Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V28/P079

الثاني : قوله تعالى : { أولى بأس شديد } ولم يبق بعد ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حرب قوم أولي بأس شديد فإن الرعب استولى على قلوب الناس ولم يبق الكفار بعده شدة وبأس ، واتفاق الجمهور يدل على القوة والظهور ، نقول أما الجواب عن الأول فمن وجهين أحدهما : أن يكون ذلك مقيدا ، تقديره : لن تخرجوا معي أبدا وأنتم على ما أنتم عليه ، ويجب هذا التقييد لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك ، وما كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) ومع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه عليهم وكان ذلك مقيدا ، وقد تبين حسن حالهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع آخرون ، وظهر أمرهم وعلم من استمر على الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان الثاني : المراد من قوله { لن تتبعونا } ( الفتح : 15 ) في هذا القتال فحسب وقوله { لن تخرجوا معى } ( التوبة : 83 ) كان في غير هذا وهم المنافقون الذين تخلفوا في غزوة تبوك ، وأما اتفاق الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم أولا ، وأبو بكر رضي الله عنه أيضا دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما نحن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضي الله عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف ، وإن قالوا لم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فالنفي والجزم به في غاية البعد لجواز أن يكون ذلك قد وقع ، وكيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام قال من كلام / الله { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } ( آل عمران : 31 ) وقال : { واتبعون هاذا صراط مستقيم } ( الزخرف : 61 ) ومنهم من أحب الله واختار اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن بقاء جمعهم على النفاق والكفر بعد ما اتسعت دائرة الإسلام واجتمعت العرب على الإيمان بعيد ، ويوم قوله صلى الله عليه وسلم { لن تتبعونا } كان أكثر العرب على الكفر والنفاق ، لأنه كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة .

Section V28/P079–V28/P080

وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولي بأس شديد ، قلنا لا نسلم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية دعاهم إلى الحرب لأنه خرج محرما ومعه الهدى ليعلم قريش أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحا محاربا أكثر بأسا ممن يكون على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجا ولا معتمرا فقوله { أولى بأس شديد } يعني أولي سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد ، ومن قال بأن الداعي أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ودلالتها ظاهرة ، وحينئذ { تقاتلونهم أو يسلمون } إشارة إلى أن أحدهما يقع ، وقرىء { أو } بالنصب بإضمار أن على معنى تقاتلونهم إلى أن يسلموا ، والتحقيق فيه هو أن { لبعولتهن أو } لا تجيء إلا بين المتغايرين وتنبىء عن الحصر فيقال العدد زوج أو فرد ، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو ، ولهذا يقال العدد زوج أو خمسة أو غيرهما ، إذا علم هذا فقال القائل لألزمنك أو تقضيني حقي يفهم منه أن الزمان انحصر في قسمين : قسم يكون فيه الملازمة ، وقسم يكون فيه قضاء الحق ، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق ، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني ، كما حكي في قول القائل ، لألزمنك إلى أن تقضيني ، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء ، وهذا ما يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية ، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية ، وقوله تعالى : { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل } فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ( النور : 61 ) لا يكون للمتولي عذاب أليم ، فقال : { وإن تتولوا كما توليتم } يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم { شغلتنا أموالنا } ( الفتح : 11 ) فالله يعذبكم عذابا أليما . ! 7 < { ليس على الا عمى حرج ولا على الا عرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الا نهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما } . > 7 ! < < الفتح : ( 17 ) ليس على الأعمى . . . . . > > بين من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسببه يجوز ترك الجهاد وهو ما يمنع من الكر والفر وبين ذلك ببيان ثلاثة أصناف الأول : { الاعمى } فإنه لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز والهرب ، والأعرج كذلك والمريض كذلك ، وفي معنى الأعرج الأقطع / والمقعد ، بل ذلك أولى بأن يعذر ، ومن به عرج لا يمنعه من الكر والفر لا يعذر ، وكذلك المرض القليل الذي لا يمنع من الكر والفر كالطحال والسعال إذ به يضعف وبعض أوجاع المفاصل لا يكون عذرا وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن هذه أعذار تكون في نفس المجاهد ولنا أعذار خارجة كالفقر الذي لا يتمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج إليه والاشتغال بمن لولاه لضاع كطفل أو مريض ، والأعذار تعلم من الفقه ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل : المسألة الأولى : ذكر الأعذار التي في السفر ، لأن غيرها ممكن الإزالة بخلاف العرج والعمى .

Section V28/P080–V28/P081

المسألة الثانية : اقتصر منها على الأصناف الثلاثة ، لأن العذر إما أن يكون بإخلال في عضو أو بإخلال في القوة ، والذي بسبب إخلال العضو ، فإما أن يكون بسبب اختلال في العضو الذي به الوصول إلى العدو والانتقال في مواضع القتال ، أو في العضو الذي تتم به فائدة الحصول في المعركة والوصول ، والأول : هو الرجل ، والثاني : هو العين ، لأن بالرجل يحصل الانتقال ، وبالعين يحصل الانتفاع في الطلب والهرب . وأما الأذن والأنف واللسان وغيرها من الأعضاء ، فلا مدخل لها في شيء من الأمرين ، بقيت اليد ، فإن المقطوع اليدين لا يقدر على شيء ، وهو عذر واضح ولم يذكره ، نقول : لأن فائدة الرجل وهي الانتقال تبطل بالخلل في إحداهما ، وفائدة اليد وهي الضراب والبطش لا تبطل إلا ببطلان اليدين جميعا ، ومقطوع اليدين لا يوجد إلا نادرا ، ولعل في جماعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد مقطوع اليدين فلم يذكره ، أو لأن المقطوع ينتفع به في الجهاد ، فإنه ينظر ولولاه لاستقل به مقاتل فيمكن أن يقاتل ، وهو غير معذور في التخلف ، لأن المجاهدين ينتفعون به بخلاف الأعمى ، فإن قيل كما أن مقطوع اليد الواحدة لا تبطل منفعة بطشه كذلك الأعور لا تبطل منفعة رؤيته ، وقد ذكر الأعمى ، وما ذكر الأشل وأقطع اليدين ، قلنا لما بينا أن مقطوع اليدين نادر الوجود والآفة النازلة بإحدى اليدين لا تعمهما والآفة النازلة بالعين الواحدة تعم العينين لأن منبع النور واحد وهما متجاذبان والوجود يفرق بينهما ، فإن الأعمى كثير الوجود ومقطوع اليدين نادر . المسألة الثالثة : قدم الآفة في الآلة على الآفة في القوة ، لأن الآفة في القوة تزول وتطرأ ، والآفة في الآلة إذ طرأت لا تزول ، فإن الأعمى لا يعود بصيرا فالعذر في محل الآلة أتم . المسألة الرابعة : قدم الأعمى على الأعرج ، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال ، والأعرج إن حضر راكبا أو بطريق آخر يقدر على القتال بالرمي وغيره . ! 7 < { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 ! / < < الفتح : ( 18 ) لقد رضي الله . . . . . > > اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بيانا لطاعة الله ، فإن الله تعالى لو قال : ومن يطع الله ، كان لبعض الناس أن يقول : نحن لا نرى الله ولا نسمع كلامه ، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه ؟ فقال طاعته في طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله .

Section V28/P081–V28/P082

ثم قال : { ومن يتول } أي بقلبه ، ثم لما بين حال المخلفين بعد قوله { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) عاد إلى بيان حالهم وقال : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم } من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض { فأنزل السكينة عليهم } حتى بايعوا على الموت ، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات } ( الفتح : 17 ) فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية ، وفي هذه الآية بين أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان ، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين } وأما طاعة الرسول فبقوله { إذ يبايعونك تحت الشجرة } بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى : { ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها رضى الله عنهم } ( المجادلة : 22 ) . ثم قال تعالى : { فعلم ما فى قلوبهم } والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم ؟ نقول قوله { فعلم ما فى قلوبهم } متعلق بقوله { إذا يبايعونك تحت الشجرة } كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام إلي ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني ، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا كذلك ، ههنا قال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم } من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب ، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم ، والفاء في قوله { فأنزل السكينة عليهم } / للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم ، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى : { وأثابهم فتحا قريبا } هو فتح خيبر { ومغانم كثيرة يأخذونها } مغانمها وقيل مغانم هجر { وكان الله عزيزا } كامل القدرة غنيا عن إعانتكم إياه { حكيما } حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين ، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته . ! 7 < { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هاذه وكف أيدى الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما } . > 7 ! < < الفتح : ( 20 ) وعدكم الله مغانم . . . . .

Section V28/P082–V28/P083

> > إشارة إلى أن ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب بل الجزاء قدامهم ، وإنما هي لعاجلة عجل بها ، وفي المغانم الموعود بها أقوال ، أصحها أنه وعدهم مغانم كثيرة من غير تعيين وكل ما غنموه كان منها والله كان عالما بها ، وهذا كما يقول الملك الجواد لمن يخدمه : يكون لك مني على ما فعلته الجزاء إن شاء الله ، ولا يريد شيئا بعينه ، ثم كل ما يأتي به ويؤتيه يكون داخلا تحت ذلك الوعد ، غير أن الملك لا يعلم تفاصيل ما يصل إليه وقت الوعد ، ولله عالم بها ، وقوله تعالى : { وكف أيدى الناس عنكم } لإتمام المنة ، كأنه قال رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر القتال ولو تعبتم فيه لقلتم هذا جزاء تعبنا ، وقوله تعالى : { ولتكون ءاية للمؤمنين } عطف على مفهوم لأنه لما قال الله تعالى : { فعجل لكم هاذه } واللام ينبىء عن النفع كما أن علي ينبىء عن الضر القائل لا علي ولا ليا بمعنى لا ما أتضرر به ولا ما أنتفع به ولا أضر به ولا أنفع ، فكذلك قوله { فعجل لكم هاذه } لتنفعكم { ولتكون ءاية للمؤمنين } وفيه معنى لطيف وهو أن المغانم الموعود بها كل ما يأخذه المسلمون فقوله { ولتكون ءاية للمؤمنين } يعني لينفعكم بها وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله يصل إليهم كما وصل إليكم ، أو نقول : معناه لتنفعكم في الظاهر وتنفعكم في الباطن حيث يزداد يقينكم إذا رأيتم صدق الرسول في إخباره عن الغيوب فتجمل أخباركم ويكمل اعتقادكم ، وقوله { ويهديكم صراطا مستقيما } وهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به . ! 7 < { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شىء قديرا } . > 7 < الفتح : ( 21 ) وأخرى لم تقدروا . . . . . > > / قيل غنيمة هوازن ، وقيل غنائم فارس والروم وذكر الزمخشري في أخرى ثلاثة أوجه أن تكون منصوبة بفعل مضمرر يفسره { قد أحاط } و { لم تقدروا عليها } صفة لأخرى كأنه يقول وغنيمة أخرى غير مقدورة { قد أحاط الله بها } ثانيها : أن تكون مرفوعة ، وخبرها { قد أحاط الله بها } وحسن جعلها مبتدأ مع كونه نكرة لكونها موصوفة بلم تقدروا وثالثها : الجر بإضمار رب ويحتمل أن يقال منصوبة بالعطف على منصوب وفيه وجهان أحدهما : كأنه تعالى قال : { فعجل لكم هاذه } وأخرى ما قدرتم عليها وهذا ضعيف لأن أخرى لم يعجل بها وثانيهما : على مغانم كثيرة تأخذونها ، وأخرى أي وعدكم الله أخرى ، وحينئذ كأنه قال : وعدكم الله مغانم تأخذونها ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها ، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين وعلى هذا تبين لقول الفراء حسن ، وذلك لأنه فسر قوله تعالى : { قد أحاط الله بها } أي حفظها للمؤمنين لا يجري عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحراس بالخزائن . ! 7 < { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الا دبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } . > 7 ! < < الفتح : ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . . > > وهو يصلح جوابا لمن يقول : كف الأيدي عنهم كان أمرا اتفاقيا ، ولو اجتمع عليهم العرب كما عزموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها ، فقال ليس كذلك ، بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون ، والغلبة واقعة للمسلمين ، فليس أمرهم أمرا اتفاقيا ، بل هو إلاهي محكوم به محتوم . وقوله تعالى : { ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } .

Section V28/P083–V28/P084

قد ذكرنا مرارا أن دفع الضرر عن الشخص إما أن يكون بولي ينفع باللطف ، أو بنصير يدفع بالعنف ، وليس للذين كفروا شيء من ذلك ، وفي قوله تعالى : { ثم } لطيفة وهي أن من يولي دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه ، فقال وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون ، بل بعد التولي الهلاك لاحق بهم . ! 7 < { سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } . > 7 ! < < الفتح : ( 23 ) سنة الله التي . . . . . > > جواب عن سؤال آخر يقوم مقام الجهاد وهو أن الطوالع لها تأثيرات ، والاتصالات لها تغيرات ، فقال ليس كذلك ( بل ) سنة الله نصرة رسوله ، وإهلاك عدوه . وقوله تعالى : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } . بشارة ودفع وهن يقع بسبب وهم ، وهو أنه إذا قال الله تعالى ليس هذا بالتأثيرات فلا يجب وقوعه ، بل الله فاعل مختار ، ولو أراد أن يهلك العباد لأهلكهم ، بخلاف قول المنجم بأن الغلب لمن / له طالع وشواهد تقتضي غلبته قطعا ، فقال الله تعالى : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } يعني أن الله فاعل مختار يفعل ما يشاء ويقدر على إهلاك أصدقائه ، ولكن لا يبدل سنته ولا يغير عادته . ! 7 < { وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } . > 7 < الفتح : ( 24 ) وهو الذي كف . . . . . > > تبيينا لما تقدم من قوله { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار } ( الفتح : 22 ) أي هو بتقدير الله ، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار ، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ، وقوله تعالى : { ببطن مكة } إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف ، ومع ذاك وجد كف الأيدي ، وذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة ، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارهم طالبين ثأرهم ، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم ، ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم ، فقوله { ببطن مكة } إشارة إلى بعد الكف ، ومع ذلك وجد بمشيئة الله تعالى ، وقوله تعالى : { من بعد أن أظفركم عليهم } صالح لأمرين أحدهما : أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم ، مع أن الظاهر كان يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم ، ولكثرة عددهم الثاني : أن يكون ذكر أمرين مانعين من الأمرين الأولين ، مع أن الله حققهما مع المنافقين ، أما كف أيدي الكفار ، فكان بعيدا لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم ، وإليه أشار بقوله { ببطن مكة } وأما كف أيدي المسلمين ، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم ، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد انكفافه عنه ، مع أن الله كف اليدين . وقوله تعالى : { وكان الله بما تعملون بصيرا } .

Section V28/P084–V28/P085

يعني كان الله يرى فيه من المصلحة ، وإن كنتم لا ترون ذلك ، وبينه بقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا } إلى أن قال : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } ( الفتح : 25 ) يعني كان الكف محافظة على ما في مكة من المسلمين ليخرجوا منها ، ويدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات ، واختلف المفسرون في ذلك الكف منهم من قال المراد ما كان عام الفتح ، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية ، فإن المسلمين هزموا جيش الكفار حتى أدخلوهم بيوتهم ، وقيل إن الحرب كان بالحجارة . ! 7 < { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله فى رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } . > 7 < الفتح : ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . . > > / وقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله } . إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا ، وكل ذلك يقتضي قتالهم ، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا ، ولم يبق بينهما خلاف واصطلحوا ، ولم يبق بينهما نزاع ، بل الاختلاف باق والنزاع مستمر ، لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا فازدادوا كفرا وعداوة ، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات ، وقوله { والهدى } منصوب على العطف على كم في { صدوكم } ويجوز الجر عطفا على المسجد ، أي وعن الهدي . و { معكوفا } حال و { أن يبلغ } تقديره على أن يبلغ ، ويحتمل أن يقال { أن يبلغ محله } رفع ، تقديره معكوفا بلوغه محله ، كما يقال : رأيت زيدا شديدا بأسه ، ومعكوفا ، أي ممنوعا ، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه . وقوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم } . وصف الرجال والنساء ، يعني لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين ، وقوله تعالى : { أن تطئوهم } بدل اشتمال ، كأنه قال : رجال غير معلومي الوطء فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم ، وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة وهي دليل الإثم ، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم ، وقوله تعالى : { بغير علم } قال الزمخشري : هو متعلق بقوله { أن تطئوهم } يعني تطئوهم بغير علم ، وجاز أن يكون بدلا عن الضمير المنصوب في قوله { لم تعلموهم } ولقائل أن يقول : يكون هذا تكرارا ، لأن على قولنا هو بدل من الضمير يكون التقدير : لم تعلموا أن تطئوهم بغير علم ، فيلزم تكرار بغير علم الحصول بقوله { لم تعلموهم } فالأولى أن يقال { بغير علم } هو في موضعه تقديره : لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، من يعركم ويعيب عليكم ، يعني إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار { بغير علم } أي بجهل لا يعلمون أنكم معذورون فيه ، أو نقول تقديره : لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، أي فتقتلوهم بغير علم ، أو تؤذوهم بغير علم ، فيكون الوطء سبب القتل ، والوطء غير معلوم لكم ، والقتل الذي هو بسبب المعرة وهو الوطء الذي يحصل بغير علم . أو نقول : المعرة قسمان أحدهما : ما يحصل من القتل العمد ممن هو غير العالم بحال المحل والثاني : ما يحصل من القتل خطأ ، وهو / غير عدم العلم ، فقال : تصيبكم منهم معرة غير معلومة ، لا التي تكون عن العلم وجواب : لولا محذوف تقديره : لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم ، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن ، ويحتمل أن يقال جوابه : ما يدل عليه قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } يعني قد استحقوا لأن لا يهملوا ، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل : هو سارق ولولا فلان لقطعت يده ، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء لوجود غيره / وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير فذكر الله تعالى أولا المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع ، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين .

Section V28/P085–V28/P086

وقوله تعالى : { ليدخل الله فى رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } فيه أبحاث : الأول : في الفعل الذي يستدعي اللام الذي بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه أحدها : أن يقال هو قوله { كف أيديكم عنهم } ليدخل ، لا يقال بأنك ذكرت أن المانع وجود رجال مؤمنين فيكون كأنه قال : كف أيديكم لئلا تطئوا فكيف يكون لشيء آخر ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن نقول كف أيديكم لئلا تطئوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر الله لي أي الإطعام للشابع كان ليغفر الثاني : هو أنا بينا أن لولا جوابه ما دل عليه قوله { هم الذين كفروا } فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل في إهلاكهم ، ولولا رجال لعجل بهم ولكن كف أيديكم ليدخل ثانيها : أن يقال فعل ما فعل ليدخل لأن هناك أفعالا من الألطاف والهداية وغيرهما ، وقوله { ليدخل الله فى رحمته من يشاء } ليؤمن منهم من علم الله تعالى أنه يؤمن في تلك السنة أو ليخرج من مكة ويهاجر فيدخلهم في رحمته وقوله تعالى : { لو تزيلوا } أي لو تميزوا ، والضمير يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات ، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو لعجل ولو كان { لو تزيلوا } راجعا إلى الرجال لكان لعذبنا جواب لولا ؟ نقول وقد قال به الزمخشري فقال : { لو تزيلوا } يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن يكون لعذبنا جواب لولا ، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء ، كأنه قال ليدخل من يشاء في رحمته لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون ، وفيه أبحاث : البحث الأول : وهو على تقدير نفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع عنهم ، إما بسبب عدم التزييل ، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال والعذاب الأليم لا يندفع / عن الكافر ، نقول المراد عذابا عاجلا بأيديكم يبتدىء بالجنس إذ كانوا غير مقرنين ولا منقلبين إليهم فيظهرون ويقتدرون يكون أليما . البحث الثاني : ما الحكمة في ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل في ذكر المذكر عند الاجتماع ؟ قلنا الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما تقدم يعني أن الموضع موضع وهم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله { تطئوهم فتصيبكم } معناه تهلكوهم والمراد لا تقاتل ولا تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال المؤمنين فقال : والنساء المؤمنات أيضا لأن تخريب بيوتهن ويتم أولادهن بسبب رجالهن وطأة شديدة وثانيهما : أن في محل الشفقة تعد المواضع لترقيق القلب ، يقال لمن يعذب شخصا لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه ، ويقال أولاده وصغاره وأهله الضعفاء العاجزين ، فكذلك ههنا قال : { لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } لترقيق قلوب المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر . ! 7 < { إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شىء عليما } . > 7 ! { < < الفتح : ( 26 ) إذ جعل الذين . . . . .

Section V28/P086–V28/P087

> > إذ } يحتمل أن يكون ظرفا فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملا له ، ويحتمل أن يكون مفعولا به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور ، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان أحدهما : هو قوله تعالى : { وصدوكم } ( الفتح : 25 ) أي وصدوكم حين جعلوا في قلوبهم الحمية وثانيها : قوله تعالى : { لعذبنا الذين كفروا منهم } ( الفتح : 25 ) أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية والثاني : أقرب لقربه لفظا وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المؤمنين فيعذبونهم عذابا أليما أو غير المؤمنين ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان أحدهما : حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في قلوبهم الحمية وثانيها : أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فأنزل الله سكينته } تفسير لذلك الإحسان ، وأما إن قلنا إنه مفعول به ، فالعامل مقدر تقديره أذكر ، أي : أذكر ذلك الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه / كما تقول أتذكر زيدا ، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه ، وفي . لطائف معنوية ولفظية : الأولى : هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء أحدها : جعل ما للكافرين بجعلهم فقال : { إذ جعل الذين كفروا } وجعل ما للمؤمنين بجعل الله ، فقال : { فأنزل الله } وبين الفاعلين ما لا يخفى ثانيها : جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ثالثها : أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال : حمية الجاهلية ، وقال : سكينته ، وبين الإضافتين ما لا يذكر الثانية : زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء بشيء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى الله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } وسنذكر معناه ، وأما اللفظية فثلاث لطائف الأولى : قال في حق الكافر ( جعل ) وقال في حق المؤمن ( أنزل ) ولم يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى ، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده فأنزلها الثانية : قال الحمية ثم أضافها بقوله { حمية الجاهلية } لأن الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحا ، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية .

Section V28/P087–V28/P089

وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا يبقى معه لحسن اعتبار ، فقال { سكينته } اكتفاه بحسن الإضافة الثالثة : قوله { فأنزل } بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمكته لا ينبىء عن ذلك ، وحينئذ يكون فيه لطيفة : وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن يكون ضعيفا أو قويا ، فإن كان ضعيفا ينهزم وينقهر / وإن كان قويا فيورث غضبه فيه غضبا ، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا ، وقوله تعالى : { فأنزل الله } بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء ، نقول فيه وجهان : أحدهما : ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله { إذ جعل الذين كفروا } وقوله { فأنزل } تفسير لذلك الإحسان كما يقال أكرمني فأعطاني لتفسير الإكرام وثانيهما : أن تكون الفاء للدلالة على أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة ، تقول أكرمني فأثنيت عليه ، ويجوز أن يكونا فعلين واقعين من غير مقابلة ، كما تقول جاءني زيد وخرج عمرو ، وهو هنا كذلك لأنهم لما جعلوا في قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم لزم أن يوجد منهم أحد الأمرين : إما إقدام ، وإما انهزام لأن أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان مثله في القوة يغضب أيضا وهذا يثير الفتن ، وإن كان أضعف منه ينهزم أو ينقاد له فالله تعالى أنزل في مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل يصبروا ، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى ، قوله تعالى : { على رسوله وعلى المؤمنين } فإنه هو الذي أجاب الكافرين إلى الصلح ، وكان في نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر ، وأبوا أن / لا يكتبوا محمدا رسول الله وبسم الله ، فلما سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن المؤمنون ، وقوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } فيه وجوه أظهرها أنه قول لا إلاه إلا الله فإن بها يقع الاتقاء عن الشرك ، وقيل هو بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون التزموه ، وقيل هي الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فنقول { وألزمهم } يحتمل أن يكون عائدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعا يعني ألزم النبي والمؤمنين كلمة التقوى ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المؤمنين فحسب ، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعا نقول هو الأمر بالتقوى فإن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم : { ياأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين } ( الأحزاب : 1 ) وقال للمؤمنين { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) والأمر بتقوى الله حتى تذهله تقواه عن الالتفات إلى ما سوى الله ، كما قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم { اتق الله ولا تطع الكافرين } وقال تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 77 ) ثم بين له حال من صدقه بقوله { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ( الأحزاب : 39 ) أما في حق المؤمنين فقال : { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } وقال : { فلا تخشوهم واخشونى } ( البقرة : 150 ) وإن قلنا بأنه راجع إلى المؤمنين فهو قوله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ( الحشر : 7 ) ألا ترى إلى قوله { واتقوا الله } ( الحجرات : 1 ) وهو قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } وفي معنى قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } على هذا معنى لطيف وهو أنه تعالى إذا قال : ( اتقوا ) يكون الأمر واردا ثم إن من الناس من يقبله بتوفيق الله ويلتزمه ومنهم من لا يلتزمه / ومن التزمه فقد التزمه بإلزام الله إياه فكأنه قال تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } وفي هذا المعنى رجحان من حيث إن التقوى وإن كان كاملا ولكنه أقرب إلى الكلمة ، وعلى هذا فقوله { وكانوا أحق بها وأهلها } معناه أنهم كانوا عند الله أكرم الناس فألزموا تقواه ، وذلك لأن قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون معناه أن من يكون تقواه أكثر يكرمه الله أكثر والثاني : أن يكون معناه أن من سيكون أكرم عند الله وأقرب إليه كان أتقى ، كما في قوله ( والمخلصون على خطر عظيم ) وقوله تعالى : { هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) وعلى الوجه الثاني يكون معنى قوله { وكانوا أحق بها } لأنهم كانوا أعلم بالله لقوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وقوله { وأهلها } يحتمل وجهين أحدهما : أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت رجحانا على الكافرين إن لم يثبت الأهلية ، كما لو اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فقال في الأقرب إلى الاستحقاق إذا كان ولا بد فهذا أحق ، كما يقال الحبس أهون من القتل مع أنه لاهين هناك فقال : { وأهلها } دفعا لذلك الثاني : وهو أقوى وهو أن يقال قوله تعالى : { وأهلها } فيه وجوه نبينها بعد ما نبين معنى الأحق ، فنقول هو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون الأحق بمعنى الحق لا للتفضيل كما في قوله تعالى : { خير مقاما وأحسن نديا } ( مريم : 73 ) إذ لا خير في غيره والثاني : أن يكون للتفضيل وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون / بالنسبة إلى غيرهم أي المؤمنون أحق من الكافرين والثاني : أن يكون بالنسبة إلى كلمة التقوى من كلمة أخرى غير تقوى ، تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة ، كما إذا سأل شخص عن زيد إنه بالطب أعلم أو بالفقه ، نقول هو بالفقه أعلم أي من الطب .

Section V28/P089

! 7 < { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } . > 7 ! < < الفتح : ( 27 ) لقد صدق الله . . . . .

Section V28/P089–V28/P090

> > بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ووقوفهم عند ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن المؤمنين يدخلون مكة ويتمون الحج ولم يعين له وقتا فقص رؤياه على المؤمنين ، فقطعوا بأن الأمر كما رأى لنبي صلى الله عليه وسلم في منامه وظنوا أن الدخول يكون عام الحديبية ، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام الفتح فلما صالحوا ورجعوا قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } وتعدية صدق إلى مفعولين يحتمل أن يكون بنفسه ، وكونه من الأفعال التي تتعدى إلى المفعولين ككلمة جعل وخلق ، ويحتمل أن يقال عدى إلى الرؤيا بحرف تقديره صدق الله رسوله في الرؤيا ، وعلى الأول معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعود به وأتى به ، وعلى الثاني معناه ما أراه الله لم يكذب فيه ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رأى في منامه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون قوله { صدق } ظاهرا لأن استعمال الصدق في الكلام ظاهر ، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله { صدق الله } معناه أنه أتى بما يحقق المنام ويدل على كونه صادقا يقال صدقني سن بكره مثلا وفيما إذا حقق الأمر الذي يريه من نفسه ، مأخوذ من الإبل إذا قيل له هدع سكن فحقق كونه من صغار الإبل ، فإن هدع كلمة يسكن بها صغار الإبل وقوله تعالى : { بالحق } قال الزمخشري هو حال أو قسم أو صفة صدق ، وعلى كونه حال تقديره صدقه الرؤيا ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقا ملتبسا بالحق وعلى تقدير كونه قسما ، إما أن يكون قسما بالله فإن الحق من أسمائه ، وإما أن يكون قسما بالحق الذي هو نقيض الباطل هذا ما قاله ، ويحتمل أن يقال ( إن ) فيه وجهين آخرين : أحدهما : أن يقال فيه تقديم / تأخير تقديره : صدق الله رسوله بالحق الرؤيا ، أي الرسول الذي هو رسول بالحق وفيه إشارة إلى امتناع الكذب في الرؤيا لأنه لما كان رسولا بالحق فلا يرى في منامه الباطل والثاني : أن يقال بأن قوله { لتدخلن المسجد الحرام } إن قلنا بأن الحق قسم فأمر اللام ظاهر ، وإن لم يقل به فتقديره : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ، والله لتدخلن ، وقوله : والله لتدخلن ، جاز أن يكون تفسيرا للرؤيا يعني الرؤيا هي : والله لتدخلن ، وعلى هذا تبين أن قوله { صدق الله } كان في الكلام لأن الرؤيا كانت كلاما ، ويحتمل أن يكون تحقيقا لقوله تعالى : { صدق الله رسوله } يعني والله ليقعن الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ابتداء كلام وقوله تعالى : { إن شاء الله } فيه وجوه أحدها : أنه ذكره تعليما للعباد الأدب وتأكيدا لقوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ، 24 ) الثاني : هو أن الدخول لما لم يقع عام الحديبية ، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال : { لتدخلن } ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم ، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى الثالث : هو أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم { لتدخلن } ذكر أنه بمشيئة الله تعالى / لأن ذلك من الله وعد ليس عليه دين ، ولا حق واجب ، ومن وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى وإلا فلا يلزمه به أحد ، وإذا كان هذا حال الموعود به في الوحي المنزل صريحا في اليقظة فما ظنكم بالوحي بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما يحتمله الكلام ، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون ؟

Section V28/P090

الرابع : هو أن ذلك تحقيقا للدخول وذلك لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد دخولكم في هذه السنة ، ونختار دخولكم في السنة القابلة ، والمؤمنون أرادوا الدخول في عامهم ولم يقع . فكان لقائل أن يقول بقي الأمر موقوفا على مشيئة أهل مكة إن أرادوا في السنة الآتية يتركوننا ندخلها وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط إرادتهم ومشيئتهم ، بل تمام الشرط بمشيئة الله ، وقوله { محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون } إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره ، فقوله { لتدخلن } إشارة إلى الأول وقوله { محلقين } إشارة إلى الآخر ، وفيه مسألتان :

Section V28/P090–V28/P091

المسألة الأولى : { محلقين } حال الداخلين والداخل لا يكون الآن محرما ، والمحرم لا يكون محلقا ، فقوله { ءامنين } ينبىء عن الدوام فيه إلى الحلق فكأنه قال : تدخلونها آمنين متمكنين من أن تتموا الحج محلقين . المسألة الثانية : قوله تعالى : { لا تخافون } أيضا حال معناه غير خائفين ، وذلك حصل بقوله تعالى : { ءامنين } فما الفائدة في إعادتها ؟ نقول : فيه بيان كمال الأمن ، وذلك لأن بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال ، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال : تدخلون آمنين ، وتحلقون ، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام ، وقوله تعالى : { فعلم ما لم تعلموا } أي من المصلحة وكون دخولكم في سنتكم سببا لوطء المؤمنين والمؤمنات / أو { فعلم } للتعقيب ، { فعلم } وقع عقيب ماذا ؟ نقول إن قلنا المراد من { فعلم } وقت الدخول فهو عقيب صدق ، وإن قلنا المراد { فعلم } المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب ، والتقدير يعني حصلت المصلحة في العام القابل { فعلم ما لم تعلموا } من المصلحة المتجددة { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } إما صلح الحديبية ، وإما فتح خيبر ، وقد ذكرناه وقوله تعالى : { وكان الله بكل شىء عليما } يدفع وهم حدوث علمه من قوله { فعلم } وذلك لأن قوله { وكان الله بكل شىء عليما } يفيد سبق علمه العام لكل علم محدث . ! 7 < { هو الذىأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } . > 7 < الفتح : ( 28 - 29 ) هو الذي أرسل . . . . . > > ثم قال تعالى : { هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا } .

Section V28/P091–V28/P092

تأكيدا لبيان صدق الله في رسوله الرؤيا ، وذلك لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدي ، لا يريد ما لا يكون مهديا للناس فيظهر خلافه ، فيقع ذلك سببا للضلال ، ويحتمل وجوها أقوى من ذلك ، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل ، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال تعالى : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } وحكى له ما سيكون في اليقظة ، ولا يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه ، وفيها أيضا بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى : { ليظهره على الدين كله } أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و ( الهدى ) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى : { أنزل فيه القرآن هدى للناس } ( البقرة : 185 ) وعلى هذا { دين الحق } هو ما فيه من الأصول والفروع ، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع ، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول و { دين الحق } هو الأحكام ، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول فحسب ، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للاستغراق أي كل ما هو هدى ، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى : { ذالك هدى الله يهدى به من يشاء } ( الزمر : 23 ) وهو إما القرآن لقوله تعالى : { كتابا متشابها مثاني تقشعر } إلى أن قال : { ذالك هدى الله يهدى به من يشاء } ( الزمر : 23 ) وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) والكل من باب واحد لأن ما في القرآن موافق لما اتفق / عليه الأنبياء وقوله تعالى : { ودين الحق } يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون الحق اسم الله تعالى فيكون كأنه قال : بالهدى ودين الله ، وثانيها : أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال : ودين الأمر الحق وثالثها : أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه { ليظهره } أي أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه { ليظهره على الدين كله } أي جنس الدين ، فينسخ الأديان دون دينه ، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله { ليظهره } راجعة إلى الرسول ، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان / وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو الله ، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين الحق ، وقوله تعالى : { وكفى بالله شهيدا } أي في أنه رسول الله وهذا مما يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب ، وقالوا لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله بل اكتبوا محمد بن عبد الله ، فقال تعالى : { وكفى بالله شهيدا } في أنه رسول الله ، وفيه معنى لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف في كل شيء ، لكنه في الرسالة أظهر كفاية ، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل ، فإذا قال ملك هذا رسولي ، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي ، وقوله { محمد رسول الله } فيه وجوه أحدها : خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله { أرسل رسوله } ورسول الله عطف بيان وثانيها : أن محمدا مبتدأ خبره رسول الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال : { هو الذي أرسل رسوله } ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته ، وقد شهد له بها محمد رسول اللهمن غير نكير وثالثها : وهو مستنبط وهو أن يقال { محمد } مبتدأ و { رسول الله } عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز { والذين معه } عطف على محمد ، وقوله { أشداء } خبره ، كأنه تعالى قال : { والذين معه } جميعهم { أشداء على الكفار رحماء بينهم } لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم ، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكما في قوله { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) وقال في حقه { بالمؤمنين رءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) وعلى هذا قوله { تراهم } لا يكون خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاما أخرج مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائنا من كان ، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع الانتباه ولا يريد به واحدا بعينه ، وقوله تعالى : { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم ، وركوع المرائي وسجوده ، فإنه لا يبتغي به ذلك .

Section V28/P092

وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الراكعون والساجدون { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( فاطر : 30 ) وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلا ، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله منكم ، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك ، والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافا / بالتقصير فقال : { يبتغون فضلا من الله } ولم يقل أجرا .

Section V28/P092–V28/P093

وقوله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } فيه وجهان أحدهما : أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى : { يوم تبيض وجوه } ( آل عمران : 106 ) وقال تعالى : { نورهم يسعى } ( التحريم : 8 ) وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام : { إنى وجهت العالمون خلق الله السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه ، فيتبين على وجهه النور منبسطا ، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال ، والله نور السماوات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما : أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان أحدهما : أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني : ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلا من الحسن نهارا ، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب ، وبين الساهر في الذكر والشكر . وقوله تعالى : { ذلك مثلهم فى التوراة } فيه ثلاثة أوجه مذكورة أحدها : أن يكون { ذالك } مبتدأ ، و { مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل } خبرا له ، وقوله تعالى : { كزرع أخرج شطأه } خبرا مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع وثانيها : أن يكون خبر ذلك هو قوله { مثلهم فى التوراة } وقوله { ومثلهم فى الإنجيل } مبتدأ وخبره كزرع وثالثها : أن يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت بقوله تعالى : { كزرع } كقوله { ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) وفيه وجه رابع : وهو أن يكون ذلك خبرا له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ظهر في وجهه أثر الضرب ، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر ، أو الظاهر الذي تقوله ذلك . وقوله تعالى : { ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع } . أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفا وله نمو إلى حد الكمال ، فكذلك المؤمنون ، والشطء الفرخ و { فازره } يحتمل أن يكون المراد أخرج / الشطء وآزر الشطء ، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله { يعجب الزراع } . وقوله تعالى : { ليغيظ بهم الكفار } أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو . وقوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي وعد ليغيظ بهم الكفار يقال رغما لأنفك أنعم عليه .

Section V28/P093–V28/P094

وقوله تعالى : { منهم مغفرة وأجرا عظيما } لبيان الجنس لا للتبعيض ، ويحتمل أن يقال هو للتبعيض ، ومعناه : ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم ، والعظيم والمغفرة قد تقدم مرارا والله تعالى أعلم ، وههنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم { يبتغون فضلا من الله } وقال : لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجرا يعتد به ، فقال لا أبتغي إلا فضلك ، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجرا إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله نزرا لا يستحق عليه المؤمن أجرا ، وقد علم بما ذكرنا مرارا أن قوله { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) والأجر العظيم على العمل الصالح والله أعلم . < > 1 ( سورة الحجرات ) 1 < > ثماني عشرة آية مدنية ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم } . > 7 ! < < الحجرات : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . > > في بيان حسن الترتيب وجوه : أحدها : أن في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إلى الامتناع مما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وترك آية التسمية والرسالة وألزمهم كلمة التقوى كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم على سبيل العموم : لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، ولا تتجاوزوا ما يأمر الله تعالى ورسوله الثاني : هو أن الله تعالى لما بين محل النبي عليه الصلاة والسلام وعلو درجته بكونه رسوله الذي يظهر دينه وذكره بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله { رحيم } ( التوبة : 128 ) قال لا تتركوا من احترامه شيئا لا بالفعل ولا بالقول ، ولا تغتروا برأفته ، وانظروا إلى رفعة درجته الثالث : هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم أشداء ورحماء فيما بينهم راكعين ساجدين نظرا إلى جانب الله تعالى ، وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة بقوله { ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل } ( الفتح : 29 ) فإن الملك العظيم لا يذكر أحدا في غيبته إلا إذا كان عنده محترما ووعدهم بالأجر العظيم ، فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم وإحباط حسناتكم ولا تقدموا . فقال وقيل في سبب نزول الآية وجوه : قيل نزلت في صوم يوم الشك ، وقيل نزلت في التضحية قبل صلاة العيد ، وقيل نزلت في ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما من بني عامر ، وقيل نزلت في جماعة أكثروا من السؤال وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفود والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة وفي التفسير مسائل :

Section V28/P094–V28/P095

المسألة الأولى : قوله تعالى : { لا تقدموا } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من التقديم الذي هو متعد ، وعلى هذا ففيه وجهان : أحدهما : ترك مفعوله برأسه كما في قوله تعالى : / { لا إلاه } وقول القائل فلان يعطي ويمنع ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شيء معين وإنما يريد بهما أن له منعا وإعطاء كذلك ههنا ، كأنه تعالى يقول لا ينبغي أن يصدر منكم تقديم أصلا والثاني : أن يكون المفعول الفعل أو الأمر كأنه يقول { لا تقدموا } يعني فعلا { بين يدى الله ورسوله } أو لا تقدموا أمرا الثاني : أن يكون المراد { لا تقدموا } بمعنى لا تتقدموا ، وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد هو نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم تقدما عند النبي صلى الله عليه وسلم يقال فلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه ، والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدما في الدخول في الأمور العظام ، وفي الذكر عند ذكر الكرام ، وعلى هذا نقول سواء جعلناه متعديا أو لازما لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيدا ، فالمعنى واحد لأن قوله { لا تقدموا } إذا جعلناه متعديا أو لازما لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيدا ، فتقديره لا تقدموا أنفسكم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أي لا تجعلوا لأنفسكم تقدما ورأيا عنده ، ولا نقول بأن المراد لا تقدموا أمرا وفعلا ، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى ، وهما قراءة من قرأ بفتح التاء والدال وقراءة من قرأ بضم التاء وكسر الدال ، وقوله تعالى : { بين يدى الله ورسوله } أي بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه وفي قوله { بين يدى الله ورسوله } فوائد : أحدها : أن قول القائل فلان بين يدي فلان ، إشارة إلى كون كل واحد منهما حاضرا عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد والغلمان ، لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام والأمر ، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك ، ولأن اليدين تنبىء عن القدرة يقول القائل هو بين يدي فلان ، أي يقلبه كيف شاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعا بين يديه ، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز من التقدم ، وتقديم النفس لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون له عنده التقدم وثانيها : ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لأوامره ، وذلك لأن احترام الرسول صلى الله عليه وسلم قد يترك على بعد المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله فقال : { بين يدى الله } أي أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم ، وفي مثل هذه الحالة يجب احترام رسوله وثالثها : هو أن هذه العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله { واتقوا } لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديرا بأن يتقيه ، وقوله تعالى : { واتقوا الله } يحتمل أن يكون ذلك عطفا يوجب مغايرة مثل المغايرة التي في قول القائل لا تتم واشتغل ، أي فائدة ذلك النهي هو ما في هذا الأمر ، وليس المطلوب به ترك النوم كيف كان ، بل المطلوب بذلك الاشتغال فكذلك لا تقدموا أنفسكم ولا تتقدموا على وجه التقوى ، ويحتمل أن يكون بينهما مغايرة أتم من ذلك ، وهي التي في قول القائل احترم زيدا واخدمه ، أي ائت بأتم الاحترام ، فكذلك ههنا معناه لا تتقدموا عنده وإذا تركتم التقدم فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا / بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له اتقوا الله واخشوه وإلا لم تكونوا أتيتم بواجب الاحترام وقوله تعالى : { إن الله سميع عليم } يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا آمنا ، لأن الخطاب يفهم بقوله { ذلك بأن الذين كفروا } فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما في قلوبهم من التقوى والخيانة ، فلا ينبغي أن يختلف قولكم وفعلكم وضمير قلبكم ، بل ينبغي أن يتم مما في سمعه من قولكم آمنا وسمعنا وأطعنا وما في علمه من فعلكم الظاهر ، وهو عدم التقدم وما في قلوبكم من الضمائر وهو التقوى .

Section V28/P095–V28/P097

( 2 ) ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } . > 7 < الحجرات : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . > > { لا تقدموا } ( الحجرات : 1 ) نهي عن فعل ينبىء عن كونهم جاعلين لأنفسهم عند الله ورسوله بالنسبة إليهما وزنا ومقدارا ومدخلا في أمر من أوامرهما ونواهيهما ، وقوله { لا ترفعوا } نهي عن قول ينبىء عن ذلك الأمر ، لأن من يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتبارا وعظمة وفيه مباحث : البحث الأول : ما الفائدة في إعادة النداء ، وما هذا النمط من الكلامين على قول القائل { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله } ( الحجرات : 1 ) ، و { لا ترفعوا أصواتكم } ؟ نقول في إعادة النداء فوائد خمسة : منها أن يكون في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما في قول لقمان لابنه { يعظه يابنى لا تشرك بالله } ( لقمان : 13 ) { تعملون يابنى إنها إن تك مثقال حبة } ( لقمان : 16 ) ، { لسنتنا تحويلا أقم الصلواة } ( لقمان : 17 ) لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل باله منه ، فإعادته تفيد ذلك ، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا : فإن من الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وقل كذا يا عمرو ، فإذا أعاده مرة أخرى ، وقال يا زيد قل كذا ، يعلم من أول الكلام أنه هو المخاطب ثانيا أيضا ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، وليس الثاني تأكيدا للأول كما تقول يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق فإنه لا يحسن أن يقال يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف المطلوبين ، وقوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد حقيقته ، وذلك لأن رفع الصوت دليل قلة الاحتشام وترك الاحترام ، وهذا من مسألة حكمية وهي أن الصوت بالمخارج ومن خشي قلبه ارتجف وتضعف حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلبه وقوي ، فرفع الهواء دليل عدم الخشية ثانيها : أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن من يكثر الكلام يكون متكلما عن سكوت الغير فيكون في وقت سكوت الغير لصوته ارتفاع وإن كان خائفا إذا نظرت إلى حال غيره فلا ينبغي أن يكون لأحد عند النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم / لأن النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ ، فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز ، وإن استخبر النبي عليه السلام عما وجب عليه البيان ، فهو لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل ، وربما يكون في السؤال حقيدة برد جواب لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب ثالثها : أن يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب كما يقول القائل لغيره أمرتك مرارا بكذا عندما يقول له صاحبه مرني بأمر مثله ، فيكون أحد الكلامين أعلى وأرفع من الآخر ، والأول أصح والكل يدخل في حكم المراد ، لأن المنع من رفع الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام ، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات عنده من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا يرجع المتكلم مع في الخطاب ، وقوله تعالى : { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } فيه فوائد :

Questions