Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الوجه الثاني في الجواب : هو أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعا لا يمكنه تحصيل مقصوده ، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان واحد معين يجب أن يكون جدهم واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الإنسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى . الوجه الثالث في الجواب : وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا الترجيح حاصلا بالنسبة إلى كل واحد ، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه فإنه لو قدر عليه لقتله ، ونية المؤمن في الخيرات خير من عمله ، فكذلك نية المؤمن في الشرور شر من عمله ، فيصير المعنى : ومن يقتل إنسانا قتلا عمدا عدوانا فكأنما قتل جميع الناس ، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة . المسألة السادسة : قوله { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } المراد من إحياء النفس تخليصها عن المهلكات : مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد والحر المفرطين ، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس . ثم قال تعالى : { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك فى الارض لمسرفون } . والمعنى أن كثيرا من اليهود بعد ذلك ، أي بعد مجيء الرسل ، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل لمسرفون ، يعني في التقل لا يبالون بعظمته . ! 7 < { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الا رض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الا رض ذالك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 33 ) إنما جزاء الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو ، فإن بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب قتل فقال { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في أول الآية سؤال ، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله ، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازا ، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله ، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة ، فلفظ يحاربون في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } يلزم أن يكون محمولا على المجاز والحقيقة معا ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السؤال . وجوابه من وجهين : الأول : أنا نحمل المحاربة على المخالفة الأمر والتكليف ، والتقدير : إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا ، والثاني : تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أن الله تعالى قال : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ) .
المسألة الثانية : من الناس من قال : هذا الوعيد مختص بالكفار ، ومنهم من قال : إنه في فساق المؤمنين ، أما الأولون فقد ذكروا وجوها : الأول : أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام ، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا ، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وإمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا ، فنزلت هذه الآية نسخا لما فعله الرسول ، فصارت تلك السنة مسنوخة بهذا القرآن ، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقا للسنة الناسخة ، والثاني : أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي ، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم . الثالث : أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض ، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا . والوجه الرابع : أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء ، قالوا : والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه : أحدها : أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي ، والآية تقتضي ذلك . وثالثها : أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ( المائدة : 34 ) والمرتد يسقط حذه بالتوبة قبل القدرة وبعدها / فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين . ورابعها : أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد . وخامسها : أن قوله { الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا } يتناول كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، سواء كان كافرا أو مسلما ، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الثالثة : المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون ولهلم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضا ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم ، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد ، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق ، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله : إنه يكون أيضا ساعيا في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد . قال : وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبا فلا أقل من المساواة ، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد . وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس ، أما النص فعموم قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا } ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلا تحت عموم هذا النص ، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق .
المسألة الرابعة : قوله { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض } للعلماء في لفظ { أو } في هذه الآية قولان : الأول : أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى ، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل . وقال ابن عباس في رواية عطاء : كلمة { أو } هاهنا ليست للتخيير ، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات ، فمن اقتصر على القتل قتل ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من العلماء ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد هم بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي ، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا أن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل ، والقياس الجلي أيضا يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق ، وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن جمعوا بين القتل وبين أخد المال جمع في حقهم بين القتل وبني الصلب ، لأن بقاءه مصلوبا في ممر الطريق يكون سببا لاشتهار إيقاع هذه العقوبة / فيصير ذلك زاجرا لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية ، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض . المسألة الخامسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لا بد من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية الصلب ، فقيل : يصلب حيا ثم بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : يقتل ويصلى عليه ثم يصلب .
المسألة السادسة : اختلفوا في تفسير النفي من الأرض . قال الشافعي رحمه الله : معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ، قالوا : ويدل علليه أن قوله { أو ينفوا من الارض } إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة ، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى ، وهو أيضا غير جائز ؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين ، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين ، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضا غير جائز ، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز ، ولما بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . قالوا : والمحبوس قد يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبان الدنيا ولذاتها ، ولا يرى أحدا من أحبابه ، فصار منفيا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة . ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هنالك ذكر شعرا ، منه قوله : خرجان عن الدنيا وعن وصل أهلها فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا قال الشافعي رحمه الله : هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين : الأول : أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . الثاني : القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا . فيقوم الشافعي هاهنا : إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير ، والله أعلم . ثم قال تعالى : { ذالك لهم خزى فى الدنيا } أي فضيحة وهوان { ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } . قالت المعتزلة : الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة ، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق ، وثبت القول بالإحباط . والجواب : لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعا على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف / بل يكون على جهة الامتحان ، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، فنحن أيضا نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يبقى الكلام إلا في أنه هل دل هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا ؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) ثم قال تعالى : ! 7 < { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } . > 7 !
< < المائدة : ( 34 ) إلا الذين تابوا . . . . . > > قال الشافعي رحمه الله تعالى : لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة ، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط ، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة علليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو ، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة ، وإن أخذ مالا وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل ، وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه ، وتقام الحدود عليه . قال الشافعي رحمه الله تعالى : ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة ، لأن ماعزا لما رجم أظهر توبته ، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( هلا تركتموه ) ، أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى . ! 7 < { يأأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } . > 7 ! < < المائدة : ( 35 ) يا أيها الذين . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في النظم وجهان : الأول : اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوما من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم ، فعند ذلك شرح للرسول شدة عيتهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم ، وامتد الكلام إلى هذا الموضع ، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال : { رحيم يئأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } كأنه قيل : قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، وكونوا متقين عن معاصي الله ، متوسلين إلى الله بطاعات الله . الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) أي نحن أبناء أنبياء الله ، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا وابتغوا إليه اللوسيلة ، والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : أحدهما : ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله { اتقوا الله } وثانيهما : فعل المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الايقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها ؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة . فإن قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى ؟ قلنا : الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهورة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى ، فهاهنا يحصل الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى ، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضا في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضا في الأفكار فالذي يجب فعله هو الفتكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضا في مقام التجلي ، فالفعل هن الاستغراق في الله تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والاثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات ، ولذلك كان قولنا ( لا إله إلا الله ) النفي مقدم فيه إلى الاثبات . المسألة الثالثة : الوسيلة فعلية ، من وسل إليه إذا تقرب إليه . قال لبيد الشاعر : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ألاكل ذي لب إلى الله واسل أي متوسل ، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود . قالت التعليمية : دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته ، ومرشد يرشدنا إلى العلم به ، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقا ، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد ، فلا بد فيه من الوسيلة . وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به ، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمرا بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته ، فيمتنع أن يكون هذا أمرا بطلب الوسيلة إليه في معرفته ، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات . ثم قال تعالى : { وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله { اتقوا الله } وبفعل ما ينبغي ، بقوله { وابتغوا إليه الوسيلة } وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة ، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحصوصات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين وبالضدين ، وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار ، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تهالى : { اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على الطبع ، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله { وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية ، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها ، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان ، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله ، ومنهم من يعبده لغرض آخر . والمقام الأول : هو المقام الشريف العالي ، وإليه الإشارة بقوله { وجاهدوا فى سبيله } أي من سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته . والمقام الثاني : دون الأول ، وإليه الإشارة بقوله { لعلكم تفلحون } والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب . واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ، ومفاته كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار ، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه الدار ، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين : ! 7 < { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الا رض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } . > 7 < المائدة : ( 36 - 37 ) إن الذين كفروا . . . . . > >
أحدهما : قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما } وفيه مسائل : فإن قيل : لم وحد الراجع في قوله { ليفتدوا به } مع أن المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعا ومثله ؟ قلنا : التقدير كأنه قيل : ليفتدوا بذلك المذكور . المسألة الثانية : قوله { ولهم عذاب أليم } يحتمل أن يكون في موضع الحال ، ويحتمل أن يكون عطفا على الخبر . المسألة الثالثة : المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت ) . النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية . قوله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إرادتهم الخروج تحتمل وجهين : الأول : أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة : 2 ) . قيل : إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج . وقيل : يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين ، والثاني : أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم ، كقوله تعالى في موضع آخر { ربنا أخرجنا منها } ( المؤمنون : 107 ) ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ { يريدون أن يخرجوا من النار } بضم الياء . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال ( لا إله إلا الله ) على سبيل الإخلاص . قالوا : لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار ، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد ، ولولا أن هذا لامعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم . ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله { ولهم عذاب مقيم } وهذا يفيد الحصر ، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم ، كما أن قوله { لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) أي لكم لا لغيركم ، فكذا ههنا . ! 7 < { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم } > 7 ! < < المائدة : ( 38 ) والسارق والسارقة فاقطعوا . . . . . > > في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بين في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا ، والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال : { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ( المائدة : 32 ) ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام ، فذكر أولا : قطع الطريق ، وثانيا : أمر السرقة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أختلف النحويون في الرفع في قوله { والسارق والسارقة } على وجوه : الأول : وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله { والسارق والسارقة } مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوف والتقدير : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في قوله دالزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } ( النور : 2 ) وفي قوله { } ( النور : 2 ) وفي قوله { واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما } ( النساء : 16 ) وقرأ عيسى بن عمر { والسارق والسارقة } بالنصب ، ومثله { الزانية والزانى } والاختيار عند سيبويه النصب في هذا . قال لأن قول القائل : زيدا فاضربه أحسن من قولك : زيد فاضربه ، وأيضا لا يجوز أن يكون { فاطعوا } خبر المبتدأ ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء . والقول الثاني : وهو اختيار الفراء : أن الرفع أولى من النصب ، لأن الألف واللام في قوله { مقيم والسارق والسارقة } يقومان مقام ( الذي ) فصار التقدير : الذي سرق قاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى ، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد . ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه : الأول : أن الله تعالى صرح بذلك وهو قوله { جزاء بما كسبا } وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة ، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط ، والثاني : أن السرقة جناية ، والقطع عقوبة ، وربط العقوبة بالجناية مناسب ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم ، والثالث : أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة ، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة ، فكان الأول أولى . وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه طعن في القررن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة ، وذلك باطل قطعا ، فإن قال لا أقول : إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول : وهذا أيضا رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . والثاني : أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها منكم ) بالنصب ، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول .
الوجه الثالث : أنا إذا قلنا : { والسارق والسارقة } مبتدأ ، وخبره هو الذي نضمره ، وهو قولنا فيما يتلى عليكم ، فحينئذ قد تمت هذه الجملة بمتداها وخبرها / فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } فإن قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه قوله { والسارق والسارقة } يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول : السارق والسارقة تقديره : من سرق ، فاذكر هذا أولا حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته . والرابع : أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علة لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى ، ثم هذا المعنى متأكد بقوله { جزاء بما كسبا } فثبت أن القراءة بالرفع أولى . الخامس : أن سيبويه قال : هم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعنى ، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقا على ذكر وجوب القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفا إلى شرح ما يتلعق بحال السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فءن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعا والله أعلم . المسألة الثانية : قال كثير من المفسرين الأصوليين : هذه الآية مجملة من وجوه : أحدها : أن الحكم معلق على السرقة ، ومطلق السرقة غير موجب للقطع ، بل لا بد وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال ، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة ، وثانيها : أنه تعالى أوجب قطع الأيدي ، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل ، وبالاجماع لا يجب قطعهما معا فكانت الآية مجملة ، وثالثها : أن اليد اسم يتناول الأصابع فقط ، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلانا بيده فمسه بأصابعه فإنه يحنث في يمينه ، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها ، ويقع على الأصابع مع الكف ، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين ، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين ، وإذا كان لفظ اليد محتملا لكل هذه الأقسام ، والعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة ، ورابعها : أن قوله { فاقطعوا } خطاب مع قوم ، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعا على مجموع الأمة ، وأن يكون واقعا على طائفة مخصوصة منهم ، وأن يكون واقعا على شخص معين منهم ، وهو إمام الزمان كما يذهب إليه الأكثرون ، ولما لم يكن التعيين مذكورا في الآية كانت الآية مجملة ، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق ، هذا تقرير هذا المذهب . وقال قوم من المحققين : الآية ليست مجملة ألبتة ، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في قوله { والسارق والسارقة } قائمام مقام ( الذي ) والفاء في قوله { فاقطعوا } للجزاء ، فكان التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، ثم تأكد هذا بقوله تعالى : { جزاء بما كسبا } وذلك الكسب لا بد وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة ، فصار هذا دليلا على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط ، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام ، وءما قوله ( الأيدي ) عامة فنقول : مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معا ، ولا الاتبداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم .
وأما قوله : لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول : لا نسلم ، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب ، ولهذا السبب قال تعالى : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } ( المائدة : 6 ) فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج إلى التقيد بقوله { إلى المرافق } فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج ، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل . وأما قوله : رابعا : يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد ، وأن يكون مع واحد معين . قلنا : ظاهره أنه خطاب مع كل أحد ، ترك العمل به فيما صار مخصوصا بدليل منفصل فيبقى معمولا به في الباقي . والحاصل أنا نقول : الآية عامة ، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور فتبقى حجة فيما عداها ، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال : إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلا . المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء : القطع لا يجب إلا عند شرطين : قدر النصاب ، وأن تكون السرقة من الحرز ، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري : القدر غير معتبر ، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير ، والحرز أيضا غير معتبر ، وهو قول داود الأصفهاني ، وقول الخوارج ، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه ، فإن قوله { والسارق والسارقة } يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من غير الحرز . إذا ثبت هذا فنقول : لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد ، أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز ، وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص ، بل نقول : إن لفظ السرقة لفظة عربية ، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير ، أو تبنة واحدة ، أو كسرة صغيرة من خبز : إنه سرق ماله ، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة ، وأيضا السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك ، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمرا يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل ، لأن ما لا يكون موضوعا في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة . وقال داود : نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة ، ولا في سرقة التبنة الواحدة ، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة ، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة ، فربما استحقر الملك الكبير لآلافا مؤلفة ، وربما استعظم الفقير طسوجا ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله : لو قال لفلان على مال عظيم ، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه ، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا ، وليس لقائل أن يستبعد ويقول : كيد يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة ، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعنا في الشريعة ، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب ، فكيف تقطع لأجل القليل من المال ؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن أيضا مقبولا منا في إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي رحمه لله : يجب القطع في ربع دينار ، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا ربع دينار ) وقال أو حنيفة رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحاق : إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار . وقال ابن أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة / فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين . قال : لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم ، ولو كان الاجماع منعقدا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني .
وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بد في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا على ظاهر النص ، ثم أكد هذ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) فكان الترجيح لهذا الجانب . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة . واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجيهن : الأول : أن السرقة علة لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضا ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وقد بينا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضا الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بد وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعا آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى قال : { فاقطعوا أيديهما } ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولا به عند السرقة الثالثة . فإن قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصا باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .
قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضا القراءة الشذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت قرآنا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن / ولعله كان في القررن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصا ، وما نقلت إلينا ، ولعله كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن لاقراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والعزم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنيا ، ولا يلزمه إن كان فقيرا . حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) يوجب الضمان ، وقد احتج الأمران في هذه السرقة فوجب أن يحب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : ءن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقيا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضا أن المسروق كان باقيا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرا على وقت القطع ، أو مسندا إلى أول زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقا على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال . حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيا وجب أن لا يضم الغرم إليه . والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائما ، والله أعلم بالصواب . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك . حجة الشافعي أن قوله { فاقطعوا أيديهما } عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصا بالبغض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضا ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق الإمام والمولى . المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماما معينا والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ، فلا بد من شخص يكون مخاطبا بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا التكليف تكليفا جازما ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدورا للمكلف ، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذ .
المسألة الثامنة : قال المعتزلة : قوله { نكالا من الله } يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقا للاستخفاف والذم والإهانة ، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقا للمدح والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات . وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ( دلا تبطلوا صداقاتكم بالمن والأذى } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة / فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { } ( البقرة : 264 ) فلا نعيدها ههنا . ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { جزاء بما كسبا نكالا من لله } يدل على تعليل أحكام الله ، فإن الباء في قوله { بما كسبا } صريح في أن القطع إنما وجب معللا بالسرقة . وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله { من أجل ذالك كتبنا على بنى إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس } ( المائدة : 32 ) . المسألة العاشرة : قوله { جزاء بما كسبا } قال الزجاج : جزاء نصب لأنه مفعول له ، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك { نكالا من الله } فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه { فاقطعوا } والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . أما قوله { والله عزيز حكيم } فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت { والله غفور رحيم } سهوا ، فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ فقلت كلام الله . قال أعد ، فأعدت : والله غفور رحيم ، ثم تنبهت فقلت { والله عزيز حكيم } فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى : ! 7 < { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 39 ) فمن تاب من . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته ، فإن قيل : قوله { وأصلح } يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول . قلنا : المراد من قوله { وأصلح } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض .
المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد ؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، لا بأداء الواجبات ثم قال تعالى : ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والا رض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شىء قدير } . > 7 < المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على الله ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك . وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض } ثم رتب عليه قوله { يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون : إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكا لجميع المحدثات ، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فإنهم يقولون : حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكا لهم ، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه . ! 7 < { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } . > 7 < المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . . > > قوله تعالى : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . اعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك ، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك ، فقال : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : يا أيها النبي في مواضع كثيرة ، وما خاطبه بقوله : يا أيها الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم .
المسألة الثانية : قرىء { لا يحزنك } بضم الياء ، ويسرعون ، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعا ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون . ثم قال تعالى : { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج ههنا وجهين : الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله { ومن الذين هادوا } ثم يبتدأ الكلام منقوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين . الوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ من قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } وعلى هذا التقدير فقوله { سماعون } صفة محذوف ، والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون . وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، يعني هم سماعون . المسألة الثانية : ذكر الزجاج في قوله { سماعون للكذب } وجهين : الأول : أن معناه قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه ، ومنه ( سمع الله لمن حمده ) ، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة / وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم . والوجه الثاني : أن المراد من قوله { سماعون للكذب } نفس السماع ، واللام في قوله { للكذب } لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله { سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك ، فعلى هذا التقدير قوله { سماعون للكذب } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه .
ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه . قال المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكان حد الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به ، فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينخم ( ابن صوريا ) فقال الرسول : هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا ؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ، فرضوا به حكما ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ) ؟ قال ابن صوريا : نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته ، فقال ابن صوريا : أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده . إذا عرفت القصة فنقول : قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي وضعوا الجلد مكان الرجم . وقوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا . واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه ، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود ، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعا في ديننا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجبا ، لقوله { فاتبعوه } ( الأعراف : 58 ) والثاني : أن ما كان ثابتا في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) حكمه باق في شرعنا . ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } . واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد / إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكورا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه . ثم أكد تعالى هذا فقال : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } .
قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوها : أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى : { على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 ) أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها : الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : إضلاله ، والمراد من الأضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالا ، ورابعها : الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا . وأما قوله { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فذكروا فيه وجوها : أحدها : لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارا . ثم قال تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم . { ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } وهو الخلود في النار . ! 7 < { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . > 7 < المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . > > ثم قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب ( الكشاف ) السحت بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات . المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوها قال الزجاج : أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى : { فيسحتكم بعذاب } ( طه : 61 ) وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يمحق الله الربواا } ( البقرة : 276 ) الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفراء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى إلا جائعا أبدا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .
إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتا لا محالة . المسألة الثالثة : في قوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } وجوه : الأول : قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى : { وأخذهم الربا } ( النساء : 161 ) . ثم قال تعالى : { فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ثم إنه تعالى خيره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني : أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم . القول الثاني : أن الآية عاملاة في كل من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ( المائدة : 49 ) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين . ثم قال تعالى : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } والمعنى : أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبين تعالى أنه لا تضره عداوتهم له . ثم قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم . ! 7 < { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين } . > 7 < المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه : أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبين الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : قوله { فيها حكم الله } ما موضعه من الاعراب ؟ الجواب : إما أن ينصب حالا من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها { عندهم } وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى ، وءما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ السؤال الثاني : لم أنث التوراة ؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ . المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم . ثم قال تعالى : { ثم يتولون من بعد ذالك وما أولئك بالمؤمنين } قوله { ثم يتولون } معطوف على قوله { يحكمونك } وقوله { ذالك } إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله { وما أولئك بالمؤمنين } فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط . ! 7 < { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والا حبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بأاياتى ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الكافرون } . > 7 < المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . > > قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } . اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد . قال الزجاج { فيها هدى } أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { ونور } بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .
المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ؛ وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدى ونورا . والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها . المسالة الثالثة : قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها . فإن قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلما ، فما الفائدة في قوله { النبيون الذين أسلموا } . قلنا فيه وجوه : الأول : المراد بقوله دأسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام / وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقوله { أم يحسدون الناس } ( النساء : 45 ) وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصالل الهير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع : المراد بقوله { النبيون الذين أسلموا } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريعة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . المسألة الرابعة : قوله { للذين هادوا } فيه وجهان : الأول : المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني : يجوز أن يكون المعنى على القديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?