Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V24/P065–V24/P066

الصفة الثالثة : قوله : { وكان يوما على الكافرين عسيرا } فالمعنى ظاهر لأنه تعالى عالم بالأحوال قادر على كل ما يريده وأما غيره فالكل في ربقة العجز ولجام القهر ، فكان في نهاية العسر على الكافر . الصفة الرابعة : قوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الألف واللام في الظالم فيه قولان : أحدهما : أنه للعموم والثاني : أنه للمعهود ، والقائلون بالمعهود على قولين : الأول : قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاما يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاما ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامي فقال لا أرضى أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل ، فقال عليه السلام لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل { ويوم يعض الظالم على يديه } ندامة يعني عقبة يقول : يا ليتني لم أتخذ أمية خليلا لقد أضلني عن الذكر . أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث الثاني : قالت الرافضة : هذا الظالم هو رجل بعينه وإن المسلمين غيروا اسمه / وكتموه وجعلوا فلانا بدلا من اسمه / وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله ، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالما وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم ، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم ، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر . المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بقوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق ، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم . المسألة الثالثة : قوله : { يعض الظالم على يديه } قال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت ، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم ، يقال عض أنامله وعض على يديه . المسألة الرابعة : كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلانا ليس شخصا واحدا بل كل من أطيع في معصية الله ، واستشهد القفال بقوله : { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ( الفرقان : 55 ) ، { ويقول الكافر الكافر ياليتنى كنت ترابا } ( النبأ : 40 ) يعني به جماعة الكفار . المسألة الخامسة : قرىء { يا ويلتي } بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها : تعالى فهذا أوانك ، وإنما قلبت الياء ألفا كما في صحارى و ( عذارى ) .

Section V24/P066

المسألة السادسة : قوله : { لقد أضلنى عن الذكر } أي عن ذكر الله أو القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق ( وغيرته ) على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة ، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله على أن صار خليلا لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس ، ويحتمل أن يكون { وكان الشيطان } حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام الله . ! 7 < { وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هاذا القرءان مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا } . > 7 ! / < < الفرقان : ( 30 - 31 ) وقال الرسول يا . . . . . > > اعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله تعالى وقال : { الرسول يارب إن قومى اتخذوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أبو مسلم بل المراد أن الرسول عليه السلام يقوله في الآخرة وهو كقوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } ( الفرقان : 31 ) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه . المسألة الثانية : ذكروا في المهجور قولين : الأول : أنه من الهجران أي تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه الثاني : أنه من أهجر أي مهجورا فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله تعالى : { مستكبرين به سامرا تهجرون } ( المؤمنون : 67 ) ثم هجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب وهجر أي هذيان ، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تعلم القرآن ( وعلمه ) وعلق مصحفا لم يتعهده ولم ينطر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا ، اقض بيني وبينه ) ثم إنه تعالى قال مسليا لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزيا له { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل ، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا ثم فيه مسائل :

Section V24/P066–V24/P067

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر لأن قوله تعالى : { جعلنا لكل نبى عدوا } يدل على أن تلك العداوة من جعل الله ولا شك أن تلك العداوة كفر قال الجبائي : المراد من الجعل التبيين ، فإنه تعالى لما بين أنهم أعداؤه ، جاز أن يقول : جعلناهم أعداءه ، كما إذا بين الرجل أن فلانا لص يقال جعله لصا كما يقال في الحاكم عدل فلانا وفسق فلانا وجرحه ، قال الكعبي : إنه تعالى لما أمر الأنبياء بعداوة الكفار وعداوتهم للكفار تقتضي عداوة الكفار لهم ، فلهذا جاز أن يقول : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } لأنه سبحانه هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة ، وقال أبو مسلم : يحتمل في العدو أنه البعيد لا القريب إذ المعاداة المباعدة كما أن النصر القرب والمظاهرة ، وقد باعد الله تعالى بين المؤمنين والكافرين والجواب عن الأول : أن التبيين لا يسمونه ألبتة جعلا لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال إنه جعل الصانع وجعل قدمه والجواب عن الثاني : أن الذي أمره الله تعالى به هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم أو ليس له تأثير ؟ فإن كان الأول فقد تم الكلام لأن عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم كفر فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة فقد أمره بما له أثر في وقوع الكفر وإن لم يكن فيه تأثير ألبتة كان منقطعا عنه بالكلية فيمتنع إسناده إليه ، وهذا هو الجواب عن قول أبي مسلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول إن قول محمد عله السلام : { للإنسان خذولا وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا } في المعنى كقول نوح عليه السلام { رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 5 ، 6 ) وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ؟ جوابه : أن نوحا عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر فلما قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فظهر الفرق . المسألة الثالثة : قوله { جعلنا } صيغة العظماء والتعظيم إذا ذكر نفسه في كل معرض من التعظيم وذكر أنه يعطي فلا بد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله : { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني } ( الحجر : 87 ) وقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا ؟ وجوابه : أن خلق العداوة سبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب والله أعلم . المسألة الرابعة : يجوز أن يكون العدو واحدا وجمعا كقوله : { فإنهم عدو لى } ( الشعراء : 77 ) وجاء في التفسير أن عدو الرسول صلى الله عليه وسلم أبو جهل . أما قوله : { وكفى بربك هاديا ونصيرا } فقال الزجاج الباء زائدة يعني كفى ربك وهاديا ونصيرا منصوبان على الحال هاديا إلى مصالح الدين والدنيا ، ونصيرا على الأعداء ، ونظيره { حكيم ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } . ( الأنفال : 64 ) ! 7 < { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولائك شر مكانا وأضل سبيلا } . > 7 <

Section V24/P067–V24/P068

الفرقان : ( 32 - 34 ) وقال الذين كفروا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى / والزبور على داود ، وعن ابن جريج بين أوله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة وأجاب الله بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } وبيان هذا الجواب من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام لم يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ولجاز عليه الغلط والسهو ، وإنما نزلت التوراة جملة لأنها مكتوبة يقرؤها موسى وثانيها : أن من كان الكتاب عنده ، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهلة وقلة التحصيل وثالثها : أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق فكان يثقل عليهم ذلك ، أما لما نزل مفرقا منجما لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل ورابعها : أنه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما حمل ، وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد وخامسها : أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا ، فإنه لو كان ذلك في مقدور البشر لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا وسادسها : كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم فكانوا يزدادون بصيرة ، لأن بسبب ذلك كان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب وسابعها : أن القرآن لما نزل منجما مفرقا وهو عليه السلام كان يتحداهم من أول الأمر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها : أن السفارة بين الله تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم فيحتمل أن يقال إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقا منجما بقي ذلك المنصب العالي عليه فلأجل ذلك جعله الله سبحانه وتعالى مفرقا منجما . أما قوله : { كذالك } ففيه وجهان : الأول : أنه من تمام كلام المشركين أي جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل ، وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار في الآية وهو أن يقول : أنزلناه مفرقا لتثبت به فؤادك الثاني : أنه كلام الله تعالى ذكره جوابا لهم أي كذلك أنزلناه مفرقا فإن قيل : ذلك في { كذالك } يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه والذي تقدم فهو إنزاله جملة ( واحدة ) فكيف فسر به كذلك أنزلناه مفرقا ؟ قلنا لأن قولهم { لولا نزل عليه جملة واحدة } معناه لم نزل مفرقا فذلك إشارة إليه .

Section V24/P068–V24/P070

أما قوله تعالى : { ورتلناه ترتيلا } فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على تؤدة وتمهل وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها يقال ثغر رتل وهو ضد المتراص ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح قال : { ولا يأتونك بمثل } من الجنس الذي تقدم ذكره من الشبهات إلا جئناك بالحق الذي يدفع قولهم ، كما قال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ( الأنبياء : 18 ) وبين أن الذي يأتي به أحسن تفسيرا لأجل ما فيه من المزية في البيان والظهور ، ولما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا . أما قوله : { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه ) وعنه عليه السلام : ( إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن مشيهم على وجوههم ) . المسألة الثانية : الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت ، وإن كان غيرهم من أهل النار يدخل معهم . المسألة الثالثة : حمله بعضهم على أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين ، وجوههم إلى القرار وأرجلهم إلى فوق ، روي ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على وجوههم ، وهذا أيضا مروي عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أولى ، وقال الصوفية : الذين تعلقت قلوبهم بما سوى الله فإذا ماتوا بقي ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم ، ثم بين تعالى أنهم شر مكانا من أهل الجنة وأضل سبيلا وطريقا ، والمقصود منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ( الفرقان : 24 ) وقد تقدم الجواب عنه . واعلم أنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد ونفي الأنداد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين لها وفي أحوال القيامة شرع في ذكر القصص على السنة المعلومة . القصة الأولى قصة موسى عليه السلام ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بأاياتنا فدمرناهم تدميرا } . > 7 < الفرقان : ( 35 - 36 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } ( الفرقان : 31 ) أتبعه بذكر جماعة من الأنبياء وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم فقال : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } والمعنى : لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب ، وآتيناه الآيات فرد ، فقد آتينا موسى التوراة وقوينا عضده بأخيه هرون ومع ذلك فقد رد ، وفيه مسائل : / المسألة الأولى : كونه وزيرا لا يمنع من كونه شريكا له في النبوة ، فلا وجه لقول من قال في قوله : { فقلنا اذهبا } إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 43 ) فإن قيل إن كونه وزيرا كالمنافي لكونه شريكا بل يجب أن يقال إنه لما صار شريكا خرج عن كونه وزيرا ، قلنا لا منافاة بين الصفتين لأنه لا يمتنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيرا وظهيرا ومعينا له .

Section V24/P070–V24/P071

المسألة الثانية : قال الزجاج الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويتحصن برأيه والوزر ما يعتصم به ومنه { كلا لا وزر } ( القيامة : 11 ) أي لا منجى ولا ملجأ ، قال القاضي : ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيرا ولا يقال فيه أيضا بأنه وزير لأن الالتجاء إليه في المشاورة والرأي على هذا الحد لا يصح . المسألة الثالثة : { دمرناهم } أهلكناهم إهلاكا فإن قيل : الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقيب ذهاب موسى وهرون إليهم بل بعد مدة مديدة ، قلنا : التعقيب محمول ههنا على الحكم لا على الوقوع ، وقيل : إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بئاياتنا } إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب آيات الإلهية فلا إشكال ، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ، وإن كان للماضي إلا أن المراد هو المستقبل . القصة الثانية قصة نوح عليه السلام ! 7 < { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس ءاية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما } . > 7 < الفرقان : ( 37 ) وقوم نوح لما . . . . . > > اعلم أنه تعالى إنما قال : { كذبوا الرسل } إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل أو لأنه كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع ، لأن تكذيب الواحد منهم لا يمكن إلا بالقدح في المعجز ، وذلك يقتضي تكذيب الكل ، أو لأن المراد بالرسل وإن كان نوحا عليه السلام وحده ولكنه كما يقال فلان يركب الأفراس . أما قوله : { أغرقناهم } فقال الكلبي : أمظر الله عليهم السماء أربعين يوما وأخرج ماء الأرض أيضا في تلك الأربعين فصارت الأرض بحرا واحدا { وجعلناهم } أي وجعلنا إغراقهم أو قصتهم آية ، { وأعتدنا للظالمين } أي لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذابا أليما ، ويحتمل أن يكون المراد قوم نوح . / القصة الثالثة قصة عاد وثمود وأصحاب الرس ! 7 < { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذالك كثيرا وكلا ضربنا له الا مثال وكلا تبرنا تتبيرا } . > 7 < الفرقان : ( 38 - 39 ) وعادا وثمود وأصحاب . . . . . > > المسألة الأولى : عطف { عادا } على ( هم ) في { وجعلناهم } أو على ( الظالمين ) لأن المعنى ووعدنا الظالمين . المسألة الثانية : قرىء و { ثمود } على تأويل القبيلة ، وأما على المنصرف فعلى تأويل الحي أو لأنه اسم للأب الأكبر . المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة الرس هو البئر غير المطوية ، قال أبو مسلم : في البلاد موضع يقال له الرس فجائز أن يكون ذلك الوادي سكنا لهم ، والرس عند العرب الدفن ، ويسمى به الحفر يقال رس الميت إذا دفن وغيب في الحفرة ، وفي التفسير أنه البئر ، وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك انتهى .

Section V24/P071–V24/P072

المسألة الرابعة : ذكر المفسرون في أصحاب الرس وجوها : أحدها : كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش ، فبعث الله تعالى إليهم شعيبا عليه السلام فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه فبينما هم حول الرس خسف الله بهم وبدارهم وثانيها : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود وثالثها : أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء ، وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا ورابعها : هم أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود وخامسها : الرس أنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار ، وقيل ( كذبوه ) ورسوه في بئر أي دسوه فيها وسادسها : عن علي عليه السلام أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة الصنوبر وإنما سموا بأصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض وسابعها : أصحاب الرس قوم كانت لهم قرى على شاطىء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهودا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمنا فشكى إلى الله تعالى منهم فحفروا بئرا ورسوه فيها وقالوا نرجو أن يرضى عنا إلهنا وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي وقلة حيلتي فعجل قبض روحي حتى مات ، فأرسل الله تعالى ريحا / عاصفة شديدة الحمرة فصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقد وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص وثامنها : روى ابن جرير عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا عبد أسود ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئرا فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه حجرا ضخما ، وكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاما وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوما فلما أراد أن يحملها وجد نوما فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ، ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين أخرى ، ثم هب فحمل حزمته فظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته واشترى طعاما وشرابا وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحدا ، وكان قومه قد استخرجوه وآمنوا به وصدقوه ، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود ، فيقولون لا ندري حاله حتى قبض الله النبي وقبض ذلك الأسود ، فقال عليه السلام : ( إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة ) واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن ، ولا بخبر قوي الإسناد ، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم . المسألة الخامسة : قال النخعي : القرن أربعون سنة / وقال علي عليه السلام : بل سبعون سنة ، وقيل مائة وعشرون . المسألة السادسة : قوله بين ذلك أي { بين ذالك } المذكور وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ، ثم يقول فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود . أما قوله : { وكلا ضربنا له الامثال } فالمراد بينا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا تبرناهم تتبيرا ويحتمل { وكلا ضربنا له الامثال } بأن أجبناهم عما أوردوه من الشبه في تكذيب الرسل كما أورده قومك يا محمد ، فلما لم ينجع فيه تبرناهم تتبيرا ، فحذر تعالى بذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الاستمرار على تكذيبه لئلا ينزل بهم مثل الذي نزل بالقوم عاجلا وآجلا . المسألة السابعة : ( كلا ) الأول منصوب بما دل عليه { ضربنا له الامثال } وهو أنذرنا أو حذرنا ، والثاني بتبرنا لأنه فارغ له .

Section V24/P072–V24/P073

المسألة الثامنة : التتبير التفتيت والتكسير ، ومنه التبر وهو كسارة الذهب والفضة والزجاج . القصة الرابعة قصة لوط عليه السلام ! 7 < { ولقد أتوا على القرية التىأمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا } . > 7 < الفرقان : ( 40 ) ولقد أتوا على . . . . . > > / واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت خمسا أهلك الله تعالى أربعا بأهلها وبقيت واحدة ، و ( مطر السوء ) الحجارة يعني أن قريشا مروا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشأم على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ، { أفلم يكونوا } في ( مرار ) مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله ( ويذكرون ) { بل كانوا } قوما كفرة { لا يرجون نشورا } وذكروا في تفسير { يرجون } وجوها : أحدها : وهو الذي قاله القاضي وهو الأقوى أنه محمول على حقيقة الرجاء لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب وثانيها : معناه لا يتوقعون نشورا ( وعاقبة ) ، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن ، وثالثها : معناه لا يخافون على اللغة التهامية ، وهو ضعيف والأول هو الحق . ! 7 < { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهاذا الذى بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا أرءيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالا نعام بل هم أضل سبيلا } . > 7 ! < < الفرقان : ( 41 - 44 ) وإذا رأوك إن . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد الشبهات في ذلك ، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزوا فلم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ، ويقول بعضهم لبعض { أهاذا الذى بعث الله رسولا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) ( إن ) الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينهما . / المسألة الثانية : جواب ( إذا ) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولا ، وقوله : { إن يتخذونك } جملة اعترضت بين ( إذا ) وجوابها . المسألة الثالثة : اتخذوه هزوا في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءا به .

Section V24/P073–V24/P074

المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله : { أهاذا الذى بعث الله رسولا } وذلك جهل عظيم لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته . أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة . وأما الثاني فباطل لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة . وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } وذلك يدل على أمور : الأول : أنهم سموا ذلك إضلالا ، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر واضلال ، وقولهم : { لولا أن صبرنا عليها } يدل أيضا على ذلك الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : { لولا أن صبرنا عليها } إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضا على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال / وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولا ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل ، ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا / الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها : قوله : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : { إن كان } بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر وثانيها : قوله تعالى : { سبيلا أرءيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع ، ثم ههنا أبحاث :

Section V24/P074–V24/P075

الأول : قوله : { أرأيت } كلمة تصلح للإعلام والسؤال ، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته . الثاني : قوله : { اتخذ إلاهه هواه } معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلها يهواه ، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله : { اتخذ إلاهه هواه } يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلها إلا هواه ، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب . قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده . الثالث : قوله : { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي حافظا تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك . الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى : { لست عليهم بمسيطر } ( الغاشية : 22 ) وقوله : { وما أنت عليهم بجبار } ( ق : 45 ) وقوله : { لا إكراه فى الدين } ( البقرة : 256 ) قال الكلبي : نسختها آية القتال وثالثها : قوله : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع ألبتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : { أم تحسب أن أكثرهم } فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟ والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل . السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع / ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي / خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم . وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون وثالثها : أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم ، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجا ورابعها : أن الأنعام لا تعرف شيئا ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره وخامسها : أن البهائم لا تستحق عقابا على عدم العلم ، أما هؤلاء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب وسادسها : أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الأسراء : 44 ) وقال : { ألم تر أن الله يسجد له من فى السماوات } إلى قوله : { والدواب } ( الحج : 18 ) وقال : { والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه } ( النور : 41 ) وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الأنعام .

Section V24/P075–V24/P076

السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل ؟ الجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم . ! 7 < { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وهو الذىأرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته وأنزلنا من السمآء مآء طهورا لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسى كثيرا } . > 7 < الفرقان : ( 45 - 49 ) ألم تر إلى . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع . النوع الأول : الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ألم تر } فيه وجهان : أحدهما : أنه من رؤية العين والثاني : أنه من رؤية القلب يعني العلم ، فإن حلمناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج ، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه . المسألة الثانية : المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى ، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل ، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع . المسألة الثالثة : الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين : الأول : أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس ، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس ، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية ، فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال : { وظل ممدود } ( الواقعة : 30 ) وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم وسوى اللون ، ونقول الظل ليس أمرا ثالثا ، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها ، فلولا الشمس لما عرف الظل ، ولولا الظلمة لما عرف النور ، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل ، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون ، فلهذا قال سبحانه { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } أي خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة ، ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا يسيرا فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرا يسيرا فكذا زوال الإظلال لا يكون / دفعة بل يسيرا يسيرا ، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح / ولكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد معه أنواع مصالح العالم ، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين .

Section V24/P076–V24/P077

التأويل الثاني : وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلا عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه ، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلا عليها . وأما قوله : { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضا لها أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله : { يسيرا } هو كقوله : { ذلك حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) فهذا هو التأويل الملخص . المسألة الرابعة : وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء ، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، فهو ليس من باب المنافع ، فحصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات ، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات ، فلا بد له في وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد الوجود ، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع ، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل ، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى . فإن قيل : الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء ، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته ، وكيف عده من النعم ؟ قلنا : الظل ليس عدما محضا ، بل هو أضواء مخلوطة بظلم ، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي ، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية . النوع الثاني : قوله تعالى : { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا } اعمل أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن ، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله : { والنوم سباتا } والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتا لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم : السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه ، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت ، وقال صاحب ( الكشاف ) السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال : وهذا كقوله : { وهو الذى يتوفاكم باليل } ( الأنعام : 60 ) وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة ، لأن النشور في مقابلته يأباه ، قال أبو مسلم : وجعل النهار نشورا } هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال : { } هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه : كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر . النوع الثالث : قوله : { وهو الذى أرسل الرياح بشرا بين يديه رحمته } وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف / ثم فيه مسائل :

Section V24/P077–V24/P079

المسألة الأولى : قرىء ( الريح ) و ( الرياح ) ، قال الزجاج : وفي ( نشرا ) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشرا بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ ( بشرا ) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى : { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات } ( الروم : 46 ) وأما بالنون فهو في معنى قوله : { والناشرات نشرا } ( المرسلات : 3 ) وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر . المسألة الثانية : قوله : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب . وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الطهور ما هو ؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضا عن ثعلب ، وأنكر صاحب ( الكشاف ) ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية : صفة واسم غير صفة فالصفة قولك : ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار . حجة القول الأول قوله عليه السلام : ( التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ) ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام : ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا ) ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى قال : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال : 11 ) فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهورا أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر . المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما : ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان ، أما أمر النبات فقوله : { لنحيى به بلدة ميتا } وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال { لنحيى به بلدة } ميتا ولم يقل ميتة ؟ الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله : { فسقناه إلى بلد ميت } ( فاطر : 9 ) . السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتا ، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها . / السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى : { لنحيى به بلدة ميتا } فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء تأثيرا في ذلك الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه : { ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا } وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء ؟ الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم .

Section V24/P079

السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفهما بالكثرة ؟ الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار ( ومنافع ) المياه فهم في غنية ( في شرب المياه عن المطر ) / وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله : { لنحيى به بلدة ميتا } يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في ( كثير ) أن يرجع إلى قوله : { ونسقيه } لأن الحي يحتاج إلى الماء حالا بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين ، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب ، والحيوان يحتاج إليه حالا بعد حال ما دام حيا . السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب : لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضا بسقياهم وأيضا فقوله تعالى : { ولقد صرفناه بينهم } ( الفرقان : 50 ) يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر ، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيرا منه . السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي ، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة كقوله : { وقرونا بين ذالك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) . واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟ النظر الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره ، إلا الماء المستعمل / فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر ، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به ، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل : المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر ، ودليلنا قوله عليه السلام : ( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى ، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء ، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة ، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس . أما الآية فمن وجهين : الأول : قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وقوله : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال : 11 ) فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء ، والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا ، وأيضا قوله : { طهورا } يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقا في قوله : { فاغسلوا } ( المائدة : 6 ) واستعمال كل المائعات غسل ، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو ، قال الشاعر : فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلها

Section V24/P079–V24/P081

فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئا له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام ( توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده ) وعنه عليه السلام : ( أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه ) وعن ابن عباس أنه عليه السلام : ( اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء ، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة ) . وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسدا طاهرا فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديدا ، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف ، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع / ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه . المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه ، وقال : ( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ) وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه ، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله ، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك ، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس ، ولأنه ماء طاهر لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة . المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب ، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا فيما كان فرضا وعبادة ، أو فيما كان فرضا ولا يكون عبادة ، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضا ، أو فيما لا يكون فرضا ولا عبادة . أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضا وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي . وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم ، أي في غسل / حيضها ليحل للزوج غشيانها . وأما القسم الثالث : فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة ، والماء المستعمل في تجديد الوضوء ، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة ، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان : وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة ، وفي التبرد والتنظف ، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل ، وهو طاهر مطهر ، أما الماء المستعمل في غسل الثياب ، فإذا غسل ثوبا من نجاسة وطهر بغسلة واحدة ، يستحب أن يغسله ثلاثا فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير ، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره ، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به ، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر ( قضاعة ) ، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء ، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلا به أو يكون متصلا به . أما الذي لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتنا بسببها فهو أيضا مطهر ، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهرا أو نجسا القسم الأول : إذا كان طاهرا فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه ، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضا مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة ، ولأن الطهورية ثبتت بقوله : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } والأصل في الثابت بقاؤه ، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه ، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن ، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه ، وهذا أيضا مطهر ، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير ، فيكون مرفوعا لقوله : { ما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها ، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغنى الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلا ، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلا ، أو دقيق فابيض قليلا ، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب ، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء ، وأما إن كان التغير كثيرا فإن استحدث اسما جديدا كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق ، وإن لم يستحدث اسما جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به / وعند أبي حنيفة يجوز .

Section V24/P081–V24/P082

حجة الشافعي من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام توضأ ثم قال : ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) فذلك الوضوء إن كان واقعا بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به ، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك ، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب وثانيها : أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به ، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء ، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائما ، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث ، بخلاف ما إذا كان قليلا لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم ، / أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه وثالثها : أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه ، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه . وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس . حجة أبي حنيفة وجوه : أحدها : قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } دلت الآية على كون الماء مطهرا والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة وثانيها : قوله تعالى : { فاغسلوا } ( المائدة : 6 ) أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم وثالثها : قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( النساء : 43 ) علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير ، والموصوف موجود حال وجود الصفة ، فوجب أن لا يجوز له التيمم ورابعها : قوله عليه السلام في البحر : ( هو الطهور ماؤه ) ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذلك وخامسها : أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما وسادسها : لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات ، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيرا إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلا في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني : إذا كان المخالط للماء شيئا نجسا فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود ، وإليه مال الشيخ الغزالي في كتاب ( الإحياء ) ، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري ، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري ، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر ، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها ، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبي بكر وأقول : من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن عمر : ( إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ( الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غربا ) وهو قول محمد بن كعب القرظي ، وقال مسروق وابن سيرين : إذا كان الماء كثيرا لا ينجسه شيء ، وقال سعيد بن جبير : الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي : إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه .

Section V24/P082

واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه : أحدها : قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل وثانيها : قوله عليه السلام : ( خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه ) وهو نص في الباب وثالثها : قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) المتوضىء بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتيا بما أمر به فيخرج عن العهدة ورابعها : أن من شأن كل مختلطين كان أحدهما غالبا على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء ، وكون أحدهما غالبا على الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو الريح ، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكا فيها ، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب حكم الطهارة وخامسها : ما روي عن عمر ( أنه ) توضأ من جرة نصرانية ، مع أن نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم ، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم التغير وسادسها : أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبرا كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة ، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات وسابعها : إصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار وثامنها : أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت ، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه ؟ وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة وتاسعها : أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة ، ولا خلاف أن مذهب الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلا ، وأي فرق بين الجاري والراكد ؟ وليت شعري الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان ؟ وعاشرها : إذا وقع بول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل ، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ابتداء ، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به ؟

Section V24/P082–V24/P083

وحادي عشرها : أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبرا لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر ، لأن الأمر الذي تشتد حاجة / الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها : أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار ، فإن ذلك بالإجماع باطل ، فلا بد من التقدير بمقدار معين ، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط / أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) فضعيف أيضا لأن الشافعي لما روى هذا الخبر ، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولا ، ويكون الحديث مرسلا وهو عنده ليس بحجة ، وأيضا زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه ، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد ، وهو أيضا اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل ، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي ( إذا بلغ الماء قلتين ) ، وروي ( إذا بلغ قلة ) ، وروي ( أربعين قلة ) ، وروي ( إذا بلغ قلتين أو ثلاثا ) ، وروي ( إذا بلغ كوزين ) سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله ( لم يحمل خبثا ) لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله ، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي ، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي ، كان حمله على المسمى اللغوي أولى ، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي ، دفعا للاشتراك والنقل ، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه ، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام : ( ما استخبثته العرب فهو حرام ) إذا ثبت هذا فنقول : معنى قوله ( لم يحمل خبثا ) أي لا يصير مستقذرا طبعا ، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعا ، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله ( لم يحمل خبثا ) أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به ، فيكون هذا دليلا على صيرورته نجسا لا على بقائه طاهرا . لا يقال : الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلا ، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي . قوله إنه موقوف على ابن عمر ، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر ، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته ( بقلال هجر ) . ثم قال : وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا . قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبرا .

Section V24/P083–V24/P084

قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك ، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي ، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل ، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال : ( إذا كان الماء قلتين لم ينجس ) ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطا لهذا الحكم ، والمعلق على الشرط عدم / عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول : لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وعموم قوله : { ولاكن يريد ليطهركم } ( المائدة : 6 ) وعموم قوله : { فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) وعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء ) وهذا المتخصص لا بد وأن يكون بعيدا عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا ليس بحجة ، لأن القلة كما أنها مجهولة فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة ، وقد تكون صغيرة ، ولأن الروايات أيضا مختلفة فتارة قال ( إذا بلغ الماء قلتين ) ، وتارة ( أربعين قلة ) ، وتارة كرين فإذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر . هذا تمام الكلام في نصرة قول مالك ، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه : أولها : قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف : 157 ) والنجاسات من الخبائث ، وقال تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة والدم } ( النحل : 115 ) ، وقال في الخمر : { رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } ( المائدة : 90 ) ومر عليه السلام بقبرين فقال : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما كان لا يستبرىء من البول والآخر كان يمشي بالنميمة ) فحرم الله هذه الأشياء تحريما مطلقا ، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء ، فوجب تحريم استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهرا تقتضي جواز الطهارة به ، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر ، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء واحد ، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة ، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا ههنا وثانيها : قوله عليه السلام : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة ) ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير وثالثها : قوله عليه السلام : ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده ) فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء ، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى ورابعها : قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث . أجاب مالك عن الوجه الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته ، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت ، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها ؟ وتقريره ما قدمناه .

Section V24/P084

وأما قوله عليه السلام : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ) فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه ، بل لعل النهي إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه ، وليس الكلام في نفرة الطبع ، وأما قوله : ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا ) فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب ، فالمرتب عليه كيف يكون أمر / إيجاب ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب ، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه ؟ وأما قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين ) فقد سبق الكلام عليه ، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم ، والله أعلم .

Questions