Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V15/P176–V15/P177

قلنا فيه وجوه : الأول : أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمر تسمى الحج الأصغر . الثاني : / أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته ، لأنه إذا فات الحج ، وكذلك إن أريد به يوم النحر ، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر . الثالث : قال الحسن : سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر . طعن الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف ، وكان من وصفه بالأكبر أولئك . والرابع : سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس : الأكبر الوقوف بعرفة ، والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان ؟ فقال : { أن الله برىء من المشركين ورسوله } وفيه مباحث : البحث اللأول : لقائل أن يقول : لا فرق بين قوله : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وبين قوله { أن الله برىء من المشركين ورسوله } فما الفائدة في هذا التكرير ؟ والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة ، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت . والوجه الثاني : أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برىء إليهم ، وفي الثانية : برىء منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضا ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة . والوجه الثالث : في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين ، تنبيها على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم . البحث الثاني : قوله : { أن الله برىء من المشركين } فيه حذف والتقدير : { وأذان من الله ورسوله } بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه . / واعلم أن في رفع قوله : { ورسوله } وجوها : الأول : أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضا بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول . والثاني : أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين . الثالث : أن قوله : { إن الله } رفع بالابتداء وقوله : { برىء } خبره وقوله : { ورسوله } عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب ( الكشاف ) : وقد قرىء بالنصب عطفا على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أي برىء مع رسوله منهم ، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله .

Section V15/P177–V15/P178

ثم قال تعالى : { فإن تبتم } أي عن الشرك { فهو خير لكم } وذلك ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين بالبراءة منه { وإن توليتم } أي أعرضتم عن التوبة عن الشرك { فاعلموا أنكم غير معجزى الله } وذلك وعيد عظيم ، لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى قادرا على إنزال أشد العذاب بهم . ثم قال : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال ، فقد تخلص عن العذاب ، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال : تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم . ! 7 < { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 4 ) إلا الذين عاهدتم . . . . . > > هذا الاستثناء إلى أي شيء عاد ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج : إنه عائد إلى قوله : { براءة } والتقدير { براءة من الله ورسوله } إلى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد . والثاني : قال صاحب ( الكشاف ) ، وجهه أن يكون مستثنى من قوله : { فسيحوا فى الارض } لأن الكلام خطاب للمسلمين ، والتقدير : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم . واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : أحدهما : قوله : { ثم لم ينقصوكم } والثاني : قوله : { ولم يظاهروا عليكم أحدا } والأقرب أن يكون المراد من الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم ، ومن الثاني : / أن يهيجوا أقواما آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب . ثم قال : { فأتموا إليهم عهدهم } والمعنى أن الذين ما غادروا من هذين الوجهين ، فأتموا إليهم عهدهم ، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين . وقوله : { فأتموا إليهم عهدهم } أي أدوه إليهم تاما كاملا . قال ابن عباس : بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم { إن الله يحب المتقين } يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلتين أو يكون المراد أن هذه الطائفة لما أنفوا النكث ونقض العهد ، استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضا عن النقض والنكث . روى أنه عدت بنو بكر على بن خزاعة في حال غيبة رسول الله وظاهرتهم قريش بالسلاح ، حتى وقد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشده : لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيك ألا تلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعا وسجدا فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا نصرت إن لم أنصركم ) وقرىء { لم } بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم . ! 7 < { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءاتوا الزكواة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } . > 7 ! قوله تعالى : { المتقين فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءاتوا } . < < التوبة : ( 5 ) فإذا انسلخ الأشهر . . . . . > > في الآية مسائل :

Section V15/P178–V15/P179

المسألة الأولى : قال الليث : يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه ، وكشف أبو الهيثم عن هذا المعنى فقال : يقال أهللنا هلال شهر كذا ، أي دخلنا فيه ولبسناه ، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباسا منه ، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءا فجزءا ، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قائلا سلخي الشهور وإهلالي / وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له ، كماأن المكان محيط به وظرف له ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر ومن الجسم المحوي فإذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك السطح ، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به ، ودخل في شهر آخر ، والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين ، فجعل أيضا اسما لانفصاله عن زمانه المعين ، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة . وأما الأشهر الحرم فقد فسرناها في قوله : { فسيحوا فى الارض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) وهي يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر ، والمراد من كونها حرما ، أن الله حرم القتل والقتال فيها . ثم إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء : أولها : قوله : { واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق ، في أي وقت ، وأي مكان . وثانيها : قوله : { وخذوهم } أي بالأسر ، والأخيذ الأسير . وثالثها : قوله : { واحصروهم } معنى الحصر المنع من الخروج من محيط . قال ابن عباس : يريد إن تحصنوا فاحصروهم . وقال الفراء : حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام . ورابعها : قوله تعالى : { واقعدوا لهم كل مرصد } والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم : رصدت فلانا أرصده إذا ترقبته ، قال المفسرون : المعنى اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى الصحراء أو إلى التجارة ، قال الأخفش في الكلام محذوف والتقدير : اقعدوا لهم على كل مرصد . ثم قال تعالى : { فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على أن تارك الصلاة يقتل ، قال لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقا بجميع الطرق ، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة ، وهي التوبة عن الكفر ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فعندما لم يوجد هذا المجموع ، وجب أن يبقى إباحة الدم على الأصل . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد الإقرار بهما واعتقاد وجوبهما ؟ والدليل عليه أن تارك الزكاة لا يقتل . أجابوا عنه : بأن ما ذكرتم عدول عن الظاهر ، وأما في تارك الزكاة فقد دخله التخصيص . فإن قالوا : لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة ؟ قلنا : لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين التخصيص ، فالتخصيص أولى بالحمل .

Section V15/P179–V15/P180

/ المسألة الثانية : نقل عن أب بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول : في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله ، ولعل مراده كان هذه الآية ، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة ، فمن الجائز أنه كان يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام . وقد كان مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة . المسألة الثالثة : قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله : { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) روى الحسن أن أسيرا نادى بحيث يسمع الرسول أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثا ، فقال عليه السلام : عرف الحق لأهله فأرسلوه . المسألة الرابعة : قوله : { فخلوا سبيلهم } قيل إلى البيت الحرام ، وقيل إلى التصرف في مهماتهم { إن الله غفور رحيم } لمن تاب وآمن . وفيه لطيفة وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع الخيرات وألقاهم في جميع الآفات ، ثم بين أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد تخلصوا عن كل تلك الآفات في الدنيا ، فنرجو من فضل الله أن يكون الأمر كذلك يوم القيامة أيضا فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل ، والصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى . ! 7 < { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } . > 7 ! < < التوبة : ( 6 ) وإن أحد من . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم نقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل ، فقال علي : ( لا ) إن الله تعالى قال : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } أي فأمنه حتى يسمع كلام الله ، وتقرير هذا الكلام : أن نقول : إنه تعالى لما أوجب بعد انسلاخ الأشهر / الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفى في إزاحة عذرهم وعلتهم ، وذلك يقتضي أن أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت إليه ، بل يطالب إما بالإسلام وإما بالقتل ، فلما كان هذا الكلام واقعا في القلب لا جرم ذكر الله هذه الآية إزالة لهذه الشبهة ، والمقصود منه بيان أن الكافر إذا جاء طالبا للحجة والدليل أو جاء طالبا لاستماع القرآن ، فإنه يجب إمهاله ويحرم قتله ويجب إيصاله إلى مأمنه ، وهذا يدل على أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد ، ويدل أيضا على أن النظر في دين الله أعلى المقامات وأعلى الدرجات ، فإن الكافر الذي صار دمه مهدرا لما أظهر من نفسه كونه طالبا للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ، ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه . المسألة الثانية : أحد مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وتقديره : وإن استجارك أحد ، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل لا يدخل على غيره . فإن قيل : لما كان التقدير ما ذكرتم فما الحكمة في ترك هذا الترتيب الحقيقي ؟

Section V15/P180–V15/P181

قلنا : الحكمة فيه ما ذكره سيبويه ، وهو أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وقد بينا ههنا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشركين ، فقدم ذكره ليدل ذلك على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار ، قال الزجاج : المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة ، لأن تكلم الله بهذه الحروف إما أن يكون معا أو على الترتيب ، فإن تكلم بها معا لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم ، لأن الكلام لا يحصل منتظما إلا عند دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب ، فلو حصلت معا لا متعاقبة لما حصل الانتظام ، فلم يحصل الكلام . وأما إن حصلت متعاقبة ، لزم أن ينقضي المتقدم ويحدث المتأخر ، وذلك يوجب الحدوث ، فدل هذا عن أن كلام الله محدث . قالوا : فإن قلتم إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات ؛ فهذا باطل لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام الله إلا هذه الحروف والأصوات ، وأما الحشوية والحمقى من الناس ، فقالوا ثبت بهذه الآية أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، وثبت أن كلام الله قديم ، فوجب القول بقدم الحروف والأصوات . / واعلم أن الأستاذ أبا بكر بن فورك زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى وأما سائر الأصحاب فقد أنكروا عليه هذا القول ، وذلك لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات / وإما أن يكون شيئا آخر مغايرا لها . والأول : هو قول الرعاع والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء . وأما الثاني : فباطل لأنا على هذا التقدير لما سمعنا هذه الحروف والأصوات ، فقد سمعنا شيئا آخر يخالف ماهية هذه الحروف والأصوات ، لكنا نعلم بالضرورة أن عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئا آخر سواها ولم ندرك بحاسة السمع أمرا آخر مغايرا لها فسقط هذا الكلام . والجواب الصحيح عن كلام المعتزلة أن نقول : هذا الذي نسمعه ليس عين كلام الله على مذهبكم ، لأن كلام الله ليس إلا الحروف والأصوات التي خلقها أولا ، بل تلك الحروف والأصوات انقضت وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الإنسان ، فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم . واعلم أن أبا علي الجبائي لقوة هذا الإلزام ارتكب مذهبا عجيبا فقال : كلام الله شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارىء ، وقد أطبق المعتزلة على سقوط هذا المذهب والله أعلم . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له إما أن تؤمن ، وإما أن نقتلك فلما لم يقل له ذلك ، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ، بل لا بد من الحجة والدليل فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال . إذا ثبت هذا فنقول : ليس في الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم يكون ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم .

Section V15/P181–V15/P182

المسألة الخامسة : المذكور في هذه الآية كونه طالبا لسماع القرآن فنقول : ويلتحق به كونه طالبا لسماع الدلائل ، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات ، والدليل عليه أنه تعالى علل وجوب تلك الإجارة بكونه غير عالم لأنه قال ذلك بأنهم قوم لا يعلمون وكان المعنى فأجره ، لكونه طالبا للعلم مسترشدا للحق وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته . / المسألة السادسة : في قوله : { حتى يسمع كلام الله } وجوه : قيل : أراد سماع جميع القرآن ، لأن تمام الدليل والبينات فيه ، وقيل : أراد سماع سورة براءة ، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين ، وقيل : أراد سماع كل الدلائل . وإنما خص القرآن بالذكر ، لأنه الكتاب الجاري لمعظم الدلائل . وقوله : { ثم أبلغه مأمنه } معناه أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم . المسألة السابعة : قال الفقهاء : والكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان مغنوما مع ماله ، إلا أن يدخل مستجيرا لغرض شرعي كاستماع كلام الله رجا الإسلام ، أو دخل لتجارة . فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان ، فيجب تبليغه مأمنه . وهو أن يبلغ محروسا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له ، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولا فالرسالة أمان ، ومن دخل ليأخذ مالا في دار الإسلام ولماله أمان فأمان له والله أعلم . ! 7 < { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 7 ) كيف يكون للمشركين . . . . . > > قوله : { كيف } استفهام بمعنى الإنكار كما تقول : كيف يسبقني مثلك ، أي لا ينبغي أن يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره : كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، لأجل أنهم ما نكثوا وما نقضوا قيل : إنهم بنو كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله { إن الله يحب المتقين } يعني من اتقى الله يوفي بعهده لمن عاهد والله أعلم . ! 7 < { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بأايات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة وأولائك هم المعتدون } . > 7 ! < < التوبة : ( 8 - 10 ) كيف وإن يظهروا . . . . .

Section V15/P182–V15/P183

> > اعلم أن قوله : { كيف } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل كونه معلوما أي كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الإيمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد { ولم يتلو عليكم } هذا هو المعنى ، ولا بد من تفسير الألفاظ المذكورة في الآية يقال : ظهرت على فلان إذا علوته ، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه . قال الليث : الظهور الظفر بالشيء . وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ) وقوله : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) أي ليعليه ، وتحقيق القول فيه أن من غلب غيره حصلت له صفة كمال ، ومن كان كذلك أظهر نفسه ومن صار مغلوبا صار كالناقص ، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله : { إن يظهروا عليكم } يريد أن يقدروا عليكم وقوله : { لا يرقبوا فيكم } قال الليث : رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبا وهو أن ينتظره ورقيب القوم حارسهم وقوله : { ولم ترقب قولى } ( طه : 94 ) أي لم تحفظه ، أما الأول ففيه أقوال : الأول : أنه العهد قال الشاعر : وجدناهم كاذبا الهم وذو الال والعهد لا يكذب يعني العهد الثاني . قال الفراء : الال القرابة . قال حسان : لعمرك أن الك من قريش كال السقب من رأل النعام يعني القرابة والثالث الأل الحلف . قال أوس بن حجر : لولا بنو مالك والأل مرقبه ومالك فيهم الآلاء والشرف يعني الحلف . والرابع : الأل هو الله عز وجل ، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال : إن هذا الكلام لم يخرج من إل ، وطعن الزجاج في هذا القول وقال : أسماء الله معلومة من الأخبار والقرآن ولم يسمع أحد يقول : يا إل . الخامس : قال الزجاج : حقيقة الإل عندي على ما توجبه اللغة تحديد الشديد ، فمن ذلك الألة الحربة . وأذن مؤللة ، فالإل يخرج في جميع / ما فسر من العهد والقرابة . السادس : قال الأزهري : أيل من أسماء الله عز وجل بالعبرانية ، فجائز أن يكون عرب . فقيل إل . السابع : قال بعضهم : الإل مأخوذ من قولهم إل يؤل ألا ، إذا صفا ولمع ومنه الآل للمعانه ، وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أي أنين يرفه به صوته ، ورفعت المرأة أليلها إذا ولولت ، فالعهد سمى إلا ، لظهوره وصفائه من شوائب الغدر ، أو لأن القوم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه . أما قوله : { ولا ذمة } فالذمة العهد ، وجمعها ذمم وذمام ، كل أمر لزمك ، وكان بحيث لو ضيعته لزمتك مذمة ، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه ، يعني ما يجتنب فيه الذم يقال : تذمم فلان ، أي ألقى على نفسه الذم ، ونظيره تحوب ، وتأثم وتحرج . أما قوله : { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } أي يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طيبا / والذي في قلوبهم بخلاف ذلك ، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه { وأكثرهم فاسقون } وفيه سؤالان : السؤال الأول : الموصوفين بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم . السؤال الثاني : أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله : { وأكثرهم فاسقون } فائدة .

Section V15/P183–V15/P185

والجواب عن الأول : أن الكافر قد يكون عدلا في دينه ، وقد يكون فاسقا خبيث النفس في دينه ، فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود { أكثرهم فاسقون } في دينهم وعند أقوامهم ، وذلك يوجب المبالغة في الذم . والجواب عن الثاني : عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزا عن الكذب ، ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد يكون موصوفا بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون مذموما عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله : { وأكثرهم فاسقون } أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة ، وأيضا قال ابن عباس : لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب ، فلهذا السبب قال : { وأكثرهم فاسقون } حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام . أما قوله : { اشتروا بئايات الله ثمنا قليلا عن سبيله } ففيه قولان : الأول : المراد منه المشركون . قال مجاهد : أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه ، وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة . الثاني : لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا / المشركين على نقض تلك العهود ، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود ، وهذا اللفظ في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد قوله : { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } ( التوبة : 10 ) ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكرارا محضا ، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكرارا ، فكان ذلك أولى . ثم قال : { وأولئك هم المعتدون } ( التوبة : 10 ) يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد ، وفي ذلك نهاية الذم . والله أعلم . ( 11 ) ! 7 < { فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءااتوا الزكواة فإخوانكم في الدين ونفصل الا يات لقوم يعلمون } . > 7 ! ( 12 ) ! 7 < { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } . > 7 ! < < التوبة : ( 11 - 12 ) فإن تابوا وأقاموا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة ، وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له ، بين من بعد أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم ، فجمع ذلك الشيء بقوله : { فإخوانكم فى الدين } وهو يفيد جملة أحكام الإيمان ، ولو شرح لطال . فإن قيل : المعلق على الشيء بكلمة { ءان } عدم عند عدم ذلك الشيء ، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في الدين ، وهو مشكل لأنه ربما كان فقيرا ، أو إن كان غنيا ، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة .

Section V15/P185

قلنا : قد بينا في تفسير قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) أن المعلق على الشيء بكلمة { ءان } لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء ، فزال هذا السؤال ، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة { ءان } عدم عند عدم ذلك الشيء ، فههنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعا ، فإن الله تعالى شرطها في إثبات المواخاة ، ومن لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه ، وجب عليه أن يقر بحكمها ، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة ، وكان / ابن مسعود يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين ، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة ، وهو قوله والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما بقي في قوله : { فإخوانكم فى الدين } بحثان : الأول : قوله : { فإخوانكم } قال الفراء معناه ، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند } ( الأحزاب : 5 ) أي فهم إخوانكم . الثاني : قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والأخوان في الصداقة ، وهذا غلط يقال للأصدقاء ، وغير الأصدقاء أخوة وأخوان . قال الله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) ولم يعن النسب . وقال تعالى : { أو بيوت إخوانكم } ( النور : 61 ) وهذا في النسب . قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة . ثم قال : { ونفصل الايات لقوم يعلمون } قال صاحب ( الكشاف ) : وهذا اعتراض وقع بين الكلامين ، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين ، وعلى المحافظة عليها . ثم قال : { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم } يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه ، ومنه قوله تعالى : { من بعد قوة أنكاثا } ( النحل : 92 ) والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم . وقيل : للحلف يمين ، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا . وقيل : سمي القسم يمينا ليمين البر فيه . فقوله : { وإن نكثوا أيمانهم } أي نقضوا عهودهم . وفيه قولان : الأول : هو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثاني : أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان ، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان ، ولذلك قرأ بعضهم { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } والأول أولى للقراءة المشهورة ، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين ، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد . وقوله : { وطعنوا فى دينكم } يقال طعنه بالرمح يطعنه / وطعن بالقول السيء يطعن . قال الليث : وبعضهم يقول : يطعن بالرمح ، ويطعن بالقول : فيفرق بينهما ، والمعنى أنهم عابوا دينكم ، وقدحوا فيه . ثم قال : { فقاتلوا أئمة الكفر } أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { أئمة الكفر } بهمزة واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق . قال الزجاج : الأصل في الأئمة أأمة ، لأنها جمع إمام ، مثل مثال وأمثلة ، لكن الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية ، وألقيت حركتها على الهمزة ، فصارت أأمة ، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة . هذا هو / الاختيار عند جميع النحويين .

Section V15/P185–V15/P187

إذا عرفت هذا فنقول : قال صاحب ( الكشاف ) : لفظة ( أئمة ) همزة بعدها همزة بين بين ، والمراد بين مخرج الهمزة والياء . أما بتحقيق الهمزتين فقراءة مشهورة . وإن لم تكن مقبولة عند البصريين . وأما التصريح بالياء فليس بقراءة ، ولا يجوز أن يكون قراءة ، ومن صرح بها فهو لاحن محرف . المسألة الثانية : قوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } معناه قاتلوا الكفار بأسرهم ، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر ، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة . المسألة الثالثة : قال الزجاج : هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام ، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن ، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم . ثم قال تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } قرأ ابن عامر { لا أيمان لهم } بكسر الألف ولها وجهان : أحدها : لا أمان لهم ، أي لا تؤمنوهم . فيكون مصدرا من الإيمان الذي هو ضد الإخافة ، والثاني : أنهم كفرة لا إيمان لهم ، أي لا تصديق ولا دين لهم ، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين ، ومعناه لا أيمان لهم على الحقيقة . وأيمانهم ليست بأيمان ، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه الله في أن يمين الكافر لا يكون يمينا ، وعند الشافعي رحمه الله يمينهم يمين ، ومعنى هذه الآية عنده : أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان . والدليل على أن أيمانهم أيمان ، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله : { وإن نكثوا أيمانهم } ولو لم يكن منعقدا لما صح وصفها بالنكث . ثم قال تعالى : { لعلهم ينتهون } وهو متعلق بقوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سببا في انتهائهم عما هم عليه من الكفر ، وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإحسان . ( 13 ) ! 7 < { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } . > 7 < التوبة : ( 13 ) ألا تقاتلون قوما . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { قاتلوا أئمة الكفر } ( التوبة : 12 ) أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال : { ألا تقاتلون قوما نكثوا } . / واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد ، فكيف بها حال الاجتماع : أحدها : نكثهم العهد ، وكل المفسرين حمله على نقض العهد . قال ابن عباس والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم ، وثانيها : قوله : { وهموا بإخراج الرسول } فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله . واختلفوا فيه فقال بعضهم : المراد إخراجه من مكة حين هاجر . وقال بعضهم : بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل . وقال آخرون : بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد ، وإعانة أعدائه ، فأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه . وقوله : { وهموا بإخراج الرسول } إما بالفعل وإما بالعزم عليه ، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه ، وثالثها : قوله : { وهم بدءوكم أول مرة } يعني بالقتال يوم بدر ، لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه .

Section V15/P187–V15/P188

والقول الثاني : أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد ، وهذا قول الأكثرين ، وإنما قال : { بدؤكم } تنبيها على أن البادىء أظلم ، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها ، فقال : { مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه : الأول : أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية ، والثاني : أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك كان ذلك تحريكا منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه ، والثالث : أن قوله : { فالله أحق أن تخشوه } يفيد ذلك كأنه قيل : إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة ، والضرر المتوقع منهم غايته القتل . أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة ، والذم اللازم في الدنيا ، والرابع : أن قوله : { إن كنتم مؤمنين } معناه : أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد . بقي في الآية أبحاث : البحث الأول : حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا : إذا قلت لا تفعل كذا ، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده ، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده ، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل ، فإذا دخلت عليها الألف صار تحضيضا على فعل ما يستقبل ، وليس إنما تستعمل لنفي الحال . فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال . / البحث الثاني : نقل عن ابن عباس أنه قال : قوله تعالى : { ألا تقاتلون قوما } ترغيب في فتح مكة وقوله : { قوما نكثوا أيمانهم } أي عهدهم ، يعني قريشا حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام / فأمر الله رسوله أن يسير إليهم فينصر خزاعة ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وأمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة وأبو سفيان عند هرقل بالروم ، فرجع وقدم المدينة ودخل على فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم يستجير بها فأبت ، وقالت ذلك لابنيها الحسن والحسين فأبيا ، فخاطب أبا بكر فأبى ، ثم خاطب عمر فتشدد ، ثم خاطب عليا فلم يجبه ، فاستجار بالعباس وكان مصافيا له فأجاره ، وأجاره الرسول لإجارته وخلى سبيله . فقال العباس : يا رسول الله إن أبا سفيان فيه أبهة فاجعل له شيئا ، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فعاد إلى مكة ونادى من دخل داري فهو آمن فقاموا إليه وضربوه ضربا شديدا وحصل الفتح عند ذلك ، فهذا ما قاله ابن عباس . وقال الحسن : لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك ، لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة بسنة ، وتمييز حق هذا الباب من باطله لا يعرف إلا بالأخبار . البحث الثالث : قال أبو بكر الأصم : دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا القتال لقوله تعالى : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) فآمنهم الله تعالى بهذه الآيات . قال القاضي : إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارها له ولا مقصرا فيه ، فإن أراد أن مثل هذا التحريض علي الجهاد لا ينفع إلا وهناك كره للقتال لم يصح أيضا ، لأنه يجوز أن يحث الله تعالى بهذا الجنس على الجهاد لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع .

Section V15/P188–V16/P003

البحث الرابع : دلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه ، وأن لا يخشى أحدا سواه . ! 7 < { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله عليم حكيم } . > 7 < التوبة : ( 14 - 15 ) قاتلوهم يعذبهم الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { ألا تقاتلون قوما } ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال . ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد ، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت ؟ فأولها : قوله : { يعذبهم الله بأيديكم } وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة . البحث الثاني : أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثا ، فيدخل فيه كل ما ذكرناه . فإن قالوا : أليس أنه تعالى قال : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) فكيف قال ههنا : { يعذبهم الله بأيديكم } . قلنا : المراد من قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } عذاب الاستئصال ، والمراد من قوله : { يعذبهم الله بأيديكم } عذاب القتل والحرب ، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان في حقه سببا لمزيد الثواب ، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصورا على المذنب . البحث الثالث : احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله : { يعذبهم الله بأيديكم } فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى ، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد ، وهو صريح قولنا ومذهبنا . أجاب الجبائي عنه فقال : لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال : إنه / يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين ، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم ، لأنه تعالى خالق لذلك ، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة ، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه ، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير ، وأجاب أصحابنا عنه فقالوا : أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان ، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام . ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال والعذرات ، ويا مكون الخنافس والديدان ، فكذا ههنا . وأيضا أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار الله تعالى وتيسيره ، ثم لا يجوز أن يقال : يا مسهل الزنا واللواط ، ويا دافع الموانع عنها ، فكذا هنا ، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره ، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر ، والدليل القاهر من جانبنا ههنا ، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى . وثانيها : قوله تعالى : { ويخزهم } معناه : ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين . قال الواحدي : قوله : { ويخزهم } أي بعد قتلكم إياهم ، وهذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة ، وهذا ضعيف لما بينا أن الإخزاء واقع في الدنيا . وثالثها : قوله تعالى : { وينصركم عليهم } والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم / بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين .

Section V16/P003–V16/P004

فإن قالوا : لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول هذا النصر ، كان إفراده بالذكر عبثا . فنقول : ليس الأمل كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين ، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال : { وينصركم عليهم } دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ورابعها : قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا ، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم ، فشفى الله صدورهم من بني بكر ، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سببا لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وخامسها : قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } . ولقائل أن يقول : قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } معناه أنه يشفي من ألم الغيظ . وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } تكرار . والجواب : أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار ، كما قيل الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، وعلى هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } وبين قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال ، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية ، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب . وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكنها لائقة بطباعهم ، بقي ههنا مباحث : البحث الأول : أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة ، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال : الآية واردة فيه . البحث الثاني : الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال ، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخبارا عن الغيب ، والأخبار عن الغيب معجز . البحث الثالث : هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيمانا حقيقيا . لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين . واعلم أن وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة ، فإنه تعالى قال في صفتهم { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقال أيضا : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 290 ) .

Section V16/P004–V16/P005

ثم قال : { ويتوب الله على من يشاء } قال الفراء والزجاج : هذا مذكور على سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جوابا لقوله : { قاتلوهم } لأن قوله : { ويتوب الله على من يشاء } لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار . قالوا ونظيره : { فإن يشإ الله يختم على قلبك } ( الشورى : 24 ) وتم الكلام ههنا ، ثم استأنف فقال : { ويمح الله الباطل } ( الشورى : 24 ) ومن الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة ، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم ، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة عن تلك الكراهية . الثاني : أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم ، والعبد إذا شاهد توالي نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعيا له إلى التوبة من جميع الذنوب ، الثالث : أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت لذاته تطلب بالطريق الحرام / فإن عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال ، فيصير كثرة المال والجاه داعيا إلى التوبة من هذه الوجوه . الرابع : قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها ، فإذا انفتحت أبواب الدنيا على الإنسان وأراد الله به خير عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة ، فحينئذ تصير الدنيا حقيرة في عينه ، فيصير ذلك سببا لانقباض النفس عن الدنيا ، وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام : { هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } يعني أن بعد حصول هذا الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا ، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك الذي هو أعظم الممالك لا حاصل للدنيا ولا فائدة في لذاتها وشهواتها ، فحينئذ يعرض القلب عن الدنيا ولا يقيم لها وزنا ، فثبت أن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة ، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة ، وإنما قال : { على من يشاء } لأن وجدان الدنيا وانفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سببا لانقباض القلب عن الدنيا وذلك في حق من أراد به الخير ، وقد يصير سببا لاستغراق الإنسان فيها وتهالكه عليها وانقطاعه بسببها عن سبيل الله ، فلما اختلف الأمر على الوجه الذي ذكرناه قال : { ويتوب الله على من يشاء } . ثم قال : { والله عليم } أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته { حكيم } مصيب في أحكامه وأفعاله . ! 7 < { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون } . > 7 < التوبة : ( 16 ) أم حسبتم أن . . . . . > > اعلم أن الآيات المتقدمة كانت مرغبة في الجهاد ، والمقصود من هذه الآية مزيد بيان في الترغيب ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء : قوله : { أم } من الاستفهام الذي يتوسط الكلام ، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بها . المسألة الثانية : قال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج فالداخل الذي يكون في القوم وليس منهم وليجة ، فالوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل . قال الواحدي : يقال هو وليجتي وهم وليجتي للواحد والجمع .

Section V16/P005–V16/P006

المسألة الثالثة : المقصود من الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العقاب إلا عند حصول أمرين : الأول : أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، وذكر العلم والمراد منه المعلوم ، والمراد أن يصدر الجهاد عنهم إلا أنه إنما كان وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله ، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده ، واحتج هشام بن الحكم بهذه الآية على أنه تعالى لا يعلم الشيء إلا حال وجوده . / واعلم أن ظاهر الآية وإن كان يوهم ما ذكره إلا أن المقصود ما بيناه . والثاني : قوله : { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } والمقصود من ذكر هذا الشرط أن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا بل يكون منافقا ، باطنه خلاف ظاهره ، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين ، فبين تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع الإخلاص خاليا عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين . والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط ، بل الغرض أن يؤتى به انقيادا لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه ، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع ، وأما الإقدام على القتال لسائر الأغراض فذاك مما لا يفيد أصلا . ثم قال : { والله خبير بما تعملون } أي عالم بنياتهم وأغراضهم مطلع عليها لا يخفى عليه منها شيء ، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلاف الظاهر ، وإنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 الأحقاف : 130 ) قال : ولما فرض القتال تبين المنافق من غيره وتميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم . ! 7 < { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولائك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الا خر وأقام الصلواة وءاتى الزكواة ولم يخش إلا الله فعسى أولائك أن يكونوا من المهتدين } . > 7 < التوبة : ( 17 - 18 ) ما كان للمشركين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائهم ما يوجب تلك البراءة ، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبها احتجوا بها / في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة ، فأولها ما ذكره في هذه الآية ، وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية . وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم ، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسر العباس يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم ، وأغلظ له علي . وقال : ألكم محاسن . فقال : نعمر المسجد الحرام . ونحجب الكعبة . ونسقي الحاج . ونفك العاني ، فأنزل الله تعالى ردا على العباس { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } .

Section V16/P006–V16/P007

المسألة الثانية : عمارة المساجد قسمان : إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال : فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه ، وإما بالعمارة المعروفة في البناء ، فإن كان المراد هو الثاني ، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد . وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظما والكافر يهينه ولا يعظمه ، وأيضا الكافر نجس في الحكم ، لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى : { أن طهرا بيتى للطائفين } ( البقرة : 125 ) وأيضا الكافر لا يحترز من النجاسات ، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد ، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين . وأيضا إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الأنعام على المسلمين ، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { أن يعمروا مساجد الله } على الواحد ، والباقون { مساجد الله } على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو . وقوله : عمارة المسجد الحرام . وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه : الأول : أن يراد المسجد الحرام . وإنما قيل : مساجد . لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد . والثاني : أن يقال : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } معناه : ما كان للمشركين أن يعمروا شيئا من مساجد الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها . الثالث : قال الفراء : العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد . أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم . وأما وضع الجمع مكان الواحد . ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد . الرابع : أن المسجد موضع السجود ، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد . المسألة الرابعة : قال الواحدي : ذلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين ، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد ، وإن دخل بغير إذن / مسلم استحق التعزير ، وإن دخل بإذن لم يعزر ، والأولى تعظيم المساجد ، ومنعهم منها ، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثقيف في المسجد / وهم كفار . وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر .

Section V16/P007–V16/P008

أما قوله تعالى : { شهدين على أنفسهم بالكفر } قال الزجاج : قوله : { شاهدين } حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر ، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها : الأول : وهو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وكل ذلك كفر ، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني : قال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت . فيقول : نصراني . واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول : أنا عابد الوثن ، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول . الثالث : أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك . الرابع : أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها ، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام ، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك . الخامس : أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . السادس : نقل عن ابن عباس : أنه قال : المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر . قال : وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال القاضي : هذا الوجه عدول عن الحقيقة ، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته . أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز . وأقول : لو قرأ أحد من السلف { شهدين على أنفسهم بالكفر } من قولك : زيد نفيس وعمرو أنفس منه ، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر . ثم قال : { أولئك حبطت أعمالهم } والمراد منه : ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب ، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر ، مثل إكرام الوالدين ، وبناء الرباطات ، وإطعام الجائع ، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل ، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الاشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر . وأما الكلام في الأحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مرارا فلا نعيده . ثم قال : { وفى النار هم خالدون } وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار . واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلدا في النار من وجهين : الأول : أن قوله : { وفى النار هم خالدون } يفيد الحصر ، أي هم فيها خالدون لا غيرهم ، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار ، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر . الثاني : أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم ، ولو كان هذا الحكم ثابتا لغير الله لما صح تهديد الكافر به ، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد ، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة : الصفة الأولى : قوله : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه ، فما لم يكن مؤمنا بالله ، امتنع أن يبني موضعا يعبد الله فيه ، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة ، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى . فإن قيل : لم لم يذكر الإيمان برسول الله ؟

Section V16/P008

قلنا فيه وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا إنما ادعى رسالة الله طلبا للرياسة والملك / فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد ، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر . الثاني : أنه لما ذكر الصلاة ، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد ، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافيا . الثالث : أنه ذكر الصلاة ، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق ، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذا الوجه . الصفة الثانية : قوله : { ليس البر } والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات ، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد . الصفة الثالثة : قوله : { ليس البر } . واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه ، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به ، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به . وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا / الباب أيضا لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة ، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد . والصفة الرابعة : قوله : { ولم يخش إلا الله } وفيه وجوه : الأول : أن أبا بكر رضي الله عنه بني في أول الإسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه ، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة ، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلانا يبني مسجدا ، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله . فإن قيل : كيف قال : { ولم يخش إلا الله } والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين ؟ قلنا : المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين ، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره .

Section V16/P008–V16/P009

اعلم أنه تعالى قال : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله } أي من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة وكلما { إنما } تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم ، فليس لله بهم حاجة ) وفي الحديث ( الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش ) قال عليه الصلاة والسلام : قال الله تعالى : ( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( من ألف المسجد ألفه الله تعالى ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه ) وهذه الأحاديث نقلها صاحب ( الكشاف ) . ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال : { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : { عسى } من الله واجب لكونه متعاليا عن الشك والتردد . الثاني : قال أبو مسلم : { عسى } ههنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى : { يدعون ربهم خوفا وطمعا } والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب ، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد / من القيود المعتبرة في حصول القبول . والثالث : وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها ، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله ، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين لعل وعسى فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء . ! 7 < { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الا خر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين } . > 7 ! < < التوبة : ( 19 ) أجعلتم سقاية الحاج . . . . . > > في الآية مسائل :

Section V16/P009–V16/P010

المسألة الأولى : ذكر المفسرون أقوالا في نزول الآية . قال ابن عباس في بعض الروايات عنه أن عليا لما أغلظ الكلام للعباس ، قال العباس : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام ، والهجرة ، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية ، وقيل إن المشركين قالوا لليهود ، نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام ، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟ فقالت اليهود لهم أنتم أفضل . وقيل : إن عليا عليه السلام قال للعباس رضي الله عنه بعد إسلامه : يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ألست في أفضل من الهجرة ؟ أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام . فلما نزلت هذه الآية قال : ما أراني إلا تارك سقايتنا . فقال عليه الصلاة والسلام : ( أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيرا ) وقيل افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ، ولو أردت بت فيه . قال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . قال علي : أنا صاحب الجهاد . فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال المصنف رضي الله عنه : حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : { أولئك أعظم درجة عند الله } وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا / درجة عند الله ، وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند الله ، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه . وإما الذين قالوا : إنها جرت بين المسلمين والكافرين ، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { كمن ءامن بالله } وبين من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي . وتقرير الكلام أن نقول : إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله } أن العباس احتج على فضائل نفسه ، بأنه عمر المسجد الحرام وسقي الحاج . فأجاب الله عنه بوجهين : الوجه الأول : ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد ، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن ، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة . والوجه الثاني : من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية ، وهو أن يقال : هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج ، يوجب نوعا من أنواع الفضيلة ، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان بالله ، والجهاد قليل جدا . فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد خطأ ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جدا بالشيء الحقير التافه جدا ، وأنه باطل ، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية ، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية . واعلم أن السقاية والعمارة فعل ، قوله : { من ءامن بالله } إشارة إلى الفاعل ، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل ، والصفة بالذات وأنه محال ، فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن نقول التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كم آمن بالله ؟ ويقويه قراءة عبد الله بن الزبير { بعبده ليلا من المسجد الحرام } والثاني : أن نقول التقدير أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله ؟ ونظيره قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم } ( البقرة : 177 ) إلى قوله : { ولاكن البر من ءامن بالله } .

Questions