Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الوجه الأول : وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص ، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة ، فأعطاهم عشرة أحمال / فقالوا : إن لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر ، وأن أخاهم بقي في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضا من شيء من الطعام فجهز لهما أيضا بعيرين آخرين من الطعام فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن أحب أبيكم له أزيد من حبه لكم ، وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك أعجوبة في العقل ، وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب . / والوجه الثاني : أنهم لما دخلوا عليه ، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال : لعلكم جئتم عيونا فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال : كم أنتم قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك ، ونحن عشرة وقد جئناك قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ إلي رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده . والوجه الثالث : لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف : فلم تركتموه وحيدا فريدا ؟ قالوا : ما تركناه وحيدا ، بل بقي عنده واحد . فقال لهم : لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده ؟ فقالوا : لا . بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة ، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائدا عليكم في الفضل ، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به ، والسبب الثاني : ذكره المفسرون ، والأول والثالث محتمل والله أعلم . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال : { ألا ترون أنى أوفى الكيل } أي أتمه ولا أبخسه ، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم ، وأنا خير المنزلين ، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم . وأقول : هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين ، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم : { ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين } وأيضا يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون ، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة ، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق . ثم قال : { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون } .
واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب . أما الترغيب : فهو قوله : { ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين } وأما الترهيب : فهو قوله : { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون } وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام ، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده ، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف ، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا : { سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده ، وإنا لفاعلون هذه المراودة ، والغرض من التكرير / التأكيد ، ويحتمل أن يكون { وإنا لفاعلون } أن نجيئك به ، ويحتمل { وإنا لفاعلون } كل ما في وسعنا من هذا الباب . ! 7 < { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونهآ إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ياأبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا نكتل وإنا له لحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } . > 7 < يوسف : ( 62 - 64 ) وقال لفتيانه اجعلوا . . . . . > > في الآية مسائل : المسائل الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه بالألف والنون والباقون { لفتيته } بالتاء من غير ألف ، وهما لغتان كالصبيان والصبية ، والإخوان والإخوة قال أبو علي الفارسي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان للكثير ، فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكونون قليلين لأن هذا من باب الأسرار فوجب صونه إلا عن العدد القليل ووجه الجمع الكثير أنه قال : { لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم } والرحال تفيد العدد الكثير فوجب أن يكون الذين يباشرون ذلك العمل كثيرين . المسألة الثانية : اتفق الأكثرون على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم ومنهم من قال إنهم كانوا عارفين به ، وهو ضعيف لأن قوله : { لعلهم يعرفونها } يبطل ذلك ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجوه : الأول : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه ، علموا أن ذلك كان كرما من يوسف وسخاء محضا فيبعثهم ذلك على العود إليه والحرص على معاملته . الثاني : خاف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى / الثالث : أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان القحط . الرابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع شدة حاجتهم إلى الطعام لؤم . الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد الأنبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه ، أو رجعوا ليردوا المال إلى مالكه . السادس : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب ولا منة . السابع : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن . الثامن : أراد أن يعرف أبوه أنه أكرمهم وطلبه له لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه . التاسع : أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم . العاشر : أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان إليهم .
ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا إلى أبيهم قالوا : { قالوا يأبانا منع منا الكيل } وفيه قولان : الأول : أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه ، فقولهم : { منع وأوفوا الكيل } إشارة إليه . والثاني : أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف : { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } ( يوسف : 60 ) والدليل على أن المراد ذلك قولهم : { فأرسل معنا أخانا نكتل } قرأ حمزة والكسائي : { يكتل } بالياء ، والباقون بالنون ، والقراءة الأولى تقوى القول الأول ، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني . ثم قالوا : { ويلعب وإنا له لحافظون } ضمنوا كونهم حافظين له ، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام : { هل امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل } والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف وضمنتم لي حفظه حيث قلتم : { وإنا له لحافظون } ( يوسف : 12 ) ثم ههنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا . ثم قال : { فالله خير حافظا وهو أرحم الرحمين } قرأ حمزة والكسائي { حافظا } بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظا كقولهم : هو خيرهم رجلا ولله دره فارسا ، وقيل : على الحال والباقون : { حافظا } بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظا يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم ، وقرأ الأعمش { فالله خير حافظا } وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه { خير حافظا وهو أرحم الرحمين } وقيل : معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين . فإن قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد . / قلنا : لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، وثانيها : أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، وثالثها : أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك ، ورابعها : لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه . فإن قيل : هل يدل قوله : { فالله خير حافظا } على أنه أذن في ذهاب ابنه بنيامين في ذلك الوقت . قلنا : الأكثرون قالوا : يدل عليه . وقال آخرون : لا يدل عليه ، وفيه وجهان : الأول : التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ الله لا في حفظهم . الثاني : أنه لما ذكر يوسف قال : { فالله خير حافظا } أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي . ! 7 < { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا ياأبانا ما نبغى هاذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذالك كيل يسير } . > 7 ! < < يوسف : ( 65 ) ولما فتحوا متاعهم . . . . . > > اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء ، ويجوز أن يراد به ههنا الطعام الذي حملوه ، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام . ثم قال : { وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } واختلف القراء في { ردت } فالأكثرون بضم الراء ، وقرأ علقمة بكسر الراء . قال صاحب ( الكشاف ) : كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع . وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا : ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد . وأما قوله : { ما نبغى } ففي كلمة { ما } قولان :
القول الأول : أنها للنفي ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : الأول : أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا : إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب لمافعل ذلك ، فقولهم : { ما نبغى } أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذبا ولا ذكر شيء لم يكن . الثاني : أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر ، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا . الثالث : المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا ، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى ، فإن هذه التي معنا كافية لنا . / والقول الثاني : أن كلمة ( ما ) ههنا للاستفهام ، والمعنى : لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه ، فأي شيء نبغي وراء ذلك ؟ واعلم أنا إذا حملنا ( ما ) على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ميرا إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله : { ونزداد كيل بعير } معناه : أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل ، وأما إذا حملنا كلمة ( ما ) على النفي كان المعنى لا نبغي شيئا آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا . وأما قوله : { ذالك كيل يسير } ففيه وجوه : الأول : قال مقاتل : ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير . والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة . ! 7 < { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى به إلا أن يحاط بكم فلمآ ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } . > 7 ! < < يوسف : ( 66 ) قال لن أرسله . . . . . > > اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا موثوقا به وقوله : { من الله } أي عهدا موثوقا به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه ، وقوله : { لتأتننى به } دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا أن المراد بالموثق من الله اليمين فتقديره : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . وقوله : { إلا أن يحاط بكم } فيه بحثان : البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : هذا الاستثناء متصل . فقوله : { إلا أن يحاط بكم } مفعوله له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : { لتأتننى به } في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون / من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة . البحث الثاني : قال الواحدي للمفسرين فيه قولان :
القول الأول : أن قوله : { إلا أن يحاط بكم } معناه الهلاك قال مجاهد : إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى : { وأحيط بثمره } ( الكهف : 42 ) أي أصابه ما أهلكه . وقال تعالى : { وظنوا أنهم أحيط بهم } ( يونس : 22 ) وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به . والقول الثاني : ما ذكره قتادة { إلا أن يحاط بكم } إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين ، فلا تقدرون على الرجوع . ثم قال تعالى : { فلما ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } يريد شهيد ، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات . ! 7 < { وقال يابنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ومآ أغنى عنكم من الله من شىء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } . > 7 ! < < يوسف : ( 67 ) وقال يا بني . . . . . > > اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر . وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم : { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وفيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا ههنا مقامان . المقام الأول : إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه : الأول : إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . والثاني : ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : ( أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) ويقول هكذا كان يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحق صلوات الله عليهم . والثالث : ما روى عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم / عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى فقال : ( إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك ) قال فأفقت ، والرابع : روي أن بني جعفر ابن أبي طالب كانوا غلمنا بيضا فقالت أسماء : يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين فقال لها نعم . والخامس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته العين فقال أفلا تسترقون له من العين . والسادس : قوله عليه السلام : ( العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر ) والسابع : قالت عائشة رضي الله عنها : كن يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب بالعين .
المقام الثاني : في الكشف عن ماهيته فنقول : إن أبا علي الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة ، وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوها : الأول : قال الحافظ : إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار ، وإن كان مخالفا في جهة التأثير لهذه الأشياء قال القاضي : وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال ، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه ، وقد يكره بقاءه أيضا كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه ، فإن كان الأول فإنه يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جدا ، ويحصل في الروح الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني : فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه . والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة ، فثبت أن عند الاستحسان القوي تسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين ، ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال . الوجه الثاني : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقا ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به / فهذا المعنى غير ممتنع ، ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك ، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق . / الوجه الثالث : وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض ، قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه ، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة ، وأيضا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جدا فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني ، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان . فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضا جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه ، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك . وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده .
القول الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي : أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم . فقال : { لا تدخلوا } تلك المدينة { من باب واحد } على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال : لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم ، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه ، ونقل عن الحسن أنه قال : خاف عليهم العين ، فقال : { لا تدخلوا من باب واحد } ثم رجع إلى علمه وقال : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول : ليس في قوله : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره . القول الثالث : أنه عليه السلام كان عالما بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال : { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة ، وهذا قول إبراهيم النخعي ، فأما / قوله : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضا بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر ، فإن الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة ، والأغذية الضارة ، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام : { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } فهو إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم / وقوله : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوء الله تعالى وقول القائل : كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين ، فهذا السؤال غير مختص به ، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من إقامة الطاعات ، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في بطن أمه ، وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله تعالى ، فكذا ههنا ، فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام ، بل هو بحث عن سر مسألة الجبر والقدر ، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى ، فقال : { إن الحكم إلا لله } .
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكما لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال : { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب ( إحياء علوم الدين ) فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب . ! 7 < { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شىء إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 ! / < < يوسف : ( 68 ) ولما دخلوا من . . . . . > > قال المفسرون : لما قال يعقوب : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } ( يوسف : 67 ) صدقه الله في ذلك فقال : وما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء وفيه بحثان : البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمرا قدره الله . وقال الزجاج : إن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون . وقال ابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه الكلمات متقاربة ، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر . البحث الثاني : قوله : { من شىء } يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية . أما الأول : فهو كقوله : ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت أحدا ، فكذا ههنا تقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئا ، أي ذلك التفرق ما كان يخرج شيئا من تحت قضاء الله تعالى . وأما الثاني : فكقولك : ما جاءني من أحد ، وتقديره ما جاءني أحد فكذا ههنا التقدير : ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه . أما قوله : { إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها } فقال الزجاج : إنه استثناء منقطع ، والمعنى : لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يعني أن الدخول على صفة التفرق قضاء حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوها : أحدها : خوفه عليهم من إصابة العين ، وثانيها : خوفه عليهم من حسد أهل مصر ، وثالثها : خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر ، ورابعها : خوفه عليهم من أن لا يرجعوا إليه ، وكل هذه الوجوه متقاربة .
وأما قوله : { وإنه لذو علم لما علمناه } فقال الواحدي : يحتمل أن يكون { ما } مصدرية والهاء عائدة إلى يعقوب ، والتقدير : وإنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه ، ويمكن أن تكون { ما } بمعنى الذي والهاء / عائدة إليها ، والتأويل وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه ، يعني أنا لما علمناه شيئا حصل له العلم بذلك الشيء وفي الآية قولان آخران : الأول : أن المراد بالعلم الحفظ ، أي أنه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له والثاني : لذو علم لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وهو إشارة إلى كونه عاملا بما علمه ، ثم قال : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } وفيه وجهان : الأول : ولكن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علم يعقوب . والثاني : لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم ، والمراد بأكثر الناس المشركون ، فإنهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة . ! 7 < { ولما دخلوا على يوسف آوىإليه أخاه قال إنىأنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم } . > 7 < يوسف : ( 69 - 72 ) ولما دخلوا على . . . . . > > اعلم أنهم لما أتوه بأخيه بنيامين أكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف بقي أخوكم وحيدا فأجلسه معه على مائدة ثم أمر أن ينزل منهم كل اثنين بيتا وقال : هذا لا ثاني له فاتركوه معي فآواه إليه ، ولما رأى يوسف تأسفه على أخ له هلك قال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال : من يجد أخا مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وقال : إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { اوى إليه أخاه } أي أنزله في الموضع الذي كان يأوي إليه . وقوله : { إنى أنا أخوك } فيه قولان : قال وهب : لم يرد أنه أخوه من النسب ، ولكن أراد به إني / أقوم لك مقام أخيك في الإيناس لئلا تستوحش بالتفرد . والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب ، لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة ، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة .
وأما قوله : { فلا تبتئس } فقال أهل اللغة : تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس . وقوله : { بما كانوا يعملون } فيه وجوه : الأول : المراد بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص على انصراف وجه أبينا عنا ، الثاني : أن يوسف عليه السلام ما بقي في قلبه شيء من العداوة وصار صافيا مع إخوته ، فأراد أن يجعل قلب أخيه صافيا معه أيضا ، فقال : { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي لا تلتفت إلى ما صنعوه فيما تقدم ، ولا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي أقدموا عليها . الثالث : أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه ، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه بمزيد الإكرام ، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب أن الملك خصه بمزيد الإكرام ، فأمنه منه وقال : لا تلتفت إلى ذلك فإن الله قد جمع بيني وبينك . الرابع : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام ، وأن أم يوسف امرأت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها . فقال له : { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي من التعيير لنا بما كان عليه جدنا . والله أعلم . ثم قال تعالى : { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه } وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب ( الكشاف ) : مشربة يسقي بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وهو بعيد لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ويكال بها أيضا وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب ، وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضا بعيد لأن الآنية التي يسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ذلك الإناء شيئا له قيمة / أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا . ثم قال تعالى : { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } يقال : أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه أعلم إعلاما بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاما واحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء والتصويت بالإعلام . / وأما قوله تعالى : { أيتها العير إنكم لسارقون } قال أبو الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل ، وقيل : العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف . إذا عرفت هذا فنقول : { أيتها العير } المراد أصحاب العير كقوله : يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود : { وجعل السقاية } على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } . فإن قيل : هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره ؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا وبهتانا ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة .
قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبا . والثاني : أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبا . الرابع : ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { تفقدون } من أفقدته إذا وجدته فقيدا قالوا تفقد صواع الملك . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها ، والعين معجمة وغير معجمة . قال بعضهم جمع صواع صيعان ، كغراب وغربان ، وجمع صاع أصواع ، كباب وأبواب . وقال آخرون : لا فرق بين الصاع والصواع ، والدليل عليه قراءة أبي هريرة : { قالوا نفقد وقال الملك } وقال بعضهم : الصواع اسم ، والسقاية وصف ، كقولهم : كوز وسقاء ، فالكوز اسم والسقاء وصف . ثم قال : { ولمن جاء به حمل بعير } أي من الطعام { أنا به زعيم } قال مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي أذن . وتفسير زعيم كفيل . قال الكلبي : الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن . وروى أبو عبيدة / عن الكسائي : زعمت به تزعم زعما وزعامة . أي كفلت به ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( الزعيم غارم ) . فإن قيل : هذه كفالة بشيء مجهول ؟ قلنا : حمل بعير من الطعام كان معلوما عندهم ، فصحت الكفالة به إلا أن هذه الكفالة مال لرد سرقة / وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة ، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم . ! 7 < { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الا رض وما كنا سارقين قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذالك نجزى الظالمين } . > 7 < < يوسف : ( 73 - 75 ) قالوا تالله لقد . . . . . >
قال البصريون : الواو في { والله } بدل من التاء والتاء بدل من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل . قال المفسرون : حلفوا على أمرين : أحدهما : على أنهم ما جاؤا لأجل الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحواله امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس ، حتى روي أنهم كانوا قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع ، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به . والثاني : أنهم ما كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهدا قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها ، والسارق لا يفعل ذلك ألبتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام : { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } فأجابوا و { قالوا جزؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه } قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله ، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم ، والمعنى : أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم ، قال الزجاج : وفيه وجهان : أحدهما : أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره . والمعنى : جزاء السرقة هو الإنسان الذي / وجد في رحله السرقة ، ويكون قوله : { فهو جزاؤه } زيادة في البيان كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه . الثاني : أن يقال : { جزاؤه } مبتدأ وقوله : { من وجد فى رحله فهو جزاؤه } جملة وهي في موضع خبر المبتدأ . والتقدير : كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، إلا أنه أقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان وأنشد النحويون : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت الغني والفقيرا وأما قوله : { كذالك نجزى الظالمين } أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين يريد إذا سرق استرق ثم قيل : هذا من بقية كلام أخوة يوسف . وقيل : إنهم لما قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، فقال أصحاب يوسف : { كذالك نجزى الظالمين } . ! 7 < { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم استخرجها من وعآء أخيه كذالك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذى علم عليم } . > 7 < يوسف : ( 76 ) فبدأ بأوعيتهم قبل . . . . . > > اعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق قال لهم المؤذن : إنه لا بد من تفتيش أمتعتكم ، فانصرف بهم إلى يوسف { فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } لإزالة التهمة والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه ، وقرأ الحسن { وعاء أخيه } بضم الواو وهي لغة ، وقرأ سعيد بن جبير { من أخيه } فقلب الواو همزة . فإن قيل : لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه ؟
قلنا : قالوا رجع ضمير المؤنث إلى السقاية وضمير المذكر إلى الصواع أو يقال : الصواع يؤنث ويذكر ، فكان كل واحد منهما جائزا أو يقال : لعل يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية وفيما يتصل بهم صواعا ، عن قتادة أنه قال : كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تائبا مما قذفهم به ، حتى إنه لما لم يبق إلا أخوه قال ما أرى هذا قد أخذ شيئا ، / فقالوا : لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضا ، فلما نظروا في متاعه استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق ، فأخذوا برقبته وجروا به إلى دار يوسف . ثم قال تعالى : { كذالك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } وفيه بحثان : الأول : المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف ، وذلك إشارة إلى الحكم باسترقاق السارق ، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف . الثاني : لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة ، وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا ذكرنا قانونا معتبرا في هذا الباب ، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض ، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى : { إن الله لا يستحى } ( البقرة : 26 ) فالكيد السعي في الحيلة والخديعة ، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه ، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى . ثم اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم : المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف ، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره . وقال آخرون : المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق ، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ذلك سببا لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه . ثم قال تعالى : { ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } والمعنى : أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق ، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه ، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا أن هذا الكلام توسل به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله : { إلا أن يشاء الله } ثم قال : { نرفع درجات من نشاء } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم والكسائي { درجات } بالتنوين غير مضاف ، والباقون بالإضافة . المسألة الثانية : المراد من قوله : { نرفع درجات من نشاء } هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد ، ويخصه بأنواع العلوم ، وأقسام الفضائل ، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في كل شيء . واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال : { نرفع درجات من نشاء } وأيضا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله : { نرفع درجات من نشاء } ( الأنعام : 83 ) عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن / إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضا بقوله : { نرفع درجات من نشاء } لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت . ثم قال تعالى : { وفوق كل ذى علم عليم } والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائدا عليهم في العلم .
واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا : لو كان عالما بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم تمسكا بعموم هذه الآية وهذا باطل . واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) { أنزله بعلمه } ( النساء : 166 ) { لا يحيطون بشيء من علمه } ( البقرة : 255 ) { ما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ( فاطر : 11 ) وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم ، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا . ! 7 < { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } . > 7 ! < < يوسف : ( 77 ) قالوا إن يسرق . . . . . > > اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا : هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين ، ثم قالوا : يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم ، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة ، ثم تقولون لي هذا الكلام ، قالوا له : فكيف خرج الصواع من رحلك ، فقال : وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم . واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضا سارقا ، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى ، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال : الأول : قال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافرا يعبد الأوثان فأمرته / أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك ، فهذا هو السرقة ، والثاني : أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء ، وقيل سرق عناقا من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة . والثالث : أن عمته كانت تحبه حبا شديدا فأرادت أن تمسكه عند نفسها ، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق ، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها . والرابع : أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع ، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة ، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ألبتة . ثم قال تعالى : { فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { فأسرها يوسف } إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج : فأسرها إضمار على شريطة التفسير ، تفسيره أنتم شر مكانا وإنما أنث لأن قوله : { أنتم شر مكانا } جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله : { أنتم شر مكانا } وفي قراءة ابن مسعود { فأسر } بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين :
الوجه الأول : قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين : أحدهما : أن يفسر بمفرد كقولنا : نعم رجلا زيد ففي نعم ضمير فاعلها ، ورجلا تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله : { فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا } ( الأنبياء : 97 ) { قل هو الله أحد } ( الصمد : 1 ) والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد . ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضا نحو إن كقوله : { إنه من يأت ربه مجرما } ( طه : 74 ) { فإنها لا لاولى الابصار } ( الحج : 46 ) . إذا عرفت هذا فنقول : نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار ، ولا يكون خارجا عن تلك الجملة ولا مباينا لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن . والثاني : أنه تعالى قال : { أنتم شر مكانا } وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام ، ولو قلنا : إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذبا . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه : أما الأول : فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث . وأما الثاني : فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال . / والوجه الثاني : وهو أن الضمير في قوله : { فأسرها } عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا : { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضا أن يكون إضمارا للمقالة . والمعنى : أسر يوسف مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله : { اذكرنى عند ربك } ( يوسف : 42 ) عوقب بالحبس الطويل وبقوله : { إنكم لسارقون } ( يوسف : 7 ) عوقب بقولهم : { فقد سرق أخ له من قبل } ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال : { أنتم شر مكانا } أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهما ، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة . ثم قال تعالى : { والله أعلم بما تصفون } يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله ، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه ، والمعنى : والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا . ! 7 < { قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنآ إذا لظالمون } . > 7 < يوسف : ( 78 - 79 ) قالوا يا أيها . . . . . > >
اعلم أنه تعالى بين أنهم بعد الذي ذكروه من قولهم : { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( يوسف : 77 ) أحبوا موافقته والعدول إلى طريقة الشفاعة فإنهم وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد ، إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا ، فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا أي في السن ، ويجوز أن يكون في القدر والدين ، وإنما ذكروا ذلك لأن كونه ابنا لرجل كبير القدر / يوجب العفو والصفح . ثم قالوا : { فخذ أحدنا مكانه } يحتمل أن يكون المراد على طريق الاستبعاد ويحتمل أن يكون المراد على طريق الرهن حتى نوصل الفداء إليك . ثم قالوا : { إنا نراك من المحسنين } وفيه وجوه : أحدها : إنا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك . وثانيها : إنا نراك من المحسنين إلينا حيث أكرمتنا وأعطيتنا البذل الكثير وحصلت لنا مطلوبنا على أحسن الوجوه ووردت إلينا ثمن الطعام . وثالثها : نقل أنه عليه السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئا يشترون به الطعام ، وكانوا يبيعون أنفسهم منه فصار ذلك سببا لصيرورة أكثر أهل مصر عبيدا له ثم إنه أعتق الكل ، فلعلهم قالوا : { إنا نراك من المحسنين } إلى عامة الناس بالإعتاق فكن محسنا أيضا إلى هذا الإنسان بإعتاقه من هذه المحنة ، فقال يوسف : { معاذ الله } أي أعود بالله معاذا أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، أي أعوذ بالله أن آخذ بريئا بمذنب قال الزجاج : موضع ( أن ) نصب والمعنى : أعوذ بالله من أخذ أحد بغيره فلما سقطت كلمة ( من ) انتصب الفعل عليه وقوله : { إنا إذا لظالمون } أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنسانا بجرم صدر عن غيره . فإن قيل : هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب ، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه ، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد . والجواب : لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر . ! 7 < { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الا رض حتى يأذن لىأبىأو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين } . > 7 ! < < يوسف : ( 80 ) فلما استيأسوا منه . . . . . > > في الآية مسائل :
/ المسألة الأولى : اعلم أنهم لما قالوا : { فخذ أحدنا مكانه } ( يوسف : 78 ) وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه : { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ( يوسف : 79 ) فانقطع طمعهم من يوسف عليه السلام في رده ، فعند هذا قال تعالى : { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } وهو مبالغة في يأسهم من رده { وقربناه نجيا } أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون ولا شبهة أن المراد يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه ، لأنهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه إلى أبيهم لحصلت محن كثيرة : أحدها : أنه لو لم يعودوا إلى أبيهم وكان شيخا كبيرا فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة . وثانيها : أن أهل بيتهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة . وثالثها : أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية وذلك غم شديد ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فإن ظاهر الأمر يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول ، ولكان يوهم أيضا أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع فكرة وحيرة ، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلبا للأصلح الأصوب فهذا هو المراد من قوله : { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } . المسألة الثانية : قال الواحدي روي عن ابن كثير استياسوا { حتى إذا استيئس الرسل } ( يوسف : 110 ) بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ويحسب ومن قال استيأس قلب العين إلى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ثم خففت الهمزة . قال صاحب ( الكشاف ) : استيأسوا يئسوا ، وزيادة السين والتاء للمبالغة كما في قوله : { استعصم } ( يوسف : 32 ) وقوله : { منه خلصوا } قال الواحدي : يقال خلص الشيء يخلص خلوصا إذا ذهب عنه الشائب من غيره ، ثم فيه وجهان : الأول : قال الزجاج خلصوا أي انفردوا ، وليس معهم أخوهم ، والثاني : قال الباقون تميزوا عن الأجانب ، وهذا هو الأظهر . وأما قوله : { نجيا } فقال صاحب ( الكشاف ) : النجي على معنيين يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر . ومنه قوله تعالى : { وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل : النجوى بمعنى المتناجين ، فعلى هذا معنى { خلصوا نجيا } اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم { نجيا } أي مناجيا . روي { نجوى } أي فوجا { نجيا } أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا ، وأحسن الوجوه أن يقال : إنهم تمحضوا تناجيا ، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار غير ذلك الشيء ، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم ، صاروا نفس التناجي حقيقة . أما قوله تعالى : { قال كبيرهم } فقيل المراد كبيرهم في السن وهو روبيل ، وقيل كبيرهم في العقل / وهو يهودا ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ، ثم حكى تعالى عن هذا الكبير أنه قال : { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما قال يوسف عليه السلام : { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ( يوسف : 79 ) غضب يهودا ، وكان إذا غضب وصاح فلا تسمع صوته حامل إلا وضعت ويقوم شعره على جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز ، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا وقالوا : إن أبانا قد أخذ علينا موثقا عظيما من الله . وأيضا نحن متهمون بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة . المسألة الثانية : لفظ ما في قوله : { ما فرطتم } فيها وجوه : الأول : أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام ، ولم تحفظوا عهد أبيكم . الثاني : أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف ، وهو من قبل . ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف ، الثالث : النصب عطفا على مفعول { ألم تعلموا } والتقدير : ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف . الرابع : أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة ، ومحله الرفع والنصب على الوجهين المذكورين ، ثم قال : { فلن أبرح الارض } أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف إليه أو يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف ممن أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين ، لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق ، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو غيره قاله انقطاعا إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه . ! 7 < { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسئل القرية التى كنا فيها والعير التىأقبلنا فيها وإنا لصادقون } . > 7 < يوسف : ( 81 - 82 ) ارجعوا إلى أبيكم . . . . . > > / واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع ، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال : { فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى } قيل إنه روبيل ، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب . فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة ، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم . والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعا في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم ، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع ، وأما قوله : وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر ، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحدا لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم : { وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين } .
والوجه الثاني : في الجواب أن تقدير الكلام { إن ابنك سرق } في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى : { إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) أي عند نفسك ، وقال تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا . الوجه الثالث : في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . الوجه الرابع : أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئا يوهم ذلك . الوجه الخامس : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ { إن ابنك سرق } بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقيا سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة / أما قوله : { وما شهدنا إلا بما علمنا } فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى : { وما شهدنا إلا بما علمنا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال : إذا علمت مثل الشمس فاشهد ، وذلك أيضا يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضا عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة . إذا ثبت هذا فنقول : الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه المتكلمون بكلام النفس ، وأما قوله : { وما كنا للغيب حافظين } ففيه وجوه : الأول : أنا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله ، وأما حقيقة الحال فغير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله . والثاني : قال عكرمة معناه : لعل الصواع دس في متاعه بالليل ، فإن الغيب اسم لليل على بعض اللغات . والثالث : قال مجاهد والحسن وقتادة : وما كنا نعلم أن ابنك يسرق ، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى الملك وما أعطيناك موثقا من الله في رده إليك . والرابع : نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم : فهب أنه سرق ولكن كيف عرف الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق ، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم فقالوا عند هذا الكلام : أنا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله : { وما كنا للغيب حافظين } إشارة إلى هذا المعنى . فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في إخفاء حكم الله تعالى على هذا القول . قلنا : لعله كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما فلهذا أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا . ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : { واسئل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها } .
واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في إزالة التهمة عن أنفسهم فقالوا : { واسئل القرية التى كنا فيها } والأكثرون اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم ، بل المراد منه قرية على باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش ، ثم فيه قولان : الأول : المراد واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للإيجاز والاختصار ، وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات . والثاني : قال أبو بكر الأنباري المعنى : اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فإنها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك حتى تخبر بصحة ما ذكرناه ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهورا تاما كاملا فقد يقال فيه ، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه ، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي / ما بقي للشك فيه مجال . أما قوله : { والعير التى أقبلنا فيها } فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم من الكنعانيين فقالوا : سلهم عن هذه الواقعة . ثم إنهم لما بالغوا في التأكيد والتقرير قالوا : { وإنا لصادقون } يعني سواء نسبتنا إلى التهمة أو لم تنسبنا إليها فنحن صادقون ، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بأنفسهم لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، بل الإنسان إذا قدم ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك يعني فتأمل فيما ذكرته من الدلائل والبينات لتزول عنك الشبهة . ! 7 < { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم } . > 7 ! < < يوسف : ( 83 ) قال بل سولت . . . . . > > اعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع من أبنائه ذلك الكلام لم يصدقهم فيما ذكروا كما في واقعة يوسف فقال : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } فذكر هذا الكلام بعينه في هذه الواقعة إلا أنه قال في واقعة يوسف عليه السلام : { والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) وقال ههنا : { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم إن قوله : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } ليس المراد منه ههنا الكذب والاحتيال كما في قوله في واقعة يوسف عليه السلام حين قال : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } لكنه عنى سولت لكم أنفسكم إخراج بنيامين عني والمصير به إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم علي في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله إنما جاء على خلاف تقديركم وقيل : بل المعنى سولت لكم أنفسكم أمرا خيلت لكم أنفسكم أنه سرق وما سرق .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?