليهم كما قلنا في خطبة الجمعة ، وهل يجلس قبل الخطبة فيه وجهان أحدهما : لا يجلس لأن في الجمعة يجلس لفراغ المؤذن من الآذان ، وليس في العيدين أذان والثاني : يجلس وهو المنصوص في الأم لأنه يستريح بها ، ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة ، ويجوز أن يخطب من قعود لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خطب يوم العيد على راحلته ولأن صلاة العيد يجوز قاعدا فكذلك خطبتها بخلاف الجمعة ، والمستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع ، لما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال : هو من السنة : ويأتي ببقية الخطبة على ما ذكرناه في الجمعة من ذكر الله تعالى وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله تعالى وقراءة القرآن ، فإن كان في عيد الفطر علمهم صدقة الفطر ، وإن كان في عيد الأضحى علمهم الأضحية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته لا يذبحن أحد حتى يصلي . ويستحب للناس استماع الخطبة لما روي عن ابن مسعود أنه قال يوم عيد : من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة فإن دخل رجل والإمام يخطب ، فإن كان في المصلى استمع الخطبة ولا يشتغل بصلاة العيد لأن الخطبة من سنن العيد ويخشى فواتها والصلاة لا يخشى فواتها فكان الاشتغال ( بالخطبة ) أولى وإن كان في المسجد ففيه وجهان : قال أبو علي ابن أبي هريرة ، يصلي تحية المسجد ولا يصلي صلاة العيد ، لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد فلا يشتغل بالقضاء . وقال أبو إسحاق المروزي : يصلي العيد لأنها أهم من تحية المسجد وآكد ، وإذا صلاها سقط بها التحية فكان الاشتغال بها أولى كما لو حضر وعليه مكتوبة . + الشرح : حديث ابن عمر رضي الله عنهما رواه البخاري ومسلم ، وحديث جابر رواه البخاري ومسلم بمعناه ، ولفظهما قال جابر : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب ، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن فقوله نزل معناه عن المنبر . وأما حديث عبيد الله فرواه الشافعي في الأم بإسناد ضعيف ، ومع ضعفه فلا دلالة فيه على الصحيح لأن عبيد الله تابعي ، والتابعي إذا قال من السنة فيه وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي أبو الطيب أصحهما : وأشهرهما أنه موقوف والثاني : مرفوع مرسل ، فإن قلنا موقوف فهو قول صحابي لم يثبت انتشاره فلا يحتج به على الصحيح كما سبق ، وإن قلنا : مرفوع فهو مرسل لا يحتج به وأما قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : لا يذبحن أحد حتى يصلي فهو ثابت في الصحيحين بمعناه من رواية البراء بن عازب وجندب بن عبد الله رضي الله عنهم .

Section V05/P027–V05/P028

أما الأحكام : فيسن بعد صلاة العيد خطبتان على منبر ، وإذا صعد المنبر أقبل على الناس وسلم عليهم وردوا عليه كما سبق في الجمعة ، ثم يخطب كخطبتي الجمعة في الأركان والصفات ، إلا أنه لا يشترط القيام فيهما ، بل يجوز قاعدا ومضجعا مع القدرة على القيام والأفضل قائما ، ويسن أن يفصل بينهما بجلسة كما يفصل في خطبتي الجمعة ، وهل يستحب أن يجلس قبل الخطبتين أول صعوده إلى المنبر ، كما يجلس قبل خطبتي الجمعة فيه الوجهان المذكوران في الكتاب أصحهما : باتفاق الأصحاب يستحب وهو المنصوص في الأم ، وذكر المصنف دليل هذا كله ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب أن يكبر في أول الخطبة الأولى تسع تكبيرات نسقا ، وفي أول الثانية سبعا ، قال الشافعي والأصحاب : ولو أدخل بين هذه التكبيرات الحمد والتهليل والثناء جاز . وذكر الرافعي وجها أن صفة هذه التكبيرات كصفة التكبيرات المرسلة والمقيدة التي سنوضحها إن شاء الله تعالى . واعلم : أن هذه التكبيرات ليست من نفس الخطبة ، وإنما هي مقدمة لها . وقد نص الشافعي وكثيرون من الأصحاب على أنهن لسن من نفس الخطبة ، بل مقدمة لها ، قال البندنيجي : يكبر قبل الأولى تسع تكبيرات وقبل الثانية سبعا ، قال الشيخ أبو حامد : هو ظاهر نص الشافعي ، ولا يغتر بقول المصنف وجماعة : يستفتح الأولى بتسع تكبيرات ، فإن كلامهم متأول على أن معناه يفتتح الكلام قبل الخطبة بهذه التكبيرات ، لأن افتتاح الشيء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست من نفسه ، فاحفظ هذا فإنه مهم خفي ، قال الشافعي والأصحاب : فإن كان في عيد الفطر استحب للخطيب تعليمهم أحكام صدقة الفطر ، وفي الأضحى أحكام الأضحية ، ويبينها بيانا واضحا يفهمونه . ويستحب للناس استماع الخطبة ، وليست الخطبة ولا استماعها شرطا لصحة صلاة العيد ، لكن قال الشافعي : لو ترك استماع خطبة العيد أو الكسوف أو الاستسقاء أو خطب الحج ، أو تكلم فيها أو انصرف وتركها ، كرهته ولا إعادة عليه ، ولو دخل إنسان والإمام يخطب للعيد ، فإن كان في المصلى جلس واستمع الخطبة ، ولم يصل التحية ، ثم إذا فرغ الإمام فله الخيار إن شاء صلى العيد في الصحراء ، وإن شاء في بيته أو غيره ، هكذا قطع به الجمهور ، ونقلوا الاتفاق عليه ، وقال البندنيجي عن نصه في المختصر قال ونص في البويطي أنه يصلي العيد قبل أن يدنو من المصلى ، ثم يحضر ويستمع الخطبة ، والمشهور الأول ، فأما إن كان في المسجد فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما : عند جمهور الأصحاب يصلي العيد ، وتندرج التحية فيه ، وبهذا قال أبو إسحاق المروزي ، وممن صححه الشيخ أبو حامد ، وصاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب في المجرد والدارمي والبندنيجي و المحاملي والبغوي وغيرهم . والثاني : قاله ابن أبي هريرة يصلي التحية ويأخر صلاة العيد ، وبهذا قطع سليم الرازي في الكفاية ، وصححه صاحب البيان . وهذا الخلاف إنما هو في الأفضل ، هل يصلي التحية أم العيد ولا خلاف أنه مأمور بأحدهما لأن المسجد لا يجلس فيه إلا بعد صلاة ، فإن صلى التحية قال أبو إسحاق المروزي والقاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وسائر الأصحاب : فالمستحب أن يصلي العيد بعد فراغ الإمام في المسجد ، ولا يؤخرها إلى بيته ، بخلاف ما إذا أدرك الإمام بالمصلى فإنه مخير بين أن يصلي العيد في المصلى بعد فراغ الإمام ، وبين أن يرجع إلى بيته يصلي ، نص عليه الشافعي .

Section V05/P028–V05/P029

قالوا : والفرق أن المصلى لا مزية له على بيته ، وأما المسجد فهو أشرف البقاع ، فكانت صلاته فيه أفضل من بيته ، قال صاحب الشامل وغيره : ويخالف سائر النوافل حيث قلنا : فعلها في البيت أفضل لأن هذه الصلاة تسن لها الجماعة ، فكان فعلها في المسجد أولى كالفرائض بخلاف المصلى فإنما استحببناها فيه للإمام لتكثر الجماعة وذلك المعنى مفقود في حق المنفرد ، وهذا كله تفريع على المذهب وهو صحة صلاة العيد للمنفرد ، وفيه خلاف ذكره المصنف بعد هذا والله أعلم . فرع : إذا فرغ الإمام من الصلاة والخطبة . ثم علم أن قوما فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة ، سواء كانوا رجالا أم نساء ، وممن صرح به من أصحابنا البندنيجي والمتولي ، واحتجوا له بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خطب يوم العيد فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة رواه البخاري ومسلم . فرع : لو خطب قبل صلاة العيد فهو مسيء ، وفي الاعتداد بالخطبة احتمال لإمام الحرمين والصحيح بل الصواب أنه لا يعتد بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : وصلوا كما رأيتموني أصلي وقياسا على السنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمها عليها ، وهذا الذي صححته هو ظاهر نص الشافعي في الأم ، فإنه نص في الأم ونقله أيضا القاضي أبو الطيب في التجريد عن نصه في الأم قال : قال : فإن بدأ بالخطبة قبل الصلاة رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة ، فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة ولا كفارة ، كما لو صلى ولم يخطب . هذا نصه بحروفه ، وهو ظاهر في أن الخطبة غير محسوبة ، ولهذا قال : كما لو صلى ولم يخطب . فرع : قال الشافعي في الأم : أكره للمساكين إذا حضروا العيد المسألة في حال الخطبتين ، بل ينكفون عن المسألة حتى يفرغ الإمام من الخطبتين ، قال : فإن سألوا فلا شيء عليهم فيها إلا ترك الفضل في الاستماع . فرع : قال أصحابنا : الخطب المشروعة عشر ، خطبة الجمعة ، والعيدين ، والكسوفين والاستسقاء ، وأربع خطب في الحج ، وكلها بعد الصلاة إلا خطبة الجمعة وخطبة الحج يوم عرفة ، وكلها يشرع فيها خطبتان إلا الثلاث الباقية من الحج فإنهن فرادى ، قال أصحابنا : والفرق بين خطبة الجمعة والعيد في التقدم على الصلاة والتأخر من أوجه ذكرناها في باب الجمعة .

Section V05/P029–V05/P030

قال المصنف رحمه الله تعالى : روى المزني رحمه الله أنه يجوز صلاة العيد للمنفرد والمسافر والعبد والمرأة وقال في الإملاء والقديم ، والصيد والذبائح : لا يصلي العيد حيث لا تصلي الجمعة فمن أصحابنا من قال : فيها قولان : أحدهما لا يصلون : لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمنى مسافرا يوم النحر فلم يصل ولأنها صلاة شرع لها الخطبة واجتماع الكافة فلم يفعلها المسافر كالجمعة . والثاني : يصلون وهو الصحيح ، لأنها صلاة نفل فجاز لهم فعلها كصلاة الكسوف ، ومن أصحابنا من قال : يجوز لهم فعلها قولا واحدا ، وتأول ما قال في الإملاء والقديم على أنه أراد لا يصلي بالاجتماع والخطبة حيث لا تصلى الجمعة لأن في ذلك افتياتا على السلطان . + الشرح : حديث ترك النبي صلى الله عليه وسلم العيد يوم النحر بمنى صحيح معروف ، وقوله : اجتماع الكافة ، هذا لحن عند أهل العربية فلا يقال : الكافة ولا كافة الناس فلا يستعمل بالألف واللام ولا مضافة ، وإنما يستعمل حالا فيقال اجتماع الناس كافة كما قال الله تعالى : ادخلوا في السلم كافة البقرة : 802 وقاتلوا المشركين كافة التوبة : 63 وما أرسلناك إلا كافة للناس سبأ : 82 ول تغترن بكثرة استعمالها لحنا في كتب الفقه والخطب النباتية والمقامات وغيرها وقوله : الصيد والذبائح هو كتاب من كتب الأم وقوله : صلاة تشرع لها الخطبة واجتماع الكافة فلم يفعلها المسافر فيه احتراز من المكتوبات ، ولكنه ينتقض بصلاة الكسوف وقوله : في تعليل القول الآخر صلاة نفل احتراز من الجمعة . وأما : التأويل المذكور فمعناه : أن الشافعي أراد أنه لا يجوز أن يصلي طائفة من الناس في مسجد من مساجد البلد بخطبة واجتماع ، ويتركوا الصلاة مع الإمام وحضور خطبته في الجامع بخلاف الصلوات الخمس ، حيث تفعل في كل مسجد ، لأن في العيد افتياتا بخلاف الخمس . أما الأحكام : فهل تشرع صلاة العيد للعبد والمسافر والمرأة والمنفرد في بيته أو في غيره فيه طريقان : أصحهما وأشهرهما : القطع بأنها تشرع لهم ، ودليله ما ذكره المصنف ، وأجابوا عن ترك النبي صلى الله عليه وسلم بمنى بأنه تركها لاشتغاله بالمناسك ، وتعليم الناس أحكامها ، وكان ذلك أهم من العيد والثاني : فيه قولان . أحدهما : هذا ، وهو نصه في معظم كتبه الجديدة . والثاني : لا تشرع ، نص عليه في القديم والإملاء ، والصيد والذبائح من الجديد ، قال أصحابنا : فعلى القديم تشترط فيها شروط الجمعة من اعتبار الجمعة والعدد بصفات الكمال وغيرهما إلا أنه يجوز فعلها خارج البلد ، قال الرافعي : ومنهم من منعه ، وهذا غلط ظاهر منابذ للسنة مردود على قائله ، قال : ومنهم من جوزها بدون أربعين على هذا القول ، وإلا فإن خطبتها بعدها ، وأنه لو تركها صحت صلاته ، فإذا قلنا بالمذهب فصلاها المنفرد لم يخطب على المذهب الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه شاذ ضعيف حكاه الرافعي أنه يخطب . وإن صلاها مسافرون خطب بهم إمامهم . نص عليه في الأم واتفقوا عليه . قال الشافعي في الأم : وإن ترك صلاة العيدين من فاتته أو تركها من لا تجب عليه الجمعة كرهت ذلك له قال : وكذلك الكسوف والله أعلم .

Section V05/P030–V05/P032

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين بعد الزوال برؤية الهلال ففيه قولان أحدهما : لا يقضي والثاني : يقضي وهو الأصح فإن أمكن جمع الناس صلى بهم في يومهم وإن لم يمكن جمعهم صلى بهم من الغد ، لما روى أبو عمير ابن أنس عن عمومته رضي الله عنهم قالوا : قامت بينة عند النبي صلى الله عليه وسلم بعدالظهر أنهم رأوا هلال شوال ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد إلى المصلى وأن شهدا ليلة الحادي والثلاثين صلوا قولا واحدا ، ولا يكون ذلك قضاء لأن فطرهم غدا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون . + الشرح : حديث أبي غير صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، ولفظ رواية أبي داود عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن ركبا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا ، وإذا أصبحوا يغدوا إلى مصلاهم رواه البيهقي ، ثم قال وهذا إسناده صحيح . قال : وعمومة أبي عمير صحابة لا تضر جهالة أعيانهم لأن الصحابة كلهم عدول ، قال البيهقي : وظاهر قوله أمرهم أن يخرجوا من الغد إلى المصلى أنه أمرهم بالخروج لصلاة العيد ، وذلك مبين في رواية هشيم ، قال : ولا يجوز أن يحمل على أنه كان لكي يجتمعوا فيدعوا ، ولترى كثرتهم بلا صلاة . وأما حديث عائشة فصحيح رواه الترمذي وغيره ، وليس في رواية الترمذي : وعرفتكم يوم تعرفون ولفظ الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الفطر يوم يفطر الناس ، والأضحى يوم يضحي الناس قال الترمذي حديث حسن صحيح . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الفطر يوم يفطرون والأضحى يوم يضحون رواه أبو داود والترمذي بأسانيد حسنة . قال الترمذي هو حديث حسن وزاد الترمذي في روايته في أوله : الصوم يوم يصومون وقوله : وعرفتكم يوم تعرفون بضم التاء وفتح العين وكسر الراء المشددة وأبو عمير المذكور هو عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري الصحابي ، وهو أكبر أولاد أنس . أما الأحكام : فقد سبق في باب صلاة التطوع أن صلاة العيد وغيرها من السنن الراتبة إذا فاتت هل يستحب قضاؤها فيه قولان الصحيح : أنه يستحب ، قال أصحابنا : فإذا شهد عدلان يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال برؤية الهلال في الليلة الماضية وجب الفطر ، فإن بقى من الوقت قبل الزوال ما يمكن جمع الناس والصلاة فيه صلوها وكانت أداء بلا خلاف ، وإن شهدوا بعد غروب الشمس ليلة الحادي والثلاثين أنهم رأوه ليلة الثلاثين ، قال أصحابنا : لا تقبل شهادتهم بلا خلاف فيما يتعلق بالعيد ، إذ لا فائدة لها إلا المنع من صلاة العيد ، فلا تسمع بل يصلون العيد من الغد وتكون أداء بلا خلاف . قال الرافعي : اتفق الأصحاب على هذا ، قال وقولهم : لا فائدة فيه إلا ترك الصلاة ، فيه أشكال بل لثبوت الهلال فوائد أخر ، كوقوع طلاق وعتق معلقين وابتداء العدة وسائر الآجال وغير ذلك ، فوجب أن تقبل لهذه الفوائد ، ولعل مرادهم أنها لا تقبل في صلاة العيد لا أنها لا تقبل مطلقا . هذا كلام الرافعي ومراد الأصحاب أنها لا تقبل في صلاة العيد خاصة . فأما ما سوى الصلاة من الآجال والتعليقات وغيرهما فتثبت بلا خلاف .

Section V05/P032–V05/P034

أما إذا شهدوا قبل الغروب ، إما بعد الزوال وإما قبله بيسير ، بحيث لا يمكن فيه الصلاة فتقبل شهادتهم في الفطر بلا خلاف وتكون الصلاة فائتة على المذهب ، وقيل : فيه قولان أحدهما : هذا والثاني : لا تفوت ، فتفعل في الغد أداء لعظم حرمتها ، فعلى المذهب يكون قضاؤها مبنيا على قضاء النوافل ، فإن قلنا لا تقضي لم يقض العيد ، وإن قلنا تقضي بنيت صلاة العيد على أنها كالجمعة في الشروط أم لا فإن قلنا كالجمعة لم تقض وإلا قضيت ، وهو المذهب . وهل لهم صلاتها في بقية يومهم فيه وجهان بناء على أن فعلها في الحادي والثلاثين أداء أم قضاء إن قلنا أداء فلا ، وإن قلنا قضاء وهو الصحيح جاز ، ثم هل هو أفضل أم التأخير إلى ضحوة العيد فيه وجهان أصحهما : التقديم أفضل ، هذا إذا أمكن جمع الناس في يومهم لصغر البلد ، فإن عسر فالتأخير أفضل بلا خلاف ، وإذا قلنا صلاتها في الحادي والثلاثين قضاء فهل لهم تأخيرها فيه قولان وقيل وجهان أصحهما جوازه أبدا والثاني : لا يجوز وقيل يجوز في بقية الشهر ، أما إذا شهد قبل الغروب وعدلا بعده فقولان ، وقيل وجهان : أحدهما : الاعتبار بوقت الشهادة وأصحهما : بوقت التعديل ، فيصلون من الغد أداء بلا خلاف ، لأنه لم يثبت العيد في يومه . هذا كله إذا وقع الاشتباه وفوات العيد لأهل البلد جميعهم ، فإن وقع ذلك لأفراد لم يجيء إلا قولان منع القضاء وجوازه أبدا وهو الأصح ، هذا تلخيص أحكام الفصل في المذهب . وأما قول المصنف : شهدوا ليلة الحادي والثلاثين فمعناه شهدوا أنهم رأوه ليلة الثلاثين ، وقوله : لأن فطرهم غدا فغدا منصوب على الظرف ، وخبر أن مقدر في الظرف ، قال أصحابنا : وليس يوم الفطر أول شوال مطلقا ، وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس بدليل الحديث السابق وكذلك يوم النحر ، وكذا يوم عرفة هو اليوم الذي يظهر للناس أنه يوم عرفة ، سواء كان التاسع أو العاشر قال الشافعي في الأم عقب هذا الحديث : فبهذا نأخذ ، قال : وإنما كلف العباد الظاهر ، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا . فرع في مذاهب العلماء إذا فاتت صلاة العيد قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنها يستحب قضاؤها أبدا ، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي ثور ، وحكي العبدري عن مالك وأبي حنيفة والمزني و داود أنها لا تقضى ، وقال أبو يوسف ومحمد : تقضى صلاة الفطر في اليوم الثاني والأضحى في الثاني والثالث ، وقال أصحاب أبي حنيفة : مذهبه كمذهبهما ، وإذا صلاها من فاتته مع الإمام في وقتها أو بعده صلاها ركعتين كصلاة الإمام ، وبه قال أبو ثور وهو رواية عن أحمد ، وعنه رواية يصليها أربعا بتسليمة ، وإن شاء بتسليمتين ، وبه جزم الخرقى والثالثة مخير بين ركعتين وأربع ، وهو مذهب الثوري ، وقال ابن مسعود : يصليها أربعا ، وقال الأوزاعي : ركعتين بلا جهر ولا تكبيرات زوائد ، وقال إسحاق : أن صلاها في المصلى فكصلاة الإمام وإلا أربعا . & باب التكبير &

Section V05/P034–V05/P036

قال المصنف رحمه الله تعالى : التكبير سنة في العيدين ، لما روى نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن رافعا صوته بالتهليل والتكبير ، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى ، وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر لقوله عز وجل ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم البقرة : 581 وإكمال العدة بغروب الشمس من ليلة الفطر وأما آخره ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : فيه ثلاثة أقوال : أحدها : كما روى المزني أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة . لأنه إذا حضر فالسنة أن يشتغل بالصلاة فلا معنى للتكبير والثاني : ما رواه البويطي إنه يكبر حتى تفتتح الصلاة لأن الكلام مباح قبل أن تفتتح الصلاة . فكان التكبير مستحبا والثالث : قاله في القديم : حتى ينصرف الإمام لأن الإمام والمأمومين مشغولون بالذكر إلى أن أن يفرغوا من الصلاة فسن لمن لم يكن في الصلاة أن يكبر ومن أصحابنا من قال : هو على قول واحد أنه يكبر إلى أن تفتتح الصلاة ، وتأول رواية المزني على ذلك ، لأنه إذا خرج إلى المصلى افتتح الصلاة ، وقوله في القديم حتى ينصرف الإمام لأنه ما لم ينصرف مشغولا بالتكبير في الصلاة ويسن التكبير المطلق في عيد الفطر ، وهل يسن التكبير المقيد في إدبار الصلوات فيه وجهان ، أحدهما : لا يسن لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أنه يسن لإنه عيد يسن له التكبير المطلق ، فيسن له التكبير المقيد كالأضحى . والسنة في التكبير أن يقول : الله أكبر الله أكبر ثلاثا ، لما روى عن ابن عباس أنه قال : الله أكبر ثلاثا . وعن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال : رأيت الأئمة رضي الله عنهم يكبرون أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا ، وعن الحسن مثله ، قال في الأم : وإن زاد زيادة فليقل بعد الثلاث : الله أكبر كبيرا ، والحمد الله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك على الصفا . ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يخرج في العيدين رافعا صوته بالتهليل والتكبير ، فصل : وأما تكبيرة الأضحى في وقته ثلاثة أقوال أحدها : يبتدىء بعد الظهر من يوم النحر إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق ، والدليل على أنه يبتدىء بعد الظهر قوله عز وجل : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ( البقرة : 002 ) والمناسك تقضى يوم النحر ضحوة ، وأول صلاة تلقاهم الظهر ، والدليل على أنه يقطعه بعد الصبح أن الناس تبع للحاج ، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج والثاني : يبتدىء بعد غروب الشمس من ليلة العيد قياسا على عيد الفطر ويقطعه إذا صلى الصبح من آخر أيام التشريق لما ذكرناه والثالث : أن يبتدىء بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ويقطعه بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق لما روى عمر وعلي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يكبر في دبر كل صلاة ، بعد صلاة الصبح يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق .

Section V05/P036–V05/P037

فصل : السنة أن يكبر في هذه الأيام خلف الفرائض لنقل الخلف عن السلف ، وهل يكبر خلف النوافل فيه طريقان ، ومن أصحابنا من قال : يكبر قولا واحدا لأنها صلاة راتبة فاشبهت الفرائض . ومنهم من قال فيه قولان أحدهما : يكبر لما قلناه والثاني : لا يكبر لأن النفل تابع للفرض ، والتابع لا يكون له تبع ومن فاتته الصلاة في هذه الأيام فأراد قضاءها في غيرها لم يكبر خلفها لأن التكبير يختص بهذه الأيام فلا يفعل في غيرها ، وإن قضاها في هذه الأيام ففيه وجهان : أحدهما : يكبر لأن وقت التكبير باق . والثاني : لا يكبر لأن التكبير خلف هذه الصلوات يختص بوقتها ، وقد فات الوقت فلم يقض . + الشرح : قال أصحابنا : تكبير العيد قسمان أحدهما : التكبيرات الزوائد في الصلاة والخطبة ، وقد سبق والثاني : غير ذلك ، والأصل فيه حديث أم عطية : كنا نؤمر بإخراج الحيض فيكبرن بتكبيرهم رواه البخاري . وفي رواية مسلم : يكبرن مع الناس وهذا القسم نوعان ، مرسل : ومقيد فالمرسل : ويقال له : المطق هو الذي لا يتقيد بحال ، بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلا ونهارا وفي غير ذلك والمقيد : هو الذي يقصد به الإتيان في أدبار الصلوات . فالمرسل مشروع في العيدين جميعا ، وأول وقته في العيدين غروب الشمس ليلة العيد ، وفي آخر وقته في عيد الفطر طريقان أصحهما : وأشهرهما فيه ثلاثة أقوال أصحها : يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد وبهذا قطع جماعات ، لأن الكلام مباح قبل افتتاح الصلاة ، فالاشتغال بالتكبير أولى ، وهذا نصه في رواية البويطي والثاني : إلى أن يخرج الأمام إلى الصلاة ، لأنه إذا خرج فالسنة الاشتغال بالصلاة ، وهذا نصه في الأم ، ورواية المزني والثالث : يكبر إلى فراغ الإمام من الصلاة ، وقيل : إلى أن يفرغ من الخطبتين ، وهذا نصه في القديم . والطريق الثاني : وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق المروزي : القطع بالقول الأول ، وتأول هؤلاء النصين الآخرين على هذا ، قال البندنيجي وغيره : وتظهر فائدة الخلاف في حق من ليس بحاضر مع الإمام ، فإذا قلنا : يمتد إلى فراغ الخطبتين فله أن يكبر حتى يعلم فراغ الإمام منهما . وأما الحاضرون فلا يكبرون في حال الخطبة ، بل يستمعونها ، قال أصحابنا : ويستحب أن يرفع الناس أصواتهم بالتكبير المرسل في ليلتي العيدين ويوميهما إلى الغاية المذكورة في المنازل والمساجد والأسواق والطرق وغيرها ، في الحضر والسفر ، وفي طريق المصلى وبالمصلى ويستثنى به الحجاج فلا يكبرون ليلة الأضحى بل ذكرهم التلبية . واعلم : أن تكبير ليلة الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى على الأظهر وهو القول الجديد . وقال في القديم عكسه ، ودليل الجديد قوله الله تعالى : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله البقرة : 581 وأما التكبير المقيد فيشرع في عيد الأضحى بلا خلاف لإجماع الأمة ، وهل يشرع في عيد الفطر فيه وجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب ، وحكاهما صاحب التتمة وجماعة قولين أصحهما : عند الجمهور لا يشرع ، ونقلوه عن نصه في الجديد ، وقطع به الماوردي والجرجاني و البغوي وغيرهم وصححه صاحبا الشامل والمعتمد ، واستدل له المصنف والأصحاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان مشروعا لفعله ولنقل الثاني : يستحب ورجحه المحاملي والبندنيجي والشيخ أبو حامد . واحتج له المصنف والأصحاب بأنه عيد يسن فيه التكبير المرسل فسن المقيد كالأضحى فعلى هذا قالوا يكبر خلف المغرب والعشاء والصبح ، ونقله المتولي عن نصه في القديم وحكم النوافل والفوائت في هذه المدة على هذا الوجه يقاس بما سنذكره إن شاء الله تعالى في الأضحى .

Section V05/P037–V05/P039

وأما الأضحى فالناس فيه ضربان : حجاج وغيرهم ، فأما الحجاج فيبدأون التكبير عقب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بلا خلاف هكذا نقله صاحب جامع الجوامع عن نص الشافعي ، وصرح به الأصحاب منهم المحاملي والبندنيجي والجرجاني في التحرير وآخرون ، وأشار إليه القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن العراقيين ، وقطع هو به فيما يرجع إلى الابتداء وتردد في الانتهاء وسبب تردده أنه لم يبلغه نص الشافعي الذي ذكرناه ، وقطع به الرافعي وغيره من المتأخرين ، قالوا ووجهه أن الحجاج وظيفتهم وشعارهم التلبية ولا يقطعونها إلا إذا شرعوا في رمي جمرة العقبة ، وإنما شرع بعد طلوع الشمس يوم النحر ، وأول فريضة تلقاهم بعد ذلك الظهر ، وآخر صلاة يصلونها بمنى صلاة الصبح في اليوم الأخير من أيام التشريق ، لأن السنة لهم أن يرموا في اليوم الثالث بعد الزوال وهم ركبان ولا يصلون الظهر بمنى وإنما يصلونها بعد نفرهم منها . وأما غير الحجاج فللشافعي رحمه الله في تكبيرهم ثلاثة نصوص أحدها : من الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق ، وهذا هو المشهور من نصوص الشافعي ، وهو نصه في مختصر المزني والبويطي والأم والقديم . قال صاحب الحاوي : وهو نصه في القديم والجديد . وقال صاحب الشامل : هو نصه في أكثر كتبه والثاني : قاله في الأم ، قال : لو بدأ بالتكبير خلف صلاة المغرب ليلة النحر قياسا على ليلة الفطر لم أكره ذلك . قال : وسمعت من يستحب هذا وقال به والنص الثالث : أنه روى في الأم عن بعض السلف أنه كان يبدأ من الصبح يوم عرفة . قال : وأسأل الله التوفيق . هذا كلامه في الأم ، وكذا نقله صاحب الشامل والأكثرون . وقال صاحب الحاوي : نص في القديم والجديد أنه يبدأ من ظهر يوم النحر ويختم بصبح آخر التشريق ، فيكون مكبرا خلف خمس عشرة صلاة ، قال : وقال في موضع آخر : يبدأ من المغرب ليلة النحر إلى صبح آخر التشريق فتكون ثماني عشرة صلاة ، وقال في موضع آخر في صبح يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق فتكون ثلاثا وعشرين صلاة . قال وهذا حكاه الشافعي عن بعض السلف وقال أستخير الله تعالى فيه ، هذه نصوص الشافعي وللأصحاب في المسألة ثلاثة طرق أصحها : وأشهرها وبها قطع المصنف والأكثرون في المسألة ثلاثة أقوال أصحها : عندهم من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق والثاني : من مغرب ليلة النحر إلى صبح آخر التشريق والثالث : من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق . والطريق الثاني : أنه من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق قولا واحدا وهذا الطريق نقله صاحب الحاوي عن أبي إسحاق المروزي وأبى علي ابن أبي هريرة وحكاه ابن الصباغ وآخرون من العراقيين ، وجماعات من الخراسانيين . قالوا : والنصان الآخران ليسا مذهبا للشافعي ، وإنما حكاهما مذهبا لغيره . قال في الحاوي : وتأولوا أيضا نصه من المغرب ليلة النحر ، على أن المراد التكبير المرسل لا المقيد ولا خلاف في استحباب المرسل من المغرب في ليلتي العيدين إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد كما سبق . والطريق الثالث : حكاه القاضي أبو الطيب في المجرد عن الداركي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال : ليس في المسألة خلاف ، وليست هذه النصوص لاختلاف قول ، بل لا خلاف في المذهب أنه يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ، قال وإنما ذكر الشافعي في ثبوته ثلاثة أسباب ، فذكر في ثبوت التكبير من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق قول بعض السلف ، وذكر في ليلة النحر القياس على ليلة الفطر ، وذكر في ظهر يوم النحر القياس على الحجيج . قال القاضي : والأول أصح وعليه أكثر أصحابنا . هذا آخر كلام القاضي .

Section V05/P039–V05/P041

ونقل الدارمي في الاستذكار عن أبي إسحاق نحو حكاية القاضي عنه ، فالحاصل أن الأرجح عند جمهور الأصحاب الابتداء من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق ، واختارت طائفة من محققي الأصحاب المتقدمين والمتأخرين أنه يبدأ من صبح يوم عرفة ، ويختم بعصر آخر التشريق : ممن اختاره أبو العباس بن سريج ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون ، قال البندنيجي : هو اختيار المزني وابن سريج ، قال الصيدلاني والروياني وآخرون : وعليه عمل الناس في الأمصار ، واختاره ابن المنذر والبيهقي وغيرهما من أئمة أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث ، وهو الذي اختاره . واحتج له البيهقي بحديث مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفات ، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كان يهلل المهلل منا فلا ينكر عليه ، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة ، فمنا المكبر ومنا المهلل فأما نحن فنكبر رواه مسلم . قال البيهقي : وروي في ذلك عن عمر وعلي و ابن عباس رضي الله عنهم ، ثم ذكر ذلك بأسانيده ، وأنهم كانوا يكبرون من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق . قال البيهقي : وقد روى في ذلك حديث مرفوع لا يحتج بمثله ، ثم ذكر بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر يعني الجعفي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر يوم عرفة من صلاة الغداة إلى صلاة العصر ، آخر أيام التشريق قال البيهقي : عمرو بن شمر وجابر الجعفي لا يحتج بهما ، وفي رواية الثقات كفاية ، هذا كلام البيهقي . وروى الحاكم في المستدرك عن علي وعمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يقنت في صلاة الفجر وكان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح ، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق قال الحاكم : هذا حديث صحيح الأسناد لا أعلم من رواته منسوبا إلى الجرح ، قال : وقد روي في الباب عن جابر بن عبد الله وغيره . فأما من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم فصحيح عنهم التكبير من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق . وروى البيهقي هذا الحديث الذي رواه الحاكم بإسناد الحاكم ، ثم قال وهذا الحديث مشهور بعمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل وكلا الإسنادين ضعيف ، هذا كلام البيهقي وهو أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريا . قال أصحابنا : ويكبر خلف الصبح أو العصر التي هي الغاية بلا خلاف ، قال الشافعي والأصحاب : ويكبر في هذه المدة خلف الفرائض المؤديات بلا خلاف ، ولو فاتته فريضة منها فقضاها في غيره ولم يكبر بلا خلاف ، لأن التكبير شعار هذه الأيام فلا يفعل في غيرها ولو فاتته فريضة فيها فقضاها فيها أيضا فهل يكبر فيه طريقان : أحدهما : وبه قطع البندنيجي وصاحب الحاوي يكبر بلا خلاف ، لأن التكبير شعار لهذه المدة . والطريق الثاني : فيه خلاف حكاه الخراسانيون قولين ، وحكاه صاحب البيان عن حكاية العراقيين وجهين أصحهما : يكبر ، لما ذكرناه والثاني : لا ، لأن التكبير شعار لوقت الفرائض ولو فاتته فريضة في غير هذه الأيام فقضاها فيها فثلاث طرق .

Section V05/P041–V05/P042

أحدها : وبه قطع صاحب الحاوي والبندنيجي : يستحب التكبير بلا خلاف لأنه شعار هذه المدة والثاني : لا يستحب ، حكاه صاحب البيان عن طريقة العراقيين وذكره المصنف وغيره منهم والثالث : فيه قولان أصحهما : يستحب والثاني : لا يستحب حكاه الخراسانيون ، والأصح على الجملة استحبابه ، وهو الذي صححه الرافعي وغيره من المتأخرين . فرع : أما التكبير خلف النوافل فقال المزني في مختصره : قال الشافعي : ويكبر خلف الفرائض والنوافل ، قال المزني : والذي قبل هذا أولى أنه لا يكبر إلا خلف الفرائض . وللأصحاب في المسألة أربع طرق أصحها : وأشهرها : فيه قولان أصحهما : يستحب لأنها صلاة مفعولة في وقت التكبير ، فأشبهت الفريضة والثاني : لا يستحب لأن التكبير تابع للصلاة ، والنافلة تابعة للفريضة والتابع لا يكون له تابع . والطريق الثاني : يكبر قولا واحدا حكاه المصنف والأصحاب ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد وقد نص الشافعي على هذا فقال : فإذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل ، وعلى كل حال . قال : وذكر في هذا الباب في الأم أنه تكبر الحائض ( ويكبر ) الجنب وغير المتوضىء في جميع الساعات من الليل والنهار ، قال وهذا دليل على أن التكبير مستحب خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال ، وإن من لا يصلي كالجنب والحائض يستحب لهم التكبير . قال القاضي : وغلطوا المزني في قوله : ( الذي قبل هذا أولى ) فإنه أوهم أن الشافعي نص قبل هذا أنه لا يكبر إلا خلف الفرائض ، وليس كذلك ، بل كلام الشافعي الذي قبل هذا مؤول ، قال القاضي : هذا الطريق أصح ، وصححه أيضا البندنيجي . والطريق الثالث : لا يكبر قولا واحدا حكاه صاحب الحاوي ، قال وبه جرى العمل تواترا في الأمصار بين الأئمة ، قال : وأجاب أصحاب هذا الطريق عن نقل المزني التكبير خلف الفرائض والنوافل بجوابين . أحدهما : أنه غلط في النقل من التلبية إلى التكبير . والثاني : أنه غلط في المعنى دون الرواية ، وإنما أراد الشافعي بالتكبير خلف الفرائض النوافل ما تعلق بالزمان في ليلتي العيد دون ما تعلق بالصلوات في أيام النحر ، والطريق الرابع حكاه صاحب الحاوي أيضا إن كان النفل يسن منفردا لم يكبر خلفه ، وإن سن جماعة كالكسوفين والاستسقاء كبر ، وحملوا القولين على هذين ، فهذا تلخيص ما ذكره الأصحاب ، والمذهب على الجملة استحباب التكبير خلف كل النوافل في هذه الأيام . فرع : هل يكبر خلف صلاة الجنازة فيه ثلاثة طرق . أحدها : لا يكبر وجها واحدا ، لأنها مبنية على التخفيف ، ولهذا حذف أكثر أركان الصلوات منها ، وبهذا الطريق قطع الدارمي في الاستذكار والقاضي حسين وصاحب التتمة . والطريق الثاني : فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي وغيره والثالث : قاله الشاشي في المستظهري إن قلنا يكبر خلف النوافل فهنا أولى ، وإلا فكالفرائض المقضية في أيام التشريق ، والمذهب على الجملة استحباب التكبير خلفها ، لأنها آكد من النافلة ، وقولهم : إنها مبنية على التخفيف ضعيف ، لأن التكبير ليس في نفسها فتطول به . فرع : إذا عرفت ما سبق وأردت اختصار الخلاف فيما يكبر خلفه جاء أربعة أوجه أصحها : يكبر خلف كل صلاة مفعولة في هذه الأيام والثاني : يختص بالفرائض المفعولة فيها ، مؤداة كانت أو مقضية ، فريضة أو نافلة ، راتبة أو غيرها والثالث : يختص بفرائضها مقضية كانت أو مؤداة والرابع : لا يكبر إلا عقب فرائضها المؤداة وسننها الراتبة المؤداة . فرع : لو نسى التكبير خلف الصلاة فتذكر والفصل قريب استحب التكبير بلا خلاف ، سواء فارق مصلاه أم لا ، فلو طال الفصل فطريقان أحدهما : ذكره البغوي وغيره من الخراسانيين فيه وجهان بناء على ما إذا ترك سجود السهو ، فتذكره بعد طول الفصل .

Section V05/P042–V05/P044

قال الرافعي : الأصح هنا أنه يستحب التكبير والطريق الثاني : يستحب تدارك التكبير وإن طال الفصل ، وهذا هو الصحيح ، وبه قطع المتولي وغيره ، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ، وفرق المتولي بينه وبين سجود السهو لاتمام الصلاة وإكمال صفتها ، فلا تفعل بعد طول الفصل ، كما لا يبنى عليها بعد طول الفصل ، وأما التكبير فهو شعار هذه الأيام لا وصف للصلاة ، ولا جزء منها ، ونقل المتولي عن أبي حنيفة أنه إن تكلم أو خرج من المسجد ثم ذكر أنه نسي التكبير لا يكبر ، ومذهبنا استحبابه مطلقا لما ذكرناه . فرع : المسبوق ببعض الصلاة لا يكبر إلا بعد فراغه من صلاة نفسه . هذا مذهبنا ونقله ابن المنذر عن ابن سيرين والشعبي وابن شبرمة ومالك و الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي . وعن الحسن البصري أنه يكبر ثم يقضي وعن مجاهد ومكحول يكبر ثم يقضي ثم يكبر ، قال ابن المنذر . وبالأول أقول . واحتج الحسن بأن المسبوق يتابع الإمام في سجود السهو فكذا التكبير . واحتج أصحابنا والجمهور بأن التكبير إنما يشرع بعد فراغه من الصلاة ، ولم يفرغ بخلاف سجود السهو ، فإنه يفعل في نفس الصلاة ، والمسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلامه . فرع : لو كبر الإمام على خلاف اعتقاد المأموم ، فكبر في يوم عرفة والمأموم لا يراه ، أو تركه والمأموم يراه أو كبر في أيام التشريق والمأموم لا يراه ، أو تركه والمأموم لا يراه فوجهان أصحهما : يتبع اعتقاد نفسه في التكبير وتركه ، ولا يوافق الإمام لأن القدوة انقضت بالسلام والثاني : يوافقه لأنه من توابع الصلاة . فرع : قال إمام الحرمين : جميع ما ذكرناه هو في التكبير الذي يرفع به صوته ولجعله شعارا ، أما إذا استغرق عمره بالتكبير في نفسه فلا منع منه . فرع : مذهبنا أنه يستوي في التكبير المطلق والمقيد المنفرد والمصلي جماعة والرجل والمرأة والصبي والحاضر والمسافر . فرع يستحب رفع الصوت بالتكبير بلا خلاف فرع : صفة التكبير المستحبة : الله أكبر الله أكبر الله أكبر . هذا هو المشهور من نصوص الشافعي في الأم : والمختصر وغيرهما وبه قطع الأصحاب ، وحكى صاحب التتمة وغيره قولا قديما للشافعي أنه يكبر مرتين ويقول : الله أكبر الله أكبر ، والصواب الأول ثلاثا نسقا . قال الشافعي في المختصر : وما زاد من ذكر الله فحسن . وقال في الأم أحب أن تكون زيادته الله ( أكبر ) كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله والله أكبر . واحتجوا له بأن النبي صلى الله عليه وسلم : قاله على الصفا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخصر من هذا اللفظ ، ونقل المتولي وغيره عن نصه القديم أنه إذا زاد على التكبيرات الثلاث قال : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، الله أكبر على ما هدانا ، والحمد لله على ما أولانا وأبلانا . قال صاحب الشامل : والذي يقوله الناس لا بأس به أيضا ، وهو : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد . وهذا الذي قاله صاحب الشامل نقله البندنيجي وصاحب البحر عن نص الشافعي في البويطي قال البندنيجي : وهذا هو الذي ينبغي أن يعمل به ، قال : وعليه الناس ، وقال صاحب البحر : والعمل عليه ، ورأيته أنا في موضعين من البويطى ، لكنه جعل التكبير أولا مرتين .

Section V05/P044–V05/P045

فرع : في مذاهب العلماء في التكبير خلف النوافل في هذه الأيام قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه ، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وداود لا يكبر ، لأنه تابع فلم يشرع كالأذان ، ودليلنا أن التكبير شعار الصلاة ، والفرض والنفل في الشعار سواء . فرع في مذاهبهم في ابتداء وقت تكبير الأضحى قد ذكرنا أن المشهور في مذهبنا أنه من ظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر التشريق وأن المختار كونه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق . وحكى ابن المنذر التكبير من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر التشريق عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وسفيان الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وأبي ثور . وعن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وأبي حنيفة من صبح عرفة إلى عصر يوم النحر ، وفي رواية عن ابن مسعود إلى ظهر يوم النحر . وعن يحيى الأنصاري قال : يكبر من الظهر يوم النحر إلى الظهر من آخر التشريق وعن الزهري من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر التشريق . وعن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر التشريق ، وعن سعيد بن جبير ورواية عن ابن عباس والزهري من ظهر يوم عرفة إلى عصر آخر التشريق . وعن الحسن من الظهر إلى ظهر اليوم الثاني من أيام التشريق . فرع في مذاهبهم في تكبير من صلى منفردا مذهبنا أنه يسن التكبير ، وهو مذهب مالك و الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وجمهور العلماء وحكاه العبدري عن العلماء كافة إلا أبا حنيفة . وحكى ابن المنذر وغيره عن ابن مسعود وابن عمر والثوري وأبي حنيفة وأحمد أن المنفرد لا يكبر . فرع في مذاهبهم في تكبير النساء في هذه الأيام خلف الصلوات مذهبنا استحبابه لهن . وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور . وعن الثوري وأبي حنيفة لا يكبرن ، واستحسنه أحمد . فرع في المسافر مذهبنا أنه يكبر ، وحكاه ابن المنذر عن مالك و أبي يوسف ومحمد وأحمد وأبي ثور ، وقال أبو حنيفة : لا يكبر . فرع في مذاهبهم في صفة التكبير قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يكبر ثلاثا نسقا : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، وبه قال مالك . وحكى ابن المنذر عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنه : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد قال : وبه قال الثوري وأبو حنيفة و محمد وأحمد وإسحاق وعن ابن عباس : الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ، الله أكبر وأجل ، الله أكبر ولله الحمد . وعن ابن عمر : الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وقال الحكم وحماد : ليس فيه شيء مؤقت . فرع في مذاهبهم في تكبير عيد الفطر هو مستحب عندنا وعند العلماء كافة ، إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد وغيره عن ابن عباس أنه لا يكبر إلا أن يكبر إمامه . وحكى الساجي وغيره عن أبي حنيفة أنه لا يكبر مطلقا ، وحكى العبدري وغيره عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وداود أنهم قالوا : التكبير في عيد الفطر واجب وفي عيد الأضحى مستحب . وأما أول وقت تكبير عيد الفطر فهو إذا غربت الشمس ليلة العيد .

Section V05/P045–V05/P046

هذا مذهبنا ومذهب سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وزيد بن أسلم ، وقال جمهور العلماء : لا يكبر ليلة العيد إنما يكبر عند العدو إلى صلاة العيد ، حكاه ابن المنذر عن أكثر العلماء قال : وبه أقول ، قال : وبه قال علي بن أبي طالب وابن عمر وأبو أمامة وآخرون من الصحابة ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير و النخعي وأبو الزناد وعمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان وأبو بكر بن محمد والحكم و حماد ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وحكاه الأوزاعي عن الناس . فرع في بيان أحاديث الكتاب وألفاظه أما حديث ابن عمر المذكور في أول الباب فرواه البيهقي مرفوعا من طريقين ضعيفين ، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر . كذا قاله البيهقي وإنما ذكره الشافعي موقوفا . وقوله : يأخذ طريق الحدادين قيل بالحاء وقيل بالجيم . أي الذين يجدون الثمار . وقوله : ( وأول وقت تكبير الفطر إذا غابت الشمس من ليلة الفطر ) لقوله تعالى : ولتكلموا العدة ولتكبروا الله وإكمال العدة بغروب الشمس . هذا الاستدلال لا يصح إلا على مذهب من يقول الواو تقتضي الترتيب وهو مذهب باطل ، وعلى هذا المذهب الباطل لا يلزم من ترتيبها الفور ، فالحاصل أنه لا دلالة فيها للمصنف والله أعلم . وقوله : ( في القديم : يكبر حتى ينصرف الإمام ) يعني حتى يسلم من الصلاة والانصراف من الصلاة مستعمل في الأحاديث الصحيحة بمعنى السلام ، وقيل : المراد بالانصراف فراغ الخطبة والصحيح : الأول ، وقد سبق إيضاحه وقوله : ( لأنه عيد يسن له التكبير المطلق فسن له التكبير المقيد كالأضحى ) هذا تصريح منه بأن التكبير المطلق والمقيد كلاهما مشروع في الأضحى وهذا لا خلاف فيه بل كل الأصحاب مصرحون باستحبابهما ، وإنما ذكرت هذا لأن كلام المصنف في التنبيه يوهم خلاف هذا ، وقد سبق بيان التكبير المطلق ، وهو والمرسل بمعنى واحد ، وهو المرسل في جميع الأوقات لا تختص بوقت . قوله : ( عن ابن عباس قال : التكبير ثلاث ) رواه عنه ابن المنذر والبيهقي . قوله : ( وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : رأيت الأئمة يكبرون أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا ) هكذا وقع في بعض نسخ المهذب وهو الصواب ، ووقع في أكثرها ( عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ) بتقديم محمد على أبي بكر وهذا خطأ صريح وسبق قلم ، أو غلط وقع من النساخ ولا شك في بطلانه ، وقد ذكره المصنف على الصواب في جميع مواضعه من المهذب ، منها الفصل الأول من باب صلاة العيد ، وأول النكاح ، وأول الجنايات ، ومواضع كثيرة من كتاب الديات . وأما : حديث عمر وعلي رضي الله عنهما في التكبير من صبح عرفة فسبق بيانه ، لكن المصنف جعله من رواية عمر وعلي ، وإنما هو عمار وعلي كما سبق . قوله : لأن التكبير يختص بهذه الأيام فلا يفعل في غيرها ، هذا تعليل للمسألة بنفس الحكم ، وكان ينبغي أن يقول لأن التكبير شعار هذه الأيام .

Questions