Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V17/P150–V17/P151

واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة ، فعند هذا خاطب محمدا عليه الصلاة والسلام وقال : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هاذا إلا سحر مبين } ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث . فإن قيل : الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلا مخصوصا ، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : قال القفال : معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم . الثاني : أن معنى قوله : { إن هاذا إلا سحر مبين } هو أن السحر أمر باطل ، قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام { ما جئتم به السحر إن الله سيبطله } ( يونس : 81 ) فقوله : { إن هاذا إلا سحر مبين } أي باطل مبين . الثالث : أن / القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحرا لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع . الرابع : قرأ حمزة والكسائي { إن هاذا إلا ساحر } يريدون النبي صلى الله عليه وسلم والساحر كاذب . ! 7 < { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! < < هود : ( 8 ) ولئن أخرنا عنهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم : { إن هاذا إلا سحر مبين } فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به أخذوا في الاستهزاء ويقولون : ما السبب الذي حبسه عنا ؟ فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزؤن به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم ذلك العذاب . بقي ههنا سؤالات : السؤال الأول : المراد من هذا العذاب هو عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ؟ الجواب : للمفسرين فيه وجوه : الأول : قال الحسن : معنى حكم الله في هذه الآية أنه لا يعذب أحدا منهم بعذاب الاستئصال وأخر ذلك إلى يوم القيامة ، فلما أخر الله عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء ما الذي حبسه عنا ؟ والثاني : أن المراد الأمر بالجهاد وما نزل بهم يوم بدر ، وعلى هذا الوجه تأولوا قوله : { وحاق بهم } أي نزل بهم هذا العذاب يوم بدر . السؤال الثاني : ما المراد بقوله : { إلى أمة معدودة } . الجواب من وجهين : الأول : أن الأصل في الأمة هم الناس والفرقة فإذا قلت : جاءني أمة من الناس ، فالمراد طائفة مجتمعة قال تعالى : { وجد عليه أمة من الناس يسقون } ( القصص : 23 ) وقوله : { وادكر بعد أمة } ( يوسف : 45 ) أي بعد انقضاء أمة وفنائها فكذا ههنا قوله : { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } أي إلى حين تنقضي أمة من الناس انقرضت بعد هذا الوعيد بالقول ، لقالوا ماذا يحبسه عنا وقد انقرض من الناس الذين كانوا متوعدين بهذا الوعيد ؟ وتسمية الشيء باسم ما يحصل فيه كقولك : كنت عند فلان صلاة العصر ، أي في ذلك الحين . الثاني : أن اشتقاق الأمة من الأم ، وهو القصد ، كأنه يعني الوقت المقصود بإيقاع هذا الموعود فيه .

Section V17/P151–V17/P152

/ السؤال الثالث : لم قال : { وحاق } على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع ؟ والجواب : قد مر في هذا الكتاب آيات كثيرة من هذا الجنس ، والضابط فيها أنه تعالى أخبر عن أحوال القيامة بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد والتقرير . ! 7 < { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عنيإنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولائك لهم مغفرة وأجر كبير } . > 7 ! < < هود : ( 9 - 11 ) ولئن أذقنا الإنسان . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم ، ذكر بعده ما يدل على كفرهم ، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب . فقال : { ولئن أذقنا الإنسان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ { الإنسان } في هذه الآية فيه قولان : القول الأول : أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى استثنى منه قوله : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى : { والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( العصر : 1 3 ) وموافقة أيضا لقوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 19 21 ) الثالث : أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من الله فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط . والقول الثاني : أن المراد منه الكافر ، ويدل عليه وجوه : الأول : ن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع ، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه / والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة . الثاني : أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤسا ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } ( يوسف : 87 ) ووصفه أيضا بكونه كفورا ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضا بأنه عند وجدان الراحة يقول : ذهب السيئات عني ، وذلك جراءة على الله تعالى ، ووصفه أيضا بكونه فرحا و { الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) ووصفه أيضا بكونه فخورا ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا القول : وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات . المسألة الثانية : لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها . وأما النعماء فقال الواحدي : إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء .

Section V17/P152–V17/P153

المسألة الثالثة : اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية / بل هي أبدا في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات . أما القسم الأول : فهو المراد من قوله : { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور } وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤس كفور . وتقريره أن يقال : أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤسا ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفورا لأنه لما اعتقد أن / حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوسا وعند حصولها يكون كفورا . وأما القسم الثاني : وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافر يكون فرحا فخورا . أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية ، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخورا فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } والمراد منه ضد ما تقدم فقوله : { إلا الذين صبروا } المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين ، وقوله : { وعملوا الصالحات } المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين . ثم بين حالهم فقال : { أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما : زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله : { لهم مغفرة } والثاني : الفوز بالثواب وهو المراد من قوله : { وأجر كبير } ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضا معجز بحسب معانيه . ! 7 < { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك إنمآ أنت نذير والله على كل شىء وكيل } . > 7 ! < < هود : ( 12 ) فلعلك تارك بعض . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار ، والله تعالى بين أن قلب الرسول ضاق بسببه ، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالإكرام والتأييد ، وفيه مسائل :

Section V17/P153–V17/P154

المسألة الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا : يا محمد اجعل لنا / جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا ، وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك . فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية . واختلفوا في المراد بقوله : { تارك بعض ما يوحى إليك } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك ، وقال الحسن اطلبوا منه لا يقول : { إن الساعة ءاتية } ( طه : 15 ) وقال بعضهم : المراد نسبتهم إلى الجهل والتقليد والإصرار على الباطل . المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه ، لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضا فالمقصود من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } شيئا آخر سوى أنه عليه السلام فعل ذلك وللناس فيه وجوه : الأول : لا يمتنع أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إنما ترك التقصير في أداء الوحي والتنزيل لسبب يرد عليه من الله تعالى أمثال هذه التهيدات . البليغة الثاني : أنهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فهيجه الله تعالى لأداء الرسالة وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم ، والغرض منه التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي وقع في سخريتهم وسفاهتهم وإن لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه ، فإذا لا بد من تحمل أحد الضررين وتحمل سفاهتهم أسهل من تحمل إيقاع الخيانة في وحي الله تعالى ، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة ، لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك يشتمل على ضرر عظيم ، ثم علم أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف ، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه . فإن قيل : قوله : { فلعلك } كلمة شك فما الفائدة فيها ؟ قلنا : المراد منه الزجر ، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه ، ويقول لولده لو أمره لعلك تقصر فيما أمرتك به ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك . وأما قوله : { وضائق به صدرك } فالضائق بمعنى الضيق ، قال الواحدي : الفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض غير لازم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدرا ، ومثله قولك : زيد سيد جواد تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين ، فإذا أردت الحدوث قلت : سائد / وجائد ، والمعنى : ضائق صدرك لأجل أن يقولوا : { لولا أنزل عليه } . فإن قيل : الكنز كيف ينزل ؟

Section V17/P154–V17/P155

قلنا : المراد ما يكنز وجرت العادة على أنه يسمي المال الكثير بهذا الاسم ، فكأن القوم قالوا : إن كنت صادقا في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وإنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكد والعناء وتستعين به على مهماتك وتعين أنصارك وإن كنت صادقا فهلا أنزل الله معك ملكا يشهد لك على صدق قولك ويعينك على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة في أمرك ، فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق ، فبين تعالى أنه رسول منذر بالعقاب ومبشر بالثواب ولا قدرة له على إيجاد هذه الأشياء . والذي أرسله هو القادر على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه في فعله وفي حكمه . ومعنى { وكيل } حفيظ أي يحفظ عليهم أعمالهم ، أي يجازيهم بها ونظير هذه الآية ، قوله تعالى : { تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذالك جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا } ( الفرقان : 10 ) وقوله : { قالوا لن نؤمن لك } إلى قوله : { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 90 93 ) . ! 7 < { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } . > 7 ! < < هود : ( 13 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > اعلم أن القول لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغيا وجهلا ، ثم قرر كونه معجزا بأن تحداهم بالمعارضة ، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة وفي سورة يونس وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله : { افتراه } عائد إلى ما سبق من قوله : { يوحى إليك } أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى إليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك السور ولا يبعد أيضا أن يكون المراد هو المجموع ، لأن مجموع السور العشرة شيء واحد . المسألة الثانية : قال ابن عباس : هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي معينة ، وهي سورة / البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام ، وقوله : { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة ، وهذا فيه إشكال ، لأن هذه السورة مكية ، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية ، فكيف يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام ، فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام وتأليفه . واعلم أن التحدي بعشر سور لا بد وأن يكون سابقا على التحدي بسورة واحدة ، وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب ، فإذا ظهر عجزه عنه قال : قد اقتصرت منها على سطر واحد مثله . إذا عرفت هذا فنقول : التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة ، وفي سورة يونس كما تقدم ، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر ، لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية ، وأما في سورة يونس فالإشكال زائل أيضا ، لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية ، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه .

Section V17/P155–V17/P156

المسألة الثالثة : اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا ، فقال بعضهم : هو الفصاحة ، وقال بعضهم : هو الأسلوب ، وقال ثالث : هو عدم التناقض ، وقال رابع : هو اشتماله على العلوم الكثيرة ، وقال خامس : هو الصرف ، وقال سادس : هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله : { مفتريات } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا ، وأيضا لو كان الوجه في كونه معجزا هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في الفصاحة ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال : { أم يقولون افتراه } . واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين ، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا الدليل وهذه الحجة ، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة . ! 7 < { فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله وأن لا إلاه إلا هو فهل أنتم مسلمون } . > 7 ! / < < هود : ( 14 ) فإن لم يستجيبوا . . . . . > > اعلم أن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين : أحدهما : خطاب الرسول ، وهو قوله : { قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } والثاني : خطاب الكفار وهو قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله } ( يونس : 38 ) فلما أتبعه بقوله : { فإن لم يستجيبوا لكم } احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لتعذرها عليهم ، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين : فبعضهم قال : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة ، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله . والمعنى : فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا وثبات قدم على أنه منزل من عند الله ، ومعنى قوله : { فهل أنتم مسلمون } أي فهل أنتم مخلصون ، ومنهم من قال فيه إضمار ، والتقدير : فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم الله .

Section V17/P156–V17/P157

والقول الثاني : أن هذا خطاب مع الكفار ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة ، فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم ، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول ، لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله : { فاعلموا } على الأمر بالثبات أو على إضمار القول ، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى إضمار ، فكان هذا أولى ، وأيضا فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وأقرب المذكورين في هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني ، وأيضا أن الخطاب الأول كان مع الرسول عليه الصلاة والسلام وحده بقوله : { قل فأتوا بعشر سور } ( هود : 13 ) والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله } ( يونس : 38 ) وقوله : { فإن لم يستجيبوا لكم } خطاب مع الجماعة فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه ؟ الجواب : المعنى فإن لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن ، وقال بعضهم فإن لم يستجيبوا لكم في جملة الإيمان وهو بعيد . / السؤال الثاني : من المشار إليه بقوله : { لكم } ؟ والجواب : إن حملنا قوله : { فإن لم يستجيبوا لكم } على المؤمنين فذلك ظاهر ، وإن حملناه على الرسول فعنه جوابان : الأول : المراد فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين ، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم ، وقال في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعلم . والثاني : يجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم . السؤال الثالث : أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء . والجواب : أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى ، فقال : لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه ، ثبت أنه من عند الله ، فقوله : { أنما أنزل بعلم الله } كناية عن كونه من عند الله ومن قبله ، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي . السؤال الرابع : أي تعلق لقوله : { وأن لا إلاه إلا هو } يعجزهم عن المعارضة .

Section V17/P157–V17/P158

والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ألبتة / ومتى كان كذلك ، فقد بطل القول بإثبات كونهم آلهة ، فصار عجز القوم المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلا لإلهية الأصنام ودليلا على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان قوله : { وأن لا إلاه إلا هو } إشارة إلى ما ظهر من فساد القول بإلهية الأصنام : الثاني : أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول عليه السلام ، وعلى هذا فكأنه قيل : لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقا ، وثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في دعوى الرسالة ، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله فلما ثبت كونه محقا في دعوى النبوة ثبت قوله : { أن لا إلاه إلا هو } الثالث : أن ذكر قوله { وأن لا إلاه إلا هو } جار مجرى التهديد ، كأنه قيل : لما ثبت بهذا الدليل كون محمد عليه السلام صادقا في دعوى الرسالة وعلمتم إنه لا إله إلا الله ، فكونوا خائفين من قهره وعذابه واتركوا الإصرار على الكفر واقبلوا الإسلام ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) . وأما قوله : { فهل أنتم مسلمون } . فإن قلنا : إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الإخلاص . وإن قلنا : إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الإسلام . ! 7 < { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولائك الذين ليس لهم فى الا خرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } . > 7 ! / < < هود : ( 15 - 16 ) من كان يريد . . . . . > > اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمدا صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمدا مبطل ونحن محقون ، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، وكانوا كاذبين فيه ، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى . ونظير هذه الآية قوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } ( الإسراء : 18 ) وقوله : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها له فى الاخرة من نصيب } ( الشورى : 20 ) وفيه الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في الآية قولين :

Section V17/P158–V17/P159

القول الأول : أنها مختصة بالكفار ، لأن قوله : { من كان يريد الحيواة الدنيا } يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق ، لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر ، لأن قوله تعالى : { أولئك الذين ليس لهم فى الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } لا يليق إلا بالكفار ، فصار تقدير الآية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط ، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالبا لسعادات الآخرة ، كان حكمه كذا وكذا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا ، وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر . القول الثاني : أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها . والقول الثالث : أن المراد : اليهود والنصارى ؛ وهو منقول عن أنس . والقول الرابع : وهو الذي اختاره القاضي أن المراد : من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا / وزينتها ، وعمل الخير قسمان : العبادات ، وإيصال المنفعة إلى الحيوان ، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناظر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار . فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا ، فإن بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين ، فكلها تكون من أعمال الخير ، فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم . وأما العبادات : فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة ، فإذا لم يؤت بتلك النية ، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا ، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات . وإذا عرفت هذا فنقول قوله : { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها } المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر . القول الثاني : وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم ، ونقول : إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة ، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته ، وهذا القول مشكل ، لأن قوله : { أولئك الذين ليس لهم فى الاخرة إلا النار } لا يليق المؤمن إلا إذا قلنا المراد { أولئك الذين ليس فى الاخرة إلا النار } بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء / ثم القائلون بهذ القول ذكروا أخبارا كثيرة في هذا الباب . روي أن الرسول عليه السلام قال : ( تعوذوا بالله من جب الحزن قيل وما جب الحزن ؟ قال عليه الصلاة والسلام : ( واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن ، فيقال له ما عملت فيه ؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال : فلان قارىء ، وقد قيل ذلك ، ويؤت بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك فيقول : وصلت الرحم وتصدقت ، فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك ) قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } .

Section V17/P159–V17/P160

/ المسألة الثانية : المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا ، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات ، بل ليس لهم منها إلا النار . واعلم أن العقل يدل عليه قطعا ، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ولأجل الرياء ، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا ، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة ، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة ، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزا عن وجدانها غير قادر على تحصيلها ، ومن أحب شيئا ثم حيل بينه وبين المطلوب فإنه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي ، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل ، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطا باطلا عديم الأثر . ! 7 < { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولائك يؤمنون به ومن يكفر به من الا حزاب فالنار موعده فلا تك فى مرية منه إنه الحق من ربك ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . > 7 ! < < هود : ( 17 ) أفمن كان على . . . . . > > اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى : { أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشاء } ( فاطر : 8 ) وقوله : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما } ( الزمر : 9 ) وقوله : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) . واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل . فالأول : أن هذا الذي / وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله : { يتلوه } القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية . أما الأول : وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ؟ فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية : { تلاوته أولئك يؤمنون به } وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في { يتلوه } يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى .

Section V17/P160–V17/P161

واعلم أن كون كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و { للمتقين إماما } نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها : شهادة القرآن بصحته . وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر . فالقول الأول : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله : { يتلوه } هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوها : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله : { ربه ويتلوه شاهد منه } قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله : { منه } أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه / والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله : { ويتلوه } القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون / ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم . القول الثاني : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة القرآن { ويتلوه } أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى ، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد فقال بعضهم : إنه محمد عليه السلام وقال آخرون : بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعا على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله ، وقوله : { شاهد منه } أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به . وثالثها : قال الفراء : { ويتلوه شاهد منه } يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله ، والمعنى أنه يتلوه في التصديق ، وتقريره : أنه تعالى ذكر محمدا صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ، وأمر بالإيمان به . واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم . واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماما ورحمة ، ومعنى كونه إماما أنه كان مقتدى العالمين ، وإماما لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع ، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين ، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سببا للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقا لاسم المسبب على السبب . ثم قال تعالى : { أولئك يؤمنون به } والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون .

Section V17/P161–V17/P162

واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة ، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد ، وهذا القسم الثاني على قسمين ، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام ، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات ، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق ، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة ، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته ، وكان البرهان اليقيني قائما على صحته ، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية ، وقوله : { ويتلوه شاهد منه } إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام ، وقوله : { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } / إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام ، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه . ثم قال تعالى : { ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده } والمراد من الأحزاب أصناف الكفار ، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس . روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار ) قال أبو موسى : فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ، فوجدت الله تعالى يقول : { ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده } وقال بعضهم : لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده . ثم قال تعالى : { فلا تك فى مرية منه إنه الحق من ربك } ففيه قولان : الأول : فلا تك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلا من عند الله تعالى ، فكان متعلقا بما تقدم من قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } ( السجدة : 3 ) الثاني : فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار . وقرىء { مرية } بضم الميم . ثم قال : { ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } والتقدير : لما ظهر الحق ظهورا في الغاية ، فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا ، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن . ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولائك يعرضون على ربهم ويقول الا شهاد هاؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالا خرة هم كافرون } . > 7 < هود : ( 18 - 19 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله : { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها } ( هود : 15 ) إلى آخر الآية ، / ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل الله تعالى بقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } ( محمد : 14 ) ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى ، فلما بين وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام .

Section V17/P162–V17/P163

واعلم أن قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم . ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله : { أولئك يعرضون على ربهم } وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال : { وعرضوا على ربك صفا } ( الكهف : 48 ) وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه ، وفيه سؤالات : السؤال الأول : إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال : { يعرضون على ربهم } والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضا أن يكون ذلك عرضا على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين . السؤال الثاني : من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول ؟ الجواب قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل : { الاشهاد } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة . السؤال الثالث : الأشهاد جمع فما واحده ؟ والجواب : يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف . قال أبو علي الفارسي : وهذا كأنه أرجح ، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ، كقوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) { جئنا بكم على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال : { ألا لعنة الله على الظالمين } وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله ، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال ، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، لأنه لا يقال في العاصي يبغي / عوجا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات . ثم قال : { وهم بالاخرة هم كافرون } قال الزجاج : كلمة ( هم ) كررت على جهة التوكيد لثبتهم في الكفر . ! 7 < { أولائك لم يكونوا معجزين فى الا رض وما كان لهم من دون الله من أوليآء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولائك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنهم فى الا خرة هم الا خسرون } . > 7 ! < < هود : ( 20 - 22 ) أولئك لم يكونوا . . . . . > > اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم . الصفة الأولى : كونهم مفترين على الله ، وهي قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ( الأنعام : 93 ) . والصفة الثانية : أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال وهي قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } ( هود : 18 ) . والصفة الثالثة : حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله : { ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } ( هود : 18 ) .

Section V17/P163–V17/P164

والصفة الرابعة : كونهم ملعونين من عند الله ، وهي قوله : { ألا لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) . والصفة الخامسة : كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق ، وهي قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله } ( الأعراف : 45 ) . والصفة السادسة : سعيهم في إلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، وهي قوله : { ويبغونها عوجا } ( الأعراف : 45 ) . / والصفة السابعة : كونهم كافرين ، وهي قوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } ( هود : 19 ) . والصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله ، وهي قوله : { أولئك لم يكونوا معجزين فى الارض } قال الواحدي : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب الله محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف . والصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم ، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله : { أولئك لم يكونوا معجزين فى الارض } دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله : { وما كان لهم من دون الله من أولياء } هو أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل المراد أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون وليا ينصرهم ويدفع ذلك عنهم . والصفة العاشرة : قوله تعالى : { يضاعف لهم العذاب } قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سببا لتضعيف العذاب ، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم .

Section V17/P164–V17/P165

الصفة الحادية عشرة : قوله : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس / واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان ، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا ففي قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وأما في الآخرة فهو قوله : { يدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ( القلم : 42 ) وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد / كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالا ، وإذا كان إثباتها محالا كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله : { ما كانوا يستطيعون السمع } إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذرا آخر ، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } فكيف يصلحون للولاية . والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها فباطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصا بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف يمكن حمل اللفظ عليه ، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبصار صورته . فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ، وأيضا أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع ، فإن منع فهو المقصود ، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سببا أجنبيا عن المعاني المعتبرة في الفهم والإدراك ، ولا تختلف أحوال القلب في العلم والمعرفة بسببه ، فكيف يمكن جعله ذما لهم في هذا المعرض ، وأيضا قد بينا مرارا كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف محال ، فلما بين تعالى كون هذا المعنى صارفا عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولا على سبيل اللزوم بحيث لا يزول ألبتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ممنوعا عن الإيمان ، وحينئذ يحصل المطلوب ، وأما قوله فإنا نجعل هذه الصفة من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال : { يضاعف لهم العذاب } ثم قال : { ما كانوا يستطيعون السمع } فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائدا إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى . وأما قوله : { وما كانوا يبصرون } فقيل : المراد منه البصيرة ، وقيل : المراد منه أنهم عدلوا عن إبصار ما يكون حجة لهم . الصفة الثانية عشرة : قوله : { أولئك الذين خسروا أنفسهم } ومعناه أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران .

Section V17/P165–V17/P166

/ الصفة الثالثة عشرة : قوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا ، لأنهم أعطوا الشريف ، ورضوا بأخذ الخسيس ، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر / وهو المراد بقوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } . الصفة الرابعة عشرة : قوله : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الاخسرون } وتقريره ما تقدم ، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة . ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة ، فلهذا قال : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الاخسرون } وقوله { لا جرم } قال الفراء : إنها بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا ، تقول العرب : لا جرم أنك محسن ، على معنى حقا إنك محسن ، وأما النحويون فلهم فيه وجوه : الأول : لا حرف نفي وجزم ، أي قطع ، فإذا قلنا : لا جرم معناه أنه لا قطع قاطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . الثاني : قال الزجاج إن كلمة { لا } نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، و { جرم } معناه كسب ذلك الفعل ، والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة ، وذكرنا { جرم } بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى : { لا يجرمنكم عليه قوم } ( المائدة : 2 ) قال الأزهري ، وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب ، الثالث : قال سيبويه والأخفش : { لا } رد على أهل الكفر كما ذكرنا وجرم معناه حق وصحح ، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . واحتج سيبويه بقول الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزاة بعدها أن يغضبوا أراد حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا . ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . > 7 ! < < هود : ( 23 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم ، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين ، والإخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة وخبت ذكره أي خفي ، / فقوله : ( أخبت ) أي دخل في الخبت ، كما يقال فيمن صار إلى نجد أنجد وإلى تهامة أتهم ، ومنه المخبت من الناس الذي أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه ، ولفظ الإخبات يتعدى بإلى وباللام ، فإذا قلنا : أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه ، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } إشارة إلى جميع الأعمال الصالحة ، وقوله { وأخبتوا } إشارة إلى أن هذه الأعمال لا تنفع في الآخرة إلا مع الأحوال القلبية ثم إن فسرنا الإخبات بالطمأنينة كان المراد أنهم يعبدون الله وكانت قلوبهم عند أداء العبادات مطمئنة بذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى أو يقال إنما قلوبهم صارت مطمئنة إلى صدق الله بكل ما وعدهم من الثواب والعقاب ، وأما إن فسرنا الإخبات بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين من أن يكونوا أتوا بها مع وجود الإخلال والتقصير ، ثم بين أن من حصل له هذه الصفات الثلاثة فهم أصحاب الجنة ، ويحصل لهم الخلود في الجنة . ! 7 < { مثل الفريقين كالا عمى والا صم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون } . > 7 ! < <

Section V17/P166–V17/P168

هود : ( 24 ) مثل الفريقين كالأعمى . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالا مطابقا ثم اختلفوا فقيل : إنه راجع إلى من ذكر آخرا من المؤمنين والكافرين من قبل ، وقال آخرون : بل رجع إلى قوله : { أفمن كان على بينة من ربه } ( هود : 17 ) ثم ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ، والسميع والبصير هم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم . واعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الإنسان مركبا من الجسد ومن النفس ، وكما أن للجسد بصرا وسمعا فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر ، وكما أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيرا ل ا يهتدي إلى شيء من المصالح ، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نورا يهتدي به ولا يسمع صوتا ، فكذلك الجاهل الضال المضل ، يكون أعمى وأصم القلب ، فيبقى في ظلمات الضلالات حائرا تائها . ثم قال تعالى : { أفلا تذكرون } منبها على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصمم ، وإذا كان / العلاج ممكنا من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا الصمم وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان . واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا ورد على الكافر أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ، ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة ، وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص . القصة الأولى قصة نوح عليه السلام ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إنىأخاف عليكم عذاب يوم أليم } . > 7 < هود : ( 25 - 26 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . > > اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضا لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { إنى } بفتح الهمزة ، والمعنى : أرسلنا نوحا بأني لكم نذير مبين ، ومعناه أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله : { إنى لكم نذير مبين } فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان ، وأما سائر القراء فقرؤا { إنى } بالكسر على معنى قال { إنى لكم نذير مبين } . المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد من النذير كونه مهددا للعصاة بالعقاب ، ومن المبين كونه مبينا ما أعد الله للمطيعين من الثواب ، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر ، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى . واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله : { إنى لكم نذير مبين } . / ثم قال : { أن لا تعبدوا إلا الله } فقوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } بدل من قوله : { إنى لكم نذير } ثم إنه أكد ذلك بقوله : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم ، كقولهم نهارك صائم ، وليلك قائم .

Section V17/P168–V17/P169

! 7 < { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } . > 7 ! < < هود : ( 27 ) فقال الملأ الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات . فالشبهة الأولى : أنه بشر مثلهم ، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين . والشبهة الثانية : كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة ، قالوا ولو كنت صادقا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم ، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) . والشبهة الثالثة : قوله تعالى : { وما نرى لكم علينا من فضل } والمعنى : لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، فهذا خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات . واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق ، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر الأنبياء ، وفي لفظ الآية مسائل : المسألة الأولى : الملأ الأشراف وفي اشتقاقه وجوه : الأول : أنه مأخوذ من قولهم مليء بكذا إذا كان مطيقا له وقد ملؤا بالأمر ، والسبب في إطلاق هذا اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات / وأحسنوا في تدبيرها . الثاني : أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه . الثالث : وصفوا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة . الرابع : وصفوا به لأنهم ملؤوا العقول الراجحة والآراء الصائبة . ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى ، وهي قولهم : { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا : { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وهذا جهل ، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة ، لا بالصورة والخلقة ، بل نقول : إن الله تعالى لو بعث إلى البشر ملكا لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى ، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى البشر رسولا إلا من البشر . ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى } والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم هذا أيضا جهل ، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية ، بل الفقر أهون على الدين من الغنى ، بل نقول : الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعنا في النبوة والرسالة .

Section V17/P169–V17/P170

ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل } وهذا أيضا جهل ، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل ، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة ، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه { بل نظنكم كاذبين } وفيه وجهان : الأول : أن يكون هذا خطابا مع نوح ومع قومه / والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة . والثاني : أن يكون هذا خطابا مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه . المسألة الثانية : قال الواحدي : الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل . والأراذل جمع الأرذل ، كقولهم أكابر مجرميها ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( أحاسنكم أخلاقا ) فعلى هذا الأراذل جمع الجمع ، وقال بعضهم : الأصل فيه أن يقال : هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا : هو الأرذل فصارت الألف واللام عوضا عن الإضافة وقوله : { بادى الرأى } البادي هو الظاهر من قولك : بدا الشيء إذا ظهر ، ومنه يقال : بادية لظهورها وبروزها للناظر ، واختلفوا في بادي الرأي وذكروا فيه وجوها : الأول : اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه ، والثاني : يجوز أن يكون المراد اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في / ذلك الرأي وما أعطوه حقه من الفكر الصائب والتدبر الوافي . الثالث : أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة قالوا : كونهم كذلك بادي الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم ، والرأي على هذا المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه كان يقرأ { إلا الذين هم أراذلنا بادى رأى العين } . المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي { بادىء } بالهمزة والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ { بادىء } بالهمزة فالمعنى أول الرأي وابتداؤه ومن قرأ بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و { أراذلنا بادى } نصب على المصدر كقولك : ضربت أول الضرب . ! 7 < { قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربىوءاتانى رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } . > 7 ! < < هود : ( 28 ) قال يا قوم . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جوابا عن تلك الشبهات . فالشبهة الأولى : قولهم : { ما أنت إلا بشر مثلنا } فقال نوح حصول المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة ، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه ، فقال : { أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه ، ثم إنه تعالى أتاني رحمة من عنده ، والمراد بتلك الرحمة إما النبوة وإما المعجزة الدالة على النبوة { فعميت عليكم } أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم ، فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم ؟ والمراد أني لا أقدر على ذلك ألبتة ، وعن قتادة : والله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه لم يقدر عليه ، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا : { وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ) ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت ، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود ، وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلا عظيما .

Section V17/P170–V17/P171

المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { فعميت عليكم } بضم العين وتشديد / الميم على ما لم يسم فاعله ، بمعنى ألبست وشبهت والباقون بفتح العين مخففة الميم ، أي التبست واشتبهت . واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولا محضا أشبه المعمي ، لأن العلم نور البصيرة الباطنة والأبصار نور البصر الظاهر فحسن جعل كل واحد منها مجازا عن الآخر وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار قال تعالى : { فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة } ( النمل : 13 ) وكذلك توصف بالعمى ، قال تعالى : { فعميت عليهم الانباء } ( القصص : 66 ) وقال في هذه الآية : { فعميت عليكم } . المسألة الثالثة : { أنلزمكموها } فيه ثلاث مضمرات : ضمير المتكلم وضمير الغائب وضمير المخاطب ، وأجاز الفراء إسكان الميم الأولى ، وروي ذلك عن أبي عمرو قال : وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضا مرفوعة وقبلها كسرة والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة ، قال الزجاج : جميع النحوين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء ، وروي عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها ، وهذا هو الحق وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقول امرىء القيس : فاليوم أشرب غير مستحقب ! 7 < { وياقوم لاأسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله ومآ أنا بطارد الذين ءامنوا إنهم ملاقو ربهم ولاكنىأراكم قوما تجهلون وياقوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندى خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرىأعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم إنىإذا لمن الظالمين } . > 7 < هود : ( 29 - 31 ) ويا قوم لا . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه : الوجه الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا أو غنيا وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين ) وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك . الوجه الثاني : كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيرا وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسئلكم على تبليغ الرسالة أجرا إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد . والوجه الثالث : في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا : { ما نراك إلا بشرا مثلنا } إلى قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ) فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا ، وإنما يسعى في طلب الدين ، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل ، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه .

Questions