Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V03/P232–V03/P233

[البقرة: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] إن قال لنا قائل: وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم التي تاب الله منها عليهم فعفا عنهم؟ قيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: أحدهما جماع النساء، والآخر: المطعم، والمشرب في الوقت الذي كان حراما ذلك عليهم كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: ثنا ابن أبي ليلى، " أن الرجل كان إذا أفطر فنام لم يأتها، وإذا نام لم يطعم، حتى جاء عمر بن الخطاب يريد امرأته فقالت امرأته: قد كنت نمت فظن 03P234 أنها تعتل فوقع بها قال: وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم فقالوا: نسخن لك شيئا؟ قال: ثم نزلت هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] الآية " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال " كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، فلما دخل رمضان كانوا يصومون، فإذا لم يأكل الرجل عند فطره حتى ينام لم يأكل إلى مثلها، وإن نام، أو نامت امرأته لم يكن له أن يأتيها إلى مثلها. فجاء شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك، فقال لأهله: أطعموني فقالت: حتى أجعل لك شيئا سخنا، قال: فغلبته عينه فنام. ثم جاء عمر، فقالت له امرأته: إني قد نمت فلم يعذرها، وظن أنها تعتل فواقعها. فبات هذا وهذا يتقلبان ليلتهما ظهرا، وبطنا، فأنزل الله في ذلك: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] وقال: {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] فعفا الله عن ذلك. وكانت سنة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال " كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام، والشراب، وإتيان النساء، فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة، يعمل في أرض له، قال: فلما كان عند فطره نام، فأصبح صائما قد جهد، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما لي أرى بك 03P235 جهدا» ؟ فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } [البقرة: 187] . . إلى آخر الآية " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، نحو حديث ابن أبي ليلى الذي حدث به، عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال " كانوا إذا صاموا ونام أحدهم لم يأكل شيئا حتى يكون من الغد، فجاء رجل من الأنصار، وقد عمل في أرض له وقد أعيا، وكل، فغلبته عينه ونام، وأصبح من الغد مجهودا، فنزلت هذه الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصري، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، وكان توجه ذلك اليوم فعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.

Section V03/P233

فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته قالت: قد نمت فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيه هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى: {من الخيط الأسود} [البقرة: 187] ففرحوا بها فرحا شديدا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي 03P236 طلحة، عن ابن عباس، في قول الله تعالى ذكره {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلو العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا الطعام، والنساء في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن} [البقرة: 187] يعني انكحوهن {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] " حدثني المثنى، قال : ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، قال: حدثني موسى بن جبير، مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك، يحدث عن أبيه، قال " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام، والشراب، والنساء حتى يفطر من الغد. فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت: إني قد نمت فقال: ما نمت ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى ذكره: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن} [البقرة: 187] . . الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت، " أن عمر بن الخطاب، واقع، أهله ليلة في رمضان، فاشتد ذلك عليه فأنزل الله: {أحل 03P237 لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة: 187] إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن إلى: {وعفا عنكم} [البقرة: 187] كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طعم من الطعام فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صليت حرم عليهم الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة. وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم، إذ سولت له نفسه، فأتى أهله لبعض حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي، ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنى أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زينت لي فواقعت أهلي، هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ قال: «لم تكن حقيقا بذلك يا عمر» ، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] يعني بذلك الذي فعل عمر بن الخطاب. فأنزل الله عفوه، فقال: {فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن} [البقرة: 187] إلى: {من الخيط الأسود} [البقرة: 187] فأحل لهم المجامعة، والأكل، والشرب حتى يتبين لهم الصبح " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] قال « 03P238 كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصيام بالنهار، فإذا أمسى أكل، وشرب، وجامع النساء، فإذا رقد حرم ذلك كله عليه إلى مثلها من القابلة.

Section V03/P233

وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فعفا الله عنهم، وأحل ذلك لهم بعد الرقاد، وقبله في الليل كله» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الصائم في رمضان، فإذا أمسى، ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو وزاد فيه: وكان منهم رجال يختانون أنفسهم، وكان عمر بن الخطاب ممن اختان نفسه، فعفا الله عنهم، وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله، وفي الليل كله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن شروس، عن عكرمة، مولى ابن عباس: أن " رجلا، قد سماه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار جاء ليلة وهو صائم، فقالت له امرأته: لا تنم حتى نصنع لك طعاما فنام، فجاءت فقالت: نمت والله فقال: لا والله قالت: بلى والله فلم يأكل تلك الليلة وأصبح صائما، فغشي عليه؛ فأنزلت الرخصة فيه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {علم الله أنكم 03P239 كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] «وكان بدء الصيام أمروا بثلاثة أيام من كل شهر ركعتين غدوة، وركعتين عشية، فأحل الله لهم في صيامهم في ثلاثة أيام ، وفي أول ما افترض عليهم في رمضان إذا أفطروا وكان الطعام، والشراب، وغشيان النساء لهم حلالا ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم عليهم ذلك إلى مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم كانوا يصيبون أو ينالون من الطعام والشراب وغشيان النساء بعد الرقاد، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم، ثم أحل الله لهم ذلك الطعام والشراب، وغشيان النساء إلى طلوع الفجر» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] قال «كان الناس قبل هذه الآية إذا رقد أحدهم من الليل رقدة، لم يحل له طعام، ولا شراب، ولا أن يأتي امرأته إلى الليلة المقبلة، فوقع بذلك بعض المسلمين، فمنهم من أكل بعد هجعته، أو شرب، ومنهم من وقع على امرأته، فرخص الله ذلك لهم» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال " كتب على النصارى رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا، ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فكتب على المؤمنين كما كتب عليهم، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى، حتى أقبل رجل من 03P240 الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة، وكان يعمل في حيطان المدينة بالأجر، فأتى أهله بتمر، فقال لامرأته: استبدلي بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينة لعلي أن آكله، فإن التمر قد أحرق جوفي، فانطلقت فاستبدلت له، ثم صنعت، فأبطأت عليه فنام، فأيقظته، فكره أن يعصي الله، ورسوله، وأبى أن يأكل، وأصبح صائما؛ فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشي، فقال: «ما لك يا أبا قيس أمسيت طليحا» ، فقص عليه القصة.

Section V03/P233–V03/P241

وكان عمر بن الخطاب وقع على جارية له في ناس من المؤمنين لم يملكوا أنفسهم؛ فلما سمع عمر كلام أبي قيس رهب أن ينزل في أبي قيس شيء، فتذكر هو، فقام فاعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أعوذ بالله إني وقعت على جاريتي، ولم أملك نفسي البارحة فلما تكلم عمر تكلم أولئك الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كنت جديرا بذلك يا ابن الخطاب» ، فنسخ ذلك عنهم، فقال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] يقول: إنكم تقعون عليهن خيانة {فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] يقول: جامعوهن؛ ورجع إلى أبي قيس، فقال: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] قال " كانوا في 03P241 رمضان لا يمسون النساء، ولا يطعمون، ولا يشربون بعد أن يناموا حتى الليل من القابلة، فإن مسوهن قبل أن يناموا لم يروا بذلك بأسا. فأصاب رجل من الأنصار امرأته بعد أن نام، فقال: قد اختنت نفسي فنزل القرآن، فأحل لهم النساء، والطعام، والشراب حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " قال: وقال مجاهد، " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصائم منهم في رمضان، فإذا أمسى أكل، وشرب وجامع النساء، فإذا رقد حرم عليه ذلك كله حتى كمثلها من القابلة، وكان منهم رجاله يختانون أنفسهم في ذلك. فعفا عنهم وأحل لهم بعد الرقاد، وقبله في الليل، فقال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] . . الآية " حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، أنه قال في هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] مثل قول مجاهد، وزاد فيه " أن عمر بن الخطاب قال لامرأته: لا ترقدي حتى أرجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقدت قبل أن يرجع، فقال لها: ما أنت براقدة ثم أصابها حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. قال عكرمة: نزلت {وكلوا واشربوا } [البقرة: 187] الآية في أبي قيس بن صرمة من بني الخزرج أكل بعد الرقاد " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، " أن صرمة بن أنس، أتى أهله ذات ليلة وهو شيخ كبير، وهو صائم، فلم يهيئوا له طعاما، فوضع رأسه فأغفى، وجاءته امرأته بطعامه، فقالت له: كل فقال: إني قد نمت، قالت: إنك لم تنم، فأصبح جائعا مجهودا، فأنزل الله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] " فأما المباشرة في كلام العرب: فإنه ملاقاة بشرة ببشرة، وبشرة الرجل: جلدته الظاهرة.

Section V03/P241–V03/P247

وإنما كنى الله بقوله: {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] عن الجماع: يقول: فالآن إذا أحللت لكم الرفث إلى نسائكم فجامعوهن في ليالي شهر رمضان حتى يطلع الفجر، وهي تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وبالذي قلنا في المباشرة قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، وحدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن سفيان، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس، قال " المباشرة: الجماع، ولكن الله كريم يكني " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] انكحوهن " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال " المباشرة: النكاح " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، قوله {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] قال: الجماع، وكل شيء في القرآن من ذكر المباشرة فهو الجماع نفسه "، وقالها عبد الله بن كثير مثل قول عطاء في الطعام، والشراب، والنساء حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا يزيد بن زريع قال: وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال «المباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال أبو بشر: أخبرنا، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] يقول: جامعوهن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 03P244 مجاهد، قال المباشرة: الجماع " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، قال: حدثني عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت مجاهدا، يقول المباشرة في كتاب الله: الجماع " حدثنا ابن البرقي، ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: قال الأوزاعي: ثنا من سمع، مجاهدا يقول المباشرة في كتاب الله الجماع " واختلفوا في تأويل قوله {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] فقال بعضهم: الولد ذكر من قال ذلك حدثني عبدة بن عبد الله الصفار البصري، قال: ثنا إسماعيل بن زياد الكاتب، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف، وأبو داود، عن شعبة، قال: سمعت الحكم، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا عبيد الله، عن عكرمة، قوله " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، ثنا أبو مردود بحر بن موسى، قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن، يقول في هذه الآية " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] فهو الولد " حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي قال: ثنا عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] يعني الولد " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد، فإن لم تلد هذه فهذه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عمن، سمع الحسن، في قوله " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: هو الولد " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: ما كتب لكم من الولد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الجماع " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: ثنا الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قوله " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: الولد " وقال بعضهم: معنى ذلك ليلة القدر ذكر من قال ذلك حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: ليلة القدر " قال أبو هشام: هكذا قرأها معاذ حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا الحسن بن أبي جعفر، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] قال: ليلة القدر " 03P247 وقال آخرون: بل معناه: ما أحله الله لكم، ورخصه لكم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] يقول: ما أحله الله لكم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة، في ذلك «ابتغوا الرخصة التي كتبت لكم» وقرأ ذلك بعضهم: «واتبعوا ما كتب الله لكم» ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس، كيف تقرأ هذه الآية: {وابتغوا} [البقرة: 187] أو «واتبعوا» ؟

Section V03/P247

قال " أيتهما شئت. قال: عليك بالقراءة الأولى " والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال: {وابتغوا} [البقرة: 187] بمعنى: اطلبوا ما كتب الله لكم، يعني الذي قضى الله تعالى لكم. وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم، وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، 03P248 وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ. وقد يدخل في قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] جميع معاني الخير المطلوبة، غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: {فالآن باشروهن} [البقرة: 187] بمعنى: جامعوهن؛ فلأن يكون قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الود، والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم 03P247

Section V03/P247–V03/P250

[البقرة: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] فقال بعضهم: يعني بقوله: الخيط الأبيض: ضوء النهار. وبقوله: الخيط الأسود: سواد الليل. فتأويله على قول قائل هذه المقالة: وكلوا بالليل في شهر صومكم، واشربوا، وباشروا نساءكم. مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده ذكر من قال ذلك حدثني الحسن بن عرفة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أشعث، عن الحسن، 03P249 في قول الله تعالى ذكره " {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] قال: الليل من النهار " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] قال حتى يتبين لكم النهار من الليل. ثم أتموا الصيام إلى الليل " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] " فهما علمان وحدان بينان فلا يمنعكم أذان مؤذن مراء، أو قليل العقل من سحوركم، فإنهم يؤذنون بهجيع من الليل طويل. وقد يرى بياض ما على السحر يقال له الصبح الكاذب كانت تسميه العرب، فلا يمنعكم ذلك من سحوركم، فإن الصبح لا خفاء به: طريقة معترضة في الأفق، وكلوا، واشربوا حتى يتبين لكم الصبح، فإذا رأيتم ذلك فأمسكوا " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني " أبي، قال: حدثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] «يعني الليل من النهار. فأحل لكم المجامعة، والأكل، والشرب حتى يتبين لكم الصبح، فإذا تبين الصبح حرم عليهم المجامعة، والأكل، والشرب حتى يتموا الصيام إلى الليل. فأمر بصوم النهار إلى الليل، وأمر بالإفطار بالليل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، وقيل، له: أرأيت قول الله تعالى: {الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] قال: «إنك لعريض القفا» ، قال: هذا ذهاب الليل ومجيء النهار " قيل له: الشعبي، عن عدي بن حاتم؟ قال: نعم، حدثنا حصين وعلة من قال هذه المقالة وتأول الآية هذا التأويل ما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت يا رسول الله، قول الله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] من الفجر قال: «هو بياض النهار، وسواد الليل» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير، وعبد الرحيم بن سليمان، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن عدي بن حاتم، قال " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإسلام، ونعت لي الصلوات، كيف أصلي كل صلاة لوقتها، ثم قال: «إذا جاء رمضان فكل، واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتم الصيام إلى الليل» ولم أدر ما هو، ففعلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما عند الفجر، فرأيتهما سواء فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: «وما منعك يا ابن حاتم؟ » وتبسم كأنه قد علم ما فعلت. قلت: فتلت خيطين من أبيض، وأسود 03P251 فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي نواجذه، ثم قال: " ألم أقل لك: من الفجر؟

Section V03/P250–V03/P253

إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا ذواد بن علبة جميعا، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال " قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما خيطان أبيض، وأسود؟ فقال «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين» ، ثم قال: «لا ولكنه سواد الليل، وبياض النهار» حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا ابن أبى مريم، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: نزلت هذه الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] فلم ينزل {من الفجر} [البقرة: 187] قال " فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود، والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل، ويشرب حتى يتبين له؛ فأنزل الله بعد ذلك: {من الفجر} [البقرة: 187] فعلموا إنما يعني بذلك: الليل، والنهار " وقال متأولو قول الله تعالى ذكره: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] أنه بياض النهار وسواد الليل، صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه، وضوءه الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء 03P252 فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: {الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مجلز، «الضوء الساطع في السماء ليس بالصبح، ولكن ذاك الصبح الكذاب، إنما الصبح إذا انفضح الأفق» حدثني سلم بن جنادة السوائي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، قال «لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا، كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت، والطرق» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن الأعمش، عن مسلم، «ما كانوا يرون إلا أن الفجر الذي يستفيض في السماء» حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس، يقول «هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل، ولا يحرم شيئا، ولكن الفجر الذي يستبين على رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب» حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، قال: ثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحرث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: « 03P253 الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة، ويحرم الصوم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وإسماعيل بن صبيح، وأبو أسامة، عن أبي هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام الأسدي، قال: ثنا شعبة، عن سوادة، قال: سمعت سمرة بن جندب، يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه وهو، يقول: «لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر، وينفجر» وقال آخرون: الخيط الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سواد الليل ذكر من قال ذلك حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا عبادة بن حميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، قال: " سافر أبي، مع حذيفة، قال: فسار حتى إذا خشينا أن يفجأنا الفجر، قال: هل منكم من أحد آكل أو شارب؟ قال: قلت له: أما من يريد الصوم فلا. قال: بلى قال: ثم سار حتى إذا استبطأنا الصلاة نزل فتسحر " حدثنا هناد، وأبو السائب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: " خرجت مع حذيفة، إلى المدائن في رمضان، فلما طلع الفجر، قال: هل منكم من أحد آكل، أو شارب؟ قلنا: أما رجل يريد أن يصوم فلا. قال: لكني قال: ثم سرنا حتى استبطأنا الصلاة، قال: هل منكم أحد يريد أن يتسحر؟ قال: قلنا أما من يريد الصوم فلا.

Section V03/P253

قال: لكني ثم نزل فتسحر، ثم صلى " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: ربما شربت بعد قول المؤذن يعني في رمضان قد قامت الصلاة. قال: وما رأيت أحدا كان أفعل له من الأعمش، وذلك لما سمع، قال: حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: " كنا مع حذيفة، نسير ليلا، فقال: هل منكم متسحر الساعة؟ قال: ثم سار، ثم قال حذيفة: هل منكم متسحر الساعة؟ قال: ثم سار حتى استبطأنا الصلاة، قال: فنزل فتسحر " حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هبيرة، عن علي، أنه لما صلى الفجر، قال «هذا 03P255 حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصلت، قال : ثنا إسحاق بن حذيفة العطار، عن أبيه، عن البراء، قال: " تسحرت في شهر رمضان، ثم خرجت، فأتيت ابن مسعود، فقال: اشرب فقلت: إني قد تسحرت. فقال: اشرب فشربنا ثم خرجنا، والناس في الصلاة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن جبلة بن سحيم، عن عامر بن مطر، قال «أتيت عبد الله بن مسعود، في داره، فأخرج فضلا من سحوره، فأكلنا معه، ثم أقيمت الصلاة فخرجنا فصلينا» حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل، عن سالم، مولى أبي حذيفة قال، كنت أنا وأبو بكر الصديق، فوق سطح واحد في رمضان، فأتيت ذات ليلة فقلت " ألا تأكل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده أن كف، ثم أتيته مرة أخرى، فقلت له: ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ فأومأ بيده أن كف. ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ فنظر إلى الفجر ثم أومأ بيده أن كف. ثم أتيته فقلت: ألا تأكل يا خليفة رسول الله؟ قال، هات غذاءك قال: فأتيته به فأكل ثم صلى 03P256 ركعتين، ثم قام إلى الصلاة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال «الوتر بالليل، والسحور بالنهار» وقد روي عن إبراهيم غير ذلك حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن حماد، عن إبراهيم، قال «السحور بليل، والوتر بليل» حدثنا حكام، عن ابن أبي جعفر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال «السحور، والوتر ما بين التثويب، والإقامة» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شبيب بن غرقدة، عن عروة، عن حبان، قال: «تسحرنا مع علي، ثم خرجنا وقد أقيمت الصلاة فصلينا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن شبيب، عن حبان بن الحارث، قال «مررت بعلي، وهو في دار أبي موسى، وهو يتسحر، فلما انتهيت 03P257 إلى المسجد أقيمت الصلاة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال " صلى علي بن أبي طالب، الفجر، ثم قال: هذا حين يتبين الخيط الأبيض، من الخيط الأسود من الفجر " وعلة من قال هذا القول أن القول إنما هو النهار دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوع الشمس، كما أن آخره غروبها. قالوا: ولو كان أوله طلوع الفجر لوجب أن يكون آخره غروب الشفق قالوا: وفي إجماع الحجة على أن آخر النهار غروب الشمس دليل واضح، على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طلوع الفجر أوضح الدليل على صحة قولنا. ذكر الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، قال: قلت: تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟

Section V03/P253

قال: نعم، قال لو أشاء لأقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: ما كذب عاصم، على زر، ولا زر، على حذيفة، قال: قلت له: يا أبا عبد الله «تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال» نعم هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن 03P258 حذيفة، قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر وأما أرى مواقع النبل. قال: قلت أبعد الصبح؟ قال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس، وخلاد الصفار، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: أصبحت ذات يوم فغدوت إلى المسجد، فقلت: لو مررت على باب حذيفة، ففتح لي فدخلت، فإذا هو يسخن له طعام، فقال: اجلس حتى تطعم فقلت: إني أريد الصوم. فقرب طعامه فأكل وأكلت معه، ثم قام إلى لقحة في الدار، فأخذ يطلب من جانب، وأحلب أنا من جانب، فناولني، فقلت: ألا ترى الصبح؟ فقال: اشرب فشربت، ثم جئت إلى باب المسجد فأقيمت الصلاة، فقلت له: أخبرني بآخر سحور تسحرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس» حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا روح بن جنادة، قال: ثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» 03P259 حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا روح بن جنادة، قال: ثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قالا جميعا، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال " أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، فشربها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس، عن أبيه، عن عبد الله، قال: قال بلال، «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أؤذنه بالصلاة وهو يريد الصوم، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرج إلى الصلاة» حدثني محمد بن أحمد الطوسي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مغفل، عن بلال، قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرجنا إلى الصلاة» 03P260 وأولى التأويلين بالآية، التأويل الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " الخيط الأبيض: بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل " وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دؤاد الإيادي: [+البحر المتقارب] فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحر ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحة ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاة صلاة الفجر هي على عهده كانت تصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبين طلوعه ويؤذن لها قبل طلوعه. وأما الخبر الذي روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مواقع النبل، فإنه قد استثبت فيه، فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: هو الصبح.

Section V03/P253–V03/P261

وذلك من قوله يحتمل أن يكون معناه هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: «هذا فلان شبها» ، وهي تشير إلى غير الذي سمته، فتقول: «هو هو» تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة: هو الصبح، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه. وقال ابن زيد في معنى الخيط الأبيض والأسود ما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط 03P261 الأسود من الفجر} [البقرة: 187] قال " الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل يكشف الليل، والأسود: ما فوقه " وأما قوله: {من الفجر} [البقرة: 187] فإنه تعالى ذكره يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي هو من الفجر. وليس ذلك هو جميع الفجر، ولكنه إذا تبين لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل، فمن حينئذ فصوموا، ثم أتموا صيامكم من ذلك إلى الليل. وبمثل ما قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {من الفجر} [البقرة: 187] قال «ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط وهو أوله فقد حلت الصلاة وحرم الطعام، والشراب على الصائم» وفي قوله تعالى ذكره: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] أوضح الدلالة على خطأ قول من قال: حلال الأكل، والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدا لمن لزمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل، والشرب، والمباشرة. فمن زعم أن له أن يتجاوز ذلك الحد، قيل له: أرأيت إن أجاز له آخر ذلك ضحوة أو نصف النهار؟ فإن قال: إن قائل ذلك مخالف للأمة قيل له: وأنت لما دل عليه كتاب الله ونقل الأمة مخالف، فما الفرق بينك وبينه من أصل أو قياس؟ فإن قال: الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل، والنهار من طلوع. الشمس. قيل له: كذلك يقول مخالفوك: والنهار عندهم أوله طلوع الفجر، وذلك هو ضوء الشمس وابتداء طلوعها دون أن يتتام طلوعها، كما أن آخر النهار ابتداء غروبها دون أن يتتام غروبها. ويقال لقائلي ذلك: إن كان النهار عندكم كما وصفتم هو ارتفاع الشمس، وتكامل طلوعها، وذهاب جميع سدفة الليل، وغبس سواده، فكذلك عندكم الليل هو تتام غروب الشمس وذهاب ضيائها وتكامل سواد الليل وظلامه. فإن قالوا: ذلك كذلك. قيل لهم: فقد يجب أن يكون الصوم إلى مغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء. فإن قالوا: ذلك كذلك، أوجبوا الصوم إلى مغيب الشفق الذي هو بياض. وذلك قول إن قالوه مدفوع بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو على تخطئته. وإن قالوا: بل أول الليل ابتداء سدفته، وظلامه، ومغيب عين الشمس عنا. قيل لهم: وكذلك أول النهار: طلوع أول ضياء الشمس، ومغيب أوائل سدفة الليل. ثم يعكس عليه القول في ذلك، ويسأل الفرق بين ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

Section V03/P261–V03/P264

وأما الفجر، فإنه مصدر من قول القائل: تفجر الماء يتفجر فجرا: إذا انبعث، وجرى، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس فجر، لانبعاث ضوئه عليهم وتورده عليم بطرقهم ومحاجهم تفجر الماء المنفجر من منبعه وأما قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] فإنه تعالى ذكره حد الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل، كما حد الإفطار وإباحة الأكل، والشرب، والجماع وأول الصوم بمجيء أول النهار، وأول إدبار آخر الليل، فدل بذلك على أن لا صوم بالليل كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم، وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه كما حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع، وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، وحدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو عبيدة، وأبو معاوية، عن شيبان، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو معاوية، وحدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن 03P264 الشيباني، قالوا جميعا في حديثهم عن عبد الله بن أبي أوفى، قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لرجل: «انزل فاجدح لي» قالوا: لو أمسيت يا رسول الله فقال: «انزل فاجدح لي» فقال الرجل: يا رسول الله لو أمسيت قال: «انزل فاجدح لي» قال: يا رسول الله إن علينا نهارا فقال له الثالثة، فنزل فجدح له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا» وضرب بيده نحو المشرق «فقد أفطر الصائم» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، قال «فرض الله الصيام إلى الليل، فإذا جاء الليل فأنت مفطر إن شئت فكل، وإن شئت فلا تأكل» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن أبي العالية، أنه سئل عن الوصال في الصوم فقال «افترض الله على هذه الأمة صوم النهار ، فإذا جاء الليل فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل» حدثني يعقوب، قال: حدثني ابن علية، عن داود بن أبي هند، قال: قال أبو العالية، في الوصال في الصوم، قال: " قال الله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] فإذا جاء الليل فهو مفطر، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل " حدثني المثنى، قال: ثنا ابن دكين، عن مسعر، عن قتادة، قال: قالت عائشة، {أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] يعني أنها كرهت الوصال " 03P265 فإن قال قائل: فما وجه وصال من واصل؟ فقد علمت بما حدثكم به أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن هشام بن عروة، قال «كان عبد الله بن الزبير، يواصل سبعة أيام، فلما كبر جعلها خمسا، فلما كبر جدا جعلها ثلاثا» حدثنا أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عبد الملك، قال «كان ابن أبي يعمر يفطر في كل شهر مرة» حدثنا ابن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا الفروي، قال: سمعت مالكا، يقول: " كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان لا يفطر بينهما، فلقيته فقلت له: يا أبا الحرث ماذا تجده يقويك في وصالك؟ قال: السمن أشربه أجده يبل عروقي، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي " وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك، ممن يطول بذكرهم الكتاب. قيل: وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه، والقوة، لا على طلب البر بفعله.

Section V03/P264–V03/P267

وفعلهم ذلك نظير ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: «اخشوشنوا، وتمعددوا، وانزوا على الخيل نزوا، واقطعوا الركب، وامشوا حفاة» يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خفض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبنوا، ويحتموا عن أعدائهم، وقد رغب لمن واصل عن الوصال كثير من أهل الفضل حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق: أن ابن أبي نعيم، كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقوم، فقال عمرو بن ميمون «لو أدرك هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجموه» ثم في الأخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الوصال التي يطول بإحصائها الكتاب تركنا ذكر أكثرها استغناء بذكر بعضها، إذ كان في ذكر ما ذكرنا مكتفى عن الاستشهاد على كراهة الوصال بغيره حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله قال: «إني لست كأحد منكم، إني أبيت أطعم، وأسقى» وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن بالوصال من السحر إلى السحر حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا أبو شعيب، عن 03P267 الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني، وساق يسقيني» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة، أنها " مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر، فدعاها إلى الطعام فقالت: إني صائمة، قال: «وكيف تصومين» ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أين أنت من وصال آل محمد صلى الله عليه وسلم من السحر إلى السحر» ؟ فتأويل الآية إذن: ثم أتموا الكف عما أمركم الله بالكف عنه، من حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى الليل، ثم حل لكم ذلك بعده إلى مثل ذلك الوقت كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] قال: من هذه الحدود الأربعة، فقرأ: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة: 187] إلى نسائكم فقرأ حتى بلغ: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] " وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا 03P267

Section V03/P267–V03/P271

[البقرة: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] 03P268 يعني تعالى ذكره بقوله: {ولا تباشروهن} [البقرة: 187] لا تجامعوا نساءكم، وبقوله: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] يقول: في حال عكوفكم في المساجد، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله في مساجدهم. والعكوف أصله المقام، وحبس النفس على الشيء، كما قال الطرماح بن حكيم: [+البحر الطويل] فبات بنات الليل حولي عكفا عكوف البواكي بينهن صريع يعني بقوله عكفا: مقيمة. وكما قال الفرزدق: [+البحر الطويل] ترى حولهن المعتفين كأنهم على صنم في الجاهلية عكف وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة التي عنى الله بقوله: {ولا تباشروهن} [البقرة: 187] فقال بعضهم: معنى ذلك الجماع دون غيره من معاني المباشرة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله أن ينكح النساء ليلا ونهارا حتى يقضي اعتكافه " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: 03P269 قال لي عطاء، {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال: الجماع " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك، قال " كانوا يجامعون وهم معتكفون، حتى نزلت: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك، في قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال " كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] يقول: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في مسجد أو غيره " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، نحوه حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال «كان أناس يصيبون نساءهم وهم عاكفون فيها فنهاهم الله عن ذلك» وحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال «كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، وأخبرهم أن ذلك لا يصلح حتى يقضي اعتكافه» حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حمادة، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] يقول «من اعتكف فإنه يصوم، ولا يحل له النساء ما دام معتكفا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال «الجوار، فإذا خرج أحدكم من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان ابن عباس، يقول «من خرج من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال «كان الناس إذا اعتكفوا يخرج الرجل فيباشر أهله ثم يرجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، «كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته، ثم اغتسل، ثم رجع إلى اعتكافه، فنهوا عن ذلك» قال ابن جريج: قال مجاهد، " نهوا عن جماع النساء في المساجد حيث كانت الأنصار تجامع، فقال: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون} [البقرة: 187] قال: عاكفون: الجوار " قال ابن جريج: فقلت لعطاء، الجماع المباشرة؟ قال: الجماع نفسه، فقلت له: فالقبلة في المسجد، والمسة؟

Section V03/P271

فقال: أما ما حرم فالجماع، وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد " حدثت عن حسين بن الفرج ، قال: ثنا الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، " {ولا تباشروهن} [البقرة: 187] يعني الجماع " وقال آخرون: معنى ذلك على جميع معاني المباشرة من لمس، وقبلة، وجماع ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس، «لا يمس المعتكف امرأته ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها بشيء، قبلة، ولا غيرها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قال " المباشرة: الجماع، وغير الجماع كله محرم عليه، قال: المباشرة بغير جماع: إلصاق الجلد بالجلد " وعلة من قال هذا القول، أن الله تعالى ذكره عم بالنهي عن المباشرة ولم يخصص منها شيئا دون شيء فذلك على ما عمه حتى تأتي حجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرة دون مباشرة. وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك الجماع أو ما قام مقام الجماع مما أوجب غسلا إيجابه؛ وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: أما من جعل حكم الآية عاما، أو جعل حكمها في خاص من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نساءه كن يرجلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، علم أن الذي عني به من معاني المباشرة البعض دون الجميع حدثنا علي بن شعيب، قال: ثنا معن بن عيسى القزاز، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة، أن عائشة، قالت: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وكان يدخل علي رأسه وهو في المسجد 03P273 فأرجله» حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا في حجرتي، وأنا حائض، فأغسله، وأرجله» حدثنا سفيان، قال: ثنا ابن فضيل، ويعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف فيخرج إلي رأسه من المسجد وهو عاكف فأغسله، وأنا حائض» حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، وهشام بن عروة جميعا، عن عروة، عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه فأرجله وهو معتكف» 03P274 فإذا كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] غير جميع ما لزمه اسم المباشرة وأنه معني به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمعا على أن الجماع مما عني به، كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كل ما قام في الالتذاذ مقامه من المباشرة 03P273

Section V03/P271–V03/P274

[البقرة: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها} [البقرة: 187] يعني تعالى ذكره بذلك هذه الأشياء التي بينتها من الأكل، والشرب، والجماع في شهر رمضان نهارا في غير عذر، وجماع النساء في الاعتكاف في المساجد. يقول: هذه الأشياء حددتها لكم، وأمرتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها وحرمتها فيها عليكم، فلا تقربوها وابعدوا منها أن تركبوها، فتستحقوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدى حدودي وخالف أمري وركب معاصي. وكان بعض أهل التأويل يقول: حدود الله: شروطه. وذلك معنى قريب من المعنى الذي قلنا، غير أن الذي قلنا في ذلك أشبه بتأويل الكلمة، وذلك أن حد كل شيء ما حصره من المعاني وميز بينه وبين غيره، فقوله: {تلك حدود الله} [البقرة: 187] من ذلك، يعني به المحارم التي ميزها من الحلال المطلق فحددها بنعوتها وصفاتها وعرفها عباده ذكر من قال إن ذلك بمعنى الشروط حدثني موسى بن هارون ، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 03P275 السدي، قال «أما حدود الله فشروطه» وقال بعضهم: حدود الله: معاصيه ذكر من قال ذلك حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، {تلك حدود الله} [البقرة: 187] يقول: معصية الله، يعني المباشرة في الاعتكاف " 03P275 [البقرة: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} [البقرة: 187] يعني تعالى ذكره بذلك: كما بينت لكم أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم، وعرفتكم حدوده، وأوقاته، وما عليكم منه في الحضر، وما لكم فيه في السفر، والمرض، وما اللازم لكم تجنبه في حال اعتكافكم في مساجدكم، فأوضحت جميع ذلك لكم، فكذلك أبين أحكامي، وحلالي، وحرامي، وحدودي، وأمري، ونهيي في كتابي، وتنزيلي، وعلى لسان رسولي صلى الله عليه وسلم للناس. ويعني بقوله: {لعلهم يتقون} [البقرة: 187] يقول: أبين ذلك لهم ليتقوا محارمي، ومعاصي، ويتجنبوا سخطي، وغضبي بتركهم ركوب ما أبين لهم في آياتي أني قد حرمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه 03P275

Section V03/P274–V03/P278

[البقرة: 188] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. فجعل تعالى ذكره بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا؛ لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن أنفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: أخي، وأخوك أينا أبطش، تعني أنا، وأنت نصطرع فننظر أينا أشد، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه؛ ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر المتقارب] أخي وأخوك ببطن النسير ليس لنا من معد عريب فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. وأما قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] فإنه يعني: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام لتأكلوا فريقا، طائفة من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. ويعني بقوله: {بالإثم} [البقرة: 85] بالحرام الذي قد حرمه الله عليكم {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] أي وأنتم تتعمدون أكل ذلك بالإثم على قصد منكم إلى ما حرم الله عليكم منه، ومعرفة بأن فعلكم ذلك معصية لله وإثم كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] فهذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة فيجحد المال فيخاصمهم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حراما " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] قال: لا تخاصم وأنت ظالم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] وكان يقال «من مشى مع خصمه وهو له ظالم فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. واعلم يا ابن آدم، أن قضاء القاضي لا يحل لك حراما، ولا يحق لك باطلا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى، ويشهد به 03P278 الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب. واعلموا أنه من قد قضي له بالباطل، فإن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق، ويأخذ مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] قال «لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يحل لك شيئا كان حراما عليك» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] أما الباطل، يقول " يظلم الرجل منكم صاحبه، ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم، فذلك قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني خالد الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] قال «هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معها دراهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] يقول " يكون أجدل منه وأعرف بالحجة، فيخاصمه في ماله بالباطل ليأكل ماله بالباطل.

Section V03/P278–V03/P279

وقرأ: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] قال: هذا القمار الذي كان يعمل به أهل الجاهلية " وأصل الإدلاء: إرسال الرجل الدلو في سبب متعلقا به في البئر، فقيل للمحتج بدعواه أدلى بحجة كيت، وكيت إذ كان حجته التي يحتج بها سببا له هو به متعلق في خصومته كتعلق المستقى من بئر بدلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا، أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب: أدلى فلان بحجته فهو يدلي بها إدلاء، وأدلى دلوه في البئر فهو يدليها إدلاء. فأما قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] فإن فيه وجهين من الإعراب، أحدهما: أن يكون قوله: {وتدلوا} [البقرة: 188] جزما عطفا على قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] أي ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بتكرير حرف النهي، ولا تدلوا بها إلى الحكام. والآخر منهما النصب على الظرف، فيكون معناه حينئذ: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم يعني: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله، وهو أن يكون في موضع جزم على ما ذكر في قراءة أبي أحسن منه أن يكون نصبا 03P280

Section V03/P279–V03/P280

[البقرة: 189] القول في تأويل قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن زيادة الأهلة، ونقصانها، واختلاف أحوالها، فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية جوابا لهم فيما سألوا عنه ذكر الأخبار بذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] قال قتادة: سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: لم جعلت هذه الأهلة؟ فأنزل الله فيها ما تسمعون: {هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] فجعلها لصوم المسلمين، ولإفطارهم، ولمناسكهم، وحجهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، 03P281 قال " ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، ولحجهم، ومناسكهم، وعدة نسائهم، وحل ديونهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] قال «هي مواقيت للناس في حجهم، وصومهم، وفطرهم، ونسكهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال الناس " لم خلقت الأهلة؟ فنزلت: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] لصومهم وإفطارهم وحجهم ومناسكهم. قال: قال ابن عباس: ووقت حجهم، وعدة نسائهم، وحل دينهم " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] «فهي مواقيت الطلاق، والحيض، والحج» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: ثنا الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، {يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] يعني 03P282 حل دينهم، ووقت حجهم، وعدة نسائهم " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال " سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن نجي، عن علي، " أنه سئل عن قوله: {مواقيت للناس} [البقرة: 189] قال «هي مواقيت الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وقبض إبهامه فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين» فتأويل الآية إذا كان الأمر على ما ذكرنا عمن ذكرنا عنه قوله في ذلك: يسألونك يا محمد عن الأهلة، ومحاقها، وسرارها، وتمامها، واستوائها، وتغير أحوالها بزيادة، ونقصان، ومحاق، واستسرار، وما المعنى الذي خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة أبدا على حال واحدة لا تتغير بزيادة، ولا نقصان، فقل يا محمد خالف بين ذلك ربكم لتصييره الأهلة التي سألتم عن أمرها ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه مواقيت لكم ولغيركم من بني آدم، في معايشهم، ترقبون بزيادتها، ونقصانها، ومحاقها، واستسرارها، وإهلالكم 03P283 إياها أوقات حل ديونكم، وانقضاء مدة إجارة من استأجرتموه، وتصرم عدة نسائكم، ووقت صومكم، وإفطاركم، فجعلها مواقيت للناس. وأما قوله: {والحج} [البقرة: 189] فإنه يعني وللحج، يقول: وجعلها أيضا ميقاتا لحجكم تعرفون بها وقت مناسككم، وحجكم 03P282

Section V03/P280–V03/P283

[البقرة: 189] القول في تأويل قوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] قيل: نزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يدخلون إذا أحرموا بيوتهم من قبل أبوابها ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول " كانت الأنصار إذا حجوا ورجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] " حدثني سفيان بن وكيع، قال: حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال " كانوا في الجاهلية إذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من 03P284 أبوابها، فنزلت: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] . . الآية " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن قيس بن حبتر، " أن ناسا، كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه، ولا دارا من بابها، أو بيتا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دارا. وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت، فجاء فتسور الحائط، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج من باب الدار أو قال من باب البيت خرج معه رفاعة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ذلك؟ » قال: يا رسول الله رأيتك خرجت منه، فخرجت منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رجل أحمس» ، فقال: إن تكن رجلا أحمس فإن ديننا واحد. فأنزل الله تعالى ذكره: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189] " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] يقول «ليس البر بأن تأتوا البيوت من كوات في ظهور البيوت، وأبواب في جنوبها تجعلها أهل الجاهلية. فنهوا أن يدخلوا منها وأمروا أن يدخلوا من أبوابها» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال " كان ناس من أهل الحجاز إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوا من ظهورها، فنزلت: {ولكن البر من اتقى} [البقرة: 189] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {وليس البر} [البقرة: 189] بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها قال " كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نقب كوة في ظهر بيته فجعل سلما فجعل يدخل منها. قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين، قال: فأتى الباب ليدخل، فدخل منه. قال: فانطلق الرجل ليدخل من الكوة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شأنك؟ » فقال: إني أحمس، فقال 03P286 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أحمس» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال " كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته.

Questions