Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والوجه الثاني : من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقا وإقرارا ، ومن المعلوم أن من صدق إنسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد . وقوله : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } معناه : أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن كمال قدرة الله وحكمته ، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر ، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل ، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا ؟ أما الذين قالوا : الإيمان عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والعمل ، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن قوله : { زادتهم إيمانا } يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة ، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة . والثاني : أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة . قال : في الموصوفين بها { أولئك هم المؤمنون حقا } وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان . وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا : لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة / والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل ، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان ، / وهذا الاستدلال ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الإعتقاد والإقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم . الصفة الثالثة : للمؤمنين قوله تعالى : { وعلى ربهم يتوكلون } واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ( الأحزاب : 12 ) ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه : أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي : أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله . واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي : الوجل من عقاب الله . والمرتبة الثانية : هي الانقياد لمقامات التكاليف لله . والمرتبة الثالثة : هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ، والاعتماد بالكلية على فضل الله ، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى .
والصفة الرابعة والخامسة : قوله : { الذين يقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقا ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مرارا . واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها أمورا ثلاثة : الأول : قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { حقا } بماذا يتصل . فيه قولان : أحدهما : بقوله : { هم المؤمنون } أي هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { أولئك هم المؤمنون } ثم ابتدأ وقال : { حقا لهم درجات } . / المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { حقا } وجوها : الأول : قال الفراء : التقدير : أخبركم بذلك حقا ، أي أخبارا حقا ، ونظيره قوله : { أولئك هم الكافرون حقا } ( النساء : 151 ) والثاني : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير : وإن الذي فعلوه كان حقا صدقا . الثالث : قال الزجاج . التقدير : أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقا . المسألة الثالثة : اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن ، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقا أم لا ؟ فقال أصحاب الشافعي : الأولى أن يقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله ، ولا يقول أنا مؤمن حقا . وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : الأولى أن يقول أنا مؤمن حقا ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، أما الذين قالوا إنه يقول : أنا مؤمن إن شاء الله / فلهم فيه مقامان : المقام الأول : أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان .
المقام الثاني : أن لا يكون الأمر كذلك . أما المقام الأول ، فتقريره : أن الإيمان عند الشافعي رضي الله عنه عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والعمل . ولا شك أن كون الإنسان آتيا بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية ، فالإنسان وإن كان جازما بحصول الإعتقاد والإقرار ، إلا أنه لما كان شاكا في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكا في حصول الإيمان ، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله ، فلما كان الإيمان اسما للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجا عن مسمى الإيمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان . فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان ، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان ، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط . وأما المقام الثاني : وهو أن نقول : إن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه : الأول : أن كون الرجل مؤمنا أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فإذا قال أنا مؤمن ، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح . فوجب أن يقول : إن شاء الله ليصير هذا سببا لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب . روي أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال لقتادة : لم تستثني في إيمانك . قال اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) فقال أبو حنيفة رحمه الله : هلا اقتديت به في قوله : { أولم تؤمن قال بلى } ( البقرة : 260 ) وأقول : كان لقتادة أن يجيب ، ويقول : إنه بعد أن قال : { بلى } قال : { ولاكن ليطمئن قلبى } فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله . الثاني : / أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمنا إلا إذا كان موصوفا بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من الله ، والإخلاص في دين الله ، والتوكل على الله ، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى . وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر ، وهو قوله : { إنما المؤمنون الذين } هم كذا وكذا . وذكر في آخر الآية قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } وهذا أيضا يفيد الحصر ، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى ، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، لا جرم كان الأولى أن يقول : إن شاء الله . روى أن الحسن سأله رجل وقال : أمؤمن أنت ؟ فقال : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا ؟ الثالث : أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمنا ، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمنا يوجب القطع بكونه من أهل الجنة ، وذلك لا سبيل إليه ، فكذا هذا . ونقل عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله حقا ، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة ، فقد آمن بنصف الآية . والمقصود أنه كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة ، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه مؤمن .
الرابع : أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة ، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمنا في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر ، فأما عند زوال هذا المعنى ، فهو إنما يكون مؤمنا بحسب حكم الله ، أما في نفس الأمر فلا .
إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائدا إلى استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبدا دائما من غير حصول ذهول وغفلة عنه / وهذا المعنى محتمل . الخامس : أن أصحاب الموافاة يقولون : شرط كونه مؤمنا في الحال حصول الموافاة على الإيمان ، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت ، ويكون مجهولا ، والموقوف على المجهول مجهول . فلهذا السبب حسن أن يقال : أنا مؤمن إن شاء الله . السادس : أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت ، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة ، فإن الرجل وإن كان مؤمنا في الحال ، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة ؛ كان وجوده كعدمه ، ولم تحصل فائدة أصلا ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى . السابع : أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ، ألا ترى أنه تعالى قال : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( الفتح : 27 ) وهو تعالى منزه عن الشك والريب . فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه لعباده ، هذا المعنى ، فكذا / ههنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله ، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان . الثامن : أن جماعة من السلف ذكروا هذه الكلمة ، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى : { أولئك هم المؤمنون حقا } وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه ، وذلك يدل على وجود جمع يكونون مؤمنين ، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك . فالمؤمن يقول : إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم الثاني . أما القائلون : أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه : الأول : أن المتحرك يجوز أن يقول : أنا متحرك ولا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله ، وكذا القول في القائم والقاعد ، فكذا ههنا وجب أن يكون المؤمن مؤمنا ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركا في المستقبل لا يمنع من الحكم عليه بكونه متحركا حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الإيمان في المستقبل ، لا يقدح في كونه مؤمنا في الحال . الثاني : أنه تعالى قال : { أولئك هم المؤمنون حقا } فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقا فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز . والجواب عن الأول : أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا ، وبين وصفه بكونه متحركا ، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها ، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع ، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقا ، وذلك الشرط مشكوك فيه ، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط . فهذا يقوي عين مذهبنا . والله أعلم . الحكم الثاني من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى : { لهم درجات عند ربهم } والمعنى : لهم مراتب بعضها أعلى من بعض .
واعلم أن الصفات المذكورة قسمان : الثلاثة الأول : هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية ، وهي الخوف والإخلاص والتوكل . والاثنتان الأخيرتان هما الأعمال الظاهرة والأخلاق . ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب ، وفي تنويره بالمعارف الإلهية . ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد ، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب . كانت المعارف أيضا لها درجات ومراتب ، وذلك هو المراد من قوله : { لهم درجات عند ربهم } والثواب الحاصل في الجنة أيضا مقدر بمقدار هذه الأحوال . فثبت أن مراتب السعادات / الروحانية قبل الموت وبعد الموت ، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة ، فلهذا المعنى قال : { لهم درجات عند ربهم } . فإن قيل : أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه عنها ، فإنه يتألم قلبه ، ويتنغص عيشه . وذلك مخل بكون الثواب رزقا كريما ؟ والجواب : أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد والحسد ، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم . الحكم الثالث والرابع أن قوله : { ومغفرة ورزق كريم } المراد من المغفرة أن يتجاوز الله عن سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة . قال المتكلمون : أما كونه رزقا كريما فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالأكرام والتعظيم ، ومجموع ذلك هو حد الثواب . وقال العارفون : المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله ، ومن الرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته . قال الواحدي : قال أهل اللغة : الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن ، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه ، والله تعالى موصوف بأنه كريم والقرآن موصوف بأنه كريم . قال تعالى : { إنى ألقى إلى كتاب كريم } ( النمل : 29 ) وقال : { من كل زوج كريم } ( الشعراء : 7 لقمان : 10 ) وقال : { وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) وقال : { وقل لهما قولا كريما } ( الإسراء : 23 ) فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن . وقال هشام بن عروة : يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش ، وأقول يجب ههنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية ، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته . فإن قال قائل : ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب ، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة وذلك باطل بإجماع المسلمين ، لأنه لا بد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات . قلنا : إنه تعالى بدأ بقوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } وجميع التكاليف داخل تحت هذين الكلامين ، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على التعيين ، ومن الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة على التعيين ، تنبيها على أن أشرف الأحوال الباطنة ، التوكل وأشرف الأعمال الظاهرة ، الصلاة والزكاة . ! 7 < { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكرهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } . > 7 < الأنفال : ( 5 - 6 ) كما أخرجك ربك . . . . . > > وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { كما أخرجك ربك } يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوها : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال : ( من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا ) ليرغبهم في القتال ، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة : يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم ، ولم يتأخروا عن القتال جبنا ولا بخلا ببذل مهجهم ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول } يصنع فيها ما يشاء ، فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهية وأيضا حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرح حالة تلك الكراهية ، فلما قال تعالى : { قل الانفال لله والرسول } كان التقدير أنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة هنا . الثاني : أن يكون التقدير ثبت الحكم بأن الأنفال لله ، وإن كرهوه كما ثبت حكم الله بإخراجك إلى القتال وإن كرهوه . الثالث : لما قال : { أولئك هم المؤمنون حقا } كان التقدير : أن الحكم بكونهم مؤمنين حق ، كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك للقتال حق . الرابع : قال الكسائي : ( الكاف ) متعلق بما بعده ، وهو قوله : { يجادلونك في الحق } والتقدير { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه . والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { من بيتك } يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها ، لأنها موضع هجرته / وسكناه بالحق ، أي إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } في محل الحال ، أي أخرجك في حال كراهيتهم . روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان ، وعمرو بن العاص ، وأقوام آخرون ، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير ، وقلة القوم ، فلما أزمعوا وخرجوا ، بلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلولا إن أخذ محمد عيركم لن تفلحوا أبدا ، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا ، فقالت لأخيها : إني رأيت عجبا رأيت كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة . فحدث بها العباس . فقال أبو جهل : ما ترضى رجالهم بالنبوة حتى ادعى نساؤهم النبوة ا فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير ، وفي المثل السائر لا في العير ولا في النفير فقيل له : العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فارجع إلى مكة بالناس . فقال : لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ، وتغني القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن محمدا لم يصب العير فمضى إلى بدر بالقوم . وبدر كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة / فنزل جبريل وقال : يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين ، إما العير وإما النفير من قريش ، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال : ( ما تقولون إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول . فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو ، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال امض إلى ما أمرك الله به فإنا معك حيثما أردت . فوالله لو سرت إلى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار . ثم قال المقداد بن عمرو : يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله به ، فإنا معك حيثما أردت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ( المائدة : 24 ) ولكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( سيروا على بركة الله والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) ، ولما فرغ رسول الله من بدر ، قال بعضهم : عليك بالعير . فناداه العباس وهو في وثاقه ، لا يصلح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لم ؟ قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك .
/ إذا عرفت هذه القصة فنقول : كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم ، بدليل قوله تعالى : { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لإيثارهم العير . وقوله : { بعد ما تبين } المراد منه : إعلام رسول الله بأنهم ينصرون . وجدالهم قولهم : ما كان خروجنا إلا للعير ، وهلا قلت لنا ؟ لنستعد ونتأهب للقتال ، وذلك لأنهم كانوا يكرهون القتال ، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت ، وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته ، وبالجملة فقوله : { وهم ينظرون } كناية عن الجزم والقطع . ومنه قوله عليه السلام : ( من نفى ابنه وهو ينطر إليه ) أي يعلم أنه ابنه . وقوله تعالى : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } ( النبأ : 40 ) أي يعلم . واعلم أنه كان خوفهم لأمور : أحدها : قلة العدد . وثانيها : أنهم كانوا رجالة . روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح . المسألة الثالثة : روي أنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته باختيار نفسه ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه فقال : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق الله تعالى إما ابتداء أو بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا . قال القاضي معناه : أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه ، فأضيف إليه . قلنا : لا شك أن ما ذكرتموه مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . ! 7 < { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } . > 7 < الأنفال : ( 7 - 8 ) وإذ يعدكم الله . . . . . > > اعلم أن قوله : { إذ } منصوب بإضمار اذكر أنها لكم بدل من إحدى الطائفتين . قال الفراء / والزجاج : ومثله قوله تعالى : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ( الزخرف : 66 ) { وأن } في موضع نصب كما نصب الساعة ، وقوله أيضا : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن } ( الفتح : 25 ) { حميم ءان } في موضع رفع بلولا . والطائفتان : العير والنفير : وغير ذات الشوكة . العير . لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم . والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ، ويقال شوك القنا لسنانها ، ومنه قولهم شاكي السلاح . أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة ، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن الله أراد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته ، وفيه سؤالات : السؤال الأول : أليس أن قوله : { يريد الله أن يحق الحق بكلماته } ثم قوله بعد ذلك : { ليحق الحق } تكرير محض ؟ والجواب : ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله : { ويبطل الباطل } الذي هو الشرك ، ولك في مقابلة { الحق } الذي هو الدين والإيمان .
السؤال الثاني : الحق حق لذاته ، والباطل باطل لذاته ، وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ؟ والجواب : المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ، بإظهار كون ذلك الحق حقا ، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا ، وذلك تارة يكون بإظهار الدلائل والبينات ، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤوساء الباطل . واعلم أن أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى : { ليحق الحق } قالوا وجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه ، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد ، فدل هذا على أن الإعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى . قالوا : ولا يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره لأن ذلك الظهور حصل بفعل العباد ، فامتنع أيضا إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى ، ولا يمكن أن يقال المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها ، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى الكافر وإلى المسلم . وقبل هذه الواقعة ، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلا . واعلم أن المعتزلة أيضا تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم . فقالوا هذه الآية تدل على أنه / لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق البتة ، بل إنه تعالى أبدا يريد تحقيق الحق وإبطال الباطل ، وذلك يبطل قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له . وأجاب أصحابنا بأنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال الباطل في هذه الصورة ، فلم قلتم إن الأمر كذلك في جميع الصور ؟ بل قد بينا بالدليل أن هذه الآية تدل على صحة قولنا . أما قوله : { ويقطع دابر الكافرين } فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر ، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال ، والمراد أنكم تريدون العير للفوز بالمال ، والله تعالى يريد أن تتوجهوا إلى النفير ، لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين . ! 7 < { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } . > 7 < الأنفال : ( 9 - 10 ) إذ تستغيثون ربكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يحق الحق ويبطل الباطل ، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : يجوز أن يكون العامل في { إذ } هو قوله : { ويبطل الباطل } فتكون الآية متصلة بما قبلها ، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير واذكروا إذ تستغيثون . المسألة الثانية : في قوله : { إذ تستغيثون } قولان : القول الأول : أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول عليه السلام . قال ابن عباس : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثمائة ونيف ، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ) ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ثم التزمه ثم قال : كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت / القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور .
القول الثاني : أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلا فيهم ، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول ، فالأقرب أنه دعا عليه السلام وتضرع على ما روي ، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه رفع بذلك الدعاء صوته ، ولم ينقل دعاء القوم ، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب . المسألة الثالثة : قوله : { إذ تستغيثون } أي تطلبون الإغاثة يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى إجابهم . وقال : { أني ممدكم بألف من الملئكة مردفين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { أني ممدكم } أصله بأني ممدكم ، فحذف الجار وسلط عليه استجاب ، فنصب محله ، وعن أبي عمرو : أنه قرأ { أني ممدكم } بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول . المسألة الثانية : قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم { مردفين } بفتح الدال والباقون بكسرها . قال الفراء : { مردفين } أي متتابعين يأتي بعضهم في أثر بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و { مردفين } أي فعل بهم ذلك ، ومعناه أنه تعالى أردف المسلمين وأيدهم بهم . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر ؟ فقال قوم نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة ، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا . وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين ، وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود : من أين كان الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا قال هو من الملائكة فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم ، وروى أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالصوت فوقه فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وقد شق وجهه فحدث الأنصاري رسول الله فقال صدقت . ذاك من مدد السماء ، وقال آخرون : لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين / وإلا فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة ، والكلام في كيفية هذا الإمداد مذكور في سورة آل عمران بالاستقصاء / والذي يدل على صحة أن الملائكة ما نزلوا للقتال قوله تعالى : { وما جعله الله إلا بشرى } قال الفراء : الضمير عائد إلى الأرداف والتقدير : ما جعل الله الأرداف إلا بشرى . وقال الزجاج : ما جعل الله المردفين إلا بشرى ، وهذا أولى لأن الأمداد بالملائكة حصل بالبشرى . قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في العريش قاعدا يدعو ، وكان أبو بكر قاعدا عن يمينه ليس معه غيره ، فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه نعسا ، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر وقال : ( أبشر بنصر الله ولقد رأيت في منامي جبريل يقدم الخيل ) وهذا يدل على أنه لا غرض من إنزالهم إلا حصول هذه البشرى ، وذلك ينفي إقدامهم على القتال .
ثم قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ، إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك بل يجب أن يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره وهدايته وكفايته لأجل أن الله هو العزيز الغالب الذي لا يغلب ، والقاهر الذي لا يقهر ، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها . ! 7 < { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الا قدام إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذالك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } . > 7 < الأنفال : ( 11 - 13 ) إذ يغشيكم النعاس . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : { إذ } موضعها نصب على معنى { وما جعله الله إلا بشرى } ( آل عمران : 126 ) / في ذلك الوقت . ويجوز أيضا أن يكون التقدير : اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة . المسألة الثانية : في { يغشاكم } ثلاث قراآت : الأولى : قرأ نافع بضم الياء ، وسكون الغين ، وتخفيف الشين { يغشيكم النعاس } بالنصب . الثانية : { يغشاكم } بالألف وفتح الياء وسكون العين { يغشيكم النعاس } بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير . الثالثة : قرأ الباقون { يغشيكم } بتشديد الشين وضم الياء من التغشية { النعاس } بالنصب ، أي يلبسكم النوم . قال الواحدي : القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشي ، والثالثة من غشي فمن قرأ { يغشاكم } فحجته قوله : { الغم أمنة نعاسا } يعني : فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ { يغشيكم } أو { يغشيكم } فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ( يس : 9 ) وقال : { فغشاها ما غشى } ( النجم : 54 ) وقال : { كأنما أغشيت وجوههم } وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال : { وما النصر إلا من عند الله } ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } أي من قبل الله ، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة . أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر . والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه .
والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز . فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس ؟ قلنا : لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا منصورا وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين . فإن قيل : إذا قرىء { يغشيكم } بالتخفيف والتشديد ونصب { النعاس } فالمضير لله عز وجل { وأمنة } / مفعول له . أما إذا قرىء { يغشيكم النعاس } فكيف يمكن جعل قوله : { ءامنة } مفعولا له ، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل ؟ قلنا : قوله : { يغشاكم } وإن كان في الظاهر مسندا إلى النعاس ، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى ، فصح هذا التعليل نظرا إلى المعنى . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { كانت ءامنة } بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة ، حي حياة ، ونظير أمن أمنة ، رحم رحمة . قال ابن عباس : النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان . النوع الثاني : من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } ولا شبهة أن المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء ، واستولوا عليه ، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون وخافوا ، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة ، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا ، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير ، وكان الخوف حاصلا في قلوبهم ، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم ، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة والظفر ، وعظمت النعمة به من جهات : أحدها : زوال العطش ، فقد روي أنهم حفروا موضعا في الرمل ، فصار كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا . وثانيها : أنهم اغتسلوا من ذلك الماء ، وزالت الجنابة عنهم ، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه . وثالثها : أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود . وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة . أما قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ففيه وجوه : الأول : أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان . الثاني : أن الكفار لما نزلوا على الماء ، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك ، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة ، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم ، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة ، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام . الثالث : أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد . / فإن قيل : فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى ؟
قلنا : قوله : { ليطهركم } معناه ليزيل الجنابة عنكم ، فلو حملنا قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله : { ليطهركم } حصول الطهارة الشرعية . والمراد من قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث ، ثم تقول : حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان / وذلك يوجب الحكم بكونه نجسا مطلقا لقوله تعالى : { والرجز فاهجر } ( المدثر : 5 ) . النوع الثالث : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وليربط على قلوبكم } والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم ، ومعنى الربط في اللغة الشد ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { ورابطوا } ( آل عمران : 200 ) ويقال لكل من صبر على أمر ، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال : رجل رابط أي حابس . قال الواحدي : ويشبه أن يكون { على } ههنا صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة { على } تفيد الاستعلاء . فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها . والنوع الرابع : من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى : { ويثبت به الاقدام } وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه ، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا ، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه ، وعلى هذا التقدير ، فالضمير في قوله : { به } عائد إلى المطر . وثانيها : أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم ، لأن من كان قلبه ضعيفا فر ولم يقف ، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم ، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله : { به } عائد إلى الربط . وثالثها : روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين ، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل ، فلما نزل المطر عظم الوحل ، فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله : { ويثبت به الاقدام } يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك . النوع الخامس : من النعم المذكورة ههنا قوله : { إذ يوحى ربك إلى الملئكة أني معكم } وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : { إذ } في موضع نصب ، والتقدير : وليربط على قلوبكم ويثبت به / الأقدام حال ما يوحي إلى الملائكة بكذا وكذا ، ويجوز أيضا أن يكون على تقدير اذكروا . الثاني : قوله : { إنى معكم } فيه وجهان : الأول : أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنه تعالى معهم أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأ للمسلمين . والثاني : أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم ، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار ، وإنما الخائف هم المسلمون .
ثم قال : { فثبتوا الذين ءامنوا } واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على وجوه : الأول : أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك ، فهذا هو التثبيت والثاني : أن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان ، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب . والثالث : أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر . والنوع السادس : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله : { سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب } وهذا من النعم الجليلة ، وذلك لأن أمر النفس هو القلب فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين . أما قوله تعالى : { فاضربوا فوق الاعناق } ففيه وجهان : الأول : أنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى : { فثبتوا } وقيل : بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة / واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر ، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم ، وفي قوله : { فاضربوا فوق الاعناق } قولان : الأول : أن ما فوق العنق هو الرأس ، فكان هذا أمرا بإزالة الرأس عن الجسد . والثاني : أن قوله : { فاضربوا فوق الاعناق } أي فاضربوا الأعناق . ثم قال : { واضربوا منهم كل بنان } يعني الأطراف من اليدين والرجلين ، ثم اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤوا ، لأن ما فوق العنق هو الرأس ، وهو أشرف الأعضاء ، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء ، فذكر الأشرف والأخس تنبيها على كل الأعضاء ، ومنهم من قال : بل المراد إما القتل ، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان ، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة ، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين . قال : { ذالك بأنهم شاقوا الله ورسوله } والمعنى : أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله . قال الزجاج : { شاقوا } جانبوا ، وصاروا في شق غير شق المؤمنين ، والشق الجانب { وشاقوا الله } مجاز ، والمعنى : شاقوا أولياء الله ، ودين الله . ثم قال : { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة ، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه . ! 7 < { ذالكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } . > 7 < الأنفال : ( 14 ) ذلكم فذوقوه وأن . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الزجاج : { ذالكم } رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر ذلكم فذوقوه ، ولا يجوز أن يكون { ذالكم } ابتداء ، وقوله : { فذوقوه } خبر ، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبرا للمبتدأ ، إلا أن يكون المبتدأ اسما موصولا أو نكرة موصوفة ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، وكل رجل في الدار فمكرم . أما أن يقال : زيد فمنطلق ، فلا يجوز إلا أن نجعل زيدا خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا زيد فمنطلق ، أي فهو منطلق .
المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين أن من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ، بين من بعد ذلك صفة عقابه ، وأنه قد يكون معجلا في الدنيا ، وقد يكون مؤجلا في الآخرة ، ونبه بقوله : { ذالكم فذوقوه } وهو المعجل من القتل والأسر على أن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة ، فلذلك سماه ذوقا ، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم اليسير ليعرف به حال الكثير ، فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعد لهم في الآخرة ، وقوله : { فذوقوه } يدل على أن الذوق يحصل بطريق آخر سوى إدراك الطعوم المخصوصة ، وهي كقوله تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) وكان عليه السلام يقول : ( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ) فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق روحاني مغاير للطريق الجسماني . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } . > 7 < الأنفال : ( 15 - 16 ) يا أيها الذين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الأزهري : أصل الزحف للصبي ، وهو أن يزحف على أسته قبل أن يقوم ، وشبه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال ، فيمشي كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضراب . قال ثعلب : الزحف المشي قليلا قليلا إلى الشيء ، ومنه الزحاف في الشعر يسقط مما بين حرفين . حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } أي متزاحفين نصب على الحال ، ويجوز أن يكون حالا للكفار ، ويجوز أن يكون حالا للمخاطبين وهم المؤمنون ، والزحف مصدر موصوف به كالعدل والرضا ، ولذلك لم يجمع ، والمعنى : إذا ذهبتم إليهم للقتال ، فلا تنهزموا ، ومعنى { فلا تولوهم الادبار } أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم . ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا الانهزام بين أن هذا الانهزام محرم إلا في حالتين : إحداهما : أن يكون متحرفا للقتال ، والمراد منه أن يخيل إلى عدوه أنه منهزم . ثم ينعطف عليه ، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها ، يقال : تحرف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء . والثانية : قوله : { أو متحيزا إلى فئة } قال أبو عبيدة : التحيز التنحي وفيه لغتان : التحيز والتحوز . قال الواحدي : وأصل هذا الحوز ، وهو الجمع . يقال : حزته فانحاز وتحوز وتحيز إذا انضم واجتمع ، ثم سمى التنحي تحيزا ، لأن المتنحى عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره . إذا عرفت هذا فنقول : الفئة الجماعة ، فإذا كان هذا المتحيز كالمنفرد ، وفي الكفار كثرة ، وغلب على ظن ذلك المنفرد أنه إن ثبت قتل من غير فائدة ، وإن تحيز إلى جمع كان راجيا للخلاص ، وطامعا في العدو بالكثرة ، فربما وجب عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلا عن أن يكون ذلك جائزا / والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين . ثم إنه تعالى قال : { ومن يولهم يومئذ دبره } إلا في هاتين الحالتين ، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير .
المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب غضب الله ونار جهنم . قال وليس للمرجئة أن يحملوا هذه الآية على الكفار دون أهل الصلاة ، كصنعهم في سائر آيات الوعيد ، لأن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة . واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة ، وذكرنا أن الاستدلال بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن ، وقد ذكرنا أيضا أنها معارضة بعمومات الوعد ، وذكرنا أن الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة ، فلا فائدة في الإعادة . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق ، فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر ، قالوا : والسبب في اختصاص يوم بدر بهذا الحكم أمور : أحدها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضرا يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه ، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات . بل هو أشرف وأعلى من الكل ، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى . وثانيها : أنه تعالى شدد الأمر على أهل بدر ، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه ، لزم منه الخلل العظيم ، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة ، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى . والقول الثاني : أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب ، بدليل أن قوله تعالى : { النار يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا } عام فيتناول جميع السور ، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيما أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة ؟ قال بعضهم : إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز . وقال بعضهم : بل الكل سواء ، وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل . ! 7 < { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } . > 7 ! < < الأنفال : ( 17 ) فلم تقتلوهم ولكن . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قال مجاهد : اختلفوا يوم بدر . فقال : هذا أنا قتلت . وقال الآخر أنا قتلت فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني أن هذه الكسرة الكبيرة لم تحصل منكم ، وإنما حصلت بمعونة الله روي أنه لما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه قريش ، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك ( اللهم إني أسألك ما وعدتني ) فنزل جبريل وقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي ، فرمى بها في وجوههم ، وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا . قال صاحب ( الكشاف ) والفاء في قوله : { فلم تقتلوهم } جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم .
ثم قال : { وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } يعني أن القبضة من الحصباء التي رميتها ، فأنت ما رميتها في الحقيقة ، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر ، ولكن الله رماها حيث نفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم ، فصورة الرمية صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما صدر من الله ، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله عالى ، وجه الاستدلال أنه تعالى قال : { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم } ومن المعلوم أنهم جرحوا ، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من الله . وأيضا قوله : { وما رميت إذ رميت } أثبت كونه عليه السلام راميا ، ونفى عنه كونه راميا ، فوجب حمله على أنه رماه كسبا وما رماه خلقا . فأن قيل : أما قوله : { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم } فيه وجوه : الأول : أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده ، فصحت هذه الإضافة . الثاني : أن الجرح كان إليهم ، وإخراج الروح كان إلى الله تعالى ، والتقدير : فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم . / وأما قوله : { وما رميت إذا رميت ولاكن الله رمى } قال القاضي فيه أشياء : منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب إلى عيونهم ، وكان إيصال أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا بإيصال الله تعالى ، ومنها أن التراب الذي رماه كان قليلا ، فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل ، فدل هذا على أنه تعالى ضم إليها أشياء أخر من أجزاء التراب وأوصلها إلى عيونهم ، ومنها أن عند رميته ألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم ، فكان المراد من قوله : { ولاكن الله رمى } هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب . والجواب : أن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر ، والأصل في الكلام الحقيقة . فإن قالوا : الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى . فنقول : هيهات فإن الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية قائمة على صحة قولنا ، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز . والله أعلم . المسألة الثالثة : قرىء { ولاكن الله قتلهم ولاكن الله رمى } بتخفيف ولكن ورفع ما بعده .
المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر . والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحصباء / ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء ، فكانت تلك الرمية سببا للهزيمة ، وفيه نزلت هذه الآية . والثاني : أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوسا وهو على باب خيبر . فرمى سهما . فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو على فرسه ، فنزلت { وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } والثالث : أنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف ، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال يا محمد من يحيى هذا وهو رميم ؟ فقال عليه السلام يحييه الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر ، فلما افتدى . قال لرسول الله إن عندي فرسا أعتلفها كل يوم فرقا من ذرة ، كي أقتلك عليها . فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك إن شاء الله ) فلما كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه . فقال عليه السلام : ( استأخروا ) ورماه بحربة فكسر ضلعا من أضلاعه ، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر ، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها ، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أما قوله تعالى : { وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } فهذا معطوف على قوله : { ولاكن الله رمى } / والمراد من هذا البلاء الأنعام ، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب ، قال القاضي : ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء ههنا على النعمة ، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ، حتى يقال : إن الذي فعله تعالى يوم بدر ، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات . ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله : { إن الله سميع عليم } أي سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم ، وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب ، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور ، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب . ! 7 < { ذالكم وأن الله موهن كيد الكافرين إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } . > 7 < الأنفال : ( 18 - 19 ) ذلكم وأن الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { موهن } بتشديد الهاء من التوهين { كيد } بالنصب ، وقرأ حفص عن عاصم { موهن كيد } بالإضافة ، والباقون { موهن } بالتخفيف { كيد } بالنصب ، ومثله قوله : { كاشفات ضره } ( الزمر : 38 ) بالتنوين وبالإضافة . المسألة الثانية : الكلام في ذلك ومحله من الإعراب كما في قوله : { ذالكم فذوقوه } ( الأنفال : 14 ) . المسألة الثالثة : توهين الله تعالى كيدهم . يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين على عوراتهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم ، وتفريق كلمتهم ، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم . قال ابن عباس ينبىء رسول الله ويقول : إني قد أوهنت كيد عدومك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم .
أما قوله تعالى : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } فيه قولان : القول الأول : وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه خطاب للكفار ، روي أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر ، وروي أنه قال : اللهم أينا كان أقطع / للرحم وأفجر ، فأهلكه الغداة ، وقال السدي : إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ، فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى : إن تستفتحوا أي تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين ، فقد جاءكم النصر . وقال آخرون : أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء . والقول الثاني : أنه خطاب للمؤمنين ، روي أنه عليه السلام لما رأى المشركين وكثرة عددهم استغاث بالله ، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به من إحدى الطائفتين وتضرع إلى الله فقال : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد ، فقد جاءكم الفتح ، أي حصل ما وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته . قال القاضي : وهذا القول أولى لأن قوله : { فقد جاءكم الفتح } لا يليق إلا بالمؤمنين ، أما لو حملنا الفتح على البيات والحكم والقضاء ، لم يمتنع أن يراد به الكفار . أما قوله : { وإن تنتهوا فهو خير لكم } فتفسير هذه الآية ، يتفرع على ما ذكرنا من أن قوله : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } خطاب للكفار أو للمؤمنين . فإن قلنا : إن ذلك خطاب للكفار ، كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم ، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب . وأما في الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب . ثم قال : { وإن تعودوا } أي إلى القتال { نعد } أي نسلطهم عليكم ، فقد شاهدتم ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم { ولن تغنى عنكم فئتكم } أي كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر . وأما إن قلنا إن ذلك خطاب للمؤمنين كان تأويل هذه الآية وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم نزاع يوم بدر في هذه الآشياء حتى عاتبهم الله بقوله : { لولا كتاب من الله سبق } ( الأنفال : 68 ) فقال تعالى : { ءان تنتهوا } عن مثله { فهو خير لكم وإن تعودوا } إلى تلك المنازعات { نعد } إلى ترك نصرتكم لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة / ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة ، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب . واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله : { إن تستفتحوا } على أنه خطاب للكفار ، واحتجوا بقوله تعالى : { وإن تعودوا نعد } فظنوا أن ذلك لا يليق إلا بالقتال ، وقد بينا أن ذلك يحتمل الحمل على ما ذكرناه من أحوال المؤمنين ، فسقط هذا الترجيح . / وأما قوله : { وأن الله مع } فقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم { الارض وأن الله } بفتح الألف في أن والباقون بكسرها . أما الفتح فقيل : على تقدير ، ولأن الله مع المؤمنين ، وقيل هو معطوف على قوله : { إن الله موهن كيد الكافرين } وأما الكسر فعلى الابتداء . والله أعلم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } . > 7 <
الأنفال : ( 20 - 23 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله : { ءان تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا } ( الأنفال : 19 ) أتبعه بتأديبهم فقال : { المؤمنين يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول السورة إلى هنا لما كان واقعا في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد ، ثم إن الجهاد اشتمل على أمرين : أحدهما : المخاطرة بالنفس . والثاني : الفوز بالأموال ، ولما كانت المخاطرة بالنفس شاقة شديدة على كل أحد ، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقا شديدا ، لا جرم بالغ الله تعالى في التأديب في هذا الباب فقال : { أطيعوا الله ورسوله } في الإجابة إلى الجهاد ، وفي الإجابة إلى تركه المال إذا أمره الله بتركه والمقصود تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { قل الانفال لله والرسول } ( الأنفال : 1 ) . فإن قيل : فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكناية واحدة مع أنه تقدم ذكر الله ورسوله . قلنا : إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله . ثم قال : { ولا تولوا } لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد . ثم قال مؤكدا لذلك : { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } والمعنى : أن الإنسان / لا يمكنه أن يقبل التكليف وأن يلتزمه إلا بعد أن يسمعه ، فجعل السماع كناية عن القبول . ومنه قولهم سمع الله لمن حمده ، والمعنى : ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم أنا قبلنا تكاليف الله تعالى ، ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها . وهو صفة للمنافقين كما أخبر الله عنهم بقوله : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } ( البقرة : 14 ) . ثم قال تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } واختلفوا في الدواب . فقيل : شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون . ويقال لهم : ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون . وقيل : بل هم من الدواب لأنه اسم لما دب على الأرض ولم يذكره في معرض التشبيه ، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم ، كما يقال لمن لا يفهم الكلام ، هو شبح وجسد وطلل على جهة الذم . ثم قال : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } والمعنى أن كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده ، وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير ، لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها ، ولتولوا وهم معرضون . قيل : إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيي لهم قصي بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته / فبين تعالى أنه لو علم فيهم خيرا ، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ، ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت ، وأنه لم أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه ، وفي هذه الآية مسائل :
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?