Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V24/P106–V24/P107

أما قوله تعالى : { فأرسل إلى هارون } فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه ، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه ، قال السدي : إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه ، فقال أنا موسى ، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت أمهما لخوفهما عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل ، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام ، فلما كان هو متعينا لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلوما ، وأيضا ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا ، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل ، كما يقال إذا نابتك نائبة ، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون هرون نبيا معه ، لكن قوله : { فقولا إنا رسول رب العالمين } يدل عليه . أما قوله : { ولهم على ذنب } فأراد بالذنب قتله القبطي ، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص . واعلم أنه ليس في التماس موسى عليه السلام ، أن يضم إليه هرون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد ، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبيا فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين ، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف الله تعالى العبد ، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه ، فإذا علم أنه غير متمكن منه فإنه لا يأمره به / وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت ، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في غيرهم . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام : { ولهم على ذنب } هل يدل على صدور الذنب منه ؟ جوابه : لا والمراد لهم علي ذنب في زعمهم . ! 7 < { قال كلا فاذهبا بأاياتنآ إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولاإنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بنىإسراءيل } . > 7 ! / < < الشعراء : ( 15 - 17 ) قال كلا فاذهبا . . . . . > > اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين : الأول : أن يدفع عنه شرهم والثاني : أن يرسل معه هرون فأجابه الله تعالى إلى الأول بقوله : { كلا } ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثاني بقوله : { فاذهبا } أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هرون فإن قيل علام عطف قوله : { فاذهبا } قلنا على الفعل الذي يدل عليه ( كلا ) كأنه قال : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهرون . وأما قوله : { إنا معكم مستمعون } فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا أحضر وأستمع ما يجري بينكما فأظهركما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما ، وإنما جعلنا الاستماع مجازا لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على الله تعالى محال .

Section V24/P107–V24/P108

وأما قوله : { إنا رسول رب العالمين } ففيه سؤال وهو أنه هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله : { إنا رسولا ربك } جوابه من وجوه : أحدها : أن الرسول اسم للماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا يفيدان إلا الوحدة لا الاستغراق ، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضا هذا الإنسان هو الضحاك ، وإذا ثبت أن لفظ الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى الاثنين ثبت صحة قوله : { إنا رسول رب العالمين } وثانيها : أن الرسول قد يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين وثالثها : أنهما لاتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد ورابعها : المراد كل واحد منا رسول وخامسها : ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية لكونه هو الرسول خاصة وقوله : { أنا } فكما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه } ( يوسف : 2 ) وهو ضعيف . وأما قوله : { أن أرسل معنا بنى إسراءيل } فالمراد من هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي ، يريد خلهم يذهبوا معنا . ! 7 < { قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين } . > 7 < الشعراء : ( 18 - 19 ) قال ألم نربك . . . . . > > / اعلم أن في الكلام حذفا وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال ، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولا ، ثم إساءة موسى إليه ثانيا ، أما النعم فهي قوله : { ألم نربك فينا وليدا } والوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة { ولبثت فينا من عمرك } وعن أبي عمرو بسكون الميم { سنين } قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم ( على أثرها ) والله أعلم بصحيح ذلك ، وعن الشعبي { فعلتك } بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز وهو ضرب من القتل ، وأما الفعلة فلأنها ( كانت ) ( 1 ) وكزة واحدة عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك ( وفظعه ) ( 1 ) بقوله : { وفعلت فعلتك التى فعلت } . وأما قوله : { وأنت من الكافرين } ففيه وجوه : أحدها : يجوز أن يكون حالا أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي وثانيها : وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان ( يعاشرهم ) بالتقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة وثالثها : { وأنت من الكافرين } معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمته ورابعها : { وأنت من الكافرين } بفرعون وإلهيته أو من الذين ( كانوا ) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها ، يشهد بذلك قوله تعالى : { ويذرك وءالهتك } ( الأعراف : 127 ) . ! 7 < { قال فعلتهآ إذا وأنا من الضآلين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما وجعلنى من المرسلين وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسراءيل } . > 7 <

Section V24/P108–V24/P109

الشعراء : ( 20 - 22 ) قال فعلتها إذا . . . . . > > اعلم أن فرعون لما دكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ظاهرة ، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها ، ولم يشتغل بالجواب عنها ، لأنه تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك ، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر ألبتة ، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب وهو قوله : { فعلتها إذا وأنا من الضالين } والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب ، ومثل ذلك ربما / حسن وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرا أو كافرا لنعمه ، فأما قوله : { ففررت منكم لما خفتكم } فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكا وكان مني في حكم السهو ، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم : { إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك } ( القصص : 20 ) فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة ، بل بأن يكون مسيئا فيه أقرب من حيث خوف تخويفا أوجب الفرار ، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار ، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكما وجعلني من المرسلين ، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه ، والنبوة مفهومة من قوله : { وجعلنى من المرسلين } فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد ، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل والرأي والعلم بالتوحيد وقوله : { فوهب لى ربى حكما } كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى ، وقالت المعتزلة : المراد منه الألطاف وهو ضعيف جدا لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير ، فالتخصيص لا بد فيه من فائدة ، فأما قوله : { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسراءيل } فهو جواب قوله : { ألم نربك فينا وليدا } يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا ، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين ؟ قلنا بيان التعلق من وجوه : أحدها : أنه إنما وقع في يده وفي تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم ، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنيا عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا وثانيها : أن هذا الإنعام المتأخر صار معاضا بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا وثالثها : ما قاله الحسن : إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية ورابعها : المراد أن الذي تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي وسائر من هو من قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني ، ومثل هذا لا يعد إنعاما وخامسها : أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه .

Section V24/P109–V24/P110

واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما بينا ، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافرا لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره / فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقا للإهانة وللتعظيم معا ، واستحقاق الجمع بين الضدين محال ، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان ، والآية تدل على هذا القول الثاني . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) إنما جمع الضمير في { منكم } و { خفتكم } مع إفراده في { ثمنها } و { أن عبدت } لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله ، بدليل / قوله : { إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك } ( القصص : 20 ) وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد ، فإن قلت : { تلك } إشارة إلى ماذا و { أن عبدت } ما محلها من الإعراب ؟ قلت : ( تلك ) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها وهي { أن عبدت } فإن { أن عبدت } عطف بيان ونظيره قوله تعالى : { وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي ، وقال الزجاج : ويحوز أن يكون ( أن ) في موضع نصب ، والمعنى إنما صارت نعمة علي ، لأن عبدت بني إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي . ! 7 < { قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والا رض وما بينهمآ إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب ءابآئكم الا ولين قال إن رسولكم الذىأرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلاها غيرى لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشىء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين } . > 7 < الشعراء : ( 23 - 31 ) قال فرعون وما . . . . . > > اعلم أن فرعون لم يقل لموسى { وما رب العالمين } ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين ، يبين ذلك ما تقدم من قوله : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك ، فعند ذلك قال فرعون : { وما رب العالمين } ثم ههنا بحثان :

Section V24/P110

الأول : أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفا بالله ، ولكنه قال ما قال طلبا للملك والرياسة ، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفا بالله ، وهو قوله : { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والارض } ( الإسراء : 102 ) فإذا قرىء بفتح التاء من { علمت } فالمراد أن فرعون علم ذلك ، وذلك يدل على أنه كان عارفا بالله ، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من / إلهيته ، والقراءة الأخرى برفع التاء من { علمت } فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك ، وأيضا فإن فرعون إن لم يكن عاقلا لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه ، وإن كان عاقلا فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجودا ولا حيا ولا عاقلا ثم صار كذلك ، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر ، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها ، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم ، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار ، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية ، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين ، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده ، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلها .

Section V24/P110–V24/P111

البحث الثاني : وهو أنه قال لموسى عليه السلام : { وما رب العالمين } ؟ واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء ، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج . أما تعريفها بنفسها فمحال ، لأن المعرف معلوم قبل المعرف ، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوما قبل أن يكون معلوما وهو محال . وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال ، لأن التعريف بالأمور الدخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبا ، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركبا ، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه فهو غيره ، فكل مركب محتاج إلى غيره ، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركبا ، فواجب الوجود ليس بمركب ، وإذا لم يكن مركبا استحال تعريفه بأجزائه / ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره ، ثم إن اللوازم قد تكون خفية ، وقد تكون جلية ، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية ، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون { وما رب العالمين } إلا ما قاله موسى عليه السلام ، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما ، فأما قوله : { إن كنتم موقنين } فمعناه : إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق ، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره ، وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره ، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات / والأرض وما بينهما ، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب ، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى ، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة ، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية ، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية ، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني ، فهذا المذكور ، إما أن يكون معروفا لمجرد كونه أمرا ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية ، والأول محال لأن كونه أمرا يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفا فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفا لنفسه وهو محال ، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة ، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه ربا للسموات والأرض وما بينهما جوابا عن قوله : { وما رب العالمين } فأجاب موسى عليه السلام : بأن { قال ربكم ورب ءابائكم الاولين } وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقا لنا ولآبائنا ، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر ، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم ، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود ، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته ، وما لم يكن واجبا لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر ، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية ، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه ، فقال موسى عليه السلام : { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني ، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ ، فإنه استدل أولا بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } فأجابه نمروذ بقوله : { ألم تر إلى } ( البقرة : 258 ) فقال : { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر } ( البقرة : 258 ) وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : { رب المشرق والمغرب } .

Section V24/P111–V24/P112

وأما قوله : { إن كنتم تعقلون } فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته ، وقد ثبت / أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته ، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته ، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلا يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته .

Section V24/P112

واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام ( 18 ) في تفسير قوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده } أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر ، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة ، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين ربا وإلها ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة ، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه في صحة دعوى الرسالة ، وفرعون يطالبه ببيان الماهية ، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفيا ولا إثباتا في هذا المطلوب ، فهذا تمام القول في هذا البحث والله أعلم ، ثم إن موسى عليه السلام لما خشن في آخر الكلام بقوله : { إن كنتم تعقلون } فعند ذلك قال فرعون : { لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } فإنه لما عجز عن الحجاج عدل إلى التخويف ، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاما مجملا ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال : { أو لو جئتك بشىء مبين } ؟ أي هل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله ؟ فعند ذلك قال : { فأت به إن كنت من الصادقين } وههنا فروع : الفرع الأول : الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسما وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازما له لعدوله عن الجواب الحق الثاني : الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه الثالث : أنه يجوز للمسؤول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الانقطاع الرابع : إن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله : { أو لو جئتك بشىء مبين } والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم ؟ قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده ، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع الخامس : فإن قيل كيف قال : { رب السماوات والارض وما بينهما } على التثنية والمرجوع إليه مجموع ؟ جوابه أريد ما بين الجهتين ، فإن قيل : ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم ، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟ جوابه : قد عمم أولا ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى / حالة أخرى / ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل السادس : فإن قيل لم قال : { لاجعلنك من المسجونين } ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر ؟ جوابه : لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجونا .

Section V24/P112–V24/P113

أما قوله : { لاجعلنك من المسجونين } فمعناه أني أجعلك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فردا لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل السابع : الواو في قوله : { أو لو جئتك } واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي جائيا بالمعجزة .

Section V24/P113–V24/P114

! 7 < { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ونزع يده فإذا هى بيضآء للناظرين قال للملإ حوله إن هاذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدآئن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } . > 7 < الشعراء : ( 32 - 37 ) فألقى عصاه فإذا . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الأعمش : { بكل ساحر عليم } . المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { أو لو جئتك بشىء مبين } ( الشعراء : 30 ) يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ثعبانا ، ولولا ذلك لما قال ما قال : فلما ألقى عصاه ظهر ما وعده الله به فصار ثعبانا مبينا ، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات ، روي أنه لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون يا موسى أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فإن قيل كيف قال ههنا : { ثعبان مبين } وفي آية أخرى : { فإذا هى حية تسعى } ( طه : 20 ) وفي آية ثالثة : { كأنها جان } ( القصص : 31 ) والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر ؟ جوابه : أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا ، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان ، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) ويحتمل أنها كانت أولا صغيرة كالجان ثم عظمت / فصارت ثعبانا ، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها ؟ قال نعم فأراه يده ثم أدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء يضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس ، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر فيها أمورا ثلاثة : أحدها : قوله : { إن هاذا لساحر عليم } وذلك لأن الزمان كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول وثانيها : قوله : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } وهذا يجري مجرى التنفير عنه لئلا يقبلوا قوله ، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم ، ومعلوم أن مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك ، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير عن المحق وثالثها : قوله لهم : { فماذا تأمرون } أي فما رأيكم فيه وما الذي أعمله ، يظهر من نفسه أني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم ، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد وهو قوله : { أرجه } قرىء ( أرجئه ) و ( أرجه ) بالهمز والتخفيف ، وهما لغتان يقال : أرجأته وأرجيته إذا أخرته ، والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة ، وقيل احبسه وذلك محتمل ، لأنك إذا حبست الرجل عن حاجته فقد أخرته . روي أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه ، فقالوا له لا تفعل ، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة ، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة ، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة ، ظنا منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله : { إن هاذا لساحر عليم } بقولهم : { بكل سحار عليم } فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه ، قال صاحب ( الكشاف ) فإن قلت : قوله تعالى : { قال للملإ حوله } ما العامل في ( حوله ) ؟ قلت : هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل والعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف ، والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال .

Section V24/P114–V24/P115

! 7 < { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 38 - 42 ) فجمع السحرة لميقات . . . . . > > وفيه مسألتان : / المسألة الأولى : اليوم المعلوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى ، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله : { موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } ( طه : 59 ) والميقات ما وقت به أي حدد من مكان وزمان ومنه مواقيت الإحرام . المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما أشاروا بتأخير أمره وبأن يجمع له السحرة ليظهر عند حضورهم فساد قول موسى عليه السلام ، رضي فرعون بما قالوه وعمي عما شاهده وحب الشيء يعمي ويصم فجمع السحرة ثم أراد أن تقع تلك المناظرة يوم عيد لهم ليكون ذلك بمحضر الخلق العظيم وكان موسى عليه السلام يطلب ذلك لتظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم وكان هذا أيضا من لطف الله تعالى في ظهور أمر موسى عليه السلام . أما قوله : { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } فالمراد أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين . وأما قوله : { لعلنا نتبع السحرة } فالمراد إنا نرجو أن يكون الغلبة لهم فنتبعهم فلما جاء السحرة ابتدأوا بطلب الجزاء ، وهو إما المال وإما الجاه فبذل لهم ذلك وأكده بقوله : { وإنكم إذا لمن المقربين } لأن نهاية مطلوبهم منه البذل ورفع المنزلة فبذل كلا الأمرين . ! 7 < { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون فألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . > 7 < الشعراء : ( 43 - 48 ) قال لهم موسى . . . . . > > اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من أن يبدأ موسى أو يبدأوا ثم إنهم تواضعوا له فقدموه على أنفسهم ، وقالوا : { إما أن تلقى وإما أن تكون أول من ألقى } ( طه : 65 ) فلما تواضعوا له تواضع هو أيضا لهم فقدمهم على نفسه ، وقال : { ألقوا ما أنتم ملقون } فإن قيل كيف جاز لموسى عليه السلام أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك سحر وتلبيس وكفر والأمر بمثله لا يجوز الجواب : لا شبهة في أن ذلك ليس بأمر لأن مراد موسى عليه السلام منهم كان أن يؤمنوا به ولا يقدموا على ما يجري / مجرى المغالبة ، وإذا ثبت هذا وجب تأويل صيغة الأمر وفيه وجوه : أحدها : ذلك الأمر كان مشروطا والتقدير ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله : { فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين } ( البقرة : 23 ) وثانيها : لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار جائزا وثالثها : أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد ، أي إن فعلتم ذلك أتينا بما تبطله ، كقول القائل لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن ثم يفوق له السهم فيقول له ارم فيكون ذلك منه تهديدا ورابعها : ما ذكرنا أنهم لما تواضعوا له وقدموه على أنفسهم فهو قدمهم على نفسه على رجاء أن يصير ذلك التواضع سببا لقبول الحق ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب ، وهذا تنبيه على أن اللائق بالمسلم في كل الأحوال التواضع ، لأن مثل موسى عليه السلام لما لم يترك التواضع مع أولئك السحرة ، فبأن يفعل الواحد منا أولى .

Section V24/P115–V24/P116

أما قوله تعالى : { فألقوا حبالهم وعصيهم } فروي عن ابن عباس أنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق فلما حميت اشتدت حركتها فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض فهاب موسى عليه السلام ذلك ، فقيل له ألق ما في يمينك فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم حتى أكلت الكل ثم أخد موسى عصاه ، فإذا هي كما كانت فلما رأت السحرة ذلك قالت لفرعون كنا نساحر الناس فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي ، وكذلك إن غلبونا ولكن هذا حق فسجدوا وآمنوا برب العالمين . واعلم أن في الآثار اختلافا فمنهم من كثر الحبال والعصي ، ومنهم من توسط والله أعلم بعدد ذلك ، والذي يدل القرآن عليه أنها كثيرة من حيث حشروا من كل بلد ، ولأن الأمر بلغ عند فرعون وقومه في العظم مبلغا يبعد أن يدخر عنه ما يمكن من جمع السحرة . وأما قوله : { وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } فالمراد أنهم أظهروا ما يجري مجرى القطع على أنهم يغلبون ، وكل ذلك لما ظهر كان أقوى لأمر موسى عليه السلام . أما قوله : { فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون } فالمراد من قوله : { ما يأفكون } ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ( ويزورونه ) فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى ، ( بالتمويه على الناظرين أو إفكهم ) وسمى تلك الأشياء إفكا مبالغة . أما قوله : { فألقى السحرة ساجدين } فالمراد خروا سجدا لأنهم كانوا في الطبقة العالية من علم السحر / فلا جرم كانوا عالمين بمنتهى السحر ، فلما رأوا ذلك وشاهدوه خارجا عن حد السحر علموا أنه ليس بسحر ، وما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر ، ثم إنهم عند ذلك لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا ، فإن قيل فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به ؟ جوابه : هو الله تعالى بما ( حصل في قلوبهم من الدواعي الجازمة الخالية عن المعارضات / ولكن الأولى ) أن لا نقدر فاعلا لأن ألقى بمعنى خر وسقط . أما قوله : { رب موسى وهارون } فهو عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا موسى وهرون عليهما السلام إليه . ! 7 < { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانآ أن كنآ أول المؤمنين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 49 - 51 ) قال آمنتم له . . . . .

Section V24/P116–V24/P117

> > اعلم أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول الناس إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وتظاهرهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون مثل طريقهم فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى عليه السلام من وجوه : أولها : قوله : { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن } وهذا فيه إيهام أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على أنكم كنتم مائلين إليه ، وذلك يطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله وثانيها : قوله : { إنه لكبيركم الذى علمكم السحر } وهذا تصريح بما رمز به أولا ، وغرضه منه أنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى عليه السلام وقصروا في السحر ليظهر أمر موسى عليه السلام ، وإلا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل ما فعل موسى عليه السلام ، وهذه شبهة قوية في تنفير من يقبل قوله وثالثها : قوله : { فلسوف تعلمون } وهو وعيد مطلق وتهديد شديد ورابعها : قوله : { لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين } وهذا هو الوعيد المفصل وقطع اليد والرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والصلب معلوم ، وليس في الإهلاك أقوى من ذلك وليس في الآية أنه فعل ذلك أو لم يفعل ، ثم إنه أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين : الأول : قولهم : { لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون } الضر والضير واحد ، وليس المراد أن ذلك إن وقع لم يضر وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء . واعلم أن قولهم : { إنا إلى ربنا منقلبون } فيه نكتة شريفة وهي أنهم قد بلغوا في حب / الله تعالى أنهم ما أرادوا شيئا سوى الوصول إلى حضرته ، وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب ، وإنما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته والاستغراق في أنوار معرفته ، وهذا أعلى درجات الصديقين الجواب الثاني : قولهم : { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا } فهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما ، والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقول إبراهيم { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) ويحتمل الظن لأن المرء لا يعلم ما سيجيء من بعد . أما قوله : { أن كنا أول المؤمنين } فالمراد لأن كنا أول المؤمنين من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف ، أو يكون المراد من السحرة خاصة ، أو من رعية فرعون أو من أهل زمانهم ، وقرىء ( إن كنا ) بالكسر ، وهو من الشرط الذي يجيء به المدل ( بأمره لصحته وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين ) ، ونظيره قول ( القائل ) لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوفني حقي . ! 7 < { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادىإنكم متبعون فأرسل فرعون فى المدآئن حاشرين إن هاؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغآئظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بنىإسراءيل فأتبعوهم مشرقين فلما ترآءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معى ربى سيهدين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 52 - 62 ) وأوحينا إلى موسى . . . . .

Section V24/P117–V24/P118

> > قرىء { أسر } بقطع الهمزة ووصلها وسر . لما ظهر أمر موسى عليه السلام بما شاهدوه من الآية ، أمره الله تعالى بأن يخرج ببني إسرائيل لما كان في المعلوم من تدبير الله تعالى في موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم ، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال ، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل ، / وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى ، ولا شبهة أن في الكلام حذفا وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى ، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا ، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب ، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر ، فلما سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين ، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم . فالصفة الأولى : قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } والشرذمة الطائفة القليلة ، ومنه قولهم ثوب شراذم للذي بلي ، وتقطع قطعا ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلا بالوصف ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة ( وقد يجمع القليل على أقلة وقلل ) ، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة ( والقماءة ) لا قلة العدد ، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه ، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف . الصفة الثانية : قوله : { وإنهم لنا لغائظون } يعني يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا ، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه : أحدها : ما تقدم من أمر الحلي وغيره وثانيها : خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم وثالثها : مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها : ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلها . أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله : { وإنا لجميع حاذرون } وفيه ثلاث قراءات ( حذرون ) و ( حاذرون ) و ( حادرون ) بالدال غير المعجمة . واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت ، فمن قرأ { حاذرون } ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ، ومن قرأ { حاذرون } فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا . وأما من قرأ { حادرون } بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلا ، لأن الحادر هو المشمر ، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء ، أو أراد إنا مدججون في السلاح / والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم . أما قوله تعالى : { حاذرون فأخرجناهم } فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ، فكان الفعل مضافا إلى الله تعالى لا محالة .

Section V24/P118–V24/P119

وأما قوله : { من جنات وعيون وكنوز } فقال مجاهد : سماها كنوزا ، لأنهم لم ينفقوا منها في / طاعة الله تعالى ، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية ، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة ، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني إسرائيل . أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه ، والجر على أنه وصف لمقام كريم ، أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي الأمر كذلك . أما قوله : { فأتبعوهم } أي فلحقوهم ، وقرىء ( فاتبعوهم ) { مشرقين } داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقا إذا طلعت . أما قوله : { فلما تراءا الجمعان } أي رأى بعضهم بعضا ، قال أصحاب موسى : { إنا لمدركون } أي لملحقون { وقالوا يأيها موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } كانوا يذبحون أبناءنا ، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا ، أي في الساعة فيقتلوننا ، وقرىء { فلما تراءت الفئتان } { إنا لمدركون } بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى ، ومنه قوله تعالى : { بل ادرك علمهم فى الاخرة } ( النمل : 66 ) قال الحسن : جهلوا علم الآخرة ، والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه ، ثم قوى نفوسهم بأمرين : أحدهما : { إن معى ربى } وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني : قوله : { سيهدين } والهدى هو طريق النجاة والخلاص ، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه ، فقد بلغ النهاية في النصرة . ! 7 < { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الا خرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الا خرين إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . > 7 ! < < الشعراء : ( 63 - 68 ) فأوحينا إلى موسى . . . . .

Section V24/P119–V24/P120

> > اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله : { إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه ، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا ، فقال : { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه ، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام ، واختلفوا في البحر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا إلا يوشع بن نون فإنه ضرب دابته وخاض في البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لي فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر عن العصاة ، فقال موسى يا رب قد أبى البحر أن ينفرق ، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه فانفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط منهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه فجعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة ، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون وكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم ، ويستقبل القبط فيقول رويدكم ليلحق آخركم ، وروي أن موسى عليه السلام قال عند ذلك : ( يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء ) . فأما قوله : { فكان كل فرق كالطود العظيم } فالفرق الجزء المنفرق منه ، وقرىء ( كل فلق ) والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أي المرتفع في السماء وهو معجز من وجوه : أحدها : أن تفرق ذلك الماء معجز وثانيها : أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضا لأنه كان لا يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى حتى يصير كأنه لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكدا لهذا الإعجاز وثالثها : أنه إن ثبت ما روي في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل فهو معجز ثالث ورابعها : أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض فهو معجز رابع وخامسها : أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز خامس . أما قوله تعالى : { وأزلفنا ثم الاخرين } ففيه بحثان : البحث الأول : قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي { وأزلفنا } أي وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه : أحدها : قربناهم من بني إسرائيل وثانيها : قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد وثالثها : قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال : { وأزلفنا } أي حبسنا فرعون وقومه عنذ طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى / وقرىء { وأزلقنا } بالقاف أي أزللنا أقدامهم / والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا وأزلقهم .

Section V24/P120–V24/P121

البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعا وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني : قيل : { العظيم وأزلفنا ثم الاخرين } أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد : وكل يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حلم عنهم ، وترك البحر لهم يبسا وطمعوا في عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مرارا فيحلم عنه ، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلمي ، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل الثاني : يحتمل أنه أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب : عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل الله تعالى أثرا في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف ، وإن لم يكن له فيه أثر ألبتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة ، وأما إذا تعب أحدنا في طلب غلام له ، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوما للسيد ، ومتى علمه صار علمه داعيا له إلى ذلك التعب ومؤثرا فيه فصحت الإضافة . وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثرا في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة والجواب : عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده ، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله تعالى ؟ أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف والجواب : عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك ، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا ؟ وباقي التقرير كما تقدم والجواب : عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني والله أعلم . أما قوله تعالى : { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الاخرين } فالمعنى أنه تعالى جعل البحر يبسا في حق موسى وقومه حتى خرجوا منه وأغرق فرعون وقومه لأنه لما تكامل دخولهم البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا في ذلك الماء .

Section V24/P121–V24/P122

/ أما قوله تعالى : { إن فى ذلك لآية } فالمعنى أن الذي حدث في البحر آية عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرته لأن أحدا من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته من حيث وقع ما كان مصلحة في الدين والدنيا ، وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له ، وعلى اعتبار المعتبرين به أبدا فيصير تحذيرا من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله ، ويكون فيه اعتبار لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال عقيب ذلك : { وما كان أكثرهم مؤمنين } وفي ذلك تسلية له فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره / فإن الذي ظهر على موسى من هذه المعجزات العظام التي تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم لما شاهدوه في البحر وغيره . فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون في هذا الصبر تأكيد الحجة عليهم . وأما قوله : { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } فتعلقه بما قبله أن القوم مع مشاهدة هذه الآية الباهرة كفروا ، ثم إنه تعالى كان عزيزا قادرا على أن يهلكهم ، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل أفاض عليهم أنواع رحمته فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله . القصة الثانية قصة إبراهيم عليه السلام ! 7 < { واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنآ ءابآءنا كذلك يفعلون قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءابآؤكم الا قدمون فإنهم عدو لىإلا رب العالمين } . > 7 < الشعراء : ( 69 - 77 ) واتل عليهم نبأ . . . . . > > اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كفر قومه / ثم إنه ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى : ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم عليه السلام ليعرف محمد أيضا أن حزن إبراهيم عليه السلام بهذا السبب كان أشد من حزنه ، لأن من عظيم المحنة على إبراهيم عليه السلام أن يرى أباه وقومه في النار وهو لا يتمكن من إنقاذهم إلا بقدر الدعاء والتنبيه فقال لهم : { ما تعبدون } وكان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول لتاجر الرقيق ما مالك ؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول : الرقيق جمال وليس بمال . فأجابوا إبراهيم عليه السلام بقولهم : { نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } والعكوف : الإقامة على الشيء ، وإنما قالوا : { نظل } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل ، واعلم أنه كان يكفيهم في الجواب أن يقولوا نعبد أصناما ، ولكنهم ضموا إليه زيادة على الجواب وهي قولهم : { أصناما فنظل لها عاكفين } وإنما ذكروا هذه الزيادة إظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بعبادة الأصنام فقال إبراهيم عليه السلام منبها على فساد مذهبهم { هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون } قال صاحب ( الكشاف ) : لا بد في يسمعونكم من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم وقرأ قتادة { هل يسمعونكم } أي هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم وهل يقدرون على ذلك وتقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام أن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة ، فقال لهم فإذا كان من تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم ، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر فكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه ؟ فعند هذه الحجة القاهرة لم يجد أبوه وقومه ما يدفعون به هذه الحجة فعدلوا إلى أن قالوا : { وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون } وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال ، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك مدحا لطريقة الكفار التي ذمها الله تعالى وذما لطريقة إبراهيم عليه السلام التي مدحها الله تعالى فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله : { قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءاباؤكم } أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديما أو حديثا ، ولا بأن يكون في فاعلية كثرة أو قلة .

Section V24/P122–V24/P123

أما قوله : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ففيه أسئلة : السؤال الأول : كيف يكون الصنم عدوا مع أنه جماد ؟ جوابه من وجهين : أحدهما : أنه تعالى قال في سورة مريم ( 82 ) في صفة الأوثان { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } فقيل في تفسيره إن الله يحيي ما عبدوه من الأصنام حتى يقع منهم التوبيخ لهم والبراءة منهم / فعلى هذا الوجه أن الأوثان ستصير أعداء لهؤلاء الكفار في الآخرة فأطلق إبراهيم عليه السلام لفظ العداوة عليهم على هذا التأويل وثانيها : أن الكفار لما عبدوها وعظموها ورجوها في طلب / المنافع ودفع المضار نزلت منزلة الأحياء العقلاء في اعتقاد الكفار ، ثم إنها صارت أسبابا لانقطاع الإنسان عن السعادة ووصوله إلى الشقاوة ، فلما نزلت هذه الأصنام منزلة الأحياء وجرت مجرى الدافع للمنفعة والجالب للمضرة لا جرم جرت مجرى الأعداء ، فلا جرم أطلق إبراهيم عليه السلام عليها لفظ العدو وثالثها : المراد في قوله : { فإنهم عدو لى } عداوة من يعبدها ، فإن قيل فلم لم يقل إن من يعبد الأصنام عدو لي ليكون الكلام حقيقة ؟ جوابه : لأن الذي تقدم ذكره ما عبدوه دون العابدين . السؤال لثاني : لم قال : { فإنهم عدو لى } ولم يقل فإنها عدو لكم ؟ جوابه : أنه عليه السلام صور المسألة في نفسه على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها ، ( وآثرت عبادة من الخير كله منه ) وأراهم ( بذلك ) أنها نصيحة نصح بها نفسه ، فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، فيكون ذلك أدعى للقبول . السؤال الثالث : لم لم يقل فإنهم أعدائي ؟ جوابه العدو والصديق يجيئان في معنى الواحد والجماعة ، قال : ف وقوم علي ذوي ( مرة ) < / 1 > أراهم عدوا وكانوا صديقا ومنه قوله تعالى : { وهم لكم عدو } ( الكهف : 50 ) وتحقيق القول فيه ما تقدم في قوله : { إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) . السؤال الرابع : ما هذا الاستثناء ؟ جوابه أنه استثناء منقطع كأنه قال لكن رب العالمين . ! 7 < { الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين والذىأطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } . > 7 ! < < الشعراء : ( 78 - 82 ) الذي خلقني فهو . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أنه استثنى رب العالمين ، حكى عنه أيضا ما وصفه به مما يستحق العبادة لأجله ، ثم حكى عنه ما سأله عنه ، أما الأوصاف فأربعة : أولها : قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } .

Section V24/P123

واعلم أنه سبحانه أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله : { الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 2 ، 3 ) واعلم أن الخلق والهداية بهما يحصل جميع المنافع لكل من يصح الانتفاع عليه ، فلنتكلم في الإنسان فنقول إنه مخلوق ، فمنهم من قال هو من عالم الخلق والجسمانيات ، ومن قال هو من عالم الأمر الروحانيات ، وتركيب البدن الذي هو من عالم الخلق مقدم على إعطاء القلب الذي هو من عالم / الأمر على ما أخبر عنه سبحانه في قوله : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( ص : 72 ) فالتسوية إشارة إلى تعديل المزاج وتركيب الأمشاج ، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية التي هي من عالم الأمر ، وأيضا قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) ولما تمم مراتب تغيرات الأجسام قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) وذلك إشارة إلى الروح الذي هو من عالم الملائكة ، ولا شك أن الهداية إنما تحصل من الروح ، فقد ظهر بهذه الآيات أن الخلق مقدم على الهداية .

Questions

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 238 · Qur'an & Sunnah