Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الطرف الثاني : الملاعن قال الشافعي رحمه الله من صح يمينه صح لعانه ، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين ، وكذا إذا كان أحدهما رقيقا أو كان الزوج مسلما والمرأة ذمية ، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح في صورتين إحداهما : أن تكون الزوجة ممن لا يجب على / قاذفها الحد إذا كان أجنبيا نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية والثاني : أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدودا في قذف أو عبدا أو كافرا ، ثم زعم أن الفاسق والأعمى مع أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما ، وجه قول الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } يتناول الكل ولا معنى للتخصيص والقياس أيضا ظاهر من وجهين : الأول : أن المقصود دفع العار عن النفس ، ودفع ولد الزنا عن النفس ، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا المحدود محتاج إليه والثاني : أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى ، وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذا القول في غيرهما ، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا ، ووجه قول أبو حنيفة رحمه الله النص والمعنى ، أما النص فما روى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال : ( أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر ) أما المعنى فنقول أما في الصورة الأولى فلأنه كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية الحد بقوله : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 40 ) ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه فلما كان اللعان مع الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي ، وأما في الصورة الثانية فالوجه فيه أن اللعان شهادة فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة وإنما قلنا إن اللعان شهادة لوجهين : الأول : قوله تعالى : { ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } فسمى الله تعالى لعانهما شهادة كما قال : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ( البقرة : 282 ) وقال : { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) الثاني : أنه عليه السلام حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ، ولم يقتصر على لفظ اليمين ، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل من المحدود في القذف لقوله تعالى : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ( النور : 4 ) وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر ، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق ، أجاب الشافعي رحمه الله بأن اللعان ليس شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ، ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات ، لأنها على النصف من الرجل ، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما ، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا ، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ، ثم أكد الشافعي رحمه الله بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال ، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة مقبولة بعضهم على بعض ، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية ، وهذا كله كلام الشافعي رحمه الله . ثم قال بعد ذلك : وتختلف الحدود بمن وقعت له ، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه ، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها .
الطرف الثالث : الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي رحمه الله يتعلق باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها ، وكلها تثبت بمجرد لعانه / ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم ، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذا منه لا إيقاعا للفرقة . فلنتكلم في هذه المسائل :
المسألة الأولى : اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال : أحدها : قال عثمان ألبتي : لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئا يوجب أن يطلقها وثانيها : قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وثالثها : قال مالك والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ورابعها : قال الشافعي رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن ، حجة عثمان البتي وجوه : أحدها : أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قوله وهو لا يوجب تحريما ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريما فإذا كان كاذبا والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم وثانيها : لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم وثالثها : أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد ، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد ورابعها : إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد ، قال وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ثلاثا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما ، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين : أحدهما : أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا والثاني : أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم ، واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : روى في قصة عويمر أنهما لما فرغا ( قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، هي طالق ثلاثا ) فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه : أحدها : أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله : ( كذبت عليها إن أمسكتها ) لأن إمساكها غير ممكن وثانيها : ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان وثالثها : ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا ، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها وثانيها : قال أبو بكر الرازي قول الشافعي رحمه الله خلاف الآية ، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين وثالثها : أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم ورابعها : / اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها وخامسها : أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به ، فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم ، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما ، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة ، أما قول الشافعي رحمه الله فله دليلان الأول : قوله تعالى : { ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد } الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها ، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج الثاني : أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها ، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة ، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصرا على اللعان فالولد منفي عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلا بوقوع الفرقة ، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام : ( الولد للفراش ) فما دام يبقى الفراش التحق به ، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أنه يزول الفراش عنه بمجرد لعانه ، وأما الأخبار التي استدل بها أبو حنيفة رحمه الله فالمراد به أن النبي عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم بها وذلك لا ينافي أن يكون المؤثر في الفرقة شيئا آخر ، وأما الأقيسة التي ذكرها فمدارها على أن اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا ، وأما قوله : اللعان لا إشعار فيه بوقوع الحرمة .
قلنا بينته على نفي الولد مقبولة ونفي الولد يتضمن نفي حلية النكاح والله أعلم .
المسألة الثانية : قال مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وإسحق والحسن المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ، وهو قول علي وعمر وابن مسعود ، وقال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد . حجة الشافعي رحمه الله أمور : أحدها : قوله عليه السلام للملاعن بعد اللعان ( لا سبيل لك عليها ) ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية ، كما قال في المطلقة بالثلاث { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) . وثانيها : ما روي عن علي وعمر وابن مسعود أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبدا ، وهذا قد روي أيضا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثالثها : ما روى الزهري عن سهل بن سعد في قصة العجلاني ( مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ) حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم } . المسألة الثالثة : اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان ، وحكى عن / بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان ، واحتج بقوله عليه السلام : ( الولد للفراش ) وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم ، والظاهر مع الشافعي لأنه يدل على أنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى ، ومن قال بخلاف ذلك فإنما يقوله بدليل منفصل . الطرف الرابع : في كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحا / فالرجل يشهد أربع شهادات بالله بأن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ، ثم يقول من بعد ، وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين . ويتعلق بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعي رحمه الله ، ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد ، ثم ههنا فروع الفرع الأول : أجمعوا على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند الحاكم الثاني : قال الشافعي رحمه الله يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة ، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد ، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له أني أخاف إن لم تك صادقا أن تبوء بلعنة الله الثالث : اللعان بمكة بين المقام والركن وبالمدينة عند المنبر وبيت المقدس في مسجده وفي غيرها في المواضع المعظمة ولعان المشرك كغيره في الكيفية ، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر ، ولا بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة . الطرف الخامس : في سائر الفوائد وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن الزنا والقذف كفر من وجهين : الأول : أن الرامي إن صدق فهي زانية ، وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما ، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلا ، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث ألبتة الثاني : أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه ، فالواجب أن تقتل لا أن تجلد أو ترجم ، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا .
المسألة الثانية : الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد النكاح ، وذلك لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل من يقر بأنها أخته من الضراع أو بأنها كافرة ، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمي من قبل اللعان وقد ثبت بالإجماع فساد ذلك . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن الله تعالى إذا كان كاذبا وأنه قد فسق ، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما ، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين ، وإذا صح ذلك فقد / استحق العقاب ، والعقاب يكون دائما كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضا محبط ، فلا يجوز إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة ، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار ، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوبا عليه بفسقه ينافي كونه مرضيا عنه لجهة إيمانه ، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب والإجماع ممنوع . المسألة الرابعة : إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظا عليها لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخيلائها وإطماعها ولذلك كانت مقدمة في آية الجلد . واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا وكان في ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه ، لأنه تعالى جعل باللعان للمرء سبيلا إلى مراده ، ولها سبيلا إلى دفع العذاب عن نفسها ، ولهما السبيل إلى التوبة والإنابة ، فلأجل هذا بين تعالى بقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة ولا شبهة في أن في الكلام حذفا إذ لا بد من جواب إلا أن تركه يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه ، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به . الحكم الخامس قصة الإفك ! 7 < { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم } . > 7 < النور : ( 11 ) إن الذين جاؤوا . . . . . > > الكلام في هذه الآية من وجهين : أحدهما : تفسيره والثاني : سبب نزوله :
أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء : أولها : أنه حكى الواقعة وهو قوله : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه ، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة ، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكا لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه : أحدها : أن كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم يمنع من ذلك . لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم / ويستعطفوهم ، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات ، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضا فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه ، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات ، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب : عن الثاني أنه عليه السلام كثيرا ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } ( الحجر : 97 ) فكان هذا من هذا الباب وثانيها : أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور ، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به وثالثها : أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم ، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان ، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي . أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا ، وهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم . أما قوله : { منكم } فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون ، لأن عبدالله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرا ورابعها : أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله : { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين ، بل مع من قذفوه وآذوه ، فإن قيل هذا مشكل لوجهين : أحدهما : أنه لم يتقدم ذكرهم والثاني : أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله : { لا تحسبوه شرا لكم } ، والجواب عن الأول : أنه تقدم ذكرهم في قوله : { منكم } وعن الثاني : أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به ، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرة في العاجل ؟ قلنا لوجوه : أحدها : أنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم وثانيها : أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض ، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر وثالثها : أنه صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا غاية الشرف والفضل ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله / تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ في شرحه فكل من يشك فيه كان كافرا قطعا وهذه درجة عالية ، ومن الناس من قال قوله تعالى : { لا تحسبوه شرا لكم } خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيرا لهم من وجوه : أحدها : أنه صار ما نزل من القرآن مانعا لهم من الاستمرار عليه فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك وثانيها : صار خيرا لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة وثالثها : صار خيرا لهم من حيث تاب بعضهم عنده ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف ، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى : { لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة ، فالمراد لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا ، والمعنى أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض .
أما قوله : { والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء كبره بالضم والكسر وهو عظمه . المسألة الثانية : قال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عذرها . وجلد معهما امرأة من قريش ، وروي أن عائشة رضي الله عنها ذكرت حسانا وقالت : ( أرجو له الجنة ، فقيل أليس هو الذي تولى كبره ؟ فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يؤيد حسانا بروح القدس في شعره ) وفي رواية أخرى ( وأي عذاب أشد من العمى ) ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ، والأقرب في الرواية أن المراد به عبدالله بن أبي بن سلول فإنه كان منافقا يطلب ما يكون قدحا في الرسول عليه السلام ، وغيره كان تابعا له فيما كان يأتي ، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق . المسألة الثالثة : المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئا بذلك القول ، فلا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام ( من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم . المسألة الرابعة : قال الجبائي قوله تعالى : { لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } أي عقاب ما اكتسب ، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقابا لما جاز أن يقول تعالى ذلك ، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة ، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب : أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة والله أعلم .
أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه ، قالت فأقرع بيننا في / غزوة غزاها قبل غزوة بني المصطلق فخرج فيها اسمى فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب من المدينة نزل منزلا ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي ، فإني كنت جارية حديث السن ، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير ، فلما رجعت لم أجد في المكان أحدا فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت / وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني ، وقال ما خلفك عن الناس ؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت ، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس في ذكرى ، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقني وجع ، ولم أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكى ، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول كيف تيكم فذاك الذي يريبني ، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا ، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح ، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلا شهد بدرا ! فقالت وما بلغك الخبرا فقلت وما هو فقال ( ت ) أشهد أنك من المؤمنات الغافلات ، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فرجعت أبكي ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كيف تيكم ، فقلت ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس ؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، ثم قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن ؟ فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها ؟
قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، وأما علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله ، قالت فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا على المنبر ، فقال يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبدالله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي ، فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يارسول الله منه إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج / وكان رجلا صالحا ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهرا لا يوحي الله إليه في شأني شيئا ، ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، فاض دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله ، فقال والله ما أدري ما أقول ، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول ، فقلت وأنا جارية حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيرا إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيا يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها .
قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله . فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك ، فقالت أمي قومي إليه ، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحدا إلا الله أنزل براءتي ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } العشر آيات ، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل الله تعالى : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ( النور : 22 ) فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحا وحمنة وحسان الحد ) .
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة وذكر حال المقذوفين والقاذفين عقبها بما يليق بها من الآداب والزواجر ، وهي أنواع : / النوع الأول ! 7 < { لولاإذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هاذآ إفك مبين } . > 7 < النور : ( 12 ) لولا إذ سمعتموه . . . . . > > وهذا من جملة الآداب التي كان يلزمهم الإتيان بها ، و { لولا } معناه هلا وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله : { لولا أخرتنى } ( المنافقون : 10 ) وقوله : { فلولا كانت قرية ءامنت } ( يونس : 98 ) فأما إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) وقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ( انور : 10 ) والمراد كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيه الطهارة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر ؟ الجواب : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات ، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يظن بالمسلمين إلا خيرا ، لأن دينه يحكم بكون المعصية منشأ للضرر وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر ، وهذا يوجب حصول الظن باحترازه عن المعصية ، فإذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد في مقابلته راجح يساويه في القوة وجب إحسان الظن ، وحرم الإقدام على الطعن . السؤال الثاني : ما المراد من قوله بأنفسهم ؟ الجواب : فيه وجهان : الأول : المراد أن يظن بعضهم ببعض خيرا ونظيره قوله : { ولا تلمزوا أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) وقوله : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) وقوله : { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) ومعناه أي بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم ، روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال ؟ فقالت لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءا ؟ قال لا ، قالت ولو كنت بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك . وقال ابن زيد ذلك معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين والثاني : أنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم . عن النعمان بن بشير قال عليه السلام : ( مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه بالسهر والحمى وجع كله ) وعن أبي بردة قال عليه السلام : ( المؤمنون للؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا ) .
السؤال الثالث : ما معنى قوله : { هاذا إفك مبين } وهل يحل لمن يسمح ما لا يعرفه / أن يقول ذلك ؟ الجواب : من وجهين : الأول : كذلك يجب أن يقول ، لكنه يخبر بذلك عن قول القاذف الذي لا يستند إلى أمارة ولا عن حقيقة الشيء الذي لا يعلمه الثاني : أن ذلك واجب في أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم عن جميع المنفرات كالدليل القاطع في كون ذلك كذبا ، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الواجب فيمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيرا ، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة والجواز ، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلا مع امرأة أجنبية فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم يقيما بينة على النكاح ، ومن ذلك أيضا ما قال أصحابنا رضي الله عنهم فيمن باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما / وكذلك إذا باع سيفا محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ، وهو يدل أيضا على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن المسلمين عدول ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن ، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها ، قال تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ( النجم : 28 ) . النوع الثاني ! 7 < { لولا جآءو عليه بأربعة شهدآء فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولائك عند الله هم الكاذبون } . > 7 < النور : ( 13 ) لولا جاؤوا عليه . . . . . > > وهذا من باب الزواجر ، والمعنى هلا أتوا على ما ذكروه بأربعة شهداء يشهدون على معاينتهم فيما رموها به { فإذ لم يأتوا بالشهداء } ( النور : 13 ) أي فحين لم يقيموا بينة على ما قالوا ، فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون ، فإن قيل : أليس إذا لم يأتوا بالشهداء فإنه يجوز كونهم صادقين كما يجوز كونهم كاذبين فلم جزم بكونهم كاذبين ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن المراد بذلك الذين رموا عائشة خاصة وهم كانوا عند الله كاذبين الثاني : المراد فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب ، والقاذف إن لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره فلما كان شأنه شأن الكاذب في الزجر لا جرم أطلق عليه لفظ الكاذب مجازا . النوع الثالث ! 7 < { ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والا خرة لمسكم فى مآ أفضتم فيه عذاب عظيم } . > 7 < النور : ( 14 ) ولولا فضل الله . . . . . > > / وهذا من باب الزواجر أيضا ، ولولا ههنا لامتناع الشيء لوجود غيره ، ويقال أفاض في الحديث واندفع وخاض ، وفي المعنى وجهان : الأول : ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك والثاني : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معا ، فيكون فيه تقديم وتأخير ، والخطاب للقذفة وهو قول مقاتل ، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول التوبة لمن تاب . النوع الرابع ! 7 < { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } . > 7 < النور : ( 15 ) إذ تلقونه بألسنتكم . . . . . > >
وهذا أيضا من الزواجر قال صاحب ( الكشاف ) إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى تلقونه يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ومنه قوله تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) وقرىء على الأصل تتلقونه وإتلقونه بإدغام الذال في التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من إلقائه بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من الولق والألف وهو الكذب ، وتلقونه محكية عن عائشة ، وعن سفيان : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان أبوها يقرأ بحرف عبدالله بن مسعود ، واعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها أحدها : تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم وثانيها : أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ) فإن قيل ما معنى قوله : { بأفواهكم } والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به ، كقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } ( آل عمران : 167 ) وثالثها : أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة : الأول : يدل على أن القذف من الكبائر لقوله : { وهو عند الله عظيم } الثاني : نبه بقوله : { وتحسبونه هينا } على أن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكدا لعظمها من حيث جهل كونها عظيما ، / الثالث : الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه ، إذ لا يأمن أنه من الكبائر ، وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار . النوع الخامس ! 7 < { ولولاإذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهاذا سبحانك هاذا بهتان عظيم } . > 7 < النور : ( 16 ) ولولا إذ سمعتموه . . . . . > >
وهذا من باب الآداب ، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه : أحدها : أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين ، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها ، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها : وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والاخرة } ( الأحزاب : 57 ) وثالثها : أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه ، ولا جناية عرف صدورها عنهم ، وذلك حرام ورابعها : أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سببا للضرر مع الاستغناء عنه ، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقا لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة ، وبتقدير كونه كاذبا فإنه يستحق العقاب العظيم ، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها : أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) وسادسها : أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقا بأخلاق الله تعالى ، وقال عليه السلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه ، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف ؟ قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به . أما قوله : { سبحانك هاذا بهتان عظيم } ففيه سؤالان : / السؤال الأول : كيف يليق سبحانك بهذا الموضع ؟ الجواب : من وجوه : الأول : المراد منه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني : المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث : أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع : أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة . / السؤال الثاني : لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذبا قطعا ؟ والجواب : من وجهين : الأول : أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتانا ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني : أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذبا ، ونظيره قوله : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( المنافقون : 1 ) . النوع السادس ! 7 < { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الا يات والله عليم حكيم } . > 7 < النور : ( 17 - 18 ) يعظكم الله أن . . . . . > > وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب وأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدا وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، وقد دخل تحت ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر ، لأن حالهما سواء في أن فعلا ما لا يجوز وإن كان من أقدم عليه أعظم ذنبا ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وههنا مسائل :
المسألة الأولى : استدلت المعتزلة بقوله : { إن كنتم مؤمنين } على أن ترك القذف من الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان ، لأن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط والجواب : هذا معارض بقوله : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } ( النور : 11 ) أي منكم أيها المؤمنون فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهييج في الإتعاظ والانزجار . المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه مجانبه مثل ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا ، لأن قوله : { يعظكم الله أن تعودوا } معناه لكي لا تعودوا لمثله وذلك دلالة الإرادة والجواب : عنه قد تقدم مرارا . المسألة الثالثة : هل يجوز أن يسمى الله تعالى واعظا لقوله : { يعظكم الله أن تعودوا } ؟ الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معلما لقوله : { الرحمان علم القرءان } ( الرحمن : 1 / 2 ) . أما قوله تعالى : { ويبين الله لكم الايات والله عليم حكيم } فالمراد من الآيات ما به يعرف المرء ما ينبغي أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليما حكيما يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع لأجل ذلك ، لأن من لا يكون عالما لا يجب قبول تكليفه ، لأنه قد يأمر بما لا ينبغي ، ولأن / المكلف إذا أطاعه فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما من كان عالما لكنه لا يكون حكيما فقد يأمره بما لا ينبغي فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب المطيع وقد يثيب العاصي ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان عليما حكيما فإنه لا يأمر إلا بما ينبغي ولا يهمل جزاء المستحقين ، فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وههنا سؤالات : الأول : الحكيم هو الذي لا يأتي بما لا ينبغي ، وإنما يكون كذلك لو كان عالما بقبح القبيح وعالما بكونه غنيا عنه فيكون العليم داخلا في الحكيم ، فكان ذكر الحكيم مغنيا عنه . هذا على قول المعتزلة ، وأما على قول أهل السنة والجماعة فالحكمة هي العلم فقط ، فذكر العليم الحكيم يكون تكرارا محضا الجواب : يحمل ذلك على التأكيد . السؤال الثاني : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه إنما يجب قبول بيان الله تعالى لمجرد كونه عالما حكيما ، والحكيم هو الذي لا يفعل القبائح فتدل الآية على أنه لو كان خالقا للقبائح لما جاز الاعتماد على وعده ووعيده والجواب : الحكم عندنا هو العليم ، وإنما يجوز الاعتماد على قوله لكونه عالما بكل المعلومات ، فإن الجاهل لا اعتماد على قوله ألبتة . السؤال الثالث : قالت المعتزلة قوله : { يبين الله لكم } أي لأجلكم ، وهذا يدل على أن أفعاله معللة بالأغراض ، ولأن قوله : { لكم } لا يجوز حمله على ظاهره لأنه ليس الغرض نفس ذواتهم بل الغرض حصول انتفاعهم وطاعتهم وإيمانهم / فدل هذا على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل والجواب : المراد أنه سبحانه فعل بهم ما لو فعله غيره لكان ذلك غرضا . النوع السابع ! 7 < { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والا خرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 < النور : ( 19 ) إن الذين يحبون . . . . . > >
اعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك وما على من سمع منهم ، وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين ، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : معنى الإشاعة الانتشار يقال في هذا العقار سهم شائع إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلا ، وشاع الحديث إذا ظهر في العامة . / المسألة الثانية : لا شك أن ظاهر قوله : { إن الذين يحبون } يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة ، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم ، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى في : { الذين كفروا } فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك ، والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبدالله بن أبي ، لأنه هو الذي سعى في إشاعة الفاحشة قالوا معنى الآية : { إن الذين يحبون } والمراد عبدالله أن تشيع الفاحشة أي الزنا في الذين آمنوا أي في عائشة وصفوان . المسألة الثالثة : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني لأعرف قوما يضربون صدورهم ضربا يسمعه أهل النار ، وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون فيهم من الفواحش ما ليس فيهم ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( لا يستر عبد مؤمن عورة عبد مؤمن إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة ومن ستر عورته ستر الله عورته يوم القيامة ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ) وعن أنس قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن العبد حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ) . المسألة الرابعة : اختلفوا في عذاب الدنيا ، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم ، وقال بعضهم هو الحد واللعن والعداوة من الله والمؤمنين ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي وحسان ومسطح ، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره ، وقال الحسن عنى به المنافقين لأنهم قصدوا أن يغموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أراد غم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، وعذابهم في الدنيا هو ما كانوا يتعبون فيه وينفقون لمقاتلة أوليائهم مع أعدائهم ، وقال أبو مسلم : الذين يحبون هم المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب في الدنيا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجاهدة لقوله : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم . فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه / وفي القيامة عذاب النار .
أما قوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فهو حسن الموقع بهذا الموضع لأن محبة القلب كامنة ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات ، أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء ، فصار هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه وإن علمه سبحانه بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه . / المسألة الخامسة : الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم ، وأن إرادة الفسق فسق ، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة . المسألة السادسة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه فلا ثواب له من حيث استحق هذا العذاب الدائم ، وذلك يمنع من استحقاق ضده الذي هو الثواب ، فمن هذا الوجه تدل على ما نقوله في الوعيد ، واعلم أن حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه . المسألة السابعة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو ، فكان يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو ، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئا منها ، والكلام عليه أيضا قد تقدم . المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : المصابة بالفجور لا تستنطق ، لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وذلك ممنوع منه . النوع الثامن ! 7 < { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم } . > 7 < النور : ( 20 ) ولولا فضل الله . . . . . > > وفيه وجوه : أحدها : أن جوابه محذوف وكأنه قال لهلكتم أو لعذبكم الله واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم ، قال ابن عباس الخطاب لحسان ومسطح وحمنة ، ويجوز أن يكون الخطاب عاما والثاني : جوابه في قوله : { زكى منكم من أحد أبدا } ( النور : 21 ) والثالث : جوابه لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة وهو قول أبي مسلم ، والأقرب أن جوابه محذوف لأن قوله من بعد { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد } ( النور : 21 ) كالمنفصل من الأول فلا يجب أن يكون جوابا للأول ، خصوصا وقد وقع بين الكلامين كلام آخر ، والمراد أنه لولا إنعامه بأن بقي وأمهل ومكن من التلافي لهلكوا ، لكنه لرأفته لا يدع ما هو للعبد أصلح وإن جنى على نفسه . النوع التاسع ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولاكن الله يزكى من يشآء والله سميع عليم } . > 7 < النور : ( 21 ) يا أيها الذين . . . . . > >
/ قرىء خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطوا ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول ، والجمع يفتح أوله ويضم ، والمراد بذلك السيرة والطريقة ، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله : { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك ، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله : { ومن يتبع خطوات الشيطان } وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه ، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه ، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضا ، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه ، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه . أما قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } ( النور : 21 ) فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد ، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع ، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكيا ، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكيا ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقا ، بل يقال هداه الله فلم يهتد ، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله : { ولاكن الله يزكى من يشاء } ( النور : 21 ) فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل ، قالت المعتزلة ههنا تأويلان : أحدهما : حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني : حملها على الحكم بكون العبد زكيا ، قال أصحابنا : الوجهان على خلاف الظاهر ، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضا أما الوجه الأول : فيدل على فساده وجوه : أحدها : أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفا ، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد وأن يكون منتهيا إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعا لا داعيا ، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعا وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولا مرجحا ، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحا موجبا كان فاعل اللطف فاعلا للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلا لفعل العبد الثاني : أنه تعالى قال : { ولاكن الله يزكى من يشاء } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث : أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق / الألطاف واجب فلا يكون معلقا بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني : وهو الحكم بكونه زكيا فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذبا والكذب على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة ؟ فثبت أن قوله : { ولاكن الله يزكى من يشاء } نص في الباب .
أما قوله : { والله سميع عليم } فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة ، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها ، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته . ! 7 < { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } . > 7 ! < < النور : ( 22 ) ولا يأتل أولوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدا ، قال المفسرون : نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر ، وقد كان يتيما في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم ، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكتا فقال قد كان ذلك تعجبا من قول حصان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتابا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذا عفا عنكم فمرحبا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ولا يأتل } وجهين : الأول : وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف ، افتعل من الألية ، والمعنى لا يحلف ، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين : أحدهما : / أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء ، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأمورا به ؛ وثانيهما : أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت ، وإنما يوجد مكان فعلت ، وهنا آليت من الألية افتعلت . فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت ، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلانا نصحا ، ولم آل في أمري جهدا ، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحدا ، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيرا افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت ، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول ، ويروى هذا التأويل أيضا عن أبي عبيدة . أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن لا تخذف في اليمين كثيرا قال الله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا } ( البقرة : 224 ) يعني أن لا تبروا ، وقال امرؤ القيس : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?