Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V27/P126–V27/P127

> > واعلم أن كلمة ( ذلك ) للإشارة إلى شيء سبق ذكره فقوله { وكذلك أوحينا إليك قرءانا عربيا } يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء هاهنا قد سبق ذكره ، وليس هاهنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } ( الشورى : 6 ) يعني كما أوحينا إليك أنك لست حفيظا عليهم ولست وكيلا عليهم ، فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتكون نذيرا لهم وقوله تعالى : { لتنذر أم القرى } أي لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) وأم القرى أصل القرى وهيب مكة وسميت بهذا الاسم إجلالا للها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم ، والعرب تسمي أصل كل شيء أمة حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان ، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل المدر ، والإنذار التخويف ، فإن قيل فظاهر اللفظ يقتضي أن الله تعالى إنما أوحي إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكة وهذا يقتضي أن يكون رسولا إليهم فقط وأن لا يكون رسولا إلى كل العالمين الجواب : أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه ، فهذه الآية تدل على كونه رسولا إلى هؤلاء خاصة وقوله { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) يدل على كونه رسولا إلى كل العالمين ، أيضا لما ثبت كونه رسولا إلى أهل مكة وجب كونه صادقا ، ثم ءنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل العالمين ، والصادق إذاا أخبر عن شيء وجب تصديقه فيه ، فثبت أنه رسول إلى كل العالمين . ثم قال تعالى : { وتنذر يوم الجمع } الأصل أن يقال أنذرت فلانا بكذا فكان الواجب أن يقال لتننذر أم القرى بيوم الجمع وأيضا فيه إضمار والتقدير لتنذر أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفي تسميته بيوم الجمع وجوه الأول : أن الخلائق يجمعون فيه قال تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) فيجتمع فيه أهل السماوات من أهل الأرض الثاني : أنه يجمع بين الأرواح والأجساد الثالث : يجمع بين كل عامل وعمله الرابع : يجمع بين الظالم والمظلوم وقوله { لا ريب فيه } صفة ليوم الجمع الذي لا ريب فيه ، وقوله { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } تقديره ليوم الجمع الذي من صفته يكون القوم فيه فريقين ، فريق في الجنة وفريق في السعير / فإن قيل قوله { يوم الجمع } يقتضي كون القوم مجتمعين وقوله { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } يقتضي كونهم متفرقين ، والجمع بين الصفتين محال ، قلنا إنهم يجتمعون أولا ثم يصيرون فريقين . ثم قال : { ولو شاء الله لجمعهم أمة واحدة } والمراد تقرير قوله { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } ( الشورى : 6 ) أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان ، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك ، ولكنه جعل البعض مؤمنا والبعض كافرا ، فقوله { يدخل من يشاء فى رحمته } يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة ، وقوله { والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير } يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته ، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته ، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة ، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته .

Section V27/P127–V27/P128

ثم قال تعالى : { أم اتخذوا من دونه أولياء } والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ، ثم قال بعده لمحمد صلى الله عليه وسلم لست علليهم رقيبا ولا حافظا ، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا ، فإن هذا المعنى لو كان واجبا لفعله الله ، لأنه أقدر منك ، ثم إنه أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار ، فإن قوله { أم اتخذوا من دونه أولياء } استفهام على سبيل الإنكار . ثم قال تعالى : { فالله هو الولى } والفاء في قوله { فالله هو الولى } جواب شرط مقدر ، كأنه قال : إن أرادوا أولياء بحق الله هو الولي بالحق لا ولي سواه ، لأنه يحيى الموتى وهو على كل شيء قدير ، فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء . ثم قال : { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان قهرا ، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال : { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين ، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته ، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم ، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح ، فقولوا الله أعلم به ، قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) . المسألة الثانية : تقدير الآية كأنه قال : قل يا محمد { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } والدليل عليه قوله تعالى : { ذلكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب } . المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى : { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه ، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه ، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول ، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل القياس ، ولقائل أن يقوم لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى ، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس ؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف / والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه ، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى . ثم قال تعالى : { ذلكم الله ربى } أي ذالكم الحاكم بينكم هو ربي { عليه توكلت } في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير { وإليه أنيب } أي وإليه أرجع في كل المهمات ، وقوله { عليه توكلت } يفيد الحصر ، أي لا أتوكل إلا عليه ، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله وليا .

Section V27/P128–V27/P129

ثم قال : { فاطر السماوات والارض } قرىء بالرفع والجر ، فالرفع على أنه خبر ذلاكم ، أو خبر مبتدأ محذوف ، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السماوات والأرض وقوله { ذلكم الله ربى } اعتراض وقع بين الصفة والموصوف ، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم من الناس { أزواجا ومن الانعام أزواجا } أي خلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا { يذرؤكم } أي يكثركم ، يقال : ذرأ الله الخلق ، أي كثرهم ، وقوله { فيه } أي في هذا التدبير ، وهو اللتزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، والضمير في { يذرؤكم } يرجع إلى المخاطبين ، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين الأول : أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء الثاني : أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين ، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير ، ولم لم يقل يذرؤكم به ؟ قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير ، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير ، كما قال تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) . ثم قال تعالى : { ليس كمثله شىء وهو السميع البصير } وهذه الآية فيها مسائل : المسألة الأولى : احتج علماء التوحيد قديما وحديثا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء وحاصلا في المكان والجهة ، وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له ، وذلك باطل بصريح قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر ، فيقال إما أن يكون المراد { ليس كمثله شىء } في ماهيات الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء ، والثاني باطل ، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين ، كما أن الله تعالى يوسف بذلك ، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، فول كان الله تعالى جسما ، لكان كونه جسما ذاتا لا صفة ، فإذا كان ساشر الأجسام مساوية له في الجسمية ، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة ، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتا ، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسما . واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه ( بالتوحيد ) ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأن كان رجلا مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقص العقل ، فقال : ( نحن نثبت لله وجها ونقول : إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والإكرام ، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوها وللخنازير والقردة والكلاب وجوها / لكان قد شبه وحوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب . ثم قال : ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له : وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه ) .

Section V27/P129–V27/P130

وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب ( أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة ، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبها فكذا ههنا ) ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول : أنه تعالى قال في هذه الآية { وهو السميع البصير } وقال في حق الإنسان { فجعلناه سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) ، الثاني : قال : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ( التوبة : 105 ) وقال في حق المخلوقين { أولم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السمآء } ( النحل : 79 ) الثالث : قال : { واصنع الفلك بأعيننا } ( هود : 37 ) { واصبر لحكم ربك فإنك } ( الطور : 48 ) وقال في حق المخلوقين { الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } ( المائدة : 83 ) الرابع : قال لإبليس { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } ( ص: 75 ) وقال : { بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) وقال : في حق المخلوقين { ذالك بما قدمت أيديكم } ( آل عمران : 182 ) ، { ذالك بما قدمت يداك } ، ( الحج : 10 ) { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ، ( الفتح : 10 ) الخامس : قال تعالى : { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) وقال في الذين يركبون الدواب { لتستووا على ظهوره } ( الزخرف : 13 ) وقال في سفينة نوح { واستوت على الجودى } ( هود : 44 ) ، السادس : سمى نفسه عزيزا فقال : { العزيز الجبار } ( الحشر : 23 ) ، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين بقوله { قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } ( يوسف : 78 ) ، { قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } ( يوسف : 88 ) ، السابع : سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضا بالملك فقال : { وقال الملك ائتونى به } ( يوسف : 50 ) وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال : { رب العرش العظيم } ( التوبة : 129 ) وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } ( غافر : 35 ) ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس ، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها أمكنه الإكثار منها ، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب .

Section V27/P130

وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية ، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته ، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول : المعتبر في كل شيء ، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته ، ولكنه من لوازم تلك الماهية ، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة ، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة ، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة ، وأيضا نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض / فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل ، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات . إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة ، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكنا ثم يصير متحركا ، ثم يسكن بعد ذلك ، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد ، والصفات متعاقبة متزايلة ، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات ، إذا عرفت هذا فنقول : الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض ، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات ، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار ، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات ، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية ، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها ، بقي ههنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة ؟ فنقول لنا ها هنا مقامان : المقام الأول : أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة ، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود ، وإن كانت ممنوعة ، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي ، ويكون ذلك الجسم مخالفا لماهية سائر الأجسام فكان هو قديما أزليا واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة ، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه ؟ فإن قالوا هذا بالطل لأن القرآن دل على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله ، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به .

Section V27/P130–V27/P131

والمقام الثاني : أن علماء الأصلو أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والقيقة ، وإذا ثبت هذا طهر أنه لو كان إله العالم جمسا لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام ، فيلزم كونه محدثا مخلوقا قابلا للعدم والفناء قابلا للتفرق والتمزق . وأما النقل فقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كانت ذاته جسما لكن ذلك الجسم مساويا لسائر الأجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلا له ، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث هي هي ، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة أهل التوحيد في غاية القوة ، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيدا عن معرفة الحقائق ، فجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة . المسألة الثانية : في ظاهر هذه الآية إشكال ، فإنه يقال المقصود منها نفي المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله ، فإنه يقتضي نفي المثل عن مثله لا عنه ، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى ، وأجاب الغعماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنوفا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عنه / ويقول الرجل : هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال لي قال الشاعر : ( ومثلي كمثل جذوع النخيل ) والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفيا عمن كان مشابها بسبب كونه مشابها له ، فلأن يكون منتفيا عنه كان ذلك أولى ، ونظيره قولهم : سلام على المجلس العالي ، والمقصود أن سلام الله إذا كتن واقعال على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعا عليه كان ذلك أولى ، فكذا ههنا قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا الفظ ساقطا عديم الأثر ، بل كان مفيدا للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسنم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلا لمثل نفسه فقول { ليس كمثله شىء } معناه ليس نثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو مسمى بالسم الشيء ، وعندي فيه طريقة أخرى ، وهي أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزها عن المثل ، وتقريره أن يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه ، وهذا محال فإثبات المثل له محال ، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر ، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساويا لمثله في تلك الماهية ومباينا له في نفسه ، وما به المشاركة غير ما به المباينة . فتكون ذات كل واحد منهما مركبا وكل مركب ممكن ، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو في نفسه واجب الوجود ، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئا بناء على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود ، فهذا ما يحتمله اللفظ .

Section V27/P131–V27/P133

المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى : { وله المثل الاعلى } ( الروم : 27 ) يقتضي إثبات المثل فلا بد من الفرق بينهما ، فنقول المثل هو الذي يكون مساويا للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفا في تمام الماهية . المسألة الرابعة : قوله { وهو السميع البصير } يدل على كونه تعالى سامعا للمسموعات مبصرا للمرئيات ، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على طاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلابا يعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع ، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي ، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة ، وذلك على الله محال ، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز والجواب : الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في نفسه ، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تتموج ذلك الهواء . وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة ، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه ، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة ، وهذا يدل على أن الرؤية مغايرة لنفس ذلك الانطباع ، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه ، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك التأثر ، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعا كان حصول السمع والبصر في حق الله ممتنعا ، فنقول ظاهر قوله { وهو السميع البصير } يدل على كونه سميعا بصيرا فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر / والتأثر في حق الله تعالى ممتنع ، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعا ، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله ، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه ، فإن قال قائل قوله { وهو السميع البصير } يفيد الحصر ، فما معنى هذا الحصر ، مع أن العباد أيضا موصوفون بكونهم سميعين بصيرين ؟ فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال ، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله ، فهذا هو المراد من هذا الحصر . أما قوله تعالى : { له مقاليد السماوات والارض } فاعلم أن المراد من الآية أنه تعالى : فاطر السموات والأرض والأصنام ليست كذلك ، وأيضا فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا ، والأصنام ليست كذلك ، وأيضا فله مقاليد السموات والأرض والأصنام ليست كذلك ، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم ، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات مساوية له في المعبودية ؟ فقوله { له مقاليد السماوات والارض } يريد مفاتيح الرزق من السموات والأرض ، فمقاليد السموات الأمطار ، ومقاليد الأرض النبات ، وذكرنا تفسير المقاليد في سورة الزمر عند قوله { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( الزمر : 52 ) لأن مفاتيح الأرزاق بيده { إنه بكل شىء } من البسط والتقدير { عليم } .

Section V27/P133–V27/P134

! 7 < { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذىأوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبىإليه من يشآء ويهدىإليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم وقل ءامنت بمآ أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير والذين يحآجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد الله الذىأنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد الله لطيف بعباده يرزق من يشآء وهو القوى العزيز } . > 7 ! < < الشورى : ( 13 ) شرع لكم من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله { كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } ( الشورى : 3 ) ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وآبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها : أنه قال في أول الآية { ما وصى به نوحا } وفي آخرها { وما وصينا به إبراهيم } وفي الوسط { والذى أوحينا إليك } فما الفائدة في هذا التفاوت ؟ وثانيها : أنه ذكر نوحا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال : { ما وصى به نوحا } والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال : { والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم } وثالثها : أنه يصير تقدير الآية : شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله { شرع لكم } خطاب الغيبة وقوله { والذى أوحينا إليك } خطاب الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين دينا تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع / وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله { ولا تتفرقوا } أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } ( يوسف : 39 ) وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إلاه إلا أنا فاعبدون } ( الأنبياء : 25 ) واحتج بعضهم بقوله { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثا بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل ، ومحل { ءان يوم الدين } إما نصب بدل من مفعول { شرع } والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع ؟ فقيل هو إقامة الدين { كبر على المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص: 5 ) وههنا مسائل :

Section V27/P134–V27/P135

المسألة الأولى : احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع ، والله تعالى ذكر في معرض المنة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، فوجب أن يكون ذلك محرما ممنوعا عنه . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه ، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان ، كالقول بحسن اصدق والعدل والإحسان ، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء ، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان ، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني ، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل ، وبيان منفعته من وجوه الأول : أن للنفوس تأثيرات ، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني : أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معينا للآخر في ذلك المقصود المعين ، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود ، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث : أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب ، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى { ولا تنازعوا فتفشلوا } ( الأنفال : 46 ) . ثم قال تعالى : { الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب } وفيه وجهان الأول : أنه تعالى لما أرشضد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بين أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير ، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني : أنه إنما كبر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبرا وأنفة فبين تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم / ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى ، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى ، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع ، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله { الله يجتبى إليه } أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة ، وقوله { من يشآء } كقوله تعالى : { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } ( العنكبوت : 21 ) . ثم قال : { ويهدى إليه من ينيب } وهو كما روي في الخبر ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) أي من أقبل إلي بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره .

Section V27/P135–V27/P136

واعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه ، كان لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟ فأجاب الله تعالى عنهم بقوله { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة ، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية ، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلبا للذكر والرياسة ، فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف ، ثم أخب تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل ، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب ، لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى ، أي وقتا معلوما ، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا ، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة ، وهو معنى قوله { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم } والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة ، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم ؟ فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالى في آل عمران { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : 19 ) وقال في سورة لم يكن { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ( البينة : 4 ) ولأن قوله { إلا من بعد ما جاءهم العلم } لائق بأهل الكتاب ، وقال آخرون : إنهم هم العرب ، وهذاباطل للوجوه المذكورة ، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } لا يليق بالعرب ، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { لفى شك منه } من كتابهم { مريب } لا يؤمنون به حق الإيمان . ثم قال تعالى : { فلذلك فادع واستقم كما أمرت } يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل مات حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين ، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليهاوعلى الدعوة إليها ، كما أمرك الله ، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة { وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب } أي بأي كتاب صح أن الله أنزله ، يعني لإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ونظيره قوله { نؤمن ببعض ونكفر ببعض } إلى قوله { أولئك هم الكافرون } ( النساء : 151 ) ثم قال : { وأمرت لاعدل بينكم } أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، قل القفال : معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله ، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه ، لكني أسوي بينكم وبين نفسي ، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله . ثم قال : { الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } والمعنى أن إله الكل واحد / وكل واحد مخصوص بعمل نفسه ، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه ، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله ، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه ، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء ؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ، ودخل فيه التوحيد ، وترك عبادة الأصنام ، والإقرار بنبوة الأنبياء ، وبحصة البعث والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فحينئذ فات الشرط ، فلا جرم فات المشروط .

Section V27/P136–V27/P137

وأعلم أنه ليس المراد من قوله { لا حجة بيننا وبينكم } تحريم ما يجري مجرى محاجتهم ، ويدل عليه وجوه الأول : أن هذا الكلام مذكور فيمعرض المحاجة ، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة ، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني : أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث : أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه ، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما تركوا تصديقه بغيا وعنادا ، فبين تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة ، ومما يقوي قولنا : أنه لا يجوز تحريم المحاجة ، قوله { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) وقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) وقوله { لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وقوله { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) وقوله { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 83 ) . ثم قال تعالى : { والذين يحاجون فى الله } أي يخاصمون في دينه { من بعد ما استجيب له } أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين { حجتهم داحضة } أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولن إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف ؟ فنبوة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق ، ونبوة محمد ليست متفقا عليها ، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى ، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى ، فبين تعالى أن هذه الحجة داحضة ، أي باطلة فاسدة ، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وقف قوله ، وههنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات ، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق ، فههنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته . وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضا ، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة ، فقال : { الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب } والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات ، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم ، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك ، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال ، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد ، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك ، وأنهم ما رأوا منه أثرا قالوا على سبيل السخرية : فمتى تقوم القيامة ، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه ، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى : { يستعجل بها الذين لا يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } والمعنى ظهر / وإنما يشفقون ويخافون لعلمهمأن عندها تمتنع التوبة ، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف . ثم قال : { ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد } والممارة الملاجة ، قال الزجاج : الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة ، فيمارون فيها ويجحدون { لفى ضلال بعيد } لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل ، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى ، وهذا من أمحل المحالات ، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالا بعيدا .

Section V27/P137–V27/P138

ثم قال : { الله لطيف بعباده } أي كثير الإحسان بهم ، وإنما حسن ذكر هذا الكلام ههنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة ، فكان ذلك من لطف الله بعباده ، وأيضا المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد ، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضا من لطف ا لله تعالى ، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم ، لا جرم حسن ذكره ههنا ، ثم قال : { يرزق من يشاء } يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد ، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم ، وإعطاء ما لا بد منه من الرزق ، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم ، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة . ثم قال : دهو القوي } أي القادر على كل ما يشاء { } أي القادر على كل ما يشاء { العزيز } الذي لا يغالب ولا يدافع . ! 7 < { من كان يريد حرث الا خرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الا خرة من نصيب أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذى يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد } > 7 < الشورى : ( 20 - 26 ) من كان يريد . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين كون لطيفا بعبداه كثير الإحسان إليهم بين أنه لا بد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه } قال صاحب ( الكشاف ) إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به القائدة حرثا على سبيل المجاز وفي الآية مسائل :

Section V27/P138–V27/P139

المسألة الأولى : أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه الأول : أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا ، وذلك يدل على التفضيل ، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيها على قوله ( نحن لآخرون السابقون ) الثاني : أنه قال في مريد حرث الآخرة { نزد له فى حرثه } وقال في مريد حرث الدينا { نؤته منها } وكلمة من للتبعيض ، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله ، وقال في سورة بني إسرائيل { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } ( الإسرار : 18 ) وأقوال البرهان العقلي مساعد على البابين ، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل ، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر ، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر ، وذلك هو المراد بقوله { نزد له فى حرثه } وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد ، وإذا كان الميل أبدا في التزايد ، وكان حصول المطلوب باقيا على حالة واحدة كان الحرمان لازما لامحالة الثالث : أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة { نرد له فى حرثه } ذ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا ، بل بقي الكلام ساكتا عنه نفيا وإثباتا ، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بين أنه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التنصيص ، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع ، فواجد الأصل يكون واجدا للتبع بقدر الحاجة / إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيها على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع : أنه تعالى بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه ، وبينأن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا ، وأما افي الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة ، فبين بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبدا في الترقي والتزايد وبين بالكلام الثاني أن طالب الدني يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التامالخامس : أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوجة بالنسبة إلى النقد ، لأنالناس يقولون النقد خير من النسيئة فبين تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا ، فالآخرة وإن كانت نقدا إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل ، والدنيا وإن كانت نقدا إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل ، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة ، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس : الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لا بد في البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية ، فلما سمى الله كلا القسمين حرثا علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق ، ثم بين تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء ، فكأنه قيل إذا كان لا بد في القسمين جميعا من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية ، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء .

Section V27/P139–V27/P140

المسألة الثانية : في تفسير قوله { نزد له فى حرثه } قولان الأول : المعنى أنا نزيد في توقيفه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه ، وقال مقاتل { نزد له فى حرثه } بتضعيف الثواب ، قال تعالى : { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( فاطر : 30 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أصبح وهمه الدنيا شئت لله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له ، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها ) أو لفظ يقرب من أن يكون هذا معناه . المسألة الثالثة : ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته ، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب : أنه تعالى قال : { من كان يريد حرث الاخرة } والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض ، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى . المسألة الرابعة : قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح ، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة ، لأن الكلام فيما إذا كان غافلا عن ذكر الله وعن الآخرة ، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة ، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية . وأعلم أن الله تعالى لما بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و { شركاؤهم } شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها ، وقيل { شركاؤهم } أوثانهم ، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء الله ، ولما كان سببا لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) وقوله { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } يعني أن تكل الشرائع بأسرها على ضدين لله ، ثم قال : { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة { لقضي بينهم } أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وقرأ بعضهم ، وأن بفتح الهمزة في أن عطفا له على كلمة الفصل يعني { ولولا كلمة الفصل } وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة { لقضي بينهم } في الدنيا إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول : فهو قوله { ترى الظالمين مشفقين } خائفين خوفا شديدا { مما كسبوا } من السيئات { وهو واقع بهم } يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو ، أما الثاني : فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات } لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات ، وهي البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم قال : { لهم ما يشاءون عند ربهم } وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة { ذلك هو الفضل الكبير } وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله ، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى قال : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم } فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاء على الإيمان والأعمال الصالحات .

Section V27/P140–V27/P141

ثم قال تعالى : { ذلك هو الفضل الكبير } وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق . ثم قال : { ذلك الذى يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } قال صاحب ( الكشاف ) قرىء يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره . واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه الأول : أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصاحات روضات الجنات ، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء ، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني : أنه تعالى قال : { لهم ما يشاءون عند ربهم } وقوله { لهم ما يشاءون } يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهاالثالث : أنه تعالى قال : { ذلك هو الفضل الكبير } والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع : أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال : { الذين يبشر الله عباده } وذلك يدل أيضا على غاية العظمة ، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها . واعمل أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف ، ورتب على الطاعة الثواب ، وعلى المعصية العقاب ، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعا عاجلا ومطلوبا حاضرا ، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال : الأول : قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية ، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله { قل لا أسألكم } على ما أدعوكم إليه { أجرا إلا } أن تودوني لقرابتي منكم ، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني ، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي . والقول الثاني : روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم ، فنزل قوله تعلى : { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه . القول الثالث : ما ذكره الحسن فقال : إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح ، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب ، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب ، فإن قيل الآية مشكلة ، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه :

Section V27/P141

الأول : أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرحوا بنفي طلب الأجرة ، فذكر في قصة نوح عليه السلام { وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين } ( الشعراء : 109 ) وكذا في قصة هود وصالح ، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام ، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال : { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } ( سبأ : 47 ) وقال : { قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } ( ص : 86 ) الثالث : العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ( المائدة : 67 ) وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء الرابع : أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) وقال في صفة الدنيا { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : 77 ) فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس : أن طلب الأجر كان يوجب التهمة ، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرا ألبتة على التبليغ والرسالة ، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجرا على التبليغ والرسالة ، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال ، والجواب عنه : أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة ، بقي قوله { إلا المودة فى القربى } نقول الجواب عنه من وجهين الأول : أن هذا من باب قوله : ولا عيب غير أن سيوفهم بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرا لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ) والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجبا فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى ، وقوله تعلى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } تقديره والمودة في القربى ليست أجرا ، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني : في الجواب أن هذا استثناء منقطع ، وتم الكلام عند قوله { قل لا أسألكم عليه أجرا } . ثم قال : { إلا المودة فى القربى } أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر .

Section V27/P141–V27/P142

المسألة الثالثة : نقل صاحب ( الكشاف ) : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) هذا هو الذي رواه صاحب ( الكشاف ) ، وأنا أقول : آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل ، وأيضا اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته ، فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل ، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه . وروى صاحب ( الكشاف ) أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال علي وفاطمة وابناهما ، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : { إلا المودة فى القربى } ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني : لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم : ( فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب عليا والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله { واتبعوه لعلكم تهتدون } ( الأعراف : 158 ) ولقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) ولقوله { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) ولقوله سبحانه { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) الثالث : أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يا راكبا قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهضسحرا إذا فاض الحجيج إلى منى فيضا كما نظم الفرات الفائضإن كان رفضا حب آل محمد

Section V27/P142–V27/P143

فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية : قوله { إلا المودة فى القربى } فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) فكل من أطاع الله كان مقربا عند الله تعالى فدخل تحت قوله { إلا المودة فى القربى } والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه ، وهذا المنصب لا يسلم إلا على وقل أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة ، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما : السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني : الكواتكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالبا ، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة . ولنرجع إلى التفسير : أورد صاحب ( الكشاف ) : على نفسه سؤالا فقال : هلا قيل إلا مودة القربى ، أو إلا مودة للقربى ، وما معنى قوله { إلا المودة فى القربى } ؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد أحبهم وخم مكان حبي ومحله . ثم قال تعالى : { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه ، والظاهر العموم في أي حسنة كانت ، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى ذل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة . ثم قال تعالى : { إن الله غفور شكور } والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعا كثيرة من التفضيل . وقال تعالى : { أم يقولون فترى على الله كذبا } واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدىء في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى : { كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } ( الشورى : 3 ) واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى ههنا ، ثم حكى ههنا شبهة القوم وهي قولهم : إن هذا ليس وحيا من الله تعالى فقال : { أم ممن افترى على الله كذبا } قال صاحب ( الكشاف ) : أم منقطعة ، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل : أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها ، ثم أجاب عنه بأن قال : { فإن يشإ الله يختم على قلبك } وفيه وجوه الأول : قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إن مفتر كذاب والثاني : يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإن لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة ، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد ، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين / لعل الله خذلني لعل الله أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه ، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه .

Section V27/P143–V27/P144

ثم قال تعالى : { ويمح الله الباطل ويحق الحق } أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلا كذابا لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله ، ويجوز أن يكون هذا وعدا من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه . ثم قال : { إنه عليم بذات الصدور } أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك ، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي ، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك . واعلم أنه تعالى لما قال : { أم يقولون افترى على الله كذبا } ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقابا عظيما ، لا جرم ندبهم الله على التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته ، فقال : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } وفي هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه ، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه ، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة ، وأقل ما لا بد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل ، وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة ، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة ؟ فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلا قبول التوبة ، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل ، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، ولو كان ذلك القبول واجبا لما حصل التمدح العظيم ، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلما ولا يقتلهم غضبا ، كان ذلك مدحا قليلا ، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب علي كان ذلك مدحا وثناء . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ويعفوا عن السيئات } إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة ، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر ، أو المراد منته أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول باطل وإلا لصار قوله { ويعفوا عن السيئات } عين قوله { وهو الذى يقبل التوبة } والتكرار خلاف الأصل ، والثاني أيضا باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة . ثم قال : { ويعلم ما تفعلون } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته .

Section V27/P144–V27/P146

ثم قال : { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله } وفيه قولان أحدهما : الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه . والثاني : محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره ، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله { وإذا كالوهم } ( المطففين : 3 ) وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } وما بعدها قوله { ويزيدهم من فضله } فيزيد عطف على ويستجيب ، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله . أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان : أحدهما : ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني : يطيعونه فيما أمرهم به ، والاستجابة الطاعة . وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا ، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله ، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار ؟ قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم ، وذلك لا يليق بالكفار ، وقيل يجوز على بعض الوجوه ، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف ، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج ، ثم قال : { ويزيدهم من فضله } أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء { والكافرون لهم عذاب شديد } والمقصود التهديد . ! 7 < { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الا رض ولاكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير بصير وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد ومن ءاياته خلق السماوات والا رض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ومآ أنتم بمعجزين فى الا رض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير } . > 7 ! < < الشورى : ( 27 ) ولو بسط الله . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله { ويستجيب الذين ءامنوا } ؟ فأجاب تعالى عنه بقوله { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض } أي ولأقدموا على المعاصي ، ولما كان ذلك محذورا وجب أن يعطيهم ما طلبوه ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين : الأول : أن حاصل الكلام أنه تعالى : { لو بسط الرزق لعباده لبغوا فى الارض } والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة ، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض ، وذلك يوجب فساد قول المجبرة الثاني : أنه تعالى بين أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريدا للمفسدة كان أولى ، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل ، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني ؟ ويلزم التسلسل ، وأيضا فالميل الشديد إلى الظلم ولاقسوة عيوب ونقصانات ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه ، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى ، ثم أورد الجبائي في ( تفسيره ) على نفسه سؤالا قال : فإن قيل أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى ؟ وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط ، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فقوله تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) حكم مطلقا بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان . وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل ، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر ، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان .

Questions