Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Section V05/P241–V05/P242

وإذا دفن رجلان أم امرأتان في قبر لضرورة فهل يجعل بينهما تراب فيه وجهان أصحهما : وبه قطع جماهير العراقيين ونص عليه الشافعي في الأم : يجعل والثاني : لا يجعل وبهذا قطع جماعة من الأصحاب ، والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ولو مات جماعة من أهله وأمكنه دفنهم واحدا واحدا ، فإن خشي تغير أحدهم بدأ به ، ثم بمن يخشى تغيره بعده ، وإن لم يخش تغير أحد بدأ بأبيه ثم أمه ثم الأقرب فالأقرب ، فإن كانا أخوين قدم أكبرهما . فإن استويا أو كانتا زوجتين أقرع ، والله أعلم .

Section V05/P242–V05/P243

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يدفن كافر في مقبرة المسلمين ، ولا مسلم في مقبرة الكفار . + الشرح : اتفق أصحابنا رحمهم الله على أنه لا يدفن مسلم في مقبرة كفار ، ولا كافر في مقبرة مسلمين ولو ماتت ذمية حامل بمسلم ومات جنينها في جوفها ففيه أوجه الصحيح : أنها تدفن بين مقابر المسلمين والكفار ، ويكون ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين إلى ظهر أمه ، هكذا قطع به ابن الصباغ والشاشي وصاحب البيان وغيرهم وهو المشهور . وقال صاحب الحاوي : حكى عن الشافعي أنها تدفع إلى أهل دينها ليتولوا غسلها ودفنها ، قال : وحكي عن أصحابنا أنها تدفن بين مقابر المسلمين والمشركين وكذا إذا اختلط موتى المسلمين والمشركين ، قال : وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن نصرانية ماتت وفي جوفها مسلم فأمر بدفنها في مقابر المسلمين وهذا الأثر الذي حكاه عن عمر رضي الله عنه رواه البيهقي بإسناد ضعيف . وروى البيهقي عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه : أنه دفن نصرانية في بطنها مسلم في مقبرة ليست مقبرة النصارى ولا المسلمين . وذكر القاضي حسين في تعليقه أن الصحيح أنها تدفن في مقابر المسلمين وكأنها صندوق للجنين ، وحكى الرافعي وجها أنها تدفن في مقابر المسلمين ، وقطع صاحب التتمة بأنها تدفن على طرف مقابر المسلمين وهذا حسن والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن مات في البحر : ولم يكن بقرب ساحل ، فالأولى أن يجعل بين لوحين ويلقى في البحر لأنه ربما وقع في ساحل فيدفن ، فإن كان أهل الساحل كفارا ألقي في البحر . + الشرح : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا مات مسلم في البحر ومعه رفقة ، فإن كان بقرب الساحل وأمكنهم الخروج به إلى الساحل ، وجب عليهم الخروج به ، وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، قالوا : فإن لم يمكنهم لبعدهم من الساحل أو يخوف عدو ، أو سبع أو غير ذلك لم يجب الدفن في الساحل ، بل يجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ، ثم يجعل بين لوحين ويلقى في البحر ليلقيه إلى الساحل فلعله يصادفه من يدفنه . قال الشافعي في الأم : فإن لم يجعلوه بين لوحين ويلقوه إلى الساحل بل ألقوه في البحر رجوت أن يسعهم ، هذا لفظه ، ونقل الشيخ أبو حامد وصاحب الشامل أن الشافعي رحمه الله قال : لم يأثموا إن شاء الله تعالى ، وهو معنى قوله : رجوت أن يسعهم ، فإن كان أهل الساحل كفارا قال الشافعي في الأم : جعل بين لوحين وألقي في البحر ، وقال المزني رحمه الله يثقل بشيء لينزل إلى أسفل البحر لئلا يأخذه الكفار فيغيروا سنة المسلمين فيه قال المزني : إنما قال الشافعي إنه يلقى إلى الساحل إذا كان أهل الجزائر مسلمين أما إذا كانوا كفارا فيثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار ، قال أصحابنا والذي نص عليه الشافعي من الإلقاء إلى الساحل أولى ، لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة ، وأما على قول المزني فيتيقن ترك دفنه بل يلقيه للحيتان ، هذا الذي ذكرناه هو المشهور في كتب الأصحاب . قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ : إن المزني ذكر مذهبه هذا في جامعه الكبير وأنكر القاضي أبو الطيب في تعليقه على الأصحاب نقلهم هذا عن المزني ، وقال : طلبت هذه المسألة في الجامع الكبير فوجدتها على ما قاله الشافعي في الأم ، وذكرها صاحب المستظهري كما ذكرها المصنف فكأنهما اختارا مذهب المزني ، قال أصحابنا رحمهم الله : والصحيح ما قاله الشافعي والله أعلم ، وروى البيهقي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما ركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ولم يتغير .

Section V05/P243–V05/P245

قال المصنف رحمه الله تعالى : المستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة ، لما روي أن عمر رضي الله عنه : أوصى أن يعمق ( القبر قدر ) قامة وبسطة ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحافر : أوسع من قبل رأسه ، وأوسع من قبل رجليه فإن كانت الأرض صلبة الحد ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : اللحد لنا والشق لغيرنا وإن كانت رخوة شق الوسط . + الشرح : حديث أوسع من قبل رأسه وأوسع من قبل رجليه رواه أبو داود في كتاب البيوع من سننه ، والبيهقي في الجنائز وغيرهما من رواية عاصم بن كليب بن شهاب عن أبيه ، وهو تابعي عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح ، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية هشام بن عامر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم أحد : احفروا وأوسعوا وأعمقوا قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وأما حديث : اللحد لنا والشق لغيرنا فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من رواية ابن عباس ، وإسناده ضعيف ، لأن مداره على عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ورواه الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه أيضا من رواية جرير بن عبد الله البجلي وإسناده أيضا ضعيف ، وفي رواية لأحمد في حديث جرير : والشق لأهل الكتاب ويغني عنه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه . قال أهل اللغة : يقال : لحدت للميت والحدت له لغتان ، وفي اللحد لغتان فتح اللام وضمها وهو أن يحفر في حائط من أسفله إلى ناحية القبلة قدر ما يوضع الميت فيه ويستره ، والشق بفتح الشين أن يحفر إلى أسفل كالنهر وقوله : يعمق هو بالعين المهملة ، وقوله : رخوة بكسر الراء وفتحها والكسر أفصح وأشهر . أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : يستحب أن يعمق القبر لحديث هشام بن عامر الذي ذكرناه ، ويستحب أن يكون عمقه قامة وبسطة لما ذكره المصنف . هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في كل طرقهم ، إلا وجها حكاه الرافعي وغيره أنه قامة بلا بسطة ، وهذا شاذ ضعيف ، ومعنى القامة والبسطة أن يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه وقدر أصحابنا القامة والبسطة بأربع أذرع ونصف . هذا هو المشهور في قدرهما ، وبه قطع الجمهور في مصنفاتهم ، ونقله صاحب البيان عن الأصحاب ، وقطع المحاملي في المجموع بأنهما ثلاث أذرع ونصف ، وبهذا جزم الرافعي ، وهو شاذ مردود ، وعجب من جزم الرافعي به وإعراضه عما جزم به الجمهور وهو أربعة أذرع ونصف ، وممن جزم بأربع أذرع ونصف البندنيجي وصاحب الشامل والباقون . وقد سبق أن صاحب البيان نقله عن الأصحاب . وذكر الشافعي والشيخ أبو حامد والأصحاب لاستحباب تعميقه ثلاث فوائد أن لا ينبشه سبع ، ولا تظهر رائحته ، وأن يتعذر أو يتعسر نبشه على من يريد سرقة كفنه ، وأما أقل ما يجزىء من الدفن فقال إمام الحرمين والغزالي والرافعي وغيرهم رحمهم الله : أقله حفرة تكتم رائحة الميت ، ويعسر على السباع غالبا نبشه ، والوصول إلى الميت . الثانية : يستحب أن يوسع القبر من قبل رجليه ورأسه . الثالثة : أجمع العلماء أن الدفن في اللحد وفي الشق جائزان ، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل ، لما سبق من الأدلة ، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل .

Section V05/P245–V05/P246

قال الشافعي في الأم وأصحابنا : فإن اختار الشق خفر حفيرة كالنهر وبنى جانبيها باللبن أو غيره ، وجعل بينهما شقا يوضع فيه الميت ويسقف عليه باللبن أو الخشب أو غيرهما ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت ، ويجعل في شقوقه قطع اللبن ، قال الشافعي في الأم : ورأيتهم عندنا ، يعني في مكة شرفها الله يضعون على السقف الأذخر ثم يضعون عليه التراب ، وهذا الذي ذكرته من صفة الشق واللحد نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه الأصحاب . فرع : قال المصنف في الفصل الثاني لما بعد هذا وسائر الأصحاب : يكره أن يدفن الميت في تابوت إلا إذا كانت الأرض رخوة أو ندية ، قالوا : ولا تنفيذ وصيته به إلا في مثل هذا الحال ، قالوا : ويكون التابوت من رأس المال صرح به البغوي وغيره ، وهذا الذي ذكرناه من كراهة التابوت مذهبنا ومذهب العلماء كافة وأظنه إجماعا ، قال العبدري رحمه الله : لا أعلم فيه خلافا يعني لا خلاف فيه بين المسلمين كافة والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في تعميق القبر قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب تعميقه وبسطه ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، وعن عمر بن عبد العزيز والنخعي أنهما قالا : يعمق إلى السرة ، قال : واستحب مالك رحمه الله أنه لا يعمق جدا ولا يقرب من أعلاه والله أعلم .

Section V05/P246–V05/P247

قال المصنف رحمه الله تعالى : الأولى أن يتولى الدفن الرجال ، لأنه يحتاج إلى بطش وقوة . وكان الرجال أحق ، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه ، لأنهم أرفق به . وإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها لأنه أحق بغسلها ، فإن لم يكن لها زوج فالأب ، ثم الجد ، ثم الابن ، ثم ابن الابن ، ثم الأخ ، ثم ابن الأخ ، ثم العم ، فإن لم بكن لها ذو رحم محرم ولها مملوك كان المملوك أولى من ابن العم لأنه كالمحرم ، والخصي أولى من الفحل وإن لم يكن مملوكا ، فابن العم ثم أهل الدين من المسلمين ، والمستحب أن يكون عدد الذي يدفن وترا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم : دفنه علي والعباس وأسامة رضي الله عنهم والمستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ رضي الله عنه بثوب لما دفنه . + الشرح : وله لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس وأسامة رضي الله عنه هذا الحديث رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وأسانيده مختلفة فيها ضعف وليس في رواية أبي داود ذكر العباس ، وإنما فيها علي والفضل وأسامة وأن عبد الرحمن بن عوف دخل معهم وصاروا أربعة ، وفي بعض روايات البيهقي عن علي رضي الله عنه قال : ولي دفن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عن ابن عباس : كانوا أربعة علي والفضل وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل معهم خامس وكانوا خمسة وشقران بضم الشين المعجمة وإسكان القاف هو صالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقبه شقران وأما حديث ستر قبر سعد بن معاذ فرواه البيهقي من رواية ابن العباس رضي الله عنهم بإسناد ضعيف . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : الأولى أن يتولى الدفن الرجال ، سواء كان الميت رجلا أو امرأة ، وهذا لا خلاف فيه وعللوه بعلتين إحداها : التي ذكرها المصنف أن الرجال أقوى وأشد بطشا والثانية : أن المرأة لو تولت ذلك أدى إلى انكشاف بعض بدنها . قال صاحب البيان : قال الصيدلاني : ويتولى النساء حمل المرأة من المغتسل إلى الجنازة وتسليمها إلى من في القبر لأنهن يقدرون على ذلك ، قال : وكذلك يتولى النساء حل ثيابها في القبر ، قال صاحب البيان : ولم أر هذا لغير الصيدلاني وهذا الذي قاله صاحب البيان عجيب ، وليس قول الصيدلاني منكرا ، بل هو الحق والصواب ، وقد نص عليه الشافعي في الأم في باب الدفن فقال : وستر المرأة إذا أدخلت قبرها آكد من ستر الرجل ، وتسل كما يسل الرجل ، قال : وإن ولي إخراجها من مغتسلها وحل عقد ثياب إن كانت عليها ، وتعاهدها النساء فحسن ، وإن وليه الرجال فلا بأس هذا نصه وقد جزم البندنيجي وغيره وحكوا استحبابه عن نص الشافعي رحمه الله . ومما يحتج به من الأحاديث في كون الرجال هم الذين يتولون الدفن ، وإن كان الميت امرأة ، حديث أنس رضي الله عنه قال : شهدنا بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فقال : منكم رجل لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة رضي الله عنه أنا ، قال : فانزل ، فنزل في قبرها رواه البخاري رحمه الله قيل : معناه لم يقارف أهله أي لم يجامع وقيل : لم يقارف ذنبا .

Section V05/P247–V05/P249

ذكره البخاري عن ابن المبارك عن فليح ، والأول أرجح ، ويؤيده حديث أنس : أن رقية لما ماتت قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله فلم يدخل عثمان بن عفان القبر رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، ومعلوم أن أبا طلحة رضي الله عنه أجنبي من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه كان من صالحي الحاضرين . ولم يكن لها هناك رجل محرم إلا النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان له عذر في عدم نزول قبرها ، وكذا زوجها ، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهن هناك ، فدل على أنه لا مدخل للنساء في إدخال القبر والدفن . المسألة الثانية : قال أصحابنا : أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة على الميت من حيث الدرجة والقرب ، لا من حيث الصفات ، لأن الترجيح بالصفات في الصلاة على الميت مخالف للترجيح بها في الدفن ، لأن الأسن مقدم على الأفقه في الصلاة والأفقه مقدم على الأسن في الدفن هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه وهذه المسألة مما أنكر على المصنف وعدها صاحب البيان في مشكلات المهذب من حيث أن المصنف أطلق أن من قدم في الصلاة قدم في الدفن ، والأسن مقدم في الصلاة على الأفقه وهو في الدفن عكسه ، والمختار أنها لا تعد مشكلة ، ولا عتب على المصنف لأن مراده الترتيب في الدرجات لا بيان الصفات ، فيقدم الأب ثم الجد ثم أب الأب ثم آباؤه ، ثم الابن ثم ابنه وإن سفل ، ثم الأخ ثم ابنه ثم العم ، وهل يقدم من يدلي بأبوين على مدل بالأب فيه الخلاف السابق في الصلاة على الميت ، فإن استوى اثنان في درجة قدم أفقههما ، وإن كان غيره أسن ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . قال صاحب الحاوي وغيره : المراد بالأفقه هنا أعلمهم بإدخال الميت القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع جملة . قال الشيخ أبو حامد والمحاملي وآخرون : لو كان له قريبان أحدهما أقرب وليس بفقيه والآخر بعيد وهو فقيه ، قدم الفقيه لأنه يحتاج إلى الفقه ، وهذا متفق عليه . أما إذا كان الميت امرأة لها زوج صالح للدفن فهو مقدم على الأب والابن وسائر الأقارب ، نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور . وذكر صاحب الحاوي فيه وجهين أحدهما : هذا والثاني : أن الأب يقدم عليه كالوجيهن في غسلها ، وتعليل المصنف ومن وافقه في التعليل يشير إلى موافقة صاحب الحاوي في جريان وجه في المسألة ، وكلام المصنف في التنبيه مصرح أو كالمصرح بذلك في قوله في الدفن ، والأولى أن يتولى ذلك من يتولى غسله ، لكن عليه إنكار في إطلاقه ، لأنه يقتضي دخول النساء في دفن المرأة فإنهن أحق بغسلها ، وقد سبق أنه لا خلاف أنهن لا حق لهن في الدفن ، والله أعلم . قال أصحابنا رحمهم الله : فإن لم يكن هناك محرم لها من العصبات تولى دفنها محارمها من ذوي الأرحام ، كأبي الأم والخال والعم للأم ، فإن لم يكن أحد منهم فبعدها . هذا إذا قلنا بالأصح المنصوص أن العبد كالمحرم في جواز النظر ، وإن قلنا بالضعيف أنه كالأجنبي ، فظاهر كلام المصنف وتعليل الأصحاب أنه كالأجنبي فإن لم يكن لها عبد فالخصيان الأجانب أولى لضعف شهوتهم ، فإن فقدوا فذووا الأرحام الذين ليسوا محارم ، كابن العم ، فإن فقدوا فأهل الصلاح من الأجانب . قال إمام الحرمين رحمه الله : وما أرى تقديم ذوي الأرحام محتوما بخلاف المحارم لأنهم كالأجانب في وجوب الاحتجاب عنهم ومنعهم من النظر ، وشذ صاحب العمدة أبو المكارم فقدم نساء القرابة على الرجال الأجانب ، وهذا شاذ مردود مخالف لنص الشافعي ولما قطع به الأصحاب ، بل مخالف لحديث أبي طلحة المذكور في المسألة الأولى والله أعلم .

Section V05/P249

المسألة الثالثة : يستحب كون الدافنين وترا ، فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا فثلاثة وإلا فخمسة إن أمكن واحتيج به ، وهذا متفق عليه . المسألة الرابعة : يستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن ، سواء كان الميت رجلا أو امرأة . هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب . قالوا : والمرأة آكد . وحكى الرافعي وجها أن الاستحباب مختص بالمرأة ، واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا ، وهو مذهب أبي حنيفة ، واحتجوا للمذهب بالحديث لكنه ضعيف ، ولأنه أستر فربما ظهر ما يستحب إخفاؤه ، والله أعلم .

Section V05/P249–V05/P251

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يضع رأس الميت عند رجل القبر ، ثم يسل فيه سلا ، لما روى ابن عباس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه سلا ولأن ذلك أسهل ، ويستحب أن يقول عند إدخاله القبر : بسم الله وعلى ملة رسول الله ، لما روى ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا أدخل الميت القبر ويستحب أن يضجع في اللحد على جنبه الأيمن لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه ولأنه يستقبل القبلة وكان أولى ويوسد رأسه بلبنة أو حجر كالحي إذا نام ، ويجعل خلفه شيئا يسنده من لبن أو غيره ، حتى لا يستلقى على قفاه ويكره أن يجعل تحته مضربة أو مخدة أو في تابوت لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إذا انزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض وعن أبي موسى رضي الله عنه : لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئا وينصب اللبن ( على اللحد ) نصبا لما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : اصنعوا بي كما ( صنع ) برسول الله صلى الله عليه وسلم انصبوا على اللبن وهيلوا علي التراب ويستحب لمن على شفير القبر أن يحثوا في القبر ثلاث حيثات من تراب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثى في القبر ثلاث حثيات . ويستحب أن يمكث على القبر بعد الدفن لما روى عثمان رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل . + الشرح : حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه الشافعي في الأم والبيهقي بإسناد صحيح ، إلا أن الشافعي رحمه الله قال فيه : أخبرنا الثقة ، وقد اختلف العلماء في الاحتجاج بقول الراوي : أخبرنا الثقة ، واختار بعض أصحابنا المحققين الاحتجاج إن كان القائل ممن يوافقه في المذهب والجرح والتعديل ، فعلى هذا يصح احتجاج أصحابنا بهذا الحديث . وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن . وفي رواية للترمذي سنة بدل ملة . وأما حديث إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه فغريب بهذا اللفظ ، وهو صحيح بمعناه عن البراء بن عازب قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل : اللهم أسلمت نفسي إليك إلى آخره رواه البخاري ومسلم . وأما حديث سعد بن أبي وقاص فرواه مسلم بلفظه إلا قوله : وهيلوا على التراب وأما حديث : حثى في القبر ثلاث حثيات فرواه البيهقي من رواية عامر بن ربيعة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حثى بيده ثلاث حثيات من التراب ، وهو قائم على قبر عثمان بن مظعون . قال البيهقي رحمه الله : إسناده ضعيف إلا أن له شاهدا رواه بن ماجه عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم حثي من قبل رأسه فيكون الحثي من قبل رأسه مستحسنا ، فإن الحديث جيد الإسناد كما ذكرنا . وأما حديث عثمان فرواه أبو داود والبيهقي بإسناد جيد . وقوله : هيلوا علي التراب بكسر الهاء على وزن بيعوا . يقال : هاله يهيله ، وفي الأمر هله ، ومعناه انثروا وصبوا ، ويقال حثى يحثي وحثيت وحثيا ، وحثا يحثو وحثوث حثوا بالثاء والواو ، لغتان مشهورتان حكاهما ابن السكيت وعن أبي عبيدة وآخرين . وشفير القبر : طرفه . وقوله في الحديث : واسألوا الله له التثبيت وقع في بعض نسخ المهذب التثبيت وفي بعضها التثبيت بحذف الياء مع تشديد الباء الموحدة ، وكلاهما روي في كتب الحديث ، وهما صحيحان .

Section V05/P251–V05/P252

أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : يستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر وهو طرفه الذي يكون فيه رجل الميت ، ثم يسل من قبل رأسه سلا رفيقا . الثانية : يستحب أن يقول الذي يدخله القبر عند إدخاله القبر : بسم الله وعلى ملة رسول الله ، أو على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي في المختصر : ثم يقول اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأهل العفو أنت ، غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك اللهم أشكر حسنته واغفر سيئته ، وأعذه من عذاب القبر ، وأجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه برحمتك يا أرحم الراحمين . هذا كلام الشافعي رحمه الله . قال الأصحاب : يستحب أن يدعو بهذا فإن لم يفعل فبغيره واتفقوا على استحباب الدعاء هنا . الثالثة : يجب وضع الميت في القبر مستقبل القبلة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقد ذكره المصنف بعد هذا في الفصل الأخير في مسألة من دفن بغير غسل أو إلى غير القبلة نبش ، وقال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد : استقبال القبلة به مستحب ليس بواجب والصحيح الأول ، واتفقوا على أنه يستحب أن يضجع على جنبه الأيمن ، فلو أضجع على جنبه الأيسر مستقبل القبلة جاز ، وكان خلاف الأفضل لما سبق في المصلي مضطجعا ، والله أعلم . الرابعة : يستحب أن يوسد رأسه لبنة أو حجرا ونحوهما ، ويفضي بخده الأيمن إلى اللبنة ونحوها أو إلى التراب ، وقد صرح المصنف في التنبيه والأصحاب بالإفضاء بخده إلى التراب ومعناه أن ينحى الكفن عن خده ويوضع على التراب ويستحب أن يجعل خلفه شيئا من لبن أو غيره يسنده ويمنعه من أن يقع على قفاه . الخامسة : يكره أن يجعل تحته مخدة أو مضربة أو ثوب أو يجعل في تابوت إذا لم تكن الأرض ندية واتفق أصحابنا على كراهة هذه الأشياء ، والكراهة في التابوت مختصة بما إذا لم يتعذر اجتماعه في غيره فإن تعذر اتخذ التابوت كما صرح به الشيخ نصر وغيره وقد سبق قبل هذا الفصل تعليل أن التابوت مكروه إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية ، وأنه لا تنفذ وصيته فيه إلا في هذا الحال ، وأنه من رأس المال ، ثم هذا الذي ذكرناه من كراهة المخدة والمضربة وشبهها ، هكذا نص عليه أصحابنا في جميع الطرق ونص عليه الشافعي أيضا وخالفهم صاحب التهذيب فقال : لا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء رواه مسلم ، وهذا الذي ذكره شذوذ ومخالف لما قاله الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء وأجابوا عن حديث ابن عباس بأنه لم يكن ذلك الفعل صادرا من جملة الصحابة ، ولا برضاهم ولا بعلمهم وإنما فعله شقران مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقد روى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره والله أعلم . السادسة : إذا وضعه في اللحد على الصفة السابقة ، فالسنة أن ينصب اللبن على المنفتح من اللحد بحيث يسد جميع المنفتح ويسد الفرج بقطع اللبن ونحوه ، ويسد الفرج اللطاف بحشيش أو نحوه وقال جماعة من أصحابنا : أو بطين والله أعلم .

Section V05/P252–V05/P254

السابعة : يستحب لكل من على القبر أن يحثي عليه ثلاث حثيات تراب بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد ، وهذا الذي ذكرته من الحثي باليدين جميعا نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق الأصحاب عليه وممن صرح به شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي والبغوي وصاحب العدة وآخرون . قال القاضي حسين والمتولي وآخرون : يستحب أن يقول في الحثية الأولى ( منها خلقناكم ) وفي الثانية ( وفيها نعيدكم ) وفي الثالثة ( ومنها نخرجكم تارة أخرى ) وقد يستدل له ، بحديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى رواه الإمام أحمد من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد ابن جدعان عن القاسم ، وثلاثتهم ضعفاء ، ولكن يستأنس بأحاديث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد ويعمل بها في الترغيب والترهيب ، وهذا منها والله أعلم . قال أصحابنا : ثم يهال عليه التراب بالمساحي ، وهو معنى ما سنذكره في الثامنة في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه . الثامنة : يستحب أن يمكث على القبر بعد الدفن ساعة يدعو للميت ويستغفر له نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، قالوا : ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن كان أفضل ، وقال جماعات من أصحابنا : يستحب أن يلقن بما سنذكره في المسائل الزائدة بعد فراغ الباب إن شاء الله تعالى ، ويستدل لهذا المكث والدعاء والاستغفار بحديث عثمان المذكور في الكتاب ، وبحديث عمرو بن العاص أنه قال حين حضرته الوفاة : فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم أعلم ماذا أراجع رسل ربي رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان وهو بعض حديث طويل مشتمل على جمل من الفوائد والقواعد قوله : سنوا على التراب روي بالسين المهملة وبالعجمة ، وكلاهما صحيح ومعناهما متقارب ، وروى البيهقي بإسناده أن ابن عمر رضي الله عنهما استحب قراءة أول البقرة وآخرها عند القبر ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في كيفية إدخال الميت القبر قد ذكرنا أن مذهبنا أن السنة أن يوضع رأسه عند رجل القبر ، ثم يسل سلا وقال أبو حنيفة : يوضع عرضا من ناحية القبلة ثم يدخل القبر معترضا وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي والشعبي والنخعي مثل مذهبنا ، وهو مذهب أحمد واختاره ابن المنذر ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنه محمد وإسحاق بن راهويه كمذهب أبي حنيفة وقال مالك رحمه الله : كلاهما سواء ، وعنه رواية كمذهبنا . واحتج لأبي حنيفة بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل من جهة القبلة لأن جهة القبلة أفضل . واحتج الشافعي والأصحاب بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : سل من قبل رأسه وقد قدمنا أنه يحتج به وعن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري الصحابي أنه صلى على جنازة ثم أدخله القبر من قبل رجل القبر وقال : هذا من السنة ، رواه أبو داود والبيهقي وقال فيه هذا إسناد صحيح . وقول الصحابي : من السنة كذا مرفوع ، ولأن سله من قبل رأسه هو المعروف عن جمهور الصحابة ، وهو عمل المهاجرين والأنصار بمكة والمدينة من الصحابة ومن بعدهم ، وهم بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيرهم .

Section V05/P254–V05/P255

وأما ما احتج به الحنفية من حديث ابن مسعود وابن عباس وبريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل من قبل القبلة فكلها روايات ضعيفة رواها البيهقي وبين ضعفها ، ولا يقبل قول الترمذي في حديث ابن عباس أنه حسن ، لأنه رواه هو وغيره من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف باتفاق المحدثين ، وهذا الجواب إنما يحتاج إليه لتصور إدخاله صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة . وقد قال الشافعي في الأم والأصحاب : أن هذا غير ممكن . . وأطنب الشافعي في الأم في الشناعة على من يقول ذلك ، ونسبه إلى الجهالة ومكابرة الحسن ، وإنكار العين . قال القاضي حسين وإمام الحرمين وآخرون : هذا الذي نقلوه من أقبح الغلط لأن شق قبره صلى الله عليه وسلم لاصق بالجدار ، ولحده تحت الجدار ، وليس هناك موضع يوضع فيه هذا كلام القاضي وموافقيه ورأيت أنا في الأم مثله وزيادة . قال الشافعي : الجدار الذي تحته مثله واللحد تحت الجدار فكيف يدخل معترضا واللحد لاصق بالجدار لا يقف عليه شيء ، ولا يمكن إلا أن يسل سلا أو يدخل من غير القبلة . قال : وأمور الموتى وإدخالهم القبر من الأمور المشهورة عندنا ، لكثرة الموت وحضور الأئمة وأهل الثقة ، وهو من الأمور العامة التي يستغنى فيها عن الحديث فيكون الحديث فيها كالتكلف لاشتراك الناس في معرفتها ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار بين أظهرنا ، ينقل العامة عن العامة لا يختلفون في ذلك أن الميت يسل سلا ، ثم جاءنا آت من غير بلدنا يعلمنا كيف الميت ، ثم لم يرض حتى روي عن حماد عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل معترضا . هذا آخر كلام الشافعي . ورواية إبراهيم مرسلة ضعيفة . قال أصحابنا : ولأن ما قلناه أسهل فكان أولى ، وما أدعوه من استقبال القبلة فجوابه أن استقبل القبلة إنما يستحب بشرطين ، أن يمكن ولا ينابذ سنة ، وهذا ليس ممكنا ومنابذا للسنة . فرع في مذاهبهم في ستر الميت عند إدخاله القبر بثوب قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه في الرجل والمرأة ، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يستحب في قبر المرأة دون الرجل ، وحكى ابن المنذر عن عبد الله ابن بريدة وشريح : يكرهان ذلك في قبر الرجل .

Section V05/P255–V05/P257

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يزاد في التراب الذي أخرج من القبر ، فإن زادوا فلا بأس به ويشخص القبر من الأرض قدر شبر ، لما روى القاسم بن محمد قال : دخلت على عائشة فقلت اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة ويسطح القبر ، ويوضع عليه الحصا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنه إبراهيم رضي الله عنه ووضع عليه حصباء من حصباء العرصة وقال أبو علي الطبري رحمه الله : الأولى في زماننا أن يسنم لأن التسطيح من شعار الرافضة ، وهذا لا يصح ، لأن السنة قد صحت فيه فلا يضر موافقة الرافضة فيه ، ويرش عليه الماء لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم الماء ولأنه إذا لم يرش عليه الماء زال أثره فلا يعرف ، ويستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم : دفن عثمان بن مظعون ووضع عند رأسه حجرا ولأنه يعرف به فيزار ، ويكره أن يجصص القبر وأن يبني عليه وأن يكتب عليه ، لما روى جابر قال : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه أو يقعد أو يكتب عليه ولأن ذلك من الزينة . + الشرح : حديث القاسم صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ، ورواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ، وقوله : لا مشرفة أي مرتفعة ارتفاعا كثيرا ، وقوله : ولا لاطئة هو بهمز آخره أي ولا لاصقة بالأرض ، يقال لطىء ولطأ بكسر الطاء وفتحها وآخره مهموز فيهما إذا لصق . أما حديث قبر إبراهيم ورش الماء عليه ووضع الحصباء عليه ، فرواه الشافعي في الأم والبيهقي بإسناد ضعيف . وأما حديث عثمان بن مظعون ووضع الحجر عند رأسه فسبق بيانه في الفصل الأول من الدفن . وأما حديث جابر الأخير فرواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهما ، لكن لفظ روايتهم : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه وليس فيه ذكر يكتب ، ووقع في الترمذي بزيادة يكتب عليه وأن يوطأ وقال : حديث حسن . ووقع في سنن أبي داود زيادة : وأن يزاد عليه وإسنادها صحيح ، ووقع في أكثر النسخ المعتمدة من المهذب : وأن يقعد عليه بتقديم العين على القاف وهو تصحيف ، فإن الروايات المشهورة في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي وسائر كتب الحديث المشهورة يقعد ، بتقديم القاف على العين من القعود الذي هو الجلوس ، والحصباء بالمد وبالباء الموحدة وهي الحصا الصغار ، والعرصة بإسكان الراء . قال ابن فارس : كل جونة متفتقة ليس فيها بناء فهي عرصة ، والشعار بكسر الشين العلامة ، والرافضة الطائفة المبتدعة ، سموا بذلك لرفضهم زيد بن علي رضي الله عنهما ، فلزم هذا الاسم كل من غلا منهم في مذهبه والله أعلم . أما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : قال الشافعي في المختصر : يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه ، قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : إنما قلنا يستحب أن لا يزاد لئلا يرتفع ارتفاعا كثيرا . قال الشافعي : فإن زاد فلا بأس . قال أصحابنا : معناه أنه ليس بمكروه ، لكن المستحب تركه ، ويستدل لمنع الزيادة برواية أبي داود المذكورة قريبا ، وهي قوله : وأن يزاد عليه . الثانية : يستحب أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر ، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب واتفقوا عليه إلا أن صاحب التتمة استثنى فقال : إلا أن يكون دفنه في دار الحرب فيخفى قبره بحيث لا يظهر مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروج المسلمين .

Section V05/P257–V05/P259

فإن قيل : هذا الذي ذكرتموه مخالف لحديث علي رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ندع قبرا مشرفا إلا سويته فالجواب : ما أجاب به أصحابنا قال : لم يرد التسوية بالأرض وإنما أراد تسطيحه ، جمعا بين الأحاديث . الثالثة : تسطيح القبر وتسنيمه وأيهما أفضل فيه وجهان الصحيح : التسطيح أفضل وهو نص الشافعي في الأم ومختصر المزني ، وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين وجماعات من المتأخرين ، منهم الماوردي والفوراني والبغوي وخلائق وصححه جمهور الباقين كما صححه المصنف ، وصرحوا بتضعيف التسنيم كما صرح به المصنف . والثاني : التسنيم أفضل ، حكاه المصنف عن أبي علي الطبري ، والمشهور في كتب أصحابنا العراقيين والخراسانيين أنه قول أبي علي ابن أبي هريرة . وممن حكاه عنه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشاشي وخلائق من الأصحاب وممن رجح التسنيم من الخراسانيين الشيخ أبو محمد الجويني والغزالي والروياني والسرخسي ، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب وليس كما قال ، بل أكثر على تفضيل التسطيح ، وهو نص الشافعي كما سبق ، وهو مذاهب مالك وداود . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد رحمهم الله : التسنيم أفضل ، ودليل المذهبين في الكتاب . ورد الجمهور على ابن أبي هريرة في دعواه أن التسنيم أفضل لكون التسطيح شعار الرافضة ، فلا يضر موافقة الرافض لنا في ذلك ، ولو كانت موافقتهم لنا سببا لترك ما وافقوا فيه لتركنا واجبات وسننا كثيرة . فإن قيل صححتم التسطيح ، وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله عن سفيان الثمار قال : رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما فالجواب : ما أجاب به البيهقي رحمه الله قال : صحت رواية القاسم بن محمد السابقة المذكورة في الكتاب ، وصحت هذه الرواية ، فنقول : القبر غير عما كان ، فكان أول الأمر مسطحا كما قال القاسم ، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك ، وقيل : في زمن عمر بن عبد العزيز أصلح فجعل مسنما ، قال البيهقي : وحديث القاسم أصح ، وأولى أن يكون محفوظا ، والله أعلم . الرابعة : يستحب أن يوضع على القبر حصباء ، وهو الحصا الصغار لما سبق وأن يرش عليه الماء لما ذكره المصنف . قال المتولي وآخرون : يكره أن يرش عليه ماء الورد ، وأن يطلى بالخلوف لأنه إضاعة مال . الخامسة : السنة أن يجعل عند رأسه علامة شاخصة من حجر أو خشبة أو غيرهما هكذا قاله الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب إلا صاحب الحاوي فقال يستحب علامتان إحداهما : عند رأسه والأخرى : عند رجليه قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حجرين كذلك على قبر عثمان ابن مظعون كذا قال ، والمعروف في روايات حديث عثمان حجر واحد والله أعلم . السادسة : قال الشافعي والأصحاب : يكره أن يجصص القبر ، وأن يكتب عليه اسم صاحبه أو غير ذلك ، وأن يبنى عليه ، وهذا خلاف فيه عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وداود وجماهير العلماء ، وقال أبو حنيفة : لا يكره ، دليلنا الحديث السابق ، قال أصحابنا رحمهم الله : ولا فرق في البناء بين أن يبنى قبة أو بيتا أو غيرهما ، ثم ينظر فإن كان مقبرة مسبلة حرم عليه ذلك قال أصحابنا ويهدم هذا البناء بلا خلاف .

Section V05/P259

قال الشافعي في الأم : ورأيت من الولاة من يهدم ما بنى فيها ، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك ، ولأن في ذلك تضييقا على الناس ، قال أصحابنا : وإن كان القبر في ملكه جاز بناء ما شاء مع الكراهة ، ولا يهدم عليه ، قال أصحابنا : وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس أم في غيره ، فكله مكروه لعموم الحديث ، قال أصحابنا وسواء في كراهة التجصيص للقبر في ملكه أو المقبرة المسبلة ، وأما تطيين القبر ، فقال إمام الحرمين والغزالي يكره ونقل أبو عيسى الترمذي في جامعه المشهور أن الشافعي قال : لا بأس بتطيين القبر ، ولم يتعرض جمهور الأصحاب له فالصحيح أنه لا كراهة فيه ، كما نص عليه . ولم يرد فيه نهي . فرع : قال البغوي وغيره : يكره أن يضرب على القبر مظلة ، لأن عمر رضي الله عنه رأى مظلة على قبر فأمر برفعها وقال : دعوه يظله عمله .

Section V05/P259–V05/P261

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا دفن الميت قبل الصلاة صلى على القبر ، لأن الصلاة تصل إليه في القبر وأن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة ولم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل ووجه إلى القبلة ، لأنه واجب مقدور على فعله فوجب فعله . وإن خشي عليه الفساد لم ينبش لأنه تعذر فعله فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر ، + الشرح : قال أصحابنا : يحرم الدفن قبل الصلاة عليه ، فإن ارتكبوا الحرام ودفنوه ، أو لم يحضره من تلزمه الصلاة ودفن لم يجز نبشه للصلاة بل تجب الصلاة عليه في القبر ، لأن الصلاة على الغائب جائزة ، وعلى القبور ، للأحاديث الصحيحة السابقة في الصلاة على القبر والغائب ، وقد سبقت هذه المسألة في فصل الصلاة على القبر ، هذا إذا دفن وهيل عليه التراب ، فأما إذا أدخل اللحد ولم يهل التراب فيخرج ويصلى عليه ، نقل الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق عن نص الشافعي ، قال : والفرق بين الحالتين من وجهين أحدهما : قلة المشقة وكثرتها والثاني : أن إخراجه بعد إهالة التراب نبش على الحقيقة ، وهو ممنوع وقبل أن يهال ليس بنبش . قال أبو محمد رحمه الله : وقال بعض أصحابنا : إذا أراد الصلاة عليه وهو في اللحد قبل أن يهال التراب رفعت لبنة مما يقابل وجهه لينظر بعضه ، قال أبو محمد : وهذا خلاف نص الشافعي ، والصحيح ما نص عليه ، هذا كلام أبي محمد قلت : وهذا النص نص عليه في عيون المسائل عن الربيع عن الشافعي رحمه الله ، أما إذا دفن بلا غسل فيأثمون بلا خلاف إن تمكنوا من غسله ، وكان ممن يجب غسله فالصحيح أنه إن تغير وخشي فساده لو نبش لم يجز نبشه لما فيه من انتهاك حرمته وإن لم يتغير وجب نبشه وغسله ، ثم الصلاة عليه لأنه واجب مقدور عليه فوجب فعله ، وبهذا التفصيل قطع المصنف وجماهير الأصحاب في الطريقين . وحكي إمام الحرمين وغيره عن صاحب التقريب أنه حكى قولا للشافعي أنه لا يجب النبش للغسل ، وإن لم يتغير ، بل يكره نبشه ولا يحرم ، وحكى صاحب الحاوي وآخرون وجها أنه يجب نبشه للغسل ، وإن تغير وفسد ، قال الرافعي : ما دام منه جزء من عظم وغيره . واتفق الذين حكوا هذا الوجه على ضعفه وفساده ، أما إذا دفن إلى غير القبلة فقال المصنف وجمهور الأصحاب : الدفن إلى القبلة واجب كما سبق ، قالوا : فيجب نبشه وتوجيهه إلى القبلة إن لم يتغير ، وإن تغير سقط فلا ينبش لما ذكره المصنف ، هذه طريقة الأصحاب من العراقيين والخراسانيين إلا القاضي أبا الطيب فقال في كتابه المجرد : لا يجب التوجيه إلى القبلة بل هو سنة ، فإذا ترك استحب نبشه ، ولا يجب . وهذا شاذ ضعيف وسبقت المسألة مبسوطة في هذا الباب . أما إذا دفن بلا تكفين فوجهان مشهوران أحدهما : ينبش كما ينبش للغسل وأصحهما : لا ينبش ، وبه قطع المحاملي في المقنع والسرخسي في الأمالي وآخرون لا ينبش لأن المقصود ستره ، وقد حصل ، لأن في نبشه هتكا لحرمته والله أعلم . ولو دفن في أرض مغصوبة استحب لصاحبها تركه ، فإن أبى فله إخراجه وإن تغير وتفتت وكان فيه هتك لحرمته ، إذ لا حرمة للغاصب وليس لعرق ظالم حق واتفق أصحابنا على هذا ، ولو دفن في ثوب مغصوب أو مسروق فثلاثة أوجه مشهورة حكاها إمام الحرمين وآخرون . أصحها : ينبش كما لو دفن في أرض مغصوبة ، وبهذا قطع البغوي وآخرون ، وصححه الغزالي والمتولي والرافعي ونقله السرخسي عن نص الشافعي .

Section V05/P261

والثاني : لا يجوز نبشه بل يعطى صاحب الثوب قيمته لأن الثوب صار كالهالك بخلاف الأرض ، لأن خلع الثوب أفحش في هتك حرمته من رد الأرض ، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه وابن الصباغ والعبدري ، وهو قول الداركي وأبي حامد ، ونقله الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه عن الأصحاب مطلقا . والثالث : إن تغير الميت وكان في نبشه هتك لحرمته لم ينبش وإلا نبش ، وصححه صاحب العدة والشيخ نصر المقدسي ، واختاره الشيخ أبو حامد والمحاملي لأنفسهما بعد حكايتهما عن الأصحاب ما قدمته ، واختاره أيضا الدارمي ، ولو كفن الرجل في ثوب حرير ، قال الرافعي : في نبشه هذه الأوجه ، ولم أر هذا لغيره ، وفيه نظر ، وينبغي أن يقطع بأنه لا ينبش بخلاف المغصوب ، فإن نبشه لحق مالكه والله أعلم . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة يجب نبشه ليغسل ويوجه للقبلة ما لم يتغير ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة لا يجب ذلك بعد إهالة التراب عليه .

Section V05/P261–V05/P262

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وقع في القبر مال لآدمي فطالب به صاحبه نبش القبر ، لما روي : إن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه طرح خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : خاتمي ، ففتح موضع فيه فأخذه وكان يقول : أنا أقربكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه يمكن رد المال إلى صاحبه من غير ضرر فوجب رده عليه ، وإن بلع الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة ، وإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان أحدهما : يشق لأنها صارت للمورثة ، فهي كجوهرة الأجنبي والثاني : لا يجب لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة . + الشرح : حديث المغيرة ضعيف غريب ، قال الحاكم أبو أحمد وهو شيخ الحاكم أبي عبد الله : لا يصح هذا الحديث ، ويقال : خاتم بفتح التاء وكسرها وخاتام وختام ، وقوله : بلع بكسر اللام ، يقال : بلع يبلع كشرب يشرب ، قال أصحابنا : إذا وقع في القبر مال نبش وأخرج ، سواء كان خاتما أو غيره قليلا أو كثيرا هكذا أطلقه أصحابنا ، وقيده المصنف بما إذا طلبه صاحبه ولم يوافقوه على التقييد وهذا الذي ذكرناه من النبش هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في كل طرقهم ، وانفرد صاحب العدة بحكاية وجه أنه لا ينبش ، قال : وهو مذهب أبي حنيفة ، وهذا الوجه غلط . أما إذا بلع جوهرة لغيره أو غيرها فطريقان الصحيح : منهما وبه قطع المصنف والأصحاب في معظم الطرق أنه إذا طلبها صاحبها شق جوفه وردت إلى صاحبها والطريق الثاني فيه وجهان ممن حكاه المتولي والبغوي والشاشي أصحهما : هذا والثاني : لا يشق ، بل يجب قيمتها في تركته ، لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كسر عظم الميت ، ككسره حيا رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا رجلا واحدا ، وهو سعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد الأنصاري فضعفه أحمد ابن حنبل : ووثقه الأكثرون ، وروى له مسلم في صحيحه وهو كاف في الاحتجاح به ، ولم يضعفه أبو داود مع قاعدته التي قدمنا بيانها . قالوا : ووجه الدلالة من هذا الحديث أن كسر العظم ، وشق الجوف في الحياة لا يجوز لاستخراج جوهرة وغيرها ، فكذا بعد الموت وحكي الرافعي عن أبي المكارم صاحب العدة وهو غير صاحب العدة أبي عبد الله الحسين بن علي الطبري الإمام المشهور ، الذي ينقل عنه صاحب البيان وأطلقه أنا في هذا الشرح أنه قال : يشق جوفه إلا أن يضمن الورثة قيمته أو مثله فلا يشق في أصح الوجهين وهذا النقل غريب ، والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تفصيل . أما إذا بلع جوهرة لنفسه فوجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما قل من بين الأصح منهما مع شهرتهما فصحح الجرجاني في الشافعي والعبدري في الكفاية الشق وقطع المحاملي في المقنع بأنه لا يشق ، وصححه القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، قال الشيخ أبو حامد في التعليق : وقول الأول أنها صارت للوارث غلط لأنها إنما تصير للوارث إذا كانت موجودة ، فأما المستهلكة فلا وهذه مستهلكة . وأجاب الأول عن هذا بأنها لو كانت مستهلكة لما شق جوفه بجوهرة الأجنبي وحيث قلنا : يشق جوفه وتخرج ، فلو دفن قبل الشق ، نبش لذلك والله أعلم . هذا تفصيل مذهبنا ، وقال أبو حنيفة وسحنون المالكي : يشق مطلقا ، وقال أحمد وابن حبيب المالكي : لا يشق .

Section V05/P262–V05/P264

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت . + الشرح : هذه المسألة مشهورة في كتب الأصحاب ، وذكر صاحب الحاوي أنه ليس للشافعي فيها نص ، قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وخلائق من الأصحاب : قال ابن سريح : إذا ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها وأخرج فأطلق ابن سريج المسألة قال أبو حامد والماوردي و المحاملي وابن الصباغ : وقال بعض أصحابنا : ليس هو كما أطلقها ابن سريج ، بل يعرض على القوابل فإن قلن هذا الولد إذا أخرج يرجى حياته ، وهو أن يكون له ستة أشهر فصاعدا شق جوفها وأخرج ، وإن قلن لا يرجى بأن يكون له دون ستة أشهر لم يشق ، لأنه لا معنى لانتهاك حرمتها فيما لا فائدة فيه قال المارودي ، وقول ابن سريج هو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء . قلت : وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والعبدري في الكفاية وذكر القاضي حسين والفوراني والمتولي والبغوي وغيرهم في الذي لا يرجى حياته وجهين أحدهما : يشق والثاني : لا يشق قال البغوي : وهو الأصح ، قال جمهور الأصحاب : فإذا قلنا لا يشق لم تدفن حتى تسكن حركة الجنين ، ويعلم أنه قد مات ، هكذا صرح به الأصحاب في جميع الطرق ونقل اتفاق الأصحاب عليه القاضي حسين وآخرون وهو موجود كذلك في كتبهم إلا ما انفرد به المحاملي في المقنع والقاضي حسين في موضع آخر من تعليقه قبل باب الشهيد بنحو ورقتين ، والمصنف في التنبيه فقالوا : ترك عليه شيء ثقيل حتى يموت ثم تدفن المرأة وهذا غلط فاحش ، وقد أنكره الأصحاب أشد إنكار وكيف يؤمر بقتل حي معصوم وإن كان ميئوسا من حياته بغير سبب منه يقتضي القتل . ومختصر المسألة إن رجي حياة الجنين وجب شق جوفها وإخراجه ، وإلا فثلاثة أوجه أصحها : لا تشق ولا تدفن حتى تموت والثاني : تشق ويخرج والثالث : يثقل بطنها بشيء ليموت وهو غلط ، وإذا قلنا يشق جوفها شق في الوقت الذي يقال إنه أمكن له ، هكذا قاله الشيخ أبو حامد . وقال البندنيجي : ينبغي أن تشق في القبر فإنه أستر لها . فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها : قال أصحابنا : يكره الدفن بالليل لكن المستحب دفنه نهارا . قالوا وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري فإنه كرهه ، واحتج له بحديث جابر رضي الله عنه قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك رواه مسلم . دليلنا الأحاديث الصحيحة المشهورة منها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : مر بقبر دفن ليلا فقال : متى دفن هذا فقالوا البارحة قال أفلا آذنتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك ، فصلى عليه رواه البخاري . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر ، وإذا هو يقول : ناولوني صاحبكم ، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم . واحتج به أبو داود في المسألة ، وعن عائشة رضي الله عنها : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح رواه البخاري رحمه الله ، فهذه الأحاديث المعتمدة في المسألة . وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا ، فأسرج له سراج إلى آخره ، فهو حديث ضعيف .

Section V05/P264

فإن قيل قد قال فيه الترمذي : حديث حسن قلنا : لا يقبل قول الترمذي في هذا لأنه من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف عند المحدثين ، ويحتمل أنه اعتضد عند الترمذي بغيره فصار حسنا . قال أصحابنا رحمهم الله : ودفنت عائشة وفاطمة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم ليلا ، فلم ينكر ذلك أحد من الصحابة والجواب : عن حديث جابر أن النهي إنما هو عن دفنه قبل الصلاة عليه والله أعلم . الثانية : الدفن في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها إذا لم يتحره ليس بمكروه عندنا ، نص عليه الشافعي في الأم في باب القيام للجنازة ، واتفق عليه الأصحاب . ونقل الشيخ أبو حامد في أول باب الصلاة على الميت من تعليقه والماوردي والشيخ نصر المقدسي وغيرهم إجماع العلماء . وثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها ، وأن نقبر فيها موتانا وذكر وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها وأجاب الشيخ أبو حامد والماوردي ونصر المقدسي وغيرهم بأن الإجماع دل على ترك ظاهره في الدفن ، وأجاب القاضي أبو الطيب والمتولي وغيرهما بأن النهي عن تحري هذه الأوقات للدفن وقصد ذلك ، قالوا وهذا مكروه ، فأما إذا لم يتحره فلا كراهة ، ولا هو مراد الحديث ، وهذا الجواب أحسن من الأول . الثالثة : في نقل الميت من بلد إلى بلد قبل دفنه ، قال صاحب الحاوي : قال الشافعي رحمه الله تعالى : لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس ، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها . وقال البغوي والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين : يكره نقله ، وقال القاضي حسين والدارمي والمتولي يحرم نقله ، قال القاضي حسين والمتولي : ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته ، وهذا هو الأصح لأن الشرع أمر بتعجيل دفنه ، وفي نقله تأخيره ، وفيه أيضا انتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغير ذلك وقد صح عن جابر رضي الله عنه قال : كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم ، فجاء منادي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وأما نبش القبر فلا يجوز لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب ، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق ، ومختصره أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا ، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه ، ويجوز زرع تلك الأرض وبنائها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب ، وإن كانت عارية رجع فيها المعير . وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره ، قال أصحابنا رحمهم الله : ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها ويجوز نبش الميت إذا دفن لغير القبلة ، أو بلا غسل على الصحيح فيهما ، أو بلا كفن ، أو في كفن مغصوب أو حرير أو أرض مغصوبة ، أو ابتلع جوهرة ، أو وقع في القبر مال على ما سبق في كل ذلك من التفصيل والخلاف قال الماوردي في الأحكام السلطانية : إذا لحق القبر سيل أو نداوة ، قال أبو عبد الله الزبيري : نقله يجوزه ، ومنعه غيره .

Section V05/P264

قلت : قول الزبيري أصح ، فقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أنه دفن أباه يوم أحد مع رجل آخر في قبر ، قال : ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هيئة ، غير أذنه وفي رواية للبخاري أيضا : أخرجته فجعلته في قبر على حدة وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره أن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام ، فشكا إليها النز ، فأمرت به فاستخرج طريا فدفن في داره بالبصرة ، قال غيره قال الراوي : كأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها وأخضر شقه الذي يلي النز . الرابعة : قال جماعات من أصحابنا يستحب تلقين الميت عقب دفنه فيجلس عند رأسه إنسان ويقول : يا فلان ابن فلان ويا عبد الله بن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا ، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور . وإنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا زاد الشيخ نصر : ربي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم فهذا التلقين عندهم مستحب ، وممن نص على استحبابه القاضي حسين والمتولي والشيخ نصر المقدسي والرافعي وغيرهم . ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقا ، وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عنه فقال : ( التلقين هو الذي نختاره ونعمل به ، قال : وروينا فيه حديثا من حديث أبي أمامة ليس إسناده بالقائم ، لكن اعتضد بشواهد ، وبعمل أهل الشام قديما ) هذا كلام أبي عمرو . قلت : حديث أبي أمامة رواه أبو القاسم الطبراني في معجمه بإسناد ضعيف ، ولفظه : عن سعيد بن عبد الله الأزدي قال : شهدت أبا أمامة رضي الله عنه وهو في النزع فقال : إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل : يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة فإنه يستوى قاعدا ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة فإنه يقول : أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون ، فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإنك رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما ، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول : انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته ، فقال رجل : يا رسول الله فإن لم نعرف أمه قال فينسبه إلى أمه حواء ، يا فلان ابن حواء قلت فهذا الحديث وإن كان ضعيفا فيستأنس به . وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب ، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث كحديث : واسألوا له التثبيت ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان سبق بيانهما قريبا ، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به وإلى الآن ، وهذا التلقين إنما هو في حق المكلف الميت ، أما الصبي فلا يلقن . والله أعلم .

Questions