Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن النبي عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله ، وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن ههنا شيئا آخر وهو أنهم قالوا : { بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل ، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزا ، ويحتمل أن يكون حراما ، وهم تعاطوه ، ويحتمل أن يكون واجبا في اعتقادهم والقول بين الدلالة ، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله ، لكان الواجب الأخذ بالقول ، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال ، ثم قال تعالى : { أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } استفهاما على سبيل التعجب في الإنكار يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب ، وهم مع هذا يتبعون الشيطان . ثم قال تعالى : { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور } لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله : { ومن يسلم وجهه إلى الله } إشارة إلى الإيمان وقوله : { وهو محسن } إشارة إلى العمل الصالح فتكون الآية في معنى قوله تعالى : { من ءامن وعمل صالحا } وقوله : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ههنا : { ومن يسلم وجهه إلى الله } وقال في سورة البقرة : { بلى من أسلم وجهه لله } فعدى ههنا بإلى وهناك باللام ، قال الزمخشري معنى قوله : { أسلم لله } أي جعل نفسه لله سالما أي خالصا / والوجه بمعنى النفس والذات ، ومعنى قوله : { يسلم وجهه إلى الله } يسلم نفسه إلى الله كما يسلم واحد متاعا إلى غيره ولم يزد على هذا ، ويمكن أن يزاد عليه ويقال من أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله ، لأن إلى للغاية واللام للاختصاص ، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك وينبىء هذا عن عدم الوصول لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول وقوله أسلمت وجهي لك يفيد الاختصاص ولا ينبىء عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها للوصول ، إذا علم هذا فنقول في البقرة قالت اليهود والنصارى : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) فقال الله ردا عليهم : { تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم } ( البقرة : 111 ) ثم بين فساد قولهم بقوله تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله } أي أنتم مع أنكم تتركون الله للدنيا وتولون عنه للباطل وتشترون بآياته ثمنا قليلا تدخلون ( النار ) ومن كان بكليته لله لا يدخلها ، هذا كلام باطل فأورد عليهم من أسلم لله ولا شك أن النقض بالصورة التي هي ألزم أولى فأورد عليهم المخلص الذي ليس له أمر إلا الله وقال : أنتم تدخلون الجنة وهذا لا يدخلها ، ثم بين كذبهم وقال : بلى وبين أن له فوق الجنة درجة وهي العندية بقوله : { فله أجره عند ربه } وأما ههنا أراد وعد المحسن بالثواب والوصول إلى الدرجة العالية فوعد من هو دونه ليدخل فيه من هو فوقه بالطريق الأولى ويعم الوعد وهذا من الفوائد الجليلة . ثم قال تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أوثق العرى جانب الله لأن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له ، ثم قال تعالى : { وإلى الله عاقبة الامور } يعني استمسك بعروة توصله إلى الله وكل شيء عاقبته إليه فإذا حصل في الحال ما إليه عاقبته في عاقبته في غاية الحسن وذلك لأن من يعلم أن عاقبة الأمور إلى واحد ثم يقدم إليه الهدايا قبل الوصول إليه يجد فائدته عند القدوم عليه ، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله : { وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله } ( البقرة : 110 ) .
! 7 < { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } . > 7 ! < < لقمان : ( 23 - 24 ) ومن كفر فلا . . . . . > > لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال : { ومن كفر فلا يحزنك } أي لا تحزن إذا كفر كافر فإن من يكذب وهو قاطع بأن صدقه يتبين عن قريب لا يحزن ، بل قد يؤنب المكذب على الزيادة في التكذيب إذا لم يكن من الهداة ويكون المكذب من العداة ليخجله غاية التخجيل ، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه يتألم من التكذيب ، فقال فلا يحزنك كفره ، فإن المرجع إلي فأنبئهم بما عملوا فيخجلون وقوله : { إن الله عليم بذات الصدور } أي لا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم / فينبئهم بما أضمرته صدورهم ، وذات الصدور هي المهلك ، ثم إن الله تعالى فصل ما ذكرنا وقال : { نمتعهم قليلا } أي بقاؤهم مدة قليلة ثم بين لهم وبال تكذيبهم وكفرهم بقوله : { ثم نضطرهم } أي نسلط عليهم أغلظ عذاب حتى يدخلوا بأنفسهم عذابا غليظا فيضطرون إلى عذاب النار فرارا من الملائكة الغلاظ الشداد الذين يعذبونهم بمقامع من نار ، وفيه وجه آخر لطيف وهو أنهم لما كذبوا الرسل ثم تبين لهم الأمر وقع عليهم من الخجالة ما يدخلون النار ولا يختارون الوقوف بين يدي ربهم بمحضر الأنبياء ، وهو يتحقق بقوله تعالى : { فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } . ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! < < لقمان : ( 25 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > الآية متعلقة بما قبلها من وجهين أحدهما : أنه تعالى لما استدل بخلق السموات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له وهذا يقتضي أن يكون الحمد كله لله ، لأن خالق السموات والأرض يحتاج إليه كل ما في السموات والأرض ، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره ، لكنهم لا يعلمون هذا والثاني : أن الله تعالى لما سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم } أي لا تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب عند رجوعهم إلينا ، قال وليس لا يتبين إلا ذلك اليوم بل هو يتبين قبل يوم القيامة لأنهم معترفون بأن خلق السموات والأرض من الله ، وهذا يصدقك في دعوى الوحدانية ويبين كذبهم في الإشراك { فقل الحمد لله } على ظهور صدقك وكذب مكذبيك { بل أكثرهم لا يعلمون } أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك وعلى هذا يكون لا يعلمون استعمالا للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية كما يقول القائل فلأن يعطي ويمنع ولا يكون في ضميره من يعطي بل يريد أن له عطاء ومنعا فكذلك ههنا قال لا يعلمون أي ليس لهم علم وعلى الأول يكون لا يعلمون له مفعول مفهوم وهو أنهم لا يعلمون أن الحمد كله لله ، والثاني أبلغ لأن قول القائل : فلان لا علم له بكذا ، دون قوله فلان لا علم له ، وكذا قوله فلان : لا ينفع زيدا ولا يضره ، دون قوله : فلان لا يضر ولا ينفع . ! 7 < { لله ما فى السماوات والا رض إن الله هو الغنى الحميد } . > 7 ! / < < لقمان : ( 26 ) لله ما في . . . . .
> > ذكر بما يلزم منه ، وهو أنه يكون له ما فيهما والأمر كذلك عقلا وشرعا ، أما عقلا فلأن ما في السموات المخلوقة مخلوق وإضافة خلقه إلى من منه خلق السموات والأرض لازم عقلا لأنها ممكنة ، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنة أو بواسطة كما يقوله غيرهم ، وكيفما فرض فكله من الله لأن سبب السبب سبب ، وأما شرعا فلأن من يملك أرضا وحصل منها شيء ما يكون ذلك لمالك الأرض فكذلك كل ما في السموات والأرض حاصل فيهما ومنهما فهو لمالك السموات والأرض وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله . ثم قوله تعالى : { إن الله هو الغنى الحميد } فيه معان لطيفة أحدها : أن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وفيها منافع فهي لكم خلقها فهو غني لعدم حاجته حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها وثانيها : أن بعد ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون فريقين مؤمن وكافر ، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده فقال إنه عني عن حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين ، وحميد في نفسه فيتبين به إصابة المؤمنين وتكمل بحمده الحامدون وثالثها : هو أن السموات وما فيها والأرض وما فيها إذا كانت لله ومخلوقة له فالكل محتاجون فلا غني إلا الله فهو الغني المطلق وكل محتاج فهو حامد ، لاحتياجه إلى من يدفع حاجته فلا يكون الحميد المطلق إلا الغني المطلق فهو الحميد ، وعلى هذا ( يكون ) الحميد بمعنى المحمود ، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا الواصف ، أي وصف نفسه أو عباده بأوصاف حميدة ، والعبد إذا قيل له حامد يحتمل ذلك المعنى ، ويحتمل كونه عابدا شاكرا له . ! 7 < { ولو أنما فى الا رض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير } . > 7 < لقمان : ( 27 - 28 ) ولو أنما في . . . . . > >
لما قال تعالى : { لله ما فى السماوات والارض } وكان ذلك موهما لتناهي ملكه لانحصار ما في السموات وما في الأرض فيهما ، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال : { ولو أن ما فى الارض من شجرة أقلام } ويكتب بها والأبحر مداد لا تفني عجائب صنع الله ، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة ، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز . يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك ، ويقال للدواء في حق المريض / هذا شفاؤك ، ودليل صحة هذا هو أن الله تعالى سمى المسيح كلمة لأنه كان أمرا عجيبا وصنعا غريبا لوجوده من غير أب ، فإن قال قائل الآية واردة في اليهود حيث قالوا الله ذكر كل شيء في التوراة ولم يبق شيء لم يذكره ، فقال الذي في التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية ، وقيل أيضا إنها نزلت في واحد قال للنبي عليه السلام إنك تقول : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ) وتقول : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) فنزلت الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى العباد ، وبالنسبة إلى الله وعلومه قليل ، وقيل أيضا إنها نزلت ردا على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده محمد سينفد ، فقال إنه كلام الله وهو لا ينفد . وما ذكر من أسباب النزول ينافي ما ذكرتم من التفسير ، لأنها تدل على أن المراد الكلام ، فنقول ما ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا ، لأنه إذا صلح جوابا لهذه الأشياء التي ذكرتموها وهي متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافي هذا ، لأن كلام الله عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ، وإذا قلنا بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه ، لا يقال إنك جعلت الكلام مخلوقا ، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب ، وأما الكلمات فهي من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذي هو مكتوب ، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله ، فإنه بأمر الرسول كتب كذلك ، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذي فيه ، ثم إن الآية فيها لطائف الأولى : قال : { ولو أن ما فى الارض من شجرة أقلام } وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير ، يعني ولو أن بعدد كل شجرة أقلاما الثانية : قوله والبحر يمده تعريف البحر باللام لاستغراق الجنس وكل بحر مداد ، ثم قوله : { يمده من بعده سبعة أبحر } إشارة إلى بحار غير موجودة ، يعني لو مدت البحار الموجودة بسبعة أبحر أخر وقوله : { سبعة } ليس لانحصارها في سبعة ، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر ، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد ، لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة ، والذي يدل عليه وجوه الأول : هو أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان ، لأن المكان فيه الأجسام والزمان فيه الأفعال ، لكن المكان منحصر في سبعة أقاليم والزمان في سبعة أيام ، ولأن الكواكب السيارة سبعة / وكان المنجمون ينسبون إليها أمورا ، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير الثاني : هو أن الآحاد إلى العشرة وهي العقد الأول وما بعده يبتدىء من الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر ، ثم المئات من العشرات والألوف من المئات ، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلتئم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة ، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط ، ولهذا يقال أقل ما يكون الإسم والفعل منه هو ثلاثة أحرف ، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة التي هو العدد الأصلي تبقى / السبعة القسم الأكثر ، فإذا أريد بيان الكثرة ذكرت السبعة ، ولهذا فإن المعدودات في العبادات من التسبيحات في الانتقالات في الصلوات ثلاثة ، والمرار في الوضوء ثلاثة تيسيرا للأمر على المكلف اكتفاء بالقسم الأول ، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام : ( المؤمن يأكل في معى والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) إشارة إلى قلة الأكل وكثرته من غير إرادة السبعة بخصوصها ، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير ، ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فإن فيها الحسنى وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها ، والذي يدل على ما ذكرنا في السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واوا ، يقول الفراء إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم في العرف ، ثم بالثامن استئناف جديد اللطيفة الثالثة : لم يقل في الأقلام المدد لوجهين أحدهما : هو أن قوله : { ولو أن ما فى الارض من شجرة أقلام } بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله في البحر : { والبحر يمده سبعة أبحر } إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني : هو أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد .
ثم قال تعالى : { أن الله عزيز حكيم } لما ذكر أن ملكوته كثيرا أشار إلى ما يحقق ذلك فقال : { إنه عزيز حكيم } أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مدادا لما نفد ما في علمه وقدرته . ثم قال تعالى : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } لما بين كمال قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للمعشر وقال : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتى كونوا فيكونوا . ثم قال تعالى : { إن الله سميع بصير } سميع لما يقولون بصير بما يعملون فإذا كونه قادرا على البعث ومحيطا بالأقوال والأفعال يوجب ذلك الاجتناب التام والاحتراز الكامل . ! 7 < { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرىإلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير } . > 7 ! / < < لقمان : ( 29 ) ألم تر أن . . . . . > > يحتمل أن يقال : إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال : { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما في الارض } على وجه العموم ذكر منها بعض ما هو فيهما على وجه الخصوص بقوله : { يولج اليل فى النهار } وقوله : { وسخر الشمس والقمر } إشارة إلى ما في السموات ، وقوله بعد هذا : { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله } إشارة إلى ما في الأرض . ويحتمل أن يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول : { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) والدهر هو الليالي والأيام ، قال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي تنسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله تعالى فقال : { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل } ثم إن قائلا لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التي هي فوق الأرض أكثر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطول وتارة تكون بالعكس وتارة يتساويان فيتساويان فقال تعالى : { وسخر الشمس والقمر } يعني إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها في أوائلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى ، فالآجال إن كانت بالمدد والمدد بسير الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : إيلاج الليل في النهار يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال المراد إيلاج الليل في زمان النهار أي يجعل في الزمان الذي كان فيه النهار الليل ، وذلك لأن الليل إذا كان مثلا اثنتي عشرة ساعة ثم يطول يصير الليل موجودا في زمان كان فيه النهار وثانيهما : أن يقال المراد إيلاج زمان الليل في النهار أي يجعل زمان الليل في النهار وذلك لأن الليل إذا كان كما ذكرنا اثنتي عشرة ساعة إذا قصر صار زمان الليل موجودا في النهار ولا يمكن غير هذا لأن إيلاج الليل في النهار محال الوجود فما ذكرنا من الإضمار لا بد منه لكن الأول أولى لأن الليل والنهار أفعال والأفعال في الأزمنة لأن الزمان ظرف فقولنا الليل في زمان النهار أقرب من قولنا زمان الليل في النهار لأن الثاني يجعل الظرف مظروفا . إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى : { يولج اليل فى النهار } أي يوجده في وقت كان فيه النهار والله تعالى قدم إيجاد الليل على إيجاد النهار في كثير من المواضع كما في قوله تعالى : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } ( الإسراء : 12 ) وقوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) وقوله : { واختلاف اليل والنهار } ( الجاثية : 5 ) ومن جنسه قوله : { خلق الموت والحيواة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( الجاثية : 5 ) وهذا إشارة إلى مسألة حكمية ، وهي أن الظلمة قد يظن بها أنها عدم النور والليل عدم النور والليل عدم النهار والحياة عدم الموت وليس كذلك إذ في الأزل لم يكن نهار ولا نور ولا حياة لممكن ولا يمكن أن يقال كان فيه موت أو ظلمة أو ليل فهذه الأمور كالأعمى والأصم فالعمي والصمم ليس مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ولا سمع ولا يقال لشيء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول ما يتحقق فيه العمى والصمم لا بد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما يكون فيه اقتضاء شيء / ويترتب عليه مقتضاه / لا تطلب النفس له سببا ، لأن من يرى المتعيش في السوق ، لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى تطلب النفس له سببا ، كمن يرى ملكا في السوق يقول لم دخل ، فإذن سبب العمى والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيرا ، وإذا كان كذلك قدم الله تعالى ما تطلب النفس سببه وهو الليل الذي هو على وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالبا سببه ثم ذكر بعده الأمر الآخر . المسألة الثانية : قال : { يولج } بصيغة المستقبل وقال في الشمس والقمر سخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى : { حتى عاد كالعرجون القديم } ( يس : 39 ) . المسألة الثالثة : قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار ، وههنا كذلك ، لأن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب ، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذي لا يكون عجيبا . المسألة الرابعة : ما تعلق قوله تعالى : { وأن الله بما تعملون خبير } بما تقدم ؟ نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله .
المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ألم تر } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه الأكثرون ، وكأنه ترك الخطاب مع غيره ، لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة للخطاب معهم لإصرارهم ، ومن هو غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبي عليه الصلاة والسلام ناظرون إليه الوجه الثاني : أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحدا فيقول لجمع عظيم : يا مسكين إلى الله مصيرك ، فمن نصيرك ، ولماذا تقصيرك . فقوله : { ألم تر } يكون خطابا من ذلك القبيل أي يا أيها الغافل ألم تر هذا الأمر الواضح . ! 7 < { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلى الكبير } . > 7 < لقمان : ( 30 ) ذلك بأن الله . . . . . > > ولما ذكر تعالى أوصاف الكمال بقوله : { إن الله هو الغنى الحميد } ( لقمان : 26 ) وقوله : { أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 220 ) وقوله : { إن الله سميع بصير } ( المجادلة : 1 ) وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله : { ما نفدت كلمات الله } ( لقمان : 27 ) وبقوله : { يولج اليل فى النهار } وعلى الجملة فقوله : { هو الغنى } إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنيا لا يكون عرضا محتاجا إلى الجوهر في القوام ، ولا جسما محتاجا إلى الحيز في الدوام ، ولا شيئا من / الممكنات المحتاجة إلى الموجد ، وذكر بعده جميع الأوصاف الثبوتية صريحا وتضمنا ، فإن الحياة في ضمن العلم والقدرة قال ذلك بأن الله هو الحق أي ذلك الاتصاف بأنه هو الحق والحق هو الثبوت والثابت الله وهو الثابت المطلق الذي لا زوال له وهو الثبوت ، فإن المذهب الصحيح أن وجوده غير حقيقته فكل ما عداه فله زوال نظرا إليه والله له الثبوت والوجود نظرا إليه فهو الحق وما عداه الباطل لأن الباطل هو الزائل يقال بطل ظله إذا زال وإذا كان له الثبوت من كل وجه يكون تاما لا نقص فيه . ثم اعلم أن الحكماء قالوا الله تام وفوق التمام وجعلوا الأشياء على أربعة أقسام ناقص ومكتف وتام وفوق التمام ( فالناقص ) ما ليس له ما ينبغي أن يكون له كالصبي والمريض والأعمى ( والمكتفي ) وهو الذي أعطى ما يدفع به حاجته في وقته كالإنسان والحيوان الذي له من الآلات ما يدفع به حاجته في وقتها لكنها في التحلل والزوال ( والتام ) ما حصل له كل ما جاز له ، وإن لم يحتج إليه كالملائكة المقربين لهم درجات لا تزداد ولا ينقص الله منها لهم شيئا كما قال جبريل عليه السلام ( لو دنوت أنملة لاحترقت ) لقوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) ( وفوق التمام ) هو الذي حصل له ما جاز له وحصل لما عداه ما جاز له أو احتاج إليه لكن الله تعالى حاصل له كل ما يجوز له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، فهو تام وحصل لغيره كل ما جاز له أو احتاج إليه فهو فوق التمام إذا ثبت هذا فنقول قوله : { هو الحق } إشارة إلى التمام وقوله : { وأن الله هو العلى الكبير } أي فوق التمام وقوله : { وهو العلى } أي في صفاته وقوله : { الكبير } أي في ذاته وذلك ينافي أن يكون جسما في مكان لأنه يكون حينئذ جسدا مقدرا بمقدار فيمكن فرض ما هو أكبر منه فيكون صغيرا بالنسبة إلى المفروض لكنه كبير من مطلقا أكبر من كل ما يتصور .
! 7 < { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من ءاياته إن فى ذلك لايات لكل صبار شكور } . > 7 < لقمان : ( 31 ) ألم تر أن . . . . . > > ثم قال تعالى : { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من ءاياته } لما ذكر آية سماوية بقوله : { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر } ( لقمان : 29 ) وأشار إلى السبب والمسبب ذكر آية أرضية ، وأشار إلى السبب والمسبب فقوله : { الفلك تجرى } إشارة إلى المسبب وقوله : { بنعمت الله } إشارة إلى السبب أي إلى الريح التي هي بأمر الله { ليريكم من ءاياته } يعنى يريكم بإجرائها بنعمته { من ءاياته } أي بعض آياته ، ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور } صبار في الشدة شكور في الرخاء ، وذلك لأن المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء عند النعم والآلاء فيصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أتته نعمة وورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ( الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ) إشارة إلى أن التكاليف أفعال وتروك والتروك صبر عن المألوف كما قال عليه الصلاة والسلام ( الصوم صبر والأفعال شكر على المعروف ) . ! 7 < { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بأاياتنآ إلا كل ختار كفور } . > 7 ! < < لقمان : ( 32 ) وإذا غشيهم موج . . . . . > > لما ذكر الله أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصره ضعف لا يدركه أولا ، فإذا غشيه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصا أي يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه ، فإذا نجاه من تلك الشدة قد بقي على تلك الحالة وهو المراد بقوله : { فمنهم مقتصد } وقد يعود إلى الشرك وهو المراد بقوله : { وما يجحد بئاياتنا إلا كل ختار كفور } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { موج كالظلل } وحد الموج وجمع الظلل ، وقيل في معناه كالجبال ، وقيل كالسحاب إشارة إلى عظم الموج ، ويمكن أن يقال الموج الواحد العظيم يرى فيه طلوع ونزول وإذا نظرت في الجرية الواحدة من النهر العظيم تبين لك ذلك فيكون ذلك كالجبال المتلاصقة . المسألة الثانية : قال في العنكبوت { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله } ( العنكبوت : 65 ) ثم قال : { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ( العنكبوت : 65 ) وقال ههنا { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } فنقول لما ذكر ههنا أمرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار ، أو مقتصد في الإخلاص فبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص ، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عنده أثر .
المسألة الثالثة : قوله : { وما يجحد بئاياتنا } في مقابلة قوله تعالى : { إن فى ذلك لايات } يعني يعترف بها الصبار الشكور ، ويجحدها الختار الكفور والصبار في موازنة الختار لفظا ، ومعنى والكفور في موازنة الشكور ، أما لفظا فظاهر ، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر أو الشديد الغدر ، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر ، لأن الصبور إن لم يكن يعهد مع أحد لا يعهد منه الأضرار ، فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله وأما الغدار فيعهد ولا يصبر على / العهد فينقضه ، وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى فظاهر . ! 7 < { ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } . > 7 < لقمان : ( 33 ) يا أيها الناس . . . . . > > لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير ، ثم أكد الخوف بذكر اليوم الذي يحكم الله فيه بين العباد ، وذلك لأن الملك إذا كان واحدا ويعهد منه أنه لا يعلم شيئا ولا يستعرض عباده ، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف ، ثم أكده بقوله : { لا يجزى والد عن ولده } وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج عليه ، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى ، وذكر الولد والوالد جميعا فيه لطيفة ، وهي أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد ، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة ، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على الإبن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله ، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله : { لا يجزى والد عن ولده } في دفع الآلام { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } في دفع الاهانة ، وفي قوله : { لا يجزى } وقوله : { ولا مولود هو جاز } ( لطيفة أخرى ) وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئا يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط ، وكذلك من يحيك شيئا ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك ، إذا علمت هذا فنقول الإبن من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد لا يجزي وقال في الولد { ولا مولود هو جاز } . ثم قال تعالى : { إن وعد الله حق } وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تحقيقا لليوم يعني / اخشوا يوما هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق والثاني : أن يكون تحقيقا لعدم الجزاء يعني : { لا يجزى والد عن ولده } لأن الله وعد ب { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 38 ) ووعد الله حق ، فلا يجزي والأول أحسن وأظهر .
ثم قال تعالى : { فلا تغرنكم الحيواة الدنيا } يعني إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع ( ذلك ) اليوم المذكور بالوعد الحق . ثم قال تعالى : { ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الدنيا لا ينبغي أن تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا ( بها ) وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة ، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثا ، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين . ! 7 < { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الا رحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير } . > 7 < لقمان : ( 34 ) إن الله عنده . . . . . > > يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك ، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة ، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره ، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره ، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله : { واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده } وذكر أنه كائن بقوله : { إن وعد الله حق } كأن قائلا قال فمتى يكون هذا اليوم فأجيب بأن هذا العلم ما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن ، ثم ذكر الدليلين الذين ذكرناهما مرارا على البعث أحدهما : إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى : { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قلبه لمبلسين فانظر إلىءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتها إن ذلك لمحى الموتى } ( الروم : 49 ، 50 ) وقال تعالى : { ويحى الارض بعد موتها وكذلك تخرجون } ( الروم : 19 ) وقال ههنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال { وهو الذى ينزل الغيث } ( الشورى : 28 ) وقال : { يخرج الحى } ( الروم : 19 ) / وثانيهما : الخلق ابتداء كما قال : { وهو الذى الله الخلق ثم يعيده } ( الروم : 27 ) وقال تعالى : { قل سيروا فى الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الاخرة } ( العنكبوت : 20 ) إلى غير ذلك فقال ههنا { ويعلم ما فى الارحام } إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها ، وكما هو قادر على الخلق في الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام ، ثم قال لذلك الطالب علمه : يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها ، فلك أشياء أهم منها لا تعلمها ، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك ، ولا تعلم ماذا تكسب غدا مع أنه فعلك وزمانك ، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك ، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون ، فالله ما أعلمك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك ، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه أغراضا تهيىء أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكي تكون في وقت بسبب الرزق راجعا إلى الله تعالى متوكلا على الله ولا أعلمك الأرض التي تموت فيها كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها ، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه ، وهي الساعة ، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمت الله على لسان أنبيائه .
ثم قال تعالى : { إن الله عليم خبير } لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة ، بقوله : { إن الله عنده علم الساعة } ذكر أن علمه غير مختص بها ، بل هو عليم مطلقا بكل شيء ، وليس علمه علما بظاهر الأشياء فحسب ، بل خبير علمه واصل إلى بواطن الأشياء ، والله أعلم بالصواب . < > 1 ( سورة السجدة ) 1 < > وتسمى سورة المضاجع مكية عند أكثرهم وهي تسع وعشرون آية وقيل ثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم ! 7 < { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } . > 7 ! / < < السجدة : ( 1 - 2 ) الم > > لما ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة في هذه السورة فقال : { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه } وقد علم ما في قوله : { الم } وفي قوله : { لا ريب فيه } من سورة البقرة وغيرها غير أن ههنا قال : { من رب العالمين } وقال من قبل { هدى ورحمة للمحسنين } ( لقمان : 3 ) وقال في البقرة : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وذلك لأن من يرى كتابا عند غيره ، فأول ما تصير النفس طالبة تطلب ما في الكتاب فيقول ما هذا الكتاب ؟ فإذا قيل هذا فقه أو تفسير فيقول بعد ذلك تصنيف من هو ؟ ولا يقال أولا : هذا الكتاب تصنيف من ؟ ثم يقول فيماذا هو ؟ إذا علم هذا فقال أولا هذا الكتاب هدى ورحمة ، ثم قال ههنا هو كتاب الله تعالى وذكره بلفظ رب العالمين لأن كتاب من يكون رب العالمين يكون فيه عجائب العالمين فتدعو النفس إلى مطاعته . ! 7 < { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } . > 7 ! < < السجدة : ( 3 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > يعني أتعترفون به أم تقولون هو مفترى ، ثم أجاب وبين أن الحق أنه حق من ربه ثم بين فائدة التنزيل وهو الإنذار ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : كيف قال { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير } مع أن النذر سبقوه الجواب : من وجهين أحدهما : معقول والآخر منقول ، أما المنقول فهو أن قريشا كانت أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو بعيد ، فإنهم كانوا من أولاد إبراهيم وجميع / أنبياء بني إسرائيل من أولاد أعمامهم وكيف كان الله يترك قوما من وقت آدم إلى زمان محمد بلا دين ولا شرع ؟ وإن كنت تقول بأنهم ما جاءهم رسول بخصوصهم يعني ذلك القرن فلم يكن ذلك مختصا بالعرب بل أهل الكتاب أيضا لم يكن ذلك القرن قد أتاهم رسول وإنما أتى الرسل آباءهم ، وكذلك العرب أتى الرسل آباءهم كيف والذي عليه الأكثرون أن آباء محمد عليه الصلاة والسلام كانوا كفارا ولأن النبي أوعدهم وأوعد آباءهم بالعذاب ، وقال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وأما المعقول وهو أن الله تعالى أجرى عادته على أن أهل عصر إذا ضلوا بالكلية ولم يبق فيهم من يهديهم يلطف بعباده ويرسل رسولا ، ثم إنه إذا أراد طهرهم بإزالة الشرك والكفر من قلوبهم وإن أراد طهر وجه الأرض باهلاكهم ، ثم أهل العصر ضلوا بعد الرسل حتى لم يبق على وجه الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فلم يأتهم رسول قبل محمد عليه الصلاة والسلام فقال : { لتنذر قوما ما أتاهم } أي بعد الضلال الذي كان بعد الهداية لم يأتهم نذير . المسألة الثانية : لو قال قائل التخصيص بالذكر يدل على نفي ما عداه فقوله : { لتنذر قوما ما أتاهم } يوجب أن يكون إنذاره مختصا بمن لم يأته نذير لكن أهل الكتاب قد أتاهم نذير فلا يكون الكتاب منزلا إلى الرسول لينذر أهل الكتاب فلا يكون رسولا إليهم نقول هذا فاسد من وجوه أحدها : أن التخصيص لا يوجب نفي ما عداه والثاني : أنه وإن قال به قائل لكنه وافق غيره في أن التخصيص إن كان له سبب غير نفي ما عداه لا يوجب نفي ما عداه ، وههنا وجد ذلك لأن إنذارهم كان أولى ، ألا ترى أنه تعالى قال : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( العراء : 214 ) ولم يفهم منه أنه لا ينذر غيرهم أو لم يأمر بإنذار غيرهم وإنذار المشركين كان أولى ، لأن إنذارهم كان بالتوحيد والحشر وأهل الكتاب لم ينذروا إلا بسبب إنكارهم الرسالة فكانوا أولى بالذكر فوقع التخصيص لأجل ذلك الثالث : هو أن على ما ذكرنا لا يرد ما ذكره أصلا ، لأن أهل الكتاب كانوا قد ضلوا ولم يأتهم نذير من قبل محمد بعد ضلالهم فلزم أن يكون مرسلا إلى الكل على درجة سواء ، وبهذا يتبين حسن ما اخترناه ، وقوله : { لعلهم يهتدون } يعني تنذرهم راجيا أنت اهتداءهم . ! 7 < { الله الذى خلق السماوات والا رض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } . > 7 ! < < السجدة : ( 4 ) الله الذي خلق . . . . .
> > لما ذكر الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل ، فقال : { الله الذى خلق السماوات والارض } الله مبتدأ وخبره الذي خلق ، يعني الله هو الذي خلق السموات والأرض ولم يخلقهما إلا واحد فلا إله إلا واحد ، وقد ذكرنا أن قوله تعالى : { في ستة أيام } إشارة إلى ستة أحوال في نظر الناظرين وذلك لأن السموات والأرض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منها ذات وصفة فنظرا إلى خلقه ذات السموات حالة ونظرا إلى خلقه صفاتها أخرى ونظرا إلى ذات الأرض وإلى صفاتها كذلك ونظرا إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها كذلك فهي ستة أشياء على ستة أحوال وإنما ذكر الأيام لأن الإنسان إذا نظر إلى الخلق رآه فعلا والفعل ظرفه الزمان والأيام أشهر الأزمنة ، وإلا فقبل السموات لم يكن ليل ولا نهار وهذا مثل ما يقول القائل لغيره : إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا وقد يجوز أن يكون ذلك قد ولد ليلا ولا يخرج عن مراده ، لأن المراد هو الزمان الذي هو ظرف ولادته .
ثم قال تعالى : { ثم استوى على العرش } اعلم أن مذهب العلماء في هذه الآية وأمثالها على وجهين أحدهما : ترك التعرض إلى بيان المراد وثانيهما : التعرض إليه والأول أسلم والى الحكمة أقرب ، أما أنه أسلم فذلك لأن من قال أنا لا أتعرض إلى بيان هذا ولا أعرف المراد من هذا ، لا يكون حاله إلا حال من يتكلم عند عدم وجوب الكلام أو لا يعلم شيئا لم يجب عليه أن يعلمه ، وذلك لأن الأصول ثلاثة التوحيد والقول بالحشر والاعتراف بالرسل لكن الحشر أجمعنا واتفقنا أن العلم به واجب والعلم بتفصيله أنه متى يكون غير واحب ، ولهذا قال تعالى في آخر السورة المتقدمة { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) فكذلك الله يجب معرفة وجوده ووحدانيته واتصافه بصفات الجلال ونعوت الكمال على سبيل الإجمال وتعاليه عن وصمات الإمكان وصفات النقصان ، ولا يجب أن يعلم جميع صفاته كما هي ، وصفة الاستواء مما لا يجب العلم بها فمن ترك التعرض إليه لم يترك واجبا ، وأما من يتعرض إليه فقد يخطىء فيه فيعتقد خلاف ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم ، والثاني يكاد أن يقع في أن يكون جاهلا مركبا وعدم العلم الجهل المركب كالسكوت والكذب ولا يشك أحد في أن السكوت خير من الكذب ، وأما إنه أقرب إلى الحكمة فذلك لأن من يطالع كتابا صنفه إنسان وكتب له شرحا والشارح دون المصنف فالظاهر أنه لا يأتي على جميع ما أتى عليه المصنف ، ولهذا كثيرا ما نرى أن الإنسان يورد الإشكالات على المصنف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلامه ويقول لم يرد المصنف هذا وإنما أراد كذا وكذا وإذا كان حال الكتب الحادثة التي تكتب عن علم قاصر كذلك ، فما ظنك بالكتاب العزيز الذي فيه كل حكمة يجوز أن يدعي جاهل أني علمت كل سر في هذا الكتاب ، وكيف ولو ادعى عالم اني علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليه الكتاب الفلاني يستقبح منه ذلك ، فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله ؟ ثم ليس لقائل أن يقول بأن الله تعالى بين كل ما أنزله لأن تأخير البيان إلى / وقت الحاجة جائز ولعل القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غير نبيه فبين له لا لغيره ، إذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم / وهذا أقرب إلى ذلك الذي لا يعلم ، للتشابه البالغ الذي فيه ، لكن هذا المذهب له شرط وهو أن ينفي بعض ما يعلمه قطعا أنه ليس بمراد ، وهذا لأن قائلا إذا قال إن هذه الأيام أيام قرء فلانة يعلم أنه لا يريد أن هذه الأيام أيام موت فلانة ولا يريد أن هذه الأيام أيام سفر فلانة ، وإنما المراد منحصر في الطهر أو الحيض فكذلك ههنا يعلم أن المراد ليس ما يوجب نقصا في ذاته لاستحالة ذلك ، والجلوس والاستقرار المكاني من ذلك الباب فيجب القطع بنفي ذلك والتوقف فيما يجوز بعده والمذهب الثاني : خطر ومن يذهب إليه فريقان أحدهما : من يقول المراد ظاهره وهو القيام والانتصاب أو الاستقرار المكاني وثانيهما : من يقول المراد الاستيلاء والأول جهل محض والثاني يجوز أن يكون جهلا والأول مع كونه جهلا هو بدعة وكاد يكون كفرا ، والثاني وإن كان جهلا فليس بجهل يورث بدعة ، وهذا كما أن واحدا إذا اعتقد أن الله يرحم الكفار ولا يعاقب أحدا منهم يكون جهلا وبدعة وكفرا ، وإذا اعتقد أنه يرحم زيدا الذي هو مستور الحال لا يكون بدعة ، غاية ما يكون أنه اعتقاد غير مطابق ، ومما قيل فيه : إن المراد منه استوى على ملكه ، والعرش يعبر به عن الملك ، يقال الملك قعد على سرير المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها وهذا مثل قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) إشارة إلى البخل ، مع أنهم لم يقولوا بأن على يد الله غلا على طريق الحقيقة ، ولو كان مراد الله ذلك لكان كذبا جل كلام الله عنه ، ثم لهذا فضل تقرير وهو أن الملوك على درجات ، فمن يملك مدينة صغيرة أو بلادا يسيرة ما جرت العادة بأن يجلس أول ما يجلس على سرير ، ومن يكون سلطانا يملك البلاد الشاسعة والديار الواسعة وتكون الملوك في خدمته يكون له سرير يجلس عليه ، وقدامه كرسي يجلس عليه وزيره ، فالعرش والكرسي في العادة لا يكون إلا عند عظمة المملكة ، فلما كان ملك السموات والأرض في غاية العظمة ، عبر بما ينبىء في العرف عن العظمة ، ومما ينبهك لهذا قوله تعالى : { إنا خلقنا } ( الإنسان : 2 ) { إنا زينا } ( الصافات : 6 ) { نحن أقرب } ( ق: 16 ) { نحن نزلنا } ( الحجر : 9 ) أيظن أو يشك مسلم في أن المراد ظاهره من الشريك وهل يجد له محملا ، غير أن العظيم في العرف لا يكون واحدا وإنما يكون معه غيره ، فكذلك الملك العظيم في العرف لا يكون إلا ذا سرير يستوي عليه فاستعمل ذلك مريدا للعظمة ، ومما يؤيد هذا أن المقهور المغلوب المهزوم يقال له ضاقت به الأرض حتى لم يبق له مكان ، أيظن أنهم يريدون به أنه صار لا مكان له وكيف يتصور الجسم بلا مكان ، ولا سيما من يقول بأن إلهه في مكان كيف يخرج الإنسان عن المكان ؟
فكما يقال للمقهور الهارب لم يبق له مكان مع أن المكان واجب له ، يقال للقادر القاهر هو متمكن وله عرش ، وإن كان التنزه عن المكان واجبا له ، وعلى هذا كلمة ثم معناها خلق السموات والأرض ، ثم القصة أنه استوى على الملك ، وهذا كما يقول القائل : فلان أكرمني وأنعم علي مرارا ، ويحكي عنه أشياء ، ثم يقول إنه ما كان يعرفني ولا كنت فعلت معه ما يجازيني / بهذا ، فنقول ثم للحكاية لا للمحكي الوجه الآخر : قيل استوى جاء بمعنى استولى على العرش ، واستوى جاء بمعنى استولى نقلا واستعمالا . أما النقل فكثير مذكور في ( كتاب اللغة ) منها ديوان الأدب وغيره مما يعتبر النقل عنه . وأما الاستعمال فقول القائل :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
وعلى هذا فكلمة ثم ، معناها ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض ، ثم ههنا ما هو أعظم منه استوى على العرش / فإنه أعظم من الكرسي والكرسي وسع السموات والأرض والوجه الثالث : قيل إن المراد الاستقرار وهذا القول ظاهر ولا يفيد أنه في مكان ، وذلك لأن الإنسان يقول استقر رأي فلان على الخروج ولا يشك أحد أنه لا يريد أن الرأي في مكان وهو الخروج ، لما أن الرأي لا يجوز فيه أن يقال إنه متمكن أو هو مما يدخل في مكان إذا علم هذا فنقول فهم التمكن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكن ، حتى إذا قال قائل استقر زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكن وكونه في مكان ، وإذا قال قائل استقر الملك على فلان لا يفهم أن الملك في فلان ، فقول القائل الله استقر على العرش لا ينبغي أن يفهم كونه في مكان ما لم يعلم أنه مما يجوز عليه أن يكون في مكان أو لا يجوز ، فإذن فهم كونه في مكان من هذه اللفظة مشروط بجواز أن يكون في مكان ، فجواز كونه في مكان إن استفيد من هذه اللفظة يلزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال ، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون على العرش بمعنى كون العرش مكانا له وجوه من القرآن أحدها : قوله تعالى : { وإن الله لهو الغنى } ( الحج : 64 ) وهذا يقتضي أن يكون غنيا على الإطلاق ، وكل ما هو في مكان فهو في بقائه محتاج إلى مكان ، لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحيز إن لم يكن لا يكون المتحيز باقيا ، فالمتحيز ينتفي عند انتفاء الحيز ، وكل ما ينتفي عند انتفاء غيره فهو محتاج إليه في استمراره ، فالقول باستقراره يوجب احتياجه في استمراره وهو غنى بالنص الثاني : قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) فالعرش يهلك وكذلك كل مكان فلا يبقى وهو يبقى ، فاذن لا يكون في ذلك الوقت في مكان ، فجاز عليه أن لا يكون في مكان ، وما جاز له من الصفات وجب له فيجب أن لا يكون في مكان الثالث : قوله تعالى : { وهو معكم } ( الحديد : 4 ) ووجه التمسك به هو أن على إذا استعمل في المكان يفهم كونه عليه بالذات كقولنا فلان على السطح وكلمة مع إذا استعملت في متمكنين يفهم منها اقترانهما بالذات كقولنا زيد مع عمرو إذا استعمل هذا فإن كان الله في مكان ونحن متمكنون ، فقوله : { إن الله معنا } وقوله : { وهو معكم } كان ينبغي أن يكون للاقتران وليس كذلك ، فإن قيل كلمة مع تستعمل لكون ميله إليه وعلمه معه أو نصرته يقال الملك الفلاني مع الملك الفلاني ، أي بالإعانة والنصر ، فنقول كلمة على تستعمل لكون حكمه على الغير ، يقول القائل لولا فلان على فلان لأشرف في الهلاك ولأشرف على الهلاك ، وكذلك يقال لولا فلان على أملاك فلان أو على أرضه لما حصل له شيء منها ولا أكل / حاصلها بمعنى الإشراف والنظر ، فكيف لا نقول في استوى على العرش إنه استوى عليه بحكمه كما نقول هو معناه بعلمه الرابع : قوله تعالى : { لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار } ( الأنعام : 103 ) ولو كان في مكان لأحاط به المكان وحينئذ فإما أن يرى وإما أن لا يرى ، لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق لأن القول بأنه في مكان ولا يرى باطل بالإجماع ، وإن كان يرى فيرى في مكان أحاط به فتدركه الأبصار . وأما إذا لم يكن في مكان فسواء يرى أو لا يرى لا يلزم أن تدركه الأبصار . أما إذا لم ير فظاهر .
وأما إذا رؤي فلأن البصر لا يحيط به فلا يدركه . وإنما قلنا إن البصر لا يحيط به لأن كل ما أحاط به البصر فله مكان يكون فيه وقد فرضنا عدم المكان ، ولو تدبر الإنسان القرآن لوجده مملوءا من عدم جواز كونه في مكان ، كيف وهذا الذي يتمسك به هذا القائل يدل على أنه ليس على العرش بمعنى كونه في المكان ، وذلك لأن كلمة ثم للتراخي فلو كان عليه بمعنى المكان لكان قد حصل عليه بعد ما لم يكن عليه فقبله إما أن يكون في مكان أو لا يكون / فإن كان يلزم محالان أحدهما : كون المكان أزليا ، ثم إن هذا القائل يدعى مضادة الفلسفي فيصير فلسفيا يقول بقدم سماء من السموات والثاني : جواز الحركة والانتقال على الله تعالى وهو يفضي إلى حدوث الباري أو يبطل دلائل حدوث الأجسام ، وإن لم يكن مكان وما حصل في مكان يحيل العقل وجوده بلا مكان ، ولو جاز لما أمكن أن يقال بأن الجسم لو كان أزليا ، فإما أن يكون في الأزل ساكنا أو متحركا لأنهما فرعا الحصول في مكان ، وإذا كان كذلك فيلزمه القول بحدوث الله أو عدم القول بحدوث العالم ، لأنه إن سلم أنه قبل المكان لا يكون فهو القول بحدوث الله تعالى وإن لم يسلم فيجوز أن يكون الجسم في الأزل لم يكن في مكان ثم حصل في مكان فلا يتم دليله في حدوث العالم ، فيلزمه أن لا يقول بحدوثه ، ثم إن هذا القائل يقول إنك تشبه الله بالمعدوم فإنه ليس في مكان ولا يعلم أنه جعله معدوما حيث أحوجه إلى مكان ، وكل محتاج نظرا إلى عدم ما يحتاج إليه معدوم ولو كتبنا ما فيها لطال الكلام .
ثم قال تعالى : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } لما ذكر أن الله خالق السموات والأرض ، قال بعضهم نحن معترفون بأن خالق السموات والأرض واحد هو إله السموات ، وهذه الأصنام صور الكواكب منها نصرتنا وقوتنا ، وقال آخرون هذه صور الملائكة عند الله هم شفعاؤنا فقال الله تعالى لا إله غير الله ، ولا نصرة من غير الله ولا شفاعة إلا بإذن الله فعبادتكم لهم لهذه الأصنام باطلة ضائعة لا هم خالقوكم ولا ناصروكم ولا شفعاؤكم ، ثم قال تعالى : { أفلا تتذكرون } ما علمتموه من أنه خالق السموات والأرض وخلق هذه الأجسام العظام لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى تنصركم والملك العظيم لا يكون عنده لهذه الأشياء الحقيرة احترام وعظمة حتى تكون لها شفاعة . ! 7 < { يدبر الا مر من السمآء إلى الا رض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذالك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } . > 7 ! / < < السجدة : ( 5 ) يدبر الأمر من . . . . .
> > لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة ، ثم إذا كان أمره نافذا فيهم يزداد في أعين الخلق ، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته ، وقوله تعالى : { ثم يعرج إليه } معناه والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر ، فإن العمل أثر الأمر . وقوله تعالى : { فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } فيه وجوه أحدها : أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة ، فهو مقدار ألف سنة ثانيها : هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى : { فى يوم كان مقداره ألف سنة } يعني { يدبر الامر } في زمان يوم منه ألف سنة ، فكم يكون شهر منه ، وكم تكون سنة منه ، وكم يكون دهر منه ، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله مقداره خمسين ألف سنة لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر ، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفا لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى : ( وفي هذه لطيفة ) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق ، وأشار إلى عظمة الملك ، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله : { يدبر الامر } والروح من عالم الأمر كما قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 15 ) وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول ، وإنما الواقع في الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة ، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه ههنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?