Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ثم قال تعالى : { فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأمرالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش ، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية ، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون ، ثم كشف عن هذا المعنى فقال : { كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم } فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم ، كما قال في سورة ص( 12 ، 13 ) { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة أولئك الاحزاب } وقوله { وهمت كل أملا برسولهم ليأخذوه } أي وعزنت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه { وجادلوا بالباطل } أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بأيراد الشبهات { ليدحضوا به الحق } أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق { فأخذتهم فكيف كان عقاب } أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل ، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا ، فكيف كان عقابي إياهم ، أليس كان مهلكا مستأصلا مهيبا في الذكر والسماع ، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله ، ثم كشف عن هذا المعنى فقال : { وكذالك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضا على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب ( الكشفا ) { أنهم أصحاب النار } في محل الرفع بدل من قوله { وأورثنا القوم } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار / ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل ، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة ، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره ، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان ، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة ، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته ، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكنا من كل ما هو من لوازمه ، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبدا ، وذلك تكليف ما لا يطاق ، وقرأ نافع وابن عامر { حقت كلمات ربك } على الجمع والباقون على الواحد . ! 7 < { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من ءابآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم } . > 7 ! < < غافر : ( 7 ) الذين يحملون العرش . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين ، بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين ، كأنه تعالى يقول إن كان هؤلاء الأراذل يباالغون في العداوة فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزنا ، فإن حملة العرش والحافون من حول العرش معك ينصرونك وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية :
القسم الأول : { الذين يحملون العرش } وقد حكى تعالى أن الذين يحملون العرش يوم القيامة ثمانية ، فيمكن أن يقال الذين يحملون في هذا الوقت هم أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة ، ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكابرهم ، روى صاحب ( الكشاف ) أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع ولا يرفعون طرفهم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية العرش على كاهله ، وقدماه في الأرض السفلى ، وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوضع ) قيل إنه طائر صغير ، وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدو ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة ، وقيل خلق الله العرش ممن جوهرة خضراء ، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام ، وقيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف وقد وضعوا الأيمان على الشمائل ، ما منهم أحد إلا ويسبح بما لا يسبح به الآخر ، هذه الآثار نقلتها من ( الكشاف ) . وأما القسم الثاني : من الملائكة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقوله تعالى : { ومن حوله } والأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) وأقول العقل يدل على أن حملة العرش ، والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة ، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد ، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد ، وأيضا يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعيلة لجسم العرش أرواح أخر من جنسها ، وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ( الزمر : 75 ) وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية ، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد / إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في العرش ، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية { الذين يحملون العرش } وقال في آية أخرى { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : 17 ) ولا شك أن حامل العرش يكون حاملا لكل من في العرش ، فلو كان إلاه العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإلاه العالم فحينئذ يكونون حافظين لإلاه العالم والحافظ القادر أولى بالإلاهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، فحينئذ ينقلب الإلاه عبدا والعبد إلاها ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إلاه العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام . واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء :
النوع الأول : قوله { يسبحون بحمد ربهم } ونظيره قوله حكاية عن الملائكة { ونحن نسبح بحمدك } ( البقرة : 30 ) وقوله تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله { يسبحون بحمد ربهم } قريب من قوله { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } ( الرحمن : 78 ) . النوع الثاني : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى : { ويؤمنون به } فإن قيل فأي فائدة في قوله { ويؤمنون به } فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله ؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب ( الكشاف ) ، وقد أحسن فيه جدا فقال إن المقصود منه التنبه على أن الله تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء ، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك ، ورحم الله صاحب ( الكشاف ) فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا . النوع الثالث : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى : { ويستغفرون للذين ءامنوا } اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة عللى خلق الله ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدما على الشفقة على خلق الله فقوله { يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به } مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله { ويستغفرون للذين ءامنوا } مشعر بالشفقة على خلق الله . ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر ، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون ، وهذا يدل على أنهم مستغنون على الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ابدأ بنفسك ) وأيضا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فأمر محمدا أن يذكر أولا الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات } ( نوح : 28 ) وهذا يدل على أن كل من كان محتاجا إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره ، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفاار لكان اشتغالهم لأنفسهم مقدما على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم ، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليلل قوله تعالى لمحمد عليه السلام { واستغفر لذنبك } وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم .
المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال وذلك لأن الملائكة قالوا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصرا عللى الفسق أو لم يكن كذلك ، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعا سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه ، وأيضا إن الملائكة يقولون { وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم } وهذا لا يليق بالفاسقين ، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك ، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين ، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي ، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول : قوله { ويستغفرون للذين ءامنوا } والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب . أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارا الثاني : قوله تعالى : { ويستغفرون للذين ءامنوا } وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فإذا دلنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث : قوله تعالى : { فاغفر للذين تابوا } طلب المغفرة للذين تابوا ، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة ، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم ، وما كان فعله واجبا كان طلبه بالدعاء قبيحا ، ولا يجوز أيضا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر ، لأن ذلك أيضا واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء ، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب ، لأن ذلك لا يسمى مغفرة ، فثبت أنه لا يمكن حممل قوله { فاغفر للذين تابوا } إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة ، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق ، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا ، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان ، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبا ولا متبعا سبيل الله ، قلنا لا نسلم قوله ، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة ، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربا وضاحكا صدور الضرب والضحك عنه واحدة ، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا ههنا . المسألة الثالثة : قال أهل التحقيق : إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت ، وذلك لأنهم قالوا في أول تخلليق البشر { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره ، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه . واعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا ، بين كيفية ذلك الاستغفار ، فحكى عنهم أنهم قالوا { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن الدعاء في أكثر الأمور مذكور بلفط { ربنا } ويدل عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا { ربنا } بدليل هذه الآية ، وقال آدم عليه السلام { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) وقال نوح عليه السلام { رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } ( هود : 47 ) وقال أيضا : { رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) وقال أيضا : { رب اغفر لى ولوالدى } ( نوح : 28 ) وقال عن إبراهيم عليه السلام : { رب أرنى كيف تحى الموتى } ( البقرة : 260 ) وقال : { ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } ( إبراهيم : 41 ) وقال : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) وقال عن يوسف { رب قد اتيتنى من الملك } ( يوسف : 101 ) وقال عن موسى عليه السلام : { رب أرنى أنظر إليك } ( الأعراف : 143 ) وقال في قصة الوكز { رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ( القصص : 16 ، 17 ) وحكى تعالى عن داود { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ( ص: 24 ) وعن سليمان أنه قال : { رب اغفر لى وهب لى ملكا } ( ص: 35 ) وعن ذكريا أنه { نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) وعن عيسى عليه السلام أنه قال : { ربنا أنزل علينا مائدة من السماء } ( المائدة : 114 ) وعن محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال له : { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } ( المؤمنون : 97 ) وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ، وحكى أيضا عنهم أنهم قالوا { غفرانك ربنا وإليك المصير } ( البقرة : 285 ) إلى آخر السورة . فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب ، فلم صار لفظ الرب مختصا بوقت الدعاء ؟ ، والجواب كأن العبد يقول : كنت في كتم العدم والمحض والنفي الصرف ، فأخرجتني إلى الوجود ، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعا إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك . المسألة الثانية : السنة في الدعاء ، يبدأ في بالثناء على الله تعالى ، ثم يذكر الدعاء عقيبه ، والدليل عليه هذه الآية ، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } وأيضا أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولا فقال : { الذى خلقنى فهو يهدين والذى هو يطعمنى ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذى يميتنى ثم يحيين والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 78 82 ) فكل هذا ثناء على الله تعالى ، ثم بعده ذكر الدعاء فقال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) .
واعلم أن العقل يدل أيضا على رعاية هذا الترتيب ، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبا إبريزا فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية ، انقلب من ننحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة ، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح ، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقا ، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل ، فكان حصول الشيء المطلوب أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء . المسألة الثالثة : اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات : الربوبية والرحمة والعلم ، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع ، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم { ربنا } إشارة إلى التربية ، والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكل أحواله وأحسن صفاته ، وهذا يدل على أن هذه الممكنات ، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده ، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله ، وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر ، وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير ، لا للاضرار والشر ، فإن قيل قوله { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } فيه سؤال ، لأن العلم وسع كل شيء ، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء ، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة ، وهذا السؤال أيضا مذكور في قوله { ورحمتى وسعت كل شىء } ( الأعراف : 156 ) قلنا كل وجود فقد ننال من رحمة الله تعالى نصيبا وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى ، وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده ، وذلك رحمة ، فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله ، فلهذا قال : { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } وفي الآية دقيقة أخرى ، وهي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب ، فالمطلوب بالذات هو الرحمة ، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم ، والمطلوب بالذات مقدم على المطلوب بالعرض ، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوبا بالذات وإزالة المرض مطلوبا بالعرض لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض ، فقالوا الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة ، فكذا ههنا المطلوب بالذات هو الرحمة ، وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض ، لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب ، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقا على ذكر العلم . المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم ، ودلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره ، والجمع بين هذين الأصلين في غاية اللصعوبة ، فعند هذا قالت الحكماء : الخير مراد مرضي ، والشر مراد مكروه ، والخير مقضي به بالذات ، والشر مقضي به باللعرض ، وفيه غور عظيم .
المسألة الخامسة : قوله { وسعت كل شىء رحمة وعلما } يدل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات ، وأيضا فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء ، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم ، وهو أنهم قالوا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين ، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب ، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله : فاغفر لهم ، وبين قوله { وقهم عذاب الجحيم } قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة ، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة ، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا { ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم } فإن قيلل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنات عدن ، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك ، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إلاه إلا الله محمد رسول الله في النار ، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعدا من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنات عدن ، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار . قال تعالى : { ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم } يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث ، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريا ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في وضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل ، قال الفراء والزجاج { من صالح } نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله { وأدخلهم } وإن شئت في { وعدتهم } والمراد من قوله { ومن صلح } أهل الإيمان ، ثم قالوا : { إنك أنت العزيز الحكيم } وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه للو لم يكن عزيزا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ، ولو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة ، ثم قالوا بعد ذلك { وقهم السيئات } قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات ، فإن قيل فعللى هذا التقدير لا فرق بين قوله { وقهم السيئات } وبين ما تقدم من قوله { وقهم عذاب الجحيم } وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز ، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول : أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم } دعاء مذكور للأصول وقوله { وقهم السيئات } دعاء مذكورا للفروع الثاني : أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم } مقصورا على إزالة الجحيم وقوله { وقهم السيئات } يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال .
والقول الثاني : في تفسير { وقهم السيئات } هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم { وقهم عذاب الجحيم } وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم { وأدخلهم جنات عدن } ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة / والأعمال الفاسدة ، وهو المراد بقولهم { وقهم السيئات } ثم قالوا { ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته } يعني ومن تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة ، ثم قالوا { وذالك هو الفوز العظيم } حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما ، وبأعمال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته . ! 7 < { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير } > 7 ! < < غافر : ( 10 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين كفروا } ( غافر : 4 ) بين أنهم في القيامة يتعرفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف وفيها أيضا تقديم وتأخير ، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم ، وما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفي تفسير مقتهم أنفسهم وجوه الأول : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا الثاني : أن الاتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا ، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم ، كما أنه تعالى قال : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) والمراد قتل بعضهم بعضا الثالث : قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله { وما كان لى عليكم من سلطان إلى قوله ولوموا أنفسكم } ( إبراهيم : 22 ) ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم ، واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة ، أما مقت الله لهم ففيه وجهان الأول : أنه حاصل في الآخرة ، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت والثاني : وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت الله لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه الأول : أن الذين ينادونهم ويذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم الثاني : المقت أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال ، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر الثالث : قال الفراء { ينادون لمقت الله } معناه إنهم ينادون إن مقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم . ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب { قالوا ربنا أمتنا اثنتين } إلى آخر الآية ، والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر ، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا { ربنا أمتنا اثنتين } فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتا ثانيا ، وذلك يدل على حصول حياة في القبر ، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا / فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك ، والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم } ( البقرة : 28 ) والمراد من قوله { وكنتم أمواتا } الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما : إيجاد الشيء ميتا والثاني : تصيير الشيء ميتا بعد أن كان حيا كقولك وسع الخياط ثوبي ، يحتمل أنه خاطه واسعا ويحتمل أنه صيره واسعا بعد أن كان ضيقا ، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها مية ، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية . السؤال الثاني : أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة . السؤال الثالث : أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر ، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها : في الدنيا ، وثانيها : في القبر ، وثالثها : في القيامة ، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا . السؤال الرابع : أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول ، أما المنقول فمن وجوه الأول : قوله تعالى : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة ، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلا ، ولو كان الأمر كذلك لذكره ، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني : أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى } ( الصافات : 58 ، 59 ) ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين ، وذلك على خلاف قوله { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى } قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها ، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تسمكتم بها حكاية قول الاكافرين الذين دخلوا النار .
وأما المعقول فمن وجوه الأول : وهو أن الذي افترسه السباع وأكلته لو أعيد حيا لكان إما أن يعاد حيا بمجموعة أو بأحاد أجزائه ، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع ، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع ، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها ، وذلك في غاية الاستبعاد . الثاني : أن الذي مات لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقيا على موته ، فلو جاوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حيا لكان هذا تشكيكا في المحسوسات ، وإنه دخول في السفسطة ( والجواب ) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى وهي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة ؟ فنقول هذا لا يجوز ، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلا قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا } لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتا وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي تحن في تفسيرها ، لأنهت تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين ، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق . أما قوله ءن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة ، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم / ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم { والله ربنا ما كنت مشركين } كذبهم الله في ذلك فقال : { انظر كيف كذبوا } ( الأنعام : 23 ، 24 ) وأما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين ، فنقول ( الجواب ) عنه من وجوه : الأول : هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى ، والحياة في القبر ، والموتة الثانية ، والحياة في القيامة ، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة ، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب لم يذكروها الثاني : لعلهم ذركوا الحياتين : وهي الحياة في الدنيا ، والحياة في القيامة ، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها الثالث : لعلهم لما صاروا أحياء في القبول لم يموتوا بل بقوا أحياء ، إما في السعادة ، إما في لاشقاوة ، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء في قوله { فصعق من فى السماوات ومن فى الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) الرابع : لو لم يثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذبا وهو على خلاف لفظ القرآن ، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات والمذكور في القرآن مرتين ، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها ، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه ، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل عليه اللفظ مع اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه فكان هذا أولى ، وأما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله { يحذر الاخرة } ( الزمر : 9 ) تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة ، وأما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر . وأما الوجهان العقليان فمدفوعان ، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات التي ذكراتموها غير واردة في هذا الباب والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ( البقرة : 243 ) فهؤلاء أربعة مراتب في الحياة ، حياتان في الدنيا ، وحياة في القبر ، وحياة رابعة في القيامة . المسألة الثالثة : قوله { اثنتين } نعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين اثنتين ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا { فاعترفنا بذنوبنا } فإن قيل الفاء في قوله { فاعترفنا } تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سببا لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية ، قلنا لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث ، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة ، ثم قال : { فهل إلى خروج من سبيل } أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل ، أم اليأس وقع فلا خروج ، ولا سبيل إليه ؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاما يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج فقال : { ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } أي ذلكم الذي أنتم فيه / وهو أن لا سبيل لكم إلى الخروج قط ، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى ، وإيمانكم الإشراك به { فالحكم لله } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي ، وقوله { العلى الكبير } دلالة على الكبرياء والعظمة ، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك ، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى : { العلى } على العلو الأعلى في الجهة ، وبقوله { الكبير } على كبر الجثة والذات ، وكل ذلك باطل ، لأنا دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من { العلى الكبير } العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية . ! 7 < { هو الذى يريكم ءاياته وينزل لكم من السمآء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون } > 7 ! < < غافر : ( 13 ) هو الذي يريكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ، ليصير ذلك دليلا على أنه يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء لله تعالى في المعبودية ، فقال : { هو الذى يريكم ءاياته } واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ، ومصالح الأبدان ، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات ، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء ، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان ، فالآيات لحياة الأديان ، والأرزاق لحياة الأبدان ، وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات . ثم قال : { وما يتذكر إلا من ينيب } والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد الله تعالى كالأمر المركوز في العقل ، إلا أن القول بالشرك والاشتغال بعبادة غير الله يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار ، فإذا أعرض العبد عنها وأناب إلى الله تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام ، ولما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله تعالى فقال : { فادعوا الله مخلصين له الدين } من الشرك ، ومن الإلتفات إلى غير الله { ولو كره الكافرون } قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد .
! 7 < { رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } > 7 ! < < غافر : ( 15 ) رفيع الدرجات ذو . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرا للآيات منزلا للأرزاق ، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله { رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح } قال صاحب ( الكشاف ) ثلاثة أخبار لقوله { هو } مرتبة على قوله { الذى يريكم } ( غافر : 13 ) أو أخبار مبتدأ محذوف ، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا ، قرىء { رفيع الدرجات } بالنصب على المدح ، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة : الصفة الأولى : قوله { رفيع الدرجات } واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع ، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول : : أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء درجة معينة ، كما قال : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال : { يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ( المجادلة : 11 ) وعين لكل جسم درجة معينة ، فجعل بعضها سفلية عنصرية ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش والكرسي ، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني ، وأيضا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل ، فقال : { وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات } ( الأنعام : 165 ) وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة ، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء ، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه ، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال ، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه ، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي ، الذي هو أول لكل ما سواه ، وليس له أول وآخر لكل ما سواه ، وليس له آخر ، أما في العلم : فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات ، كما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وأما في القدرة : فهو أعلى القادرين وأرفعهم ، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه ، وأما في الوحدانية : فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير ، وأقول : الحق سبحانه له صفتان أحدهما : استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني : افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده ، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع ، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام ، وإن فسرناه بالرافع ، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه ، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته .
الصفة الثانية : قوله { ذو العرش } ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه ، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله { رفيع الدرجات ذو العرش } وحملوه على أن المراد بالدرجات / السموات ، وبقوله { ذو العرش } أنه موجود في العرش فوق سبع سموات ، وقد ى عظموا الفرية على الله تعالى ، فأنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسما وفي جهة محال ، وأيضا فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه ، لأن قوله { ذو العرش } لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكا له ومخرجا له من العدم إلى الوجود ، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد ، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام ، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته ، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم ، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى . الصفة الثانية : قوله { يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده } وفيه مباحث : البحث الأول : اختلفوا في المراد بهذا الروح ، والصحيح أن المراد هو الوحي ، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) وقال أيضا : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الانعام : 122 ) وحاصل الكلام فيه : أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية ، فإذا كان الوحي سببا لحصول هذه الأرواح سمي بالروح ، فإن الروح سبب لحصول الحياة ، والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية . واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات ، وذلك لأن كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام ، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي ، ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضدا للعقل ، فههنا أيضا كذلك ، فقوله { رفيع الدرجات } إما أن يكون بمعنى كونه رافعا للدرجات ، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها ، أو إلى كونه تعالى مرتفعا في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات ، فهذا الكلام عقلي برهاني ، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير ، وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وءما روحانيات ، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى ، أما الجسمانيات فأعظمها العرش ، فقوله { ذو } يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام ، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكدا لذلك العقول ، أعني قوله { الكافرون رفيع الدرجات } وأما الروحانيات فكلها مسخرة للحق سبحانه ، وإليه الإشارة بقوله { يلقى الروح من أمره } .
واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي ، والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها : المرسل وهو الله سبحانه وتعالى ، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال : { يلقى الروح } والركن الثاني : الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث : أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة ، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله { من أمره } فالركن الروحاني يسمى أمرا ، قال تعالى : { وأوحى فى كل سماء أمرها } ( فصلت : 12 ) وقال : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) والركن الرابع : الأنبياء الذين يلقي الله الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله { على من يشاء من عباده } والركن الخامس : تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم ، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات / وإليه الإشارة بقوله { لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون } فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية . وبقي ههنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ؟ وكم الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق ؟ أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه : الأول : أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني : أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث : أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الفرقان : 25 ) الرابع : أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق هو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس : يمكن أن يكون ذلك مأخوذا من قوله { فمن كان يرجو لقاء ربه } ( الكهف : 110 ) ومن قوله { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ( الأحزاب : 44 ) السادس : يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون السابع : يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن : قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلأ وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليثه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضا ، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل . وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية ، فنقول : الصفة الأولى : كونن يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره . الصفة الثانية : قوله { يوم هم بارزون } وفي تفسير هذا البروز وجوه الأول : أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني : بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، وليس عليهم أيضا ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث : ( يحشرون عراة حفاة غرلا ) الثالث : أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى : { يوم تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) الرابع : أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات ، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها .
الصفة الثالثة : قوله { لا يخفى على الله منهم شىء } والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شيء ، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بين أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلا بحسبه إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه ، فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ( الحاقة : 18 ) وقال : { يوم تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) وقال : { إذا بعثر ما فى القبور وحصل ما فى الصدور } ( العاديات : 9 ، 10 ) وقال : { يومئذ تحدث أخبارها } ( الزلزلة : 4 ) فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء في جميع الأيام ، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم ؟ قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدينا / قال تعالى : { ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } ( فصلت : 22 ) وقال : { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } ( النساء : 108 ) وهو معنى قوله : { وبرزوا لله الواحد القهار } ( إبراهيم : 48 ) . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم ؟ وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان : الأول : قال المفسرون إذا هلك كل من السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى : { لمن الملك اليوم } ؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول { لله الواحد القهار } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه الأول : أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت ، والناس في ذلك الوقت أحياء ، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني : أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير ، أو حال ما لا يحضر الغير ، والأول : باطل ههنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل ، والثاني : أيضا باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئا كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال ، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضا على الله محال ، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضا على الله محال ، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له .
والقول الثاني : أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى مناد { لمن الملك اليوم } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة { لله الواحد القهار } فالمؤمنون يقولون تلذذا بهذا الكلام ، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة ، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا ، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ، وأقول أيضا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ، ولا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من الملائكة والمجيب جمعا آخرين ، الكل ممكن وليس على التعيين دليل ، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء ؟ فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة ، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، وفي يوم القيامة زالت الأسباب ، وانعزلت الأرباب ، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب ، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة ، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله { لله الواحد القهار } يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدا ، وذلك لأن قولنا : الله اسم لواجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبدا ، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدا قهارا ، فإذا كان كونه قهارا باقيا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء { لمن الملك اليوم } باقيا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد . الصفة الخامسة : من صفات ذلك اليوم قوله { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } . واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة : أولها : إثبات الكسب للإنسان والثاني : أن كسبه يوجب الجزاء والثالث : أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب ، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين ، وقد سبق تقرير هذه الأصول مرارا ، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول : فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه ، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذكل الفعل أو الترك عنه . وأما الثاني : وهو بيان ترتب الجزاء عليه ، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا ، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة ، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات ، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء ، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء ، فهذا هو معنى الكسب ، ومعنى كون ذلك الكسب موجبا للجزاء ، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة ، فهذا قانون كلي عقلي ، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال والله أعلم . المسألة الثانية : هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه ، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه مشروعا ، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروها ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الإجزية إلى يوم القيامة ، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص ، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعا للجزاء لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ولقوله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية ، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على الشرعية قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة والله علم . الصفة السادسة : من صفات ذلك اليوم قوله { لا ظلم اليوم } والمقصود أنه لما قال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك نوع من أنواع الظلم ، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها : أن يستحق الرجل ثوابا فيمنع منه وثانيها : أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إى حقه بالتمام وثالثها : أن يعذب من لا يستحق العذاب ورابعها : أن يكون الرجل مستحقا للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله تعالى : { لا ظلم اليوم } يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة / قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالبا وشاهدا إلا من الله ، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم .
ثم قال تعالى : { إن الله سريع الحساب } وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جدا ، لأنه تعالى لما بين أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب . وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال والله أعلم . ! 7 < { وأنذرهم يوم الا زفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خآئنة الا عين وما تخفى الصدور والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء إن الله هو السميع البصير أولم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وءاثارا فى الا رض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوى شديد العقاب } . > 7 < غافر : ( 18 ) وأنذرهم يوم الآزفة . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوها الأول : أن يوم الآزفة هو يوم القيامة ، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله في صفة يوم القيامة { أزفت الازفة ليس لها من دون الله كاشفة } ( النجم : 57 ، 58 ) وقال شاعر : فأزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى : { اقتربت الساعة } ( القمر : 1 ) قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها ، وما هو كائن فهو قريب . واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة قال القفال : وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ونحوها يرجع معناها إلى الداهية والقول الثاني : أن المراد بيوم الآزفة وقت الآزفة وهي مسارعتهم إلى دخول النار ، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف والقول الثالث : قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل ، والذي يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق ، و { يوم هم بارزون } ثم قال بعده { وأنذرهم يوم الازفة } فوجب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم ، وأيضا هذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون } ( الواقعة : 83 ، 84 ) وقال : { كلا إذا بلغت التراقى } ( القيامة : 26 ) وأيضا فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب ، وأيضا الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه ، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف ، ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حميم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد من قوله { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين } كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره ، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى : { وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) وقال : { فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون } ( الواقعة : 83 ، 84 ) وقيل بل هو محمول على ظاهره ، قال الحسن : القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها مقبوضة كالسجال كما قال : { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } ( الملك : 27 ) وقوله { كاظمين } أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غما وغيظا فإن قيل بم انتصب { كاظمين } قلنا أن يكون حال عن القلوب ، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر ، وإنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال : { رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) وقال : { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ( الشعراء : 4 ) ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما : الخوف الشديد وهو المراد من قوله { إذ القلوب لدى الحناجر } ، والثاني : العجز عن الكلام وهو المراد من قوله { كاظمين } فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون ، أما إذا لم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه . المسألة الثالثة : احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب : ولا ترى الضب بها ينجحر ولفط الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله ، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالا من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني : في الجواب أن المراد من الظالمين ، ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن يكون مختصا بهم ، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار والثالث : أن لفظ الظالمين ، إما أن يفيد الاستغراق ، وإما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار ، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار ، وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع ، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفا بهذه الصفة ، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار ، أجاب المستدلون عن السؤال الأول ، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالا من المطاع ، وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلوما بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجا لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر : رب من أنضجت غيظا صدره
قد تمنى لي موتا لم يطع أما السؤال الثاني : فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم ، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أما السؤال الثالث : فجوابه أن قوله { ما للظالمين من حميم } يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع ، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال . أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله ، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة ، وهذا نوع طاعة ، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التريف أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع ، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه ، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله ، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } يحتمل عموم السلب ، ويحتمل سلب العموم ، أما الأول : فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع ، وأما الثاني : فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الطالمين ليس لهم حميم ولا شفيع ، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى : { الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) فقوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله ، لأن كثيرا ممن كفر فقد آمن بعد ذلك ، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف ، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع } يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب ، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Comment accomplit-on les cinq prières quotidiennes (salat) ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'est-ce que la zakat, et qui doit l'acquitter ?
- Qu'enseigne l'islam sur les aliments halal et haram ?
- Quelle est la signification de la sourate al-Fatiha ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?