Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V28/P131

! 7 < { بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم فىأمر مريج } . > 7 < ق : ( 5 ) بل كذبوا بالحق . . . . . > > وقوله تعالى : { بل كذبوا بالحق } .

Section V28/P131–V28/P132

رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه ، نقول فيه وجهان أحدهما : تقديره لم يكذب المنذر ، بل كذبوا هم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم قالوا { هاذا شىء عجيب } ( ق: 2 ) كان في معنى قولهم : / إن المنذر كاذب ، فقال تعالى : لم يكذب المنذر ، بل هم كذبوا ، فإن قيل : ما الحق ؟ نقول يحتمل وجوها الأول : البرهان القائم على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الثاني : الفرقان المنزل وهو قريب من الأول ، لأنه برهان الثالث : النبوة الثابتة بالمعجزة القاهرة فإنها حق الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق ، فإن قيل بين لنا معنى الباء في قوله تعالى : { بالحق } وأية حاجة إليها ، يعني أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هي للتعدية إلى مفعول ثان أو هي زائدة ، كما في قوله تعالى : { فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون } ؟ ( القلم : 5 ، 6 ) نقول فيه بحث وتحقيق ، وهي في هذا الموضع لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة تارة توجد في القائل ، وأخرى في القول ، تقول : كذبني فلان وكنت صادقا ، وتقول : كذب فلان قول فلان ، ويقال كذبه ، أي جعله كاذبا ، وتقول : قلت لفلان زيد يجيء غدا ، فتأخر عمدا حتى كذبني وكذب قولي ، والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى : { كذبت ثمود المرسلين } ( الشعراء : 141 ) وقال تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر ، قال تعالى : { فكذبوه } ( الأعراف : 64 ) وقال : { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } ( فاطر : 4 ) إلى غير ذلك ، وفي القول الاستعمال بالباء أكثر ، قال الله تعالى : { كذبوا بئاياتنا كلها } ( القمر : 42 ) وقال : { بل كذبوا بالحق } وقال تعالى : { وكذب بالصدق إذ جاءه } ( الزمر : 32 ) والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل ، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب ، غير أن له محلا يقع فيه فيسمى مضروبا ، ثم إذا كان ظاهرا لكونه محلا للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف ، يقال ضربت عمرا ، وشربت خمرا ، للعلم بأن الضرب لا بد له من محل يقوم به ، والشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه ، وإذا قلت مررت يحتاج إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره في نفسه ، لأن من قال : مر السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به ، ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضرب والشرب ، وفي الخفاء دون المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف لظهوره الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضربت بعمرو ، إلا إذا جعلته آلة الضرب .

Section V28/P132

أما إذا ضربته بسوط أو غيره ، فلا يجوز فيه زيادة الباء ، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك ، وتقول مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، لأن المسح إمرار اليد بالشيء فصار كالمرور ، والشكر فعل جميل غير أنه يقع بمحسن ، فالأصل في الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعا بغيره كالبيع بخلاف الضرب ، فإنه إمساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب أولا ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانيا ، إذا عرفت هذا فالتكذيب في القائل ظاهر لأنه هو الذي يصدق أو يكذب ، وفي القول غير ظاهر فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية .

Section V28/P132–V28/P133

/ وقوله { لما جاءهم } في الجائي وجهان : أحدهما : أنه هو المكذب تقديره : كذبوا بالحق لما جاءهم الحق ، أي لم يؤخروه إلى الفكر والتدبر ثانيهما : الجائي ههنا هو الجائي في قوله تعالى : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ق: 2 ) تقديره : كذبوا بالحق لما جاءهم المنذر ، والأول لا يصح على قولنا الحق وهو الرجع ، لأنهم لا يكذبون به وقت المجيء بل يقولون { هذا ما وعد الرحمان } ( يس : 52 ) . وقوله { فهم فى أمر مريج } أي مختلف مختلط قال الزجاج وغيره : لأنهم تارة يقولون ساحر وأخرى شاعر ، وطورا ينسبونه إلى الكهانة ، وأخرى إلى الجنون ، والأصح أن يقال : هذا بيان الاختلاف المذكور في الآيات ، وذلك لأن قوله تعالى : { بل عجبوا } يدل على أمر سابق أضرب عنه ، وقد ذكرنا أنه الشك وتقديره : والقرآن المجيد ، إنك لمنذر ، وإنهم شكوا فيك ، بل عجبوا ، بل كذبوا . وهذه مراتب ثلاث الأولى : الشك وفوقها التعجب ، لأن الشاك يكون الأمران عنده سيين ، والمتعجب يترجح عنده اعتقاد عدم وقوع العجيب لكنه لا يقطع به والمكذب الذي يجزم بخلاف ذلك ، فكأنهم كانوا شاكين وصاروا ظانين وصاروا جازمين فقال : { فهم فى أمر مريج } ويدل عليه الفاء في قوله { فهم } لأنه حينئذ يصير كونهم { فى أمر مريج } مرتبا على ما تقدم وفيما ذكروه لا يكون مرتبا . فإن قيل : المريج ، المختلط ، وهذه أمور مرتبة متميزة على مقتضى العقل ، لأن الشاك ينتهي إلى درجة الظن ، والظان ينتهي إلى درجة القطع ، وعند القطع لا يبقى الظن ، وعند لظن لا يبقى الشك ، وأما ما ذكروه ففيه يحصل الاختلاط لأنهم لم يكن لهم في ذلك ترتيب ، بل تارة كانوا يقولون كاهن وأخرى مجنون ، ثم كانوا يعودون إلى نسبته إلى الكهانة بعد نسبته إلى الجنون وكذا إلى الشعر بعد السحر وإلى السحر بعد الشعر فهذا هو المريج . نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بين أظهرهم ، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرة على يديه ولسانه ، فلما غيروا الترتيب حصل عليه المرج ووقع الدرك مع المرج ، وأما ما ذكروه فاللائق به تفسير قوله تعالى : { إنكم لفى قول مختلف } ( الذاريات : 8 ) لأن ما كان يصدر منهم في حقه كان قولا مختلفا ، وأما الشك والظن والجزم فأمور مختلفة ، وفيه لطيفة وهي أن إطلاق لفظ المريج على ظنهم وقطعهم ينبىء عن عدم كون ذلك الجزم صحيحا لأن الجزم الصحيح لا يتغير ، وكان ذلك منهم واجب التغير فكان أمرهم مضطربا ، بخلاف المؤمن الموفق فإنه لا يقع في اعتقاده تردد ولا يوجد معتقده تعدد . ! 7 < { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج } . > 7 ! / < < ق : ( 6 ) أفلم ينظروا إلى . . . . . > > إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) وهذا كما في قوله تعالى : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 80 ) وقوله تعالى : { لخلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وقوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى بلى } ( الأحقاف : 33 ) وفيه مسائل :

Section V28/P133

المسألة الأولى : همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه ، وتارة تدخل عليه وبعدها واو ، فهل بين الحالتين فرق ؟ نقول فرق أدق مما على الفرق ، وهو أن يقول القائل : أزيد في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يذكره للإنكار ، فإذا قال : أو زيدا في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، كأنه يقول بعد ما سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار ، أغفل وهو في الدار بعد ، لأن الواو تنبىء عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومىء بالواو إليه زيادة في الإنكار ، فإن قيل قال في موضع { أو لم ينظروا } ( الأعراف : 185 ) وقال ههنا { أفلم ينظروا } بالفاء فما الفرق ؟ نقول ههنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه ، فإن قيل ففي يس سبق ذلك بقوله قال : { من يحى العظام } ( يس : 78 ) نقول هناك الاستدلال بالسماوات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر ، وهو قوله تعالى : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) ثم ذكر الدليل الآخر ، وههنا الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء ، وأما قوله ههنا بلفظ النظر ، وفي الأحقاف بلفظ الرؤية ، ففيه لطيفة وهي أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم { ذلك رجع بعيد } استبعد استبعادهم ، وقال : { أفلم ينظروا إلى السماء } لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد ، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر ، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله { إلى السماء } ولم يقل في السماء لأن النظر في الشيء ينبىء عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبىء عنه ، لأن إلى للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى : { فوقهم } تأكيد آخر أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم ، وقوله تعالى : { كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج } إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع ، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن ، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم . وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج فتأليفها أشد ، وللإنسان فروج ومسام ، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف ، والأول أصعب عند الناس وأعجب ، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى ؟ قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق / وكذلك قالوا في قوله { هل ترى من فطور } وقوله { سبعا } ( النبأ : 12 ) وتعسفوا فيه لأن / قوله تعالى : { ما لها من فروج } صريح في عدم ذلك ، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخبارا عن عدم إمكانه فإن من قال : ما لفلان قال ؟

Section V28/P133–V28/P134

لا يدل على نفي إمكانه ، ثم إنه تعالى بينن خلاف قولهم بقوله { وإذا السماء فرجت } ( المرسلات : 9 ) وقال : { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) وقال : { فهى يومئذ واهية } ( الحاقة : 16 ) في مقابلة قوله { سبعا شدادا } وقال : { فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر ، بل وليس له دلالة خفية أيضا ، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول .

Section V28/P134

! 7 < { والا رض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } . > 7 ! < < ق : ( 7 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . > > إشارة إلى دليل آخر ووجه دلالة الأرض هو أنهم قالوا : الإنسان إذا مات وفارقته القوة الغاذية والنامية لا تعود إليه تلك القوة ، فنقول الأرض أشد جمودا وأكثر خمودا والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات وينمو ويزيد ، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر في الأرض ثلاثة أمور كما ذكر في السماء ثلاثة أمور في الأرض المد وإلقاء الرواسي والإنبات فيها ، وفي السماء البناء والتزيين وسد الفروج ، وكل واحد في مقابلة واحد فالمد في مقابلة البناء ، لأن المد وضع والبناء رفع ، والرواسي في الأرض ثابتة والكواكب في السماء مركوزة مزينة لها والإنبات في الأرض شقها كما قال تعالى : { أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الارض شقا } ( عبس : 25 ، 26 ) وهو على خلاف سد الفروج وإعدامها ، وإذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء مرفوعة وأشياء ثابتة كالأنف والأذن وأشياء متحركة كالمقلة واللسان ، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس والأغشية المنسوجة نسجا ضعيفا كالصفاق ، وأشياء لها فروج وشقوق كالمناخر والصماخ والفم وغيرها ، فالقادر على الأضداد في هذا المهاد ، في السبع الشداد ، غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد . ( و ) تفسير الرواسي قد ذكرناه في سورة لقمان ، والبهيج الحسن . ! 7 < { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } . > 7 ! < < ق : ( 8 ) تبصرة وذكرى لكل . . . . . > > يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى الأمرين المذكورين وهما السماء والأرض ، على أن خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ، ويدل عليه أن السماء زينتها مستمرة غير مستجدة في كل عام فهي كالشيء المرئي على مرور الزمان ، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فذكر السماء تبصرة والأرض تذكرة ، ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجودا في كل واحد من الأمرين ، فالسماء تبصرة والأرض كذلك ، والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آيات / مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة مذكرة عند التناسي ، وقوله { لكل عبد منيب } أي راجع إلى التفكر والتذكر والنظر في الدلائل . ! 7 < { ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد } . > 7 ! < < ق : ( 9 ) ونزلنا من السماء . . . . . > > إشارة إلى دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض ، فيكون الاستدلال بالسماء والأرض وما بينهما ، وذلك إنزال ( الماء من ) السماء من فوق ، وإخراج النبات من تحت وفيه مسائل :

Section V28/P134–V28/P135

المسألة الأولى : هذا الاستدلال قد تقدم بقوله تعالى : { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } ( ق: 7 ) فما الفائدة في إعادته بقوله { فأنبتنا به جنات وحب الحصيد } ؟ نقول قوله { فأنبتنا } استدلال بنفس النبات أي الأشجار تنمو وتزيد ، فكذلك بدن الإنسان بعد الموت ينمو ويزيد بأن يرجع الله تعالى إليه قوة النشوء والنماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء { وحب الحصيد } فيه حذف تقديره وحب الزرع الحصيد وهو المحصود أي أنشأنا جنات يقطف ثمارها وأصولها باقية وزرعا يحصد كل سنة ويزرع في كل عام أو عامين ، ويحتمل أن يقال التقدير وننبت الحب الحصيد والأول هو المختار ، وقوله تعالى : { والنخل باسقات } إشارة إلى المختلط من جنسين ، لأن الجنات تقطف ثمارها وتثمر من غير زراعة كل سنة ، لكن النخل يؤبر ولولا التأبير لم يثمر ، فهو جنس مختلط من الزرع والشجر ، فكأنه تعالى خلق ما يقطف كل سنة ويزرع وخلق ما لا يزرع كل سنة ويقطف مع بقاء أصلها وخلق المركب من جنسين في الأثمار ، لأن بعض الثمار فاكهة ولا قوت فيه ، وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت ، والباسقات الطوال من النخيل . وقوله تعالى : { باسقات } يؤكد كمال القدرة والاختيار ، وذلك من حيث إن الزرع إن قيل فيه إنه يمكن أن يقطف من ثمرته لضعفه وضعف حجمه ، فكذلك يحتاج إلى إعادته كل سنة والجنات لكبرها وقوتها تبقى وتثمر سنة بعد سنة فيقال : أليس النخل الباسقات أكثر وأقوى من الكرم الضعيف والنخل محتاجة كل سنة إلى عمل عامل والكرم غير محتاج ، فالله تعالى هو الذي قدر ذلك لذلك لا للكبر والصغر والطول والقصر . قوله تعالى : { لها طلع نضيد } أي منضود بعضها فوق بعض في أكمامها كما في سنبله الزرع وهو عجيب ، فإن الأشجار الطوال أثمارها بارزها متميز بعضها من بعض لكل واحد منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز وغيرهما والطلع كالسنبلة الواحدة يكون على أصل واحد . ! 7 < { رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذالك الخروج } . > 7 ! < < ق : ( 11 ) رزقا للعباد وأحيينا . . . . . > > ثم قال تعالى : { رزقا للعباد } وفيه وجهان أحدهما نصب على المصدر لأن الإنبات رزق / فكأنه تعالى قال : أنبتناها إنباتا للعباد ، والثاني نصب على كونه مفعولا له كأنه قال : أنبتناها لرزق العباد ، وههنا مسائل :

Section V28/P135–V28/P136

المسألة الأولى : قال في خلق السماء والأرض { تبصرة وذكرى } ( ق: 8 ) وفي الثمار قال : { رزقا } والثمار أيضا فيها تبصرة ، وفي السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة والتذكرة ، فما الحكمة في اختيار الأمرين ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أن نقول الاستدلال وقع لوجود أمرين أحدهما الإعادة والثاني البقاء بعد الإعادة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعد الثواب الدائم والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فأما الأول فالله القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النجم والشجر ، قادر على أن يرزق العبد في الجنة ويبقى ، فكأن الأول تبصرة وتذكرة بالخلق ، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق ، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله { تبصرة وذكرى } حيث ذكر ذلك بعد الآيتين ، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنباته النبات ثانيها : أن منفعة الثمار الظاهرة هي الرزق فذكرها ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمرا عائدا إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم ، حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ، ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى ، لأن السماء سبب الأرزاق بتقدير الله ، وفيها غير ذلك من المنافع ، والثمار وإن لم تكن ( ما ) كان العيش ، كما أنزل الله على قوم المن والسلوى وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا الموضع ثالثها : قوله { رزقا } إشارة إلى كونه منعما لكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة ( للتكذيب ) بالمنعم وهو أقبح ما يكون . المسألة الثانية : قال : { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } ( ق: 8 ) فقيد العبد بكونه منيبا وجعل خلقها تبصرة لعباده المخلصين وقال : { رزقا للعباد } مطلقا لأن الرزق حصل لكل أحد ، غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام ، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص الرزق بقيد . المسألة الثالثة : ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة أيضا وهي إنبات الجنات والحب والنخل كما ذكر في السماء والأرض في كل واحدة أمورا ثلاثة ، وقد ثبت أن الأمور الثلاثة في الآيتين المتقدمين متناسبة ، فهل هي كذلك في هذه الآية ؟ نقول قد بينا أن الأمور الثلاثة إشارة إلى الأجناس الثلاثة ، وهي التي يبقى أصلها سنين ، ولا تحتاج إلى عمل عامل والتي لا يبقى أصلها وتحتاج كل سنة إلى عمل عامل ، والتي يجتمع فيها الأمران وليس شيء من الثمار والزروع خارجا عنه أصلا كما أن أمور الأرض منحصرة في ثلاثة : ابتداء وهو المد ، ووسط وهو النبات بالجبال الراسية ، وثالثها هو غاية الكمال وهو الإنبات والتزيين بالزخارف . ثم قال تعالى : { وأحيينا به بلدة ميتا } عطفا على { أنبتنا به } ( ق: 9 ) وفيه بحثان : / الأول : إن قلنا إن الاستدلال بإنبات الزرع وإنزال الماء كان لإمكان البقاء بالرزق فقوله { وأحيينا به } إشارة إلى أنه دليل على الإعادة كما أنه دليل على البقاء ، ويدل عليه قوله تعالى : { كذالك الخروج } فإن قيل كيف يصح قولك استدلالا / وإنزال الماء كان لبيان البقاء مع أنه تعالى قال بعد ذلك { وأحيينا به بلدة ميتا } .

Section V28/P136–V28/P137

وقال : { كذالك الخروج } فيكون الاستدلال على البقاء قبل الاستدلال على الإحياء والإحياء سابق على الإبقاء ، فينبغي أن يبين أولا أنه يحيي الموتى ، ثم يبين أنه يبقيهم ، نقول لما كان الاستدلال بالسماوات والأرض على الإعادة كافيا بعد ذكر دليل الإحياء ذكر دليل الإبقاء ، ثم عاد واستدرك فقال هذا الدليل الدال على الإبقاء دال على الإحياء ، وهو غير محتاج إليه لسبق دليلين قاطعين فبدأ ببيان البقاء وقال : { وأنبتنا به جنات } ثم ثنى بإعادة ذكر الإحياء فقال : { وأحيينا به } وإن قلنا إن الاستدلال بإنزال الماء وإنبات الزرع لا لبيان إمكان الحشر فقوله { وأحيينا به } ينبغي أن يكون مغايرا لقوله { فأنبتنا به } بخلاف ما لو قلنا بالقول الأول لأن الإحياء ، وإن كان غير الإنبات لكن الاستدلال لما كان به على أمرين متغايرين جاز العطف ، تقول خرج للتجارة وخرج للزيارة ، ولا يجوز أن يقال خرج للتجارة وذهب للتجارة إلا إذا كان الذهاب غير الخروج فنقول الإحياء غير إنبات الرزق لأن بإنزال الماء من السماء يخضر وجه الأرض ويخرج منها أنواع من الأزهار ولا يتغذى به ولا يقتات ، وإنما يكون به زينة وجه الأرض وهو أعم من الزرع والشجر لأنه يوجد في كل مكان والزرع والثمر لا يوجدان في كل مكان ، فكذلك هذا الإحياء ، فإن قيل فكان ينبغي أن يقدم في الذكر لأن اخضرار وجه الأرض يكون قبل حصول الزرع والثمر ، ولأنه يوجد في كل مكان بخلاف الزرع والثمر ، نقول لما كان إنبات الزرع والثمر أكمل نعمة قدمه في الذكر . الثاني : في قوله { بلدة ميتا } نقول جاز إثبات التاء في الميت وحذفها عند وصف المؤنث بها ، لأن الميت تخفيف للميت ، والميت فيعل بمعنى فاعل فيجوز فيه إثبات التاء لأن التسوية في الفعيل بمعنى المفعول كقوله { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) فإن قيل لم سوى بين المذكر والمؤنث في الفعيل بمعنى المفعول ؟ قلنا لأن الحاجة إلى التمييز بين الفاعل والمفعول أشد من الحاجة إلى التمييز المفعول المذكر والمفعول المؤنث نظرا إلى المعنى ونظرا إلى اللفظ ، فأما المعنى فظاهر ، وأما اللفظ فلأن المخالفة بين الفاعل والمفعول في الوزن والحرف أشد من المخالفة بين المفعول والمفعول له ، إذا علم هذا فنقول في الفعيل لم يتميز الفاعل بحرف فإن فعيلا جاء بمعنى الفاعل كالنصير والبصير وبمعنى المفعول كالكسير والأسير ، ولا يتميز بحرف عند المخالفة إلا الأقوى فلا يتميز عند المخالفة / الأدنى ، والتحقيق فيه أن فعيلا وضع لمعنى لفظي ، والمفعول وضع لمعنى حقيقي فكأن القائل قال استعملوا لفظ المفعول للمعنى الفلاني ، واستعملوا لفظ الفعيل مكان لفظ المفعول فصار فعيل كالموضوع للمفعول ، والمفعول كالموضوع للمعنى ، ولما كان تغير اللفظ تابعا لتغير المعنى تغير المفعول لكونه بإزاء المعنى ، ولم يتغير الفعيل لكونه بإزاء اللفظ في أول الأمر ، فإن قيل فما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله { وءاية لهم الارض الميتة أحييناها } ( يس : 33 ) حيث أثبت التاء هناك ؟ نقول الأرض أراد بها الوصف فقال : { الارض الميتة } لأن معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة ، لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة ، وأقام بها الناس وعمروها فصارت بلدة فأسقط التاء لأن معنى الفاعلية ثبت فيها والذي بمعنى الفاعل لا يثبت فيه التاء ، وتحقيق هذا قوله { بلدة طيبة } ( سبأ : 15 ) حيث أثبت التاء حيث ظهر بمعنى الفاعل ، ولم يثبت حيث لم يظهر وهذا بحث عزيز .

Section V28/P137–V28/P138

قوله تعالى : { كذالك الخروج } أي كالإحياء { الخروج } فإن قيل الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج فنقول تقديره { وأحيينا به بلدة ميتا } فتشققت وخرج منها النبات كذلك تشقق ويخرج منها الأموات ، وهذا يؤكد قولنا الرجع بمعنى الرجوع في قوله { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسب أن يقول ، كذلك الإخراج ، ولما قال : { كذالك الخروج } فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال : { كذالك الخروج } نقول فيه معنى لطيف على القول الآخر ، وذلك لأنهم استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي بمعنى الإخراج والله تعالى أثبت الخروج وفيهما مبالغة تنبيها على بلاغة القرآن مع أنها مستغنية عن البيان ، ووجهها هو أن الرجع والإخراج كالسبب للرجوع والخروج ، والسبب إذا انتفى ينتفي المسبب جزما ، وإذا وجد قد يتخلف عنه المسبب لمانع تقول كسرته فلم ينكسر وإن كان مجازا والمسبب إذا وجد فقد وجد سببه وإذا انتفى لا ينتفي السبب لما تقدم ، إذا علم هذا فهم أنكروا وجود السبب ونفوه وينتفي المسبب عند انتفائه جزما فبالغوا وأنكروا الأمر جميعا ، لأن نفي السبب نفي المسبب ، فأثبت الله الأمرين بالخروج كما نفوا الأمرين جميعا بنفي الإخراج . ! 7 < { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الا يكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد } . > 7 ! < < ق : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > > ذكر المكذبين تذكيرا لهم بحالهم ووبالهم وأنذرهم بإهلاكهم واستئصالهم ، وتفسيره ظاهر وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتنبيه بأن حاله كحال من تقدمه من الرسل ، كذبوا وصبروا فأهلك الله / مكذبيهم ونصرهم { وأصحاب الرس } فيهم وجوه من المفسرين من قال هم قوم شعيب ومنهم من قال هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم قوم عيسى عليه السلام ، ومنهم من قال هم أصحاب الأخدود ، والرس موضع نسبوا إليه أو فعل وهو حفر البئر يقال رس إذا حفر بئرا وقد تقدم في سورة الفرقان ذلك ، وقال ههنا { إخوان لوط } وقال : { قوم نوح } لأن لوطا كان مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم عليه السلام معارف لوط ، ونوح كان مرسلا إلى خلق عظيم ، وقال : { فرعون } ولم يقل قوم فرعون ، وقال : { وقوم تبع } لأن فرعون كان هو المغتر المستخف بقومه المستبد بأمره ، وتبع كان معتمدا بقومه فجعل الاعتبار لفرعون ، ولم يقل إلى قوم فرعون . وقوله تعالى : { كل كذب الرسل فحق وعيد } . يحتمل وجهين أحدهما : أن كل واحد كذب رسوله فهم كذبوا الرسل واللام حينئذ لتعريف العهد وثانيهما : وهو الأصح هو أن كل واحد كذب جميع الرسل واللام حينئذ لتعريف الجنس وهو على وجهين أحدهما : أن المكذب للرسول مكذب لكل رسول وثانيهما : وهو الأصح أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية ، وقوله { فحق وعيد } أي ما وعد الله من نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم . ! 7 < { أفعيينا بالخلق الا ول بل هم فى لبس من خلق جديد } . > 7 ! < < ق : ( 15 ) أفعيينا بالخلق الأول . . . . .

Section V28/P138–V28/P139

> > وفيه وجهان أحدهما : أنه استدلال بدلائل الأنفس ، لأنا ذكرنا مرارا أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال : { والارض مددناها } ( الحجر : 19 ) وفي غير ذلك ذكر الدليل النفسي ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية . أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال : { والارض مددناها } وقال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ( ق: 9 ) ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا تبعا لذلك ، ومثل هذا مراعى في أواخر يس ، حيث قال تعالى : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه } ( يس : 77 ) ثم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا ؟ نقول والله أعلم ههنا وجد منهم الاستبعاد بقول { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) فاستدل بالأكبر وهو خلق السماوات ، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك ، وفي سورة يس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى . / والوجه الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السماوات ، لأنه هو الخلق الأول وكأنه تعالى قال : { أفلم ينظروا إلى السماء } ( ق: 6 ) ثم قال : { أفعيينا } بهذا الخلق ويدل على هذا قوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض ولم يعى بخلقهن } ( الأحقاف : 33 ) ويؤيد هذا الوجه هو أن الله تعالى قال بعد هذه الآية { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } ( ق: 16 ) فهو كالاستدلال بخلق الإنسان وهو معطوف بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض وتنزيل الماء وإنبات الجنات ، وفي تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان أحدهما : ما عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه ، والخلق الجديد لم يعلم لنفسه ولم يعرفه كل أحد ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد والوجه الثاني : أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه ، كأنهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية ؟ وقوله تعالى : { بل هم فى لبس } تقديره ما عيينا بل هم في شك من خلق جديد ، يعني لا مانع من جهة الفاعل ، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد ، لأنهم كانوا يقولون ذلك محال وامتناع وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزا فيه ، ويقال للمشكوك فيه ملتبس كما يقل لليقين إنه ظاهر وواضح ، ثم إن اللبس يسند إلى الأمر كم قلنا : إنه يقال إن هذا أمر ظهر ، وهذا أمر ملتبس وههنا أسند الأمر إليهم حيث قال : { هم فى لبس } وذلك لأن الشيء يكون وراء حجاب والناظر إليه بصير فيختفي الأمر من جانب الرائي فقال ههنا { بل هم فى لبس } ومن في قوله { من خلق جديد } يفيد فائدة وهي ابتداء الغاية كأن اللبس كان حاصلا لهم من ذلك . ! 7 < { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } . > 7 < ق : ( 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > > وقوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان } فيه وجهان :

Section V28/P139–V28/P140

أحدهما : أن يكون ابتداء استدلال بخلق الإنسان ، وهذا على قولنا { أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) معناه خلق السماوات وثانيهما : أن يكون تتميم بيان خلق الإنسان ، وعلى هذا قولنا الخلق الأول هو خلق الإنسان أول مرة ، ويحتمل أن يقال هو تنبيه على أمر يوجب عودهم عن مقالهم ، وبيانه أنه تعالى لما قال : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } كان ذلك إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية ويعلم ذوات صدورهم . وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } . بيان لكمال علمه ، والوريد العرق الذي هو مجرى الدم يجري فيه ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن والله أقرب من ذلك بعلمه ، لأن العرق تحجبه أجزاء اللحم ويخفى عنه ، وعلم الله تعالى / لا يحجب عنه شيء ، ويحتمل أن يقال { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } بتفرد قدرتنا فيه يجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه . ! 7 < { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } . > 7 ! { < < ق : ( 17 ) إذ يتلقى المتلقيان . . . . . > > إذ } ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى ، وذلك لأن الملك إذا أقام كتابا على أمر اتكل عليهم ، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت يتكل عليهم ، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالا عليه ، فنقول : الله في وقت أخذ الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له ، فعندما يخفى عليهما شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم ، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد ، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم الحشر من القبور ، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ، يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي القيلين كان ، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور ، ويرجع إلى الملك الآخر مسرورا حيث لم يكن مسرورا ممن يأخذها هو ، وإن كان من الطالحين يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزونا حيث لم يكن ممن يأخذها هو ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { سائق وشهيد } ( ق: 21 ) فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة . وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم ، وقول القائل جلست عن يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراما له واجتنابا منه ، وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علنا به أكمل من علم الكاتب لكن من أجلس عنده أحدا ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضا خبيرا والملك الذي أجلس الرقيب يكون جبارا عظيما فنفسه أقرب إليه من الكاتب بكثير ، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس . ! 7 < { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } . > 7 < ق : ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . . > >

Section V28/P140–V28/P141

/ أي شدته التي تذهب العقول وتذهل الفطن ، وقوله { بالحق } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون المراد منه الموت فإنه حق ، كأن شدة الموت تحضر الموت والباء حينئذ للتعدية ، يقال جاء فلان بكذا أي أحضره ، وثانيهما : أن يكون المراد من الحق ما أتى به من الدين لأنه حق وهو يظهر عند شدة الموت وما من أحد إلا وهو في تلك الحالة يظهر الإيمان لكنه لا يقبل إلا ممن سبق منه ذلك وآمن بالغيب ، ومعنى المجيء به هو أنه يظهره ، كما يقال الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أي أظهره ، ولما كانت شدة الموت مظهرة له قيل فيه جاء به ، والباء حينئذ يحتمل أن يكون المراد منها ملبسة يقال جئتك بأمل فسيح وقلب خاشع ، وقوله { ذالك } يحتمل أن يكون إشارة إلى الموت ويحتمل أن يكون إشارة إلى الحق ، وحاد عن الطريق أي مال عنه ، والخطاب قيل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو منكر ، وقيل مع الكافرين وهو أقرب ، والأقوى أن يقال هو خطاب عام مع السامع كأنه يقول { ذلك ما كنت منه تحيد } أيها السامع . ! 7 < { ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد } . > 7 < ق : ( 20 ) ونفخ في الصور . . . . . > > عطف على قوله { وجاءت سكرة الموت } ( ق: 19 ) والمراد منه إما النفخة الأولى فيكون بيانا لما يكون عند مجيء سكرة الموت أو النفخة الثانية وهو أظهر لأن قوله تعالى : { ذلك يوم الوعيد } بالنفخة الثانية أليق ويكون قوله { وجاءت سكرة الموت } إشارة إلى الإماتة ، وقوله { ونفخ فى الصور } إشارة إلى الإعادة والإحياء ، وقوله تعالى : { ذالك } ذكر الزمخشري أنه إشارة إلى المصدر الذي من قوله { ونفخ } أي وقت ذلك النفخ يوم الوعيد وهو ضعيف لأن يوم لو كان منصوبا لكان ما ذكرنا ظاهرا وأما رفع يوم فيفيد أن ذلك نفس اليوم ، والمصدر لا يكون نفس الزمان وإنما يكون في الزمان فالأولى أن يقال ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله { ونفخ } لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ذلك الزمان يوم الوعيد ، والوعيد هو الذي أوعد به من الحشر والإيتاء والمجازاة . ! 7 < { وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } . > 7 ! < < ق : ( 21 ) وجاءت كل نفس . . . . . > > قد بينا من قبل أن السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده والشهيد هو الكاتب ، والسائق لازم للبر والفاجر أما البر فيساق / إلى الجنة وأما الفاجر فإلى النار ، وقال تعالى : { وسيق الذين كفروا } ( الزمر : 71 ) { وسيق الذين اتقوا ربهم } ( الزمر : 73 ) . ! 7 < { لقد كنت فى غفلة من هاذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد } . > 7 < ق : ( 22 ) لقد كنت في . . . . . > >

Section V28/P141–V28/P142

وقوله تعالى : { لقد كنت فى غفلة من هاذا } إماعلى تقدير يقال له أو قيل له { لقد كنت } كما قال تعالى : { وقال لهم خزنتها } ( الزمر : 73 ) وقال تعالى : { قيل ادخلوا أبواب جهنم } ( الزمر : 72 ) والخطاب عام أما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علما ويظهر له ما كان مخفيا عنه ويرى علمه يقينا رأى المعتبر يقينا فيكون بالنسبة إلى تلك الأحوال وشدة الأهوال كالغافل وفيه الوجهان اللذان ذكرناهما في قوله تعالى : { ما كنت منه تحيد } ( ق: 19 ) والغفلة شيء من الغطاء كاللبس وأكثر منه لأن الشاك يلتبس الأمر عليه والغافل يكون الأمر بالكلية محجوبا قلبه عنه وهو الغلف . وقوله تعالى : { فكشفنا عنك غطاءك } أي أزلنا عنك غفلتك { فبصرك اليوم حديد } وكان من قبل كليلا ، وقرينك حديدا ، وكان في الدنيا خليلا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى . ! 7 < { وقال قرينه هاذا ما لدى عتيد ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } . > 7 ! < < ق : ( 23 ) وقال قرينه هذا . . . . . > > وفي القرين وجهان أحدهما الشيطان الذي زين الكفر له والعصيان وهو الذي قال تعالى فيه { وقيضنا لهم قرناء } ( فصلت : 25 ) وقال تعالى : { نقيض له شيطانا فهو له قرين } ( الزخرف : 36 ) وقال تعالى : { فبئس القرين } ( الزخرف : 38 ) فالإشارة بهذا المسوق إلى المرتكب الفجور والفسوق ، والعتيد معناه المعد للنار وجملة الآية معناها أن الشيطان يقول هذا العاصي شيء هو عندي معد لجهنم أعددته بالإغواء والإضلال ، والوجه الثاني { وقال قرينه } أي القعيد الشهيد الذي سبق ذكره وهو الملك وهذا إشارة إلى كتاب أعماله ، وذلك لأن الشيطان في ذلك الوقت لا يكون له من المكانة أن يقول ذلك القول ، ولأن قوله { هاذا ما لدى عتيد } فيكون عتيد صفته ، وثانيهما أن تكون موصولة ، فيكون عتيد محتملا الثلاثة أوجه أحدها : أن يكون خبرا بعد خبر والخبر الأول { ما لدى } معناه هذا الذي هو لدي وهو عتيد وثانيها : أن يكون عتيد هو الخبر لا غير ، و { ما لدى } يقع كالوصف المميز للعتيد عن غيره كما تقول هذا الذي عند زيد وهذا الذي يجيئني عمرو فيكون الذي عندي والذي يجيئني لتمييز المشار إليه عن غيره ثم يخبر عنه بما بعده ثم يقال للسائق أو الشهيد { ألقيا فى جهنم } فيكون هو أمرا لواحد ، وفيه وجهان أحدهما أنه ثنى تكرار الأمر كما ألق ألق ، وثانيهما عادة العرب ذلك . وقوله { كل كفار عنيد } الكفار يحتمل أن يكون من الكفران فيكون بمعنى كثير / الكفران ، ويحتمل أن يكون من الكفر ، فيكون بمعنى شديد الكفر ، والتشديد في لفظة فعال يدل على شدة في المعنى ، والعنيد فعيل بمعنى فاعل من عند عنودا ومنه العناد ، فإن كان الكفار من الكفران ، فهو أنكر نعم الله مع كثرتها . ! 7 < { مناع للخير معتد مريب } . > 7 ! < < ق : ( 25 ) مناع للخير معتد . . . . . > > وقوله تعالى : { مناع للخير } .

Section V28/P142–V28/P143

فيه وجهان أحدهما : كثير المنع للمال الواجب ، وإن كان من الكفر ، فهو أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيدا حيث أنكر الأمر اللائح والحق الواضح ، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب ، والخير هو المال ، فيكون كقوله تعالى : { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكواة } ( فصلت : 6 ، 7 ) حيث بدأ ببيان الشرك ، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول : كفر أنعم الله تعالى ، ولم يؤد منها شيئا لشكر أنعمه وثانيهما : شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير . وقوله تعالى : { معتد } . فيه وجهان أحدهما : أن يكون قوله { معتد } مرتبا على { مناع } بمعنى مناع الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضا بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين وثانيهما : أن يكون قوله { معتد } مرتبا على { مناع } بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه . وقوله تعالى : { مريب } . فيه وجهان أحدهما : ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، والثواب فيقول : لا أقرب مالا من غير عوض وثانيهما : { مريب } يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعا ، وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله ، وإلى رسول الله ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله { كفار عنيد } إشارة إلى حاله مع الله يكفر بعد ويعاند آياته ، وقوله { مناع للخير معتد } إشارة إلى حاله مع رسول الله ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله { مريب } إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى : { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد مناع للخير } إلى غير ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصا بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها ، والكفر كاف في إيراث الإلقاء في جهنم والأمر به ، فنقول قوله تعالى : { كل كفار عنيد } ليس المراد منه الوصف المميز ، كما يقال : أعط العالم الزاهد ، بل المراد الوصف المبين بكون الموصوف موصوفا به إما على سبيل المدح ، أو على سبيل الذم ، كما يقال : هذا حاتم السخي ، فقوله { كل كفار عنيد } يفيد أن الكفار عنيد ومناع ، فالكفار كافر ، لأن آيات الوحدانية ظاهرة ، ونعم الله تعالى على عبده وافرة ، وعنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق فهو يمنع ، ومريب لأنه شاك في الحشر ، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات . ! 7 < { الذى جعل مع الله إلاها ءاخر فألقياه فى العذاب الشديد } . > 7 ! < < ق : ( 26 ) الذي جعل مع . . . . .

Section V28/P143–V28/P144

> > فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه بدل من قوله { كل كفار عنيد } ( ق: 24 ) ثانيها : أنه عطف على { كل كفار عنيد } ثالثها : أن يكون عطفا على قوله { ألقيا فى جهنم } كأنه قال : { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } أي والذي جعل مع الله إلاها آخر فألقياه بعد ما ألقيتموه في جهنم في عذاب شديد من عذاب جهنم . ثم قال تعالى : ! 7 < { قال قرينه ربنا مآ أطغيته ولاكن كان فى ضلل بعيد } . > 7 ! < < ق : ( 27 ) قال قرينه ربنا . . . . . > > وهو جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول : ربنا أطغاني شيطاني ، فيقول الشيطان : ربنا ما أطغيته ، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا { قال لا تختصموا لدى } ( ق: 28 ) لأن الاختصام يستدعي كلاما من الجانبين وحينئذ هذا ، كما قال الله تعالى في هذه السورة وفي ص { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم } ( ص: 60 ) وقوله تعالى : { قالوا ربنا من قدم لنا هاذا فزده } إلى أن قال : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص: 61 ، 64 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزمخشري : المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد ، واستدل عليه بهذا . وقال غيره ، المراد الملك لا الشيطان ، وهذا يصلح دليلا لمن قال ذلك ، وبيانه هو أنه في الأول لو كان المراد الشيطان ، فيكون قوله { هاذا ما لدى عتيد } ( ق: 23 ) معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي ، فإن الزمخشري صرح في تفسير تلك بهذه ، وعلى هذا فيكون قوله { ربنا ما أطغيته } مناقضا لقوله اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن يقول إن الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان وثانيهما : أن تكون الإشارة إلى حالين : ففي الحالة / الأولى إنما فعلت به ذلك إظهارا للانتقام من بني آدم ، وتصحيحا لما قال : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب ، كما قال تعالى : { فالحق والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك } ( ص : 84 ، 85 ) فيقول { ربنا ما أطغيته } فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب . المسألة الثانية : قال ههنا { قال قرينه } من غير واو ، وقال في الآية الأولى { وقال قرينه } ( ق: 23 ) بالواو العاطفة ، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ، ويقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو ، والفاء في قوله { فألقياه فى العذاب } ( ق: 26 ) لا يناسب قوله تعالى : { قال قرينه ربنا ما أطغيته } مناسبة مقتضية للعطف بالواو .

Section V28/P144–V28/P145

المسألة الثالثة : القائل ههنا واحد ، وقال { ربنا } ولم يقل رب ، وفي كثير من المواضع مع كون القائل واحدا ، قال رب ، كما في قوله { قال رب أرنى أنظر إليك } ( الأعراف : 143 ) وقول نوح { رب اغفر لى } ( نوح : 28 ) وقوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلى } ( يوسف : 33 ) وقوله { قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } ( التحريم : 11 ) إلى غير ذلك ، وقوله تعالى : { قال رب أنظرنى إلى يوم يبعثون } ( ص : 79 ) نقول في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب : يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا ، وإنما يقول : أعطنا لأن كونه ربا لا يناسب تخصيص الطالب ، وأما هذا الموضع فموضع الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال : { ربنا ما أطغيته } . وقوله تعالى : { ولاكن كان فى ضلال بعيد } . يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه ، وإنما كان ضالا متغلغلا في الضلال فطغى ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد ؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالا عن الطريق ، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيرا ، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرا ، فقوله { ضلال بعيد } وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد ، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير بينا ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق ، وربما يقع في أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة في ضلال مبين وأخرى قال : { فى ضلال بعيد } . المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولاكن كان فى ضلال بعيد } إشارة إلى قوله { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) وقوله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) أي لم يكونوا من العباد ، فجعلهم أهل العناد ، ولو كان لهم في سبيلك قدم صدق لما كان لي عليهم من يد ، والله أعلم . المسألة الثالثة : كيف قال ما أطغيته مع أنه قال : { لاغوينهم أجمعين } ؟ ( الحجر : 39 ) قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه وجهان : قد تقدما في الاعتذار عما قاله الزمخشري والثالث : هو أن يكون المراد من قوله { لاغوينهم } أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على الجادة ، فلا تتركها ، يقال أنه يضله كذلك ههنا ، وقوله { ما أطغيته } أي ما كان ابتداء الإطغاء مني . ! 7 < { قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد } . > 7 < ق : ( 28 ) قال لا تختصموا . . . . . > > ثم قال تعالى : { قال لا تختصموا لدى } . قد ذكرنا أن هذا دليل على أن هناك كلاما قبل قوله { قال قرينه ربنا ما أطغيته } ( ق: 27 ) وهو قول الملقى في النار ربنا أطغاني وقوله { لا تختصموا لدى } يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين يدي . وقوله تعالى : { وقد قدمت إليكم بالوعيد } .

Section V28/P145

تقرير للمنع من الاختصام وبيان لعدم فائدته ، كأنه يقول قد قلت إنكم إذا اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه ، فإن قيل ما حكم الباء في قوله تعالى : { بالوعيد } ؟ قلنا فيها وجوه أحدها : أنها مزيدة كما في قوله تعالى { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) ، على قول من قال إنها هناك زائدة ، وقوله { وكفى بالله } ( النساء : 6 ) وثانيها : معدية فقدمت بمعنى تقدمت كما في قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله } ( الحجرات : 1 ) ثالثها : في الكلام إضمار تقديره ، وقد قدمت إليكم مقترنا بالوعيد { ما يبدل القول لدى } ( ق: 29 ) فيكون المقدم هو قوله ، ما يبدل القول لدي ، رابعها : هي المصاحبة يقول القائل : اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أي معه فيكون كأنه تعالى قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه بالإنذار . ! 7 < { ما يبدل القول لدى ومآ أنا بظلام للعبيد } . > 7 < ق : ( 29 ) ما يبدل القول . . . . . > > وقوله تعالى : { ما يبدل القول لدى } يحتمل وجهين :

Section V28/P145–V28/P146

أحدهما : أن يكون قوله { لدى } متعلقا بالقول أي { ما يبدل القول لدى } وثانيهما : أن يكون ذلك متعلقا بقوله { ما يبدل } أي لا يقع التبديل عندي ، وعلى الوجه الأول في القول الذي لديه وجوه أحدها : هو أنهم لما قالوا حتى يبدل ما قيل في حقهم { ألقيا } ( ق: 24 ) بقول الله بعد اعتذارهم لا تلقياه فقال تعالى : ما يبدل هذا القول لدي ، وكذلك قوله { وقيل ادخلوا أبواب جهنم } ( الزمر : 72 ) لا تبديل له ثانيها : هو قوله { ولاكن حق القول منى لاملان جهنم } ( السجدة : 13 ) أي لا تبديل لهذا القول ثالثها : لا خلف في إيعاد الله تعالى كما لا إخلاف في ميعاد الله ، وهذا يرد على المرجئة حيث قالو ما ورد في القرآن من الوعيد ، فهو تخويف لا يحقق الله شيئا منه ، وقالوا الكريم إذا وعد أنجز ووفى ، وإذا أوعد أخلف وعفا رابعها : لا يبدل القول السابق أن هذا شقي ، وهذا سعيد ، حين خلقت العباد ، قلت هذا شقي ويعمل عمل الأشقياء ، وهذا تقي ويعمل عمل الأتقياء ، وذلك القول عندي لا تبديل له بسعي ساع ولا سعادة إلا بتوفيق الله تعالى ، وأما على الوجه الثاني ففي { ما يبدل } وجوه أيضا أحدها : لا يكذب لدي ولا يفتري بين يدي ، فإني عالم علمت من طغى ومن أطغى ، ومن كان طاغيا ومن كان أطغى ، فلا يفيدكم قولكم أطغاني شيطاني ، ولا قول الشيطان { ربنا ما أطغيته } ( ق: 27 ) ثانيها : إشارة إلى معنى قوله تعالى : { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } ( الحديد : 13 ) كأنه تعالى قال لو أردتم أن لا أقول فألقياه في العذاب الشديد كنتم بدلتم هذا من قبل بتبديل الكفر بالإيمان قبل أن تقفوا بين يدي ، وأما الآن فما يبدل القول لدي كما قلنا في قوله تعالى : { قال لا تختصموا لدى } ( ق: 28 ) المراد أن اختصامكم كان يجب أن يكون قبل هذا حيث قلت { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) ثالثها : معناه لا يبدل الكفر بالإيمان لدي ، فإن الإيمان عند اليأس غير مقبول فقولكم ربنا وإلاهنا لا يفيدكم فمن تكلم بكلمة الكفر لا يفيده قوله ربنا ما أشركنا وقوله ربنا آمنا وقوله تعالى : { ما يبدل القول } إشارة إلى نفي الحال كأنه تعالى يقول ما يبدل اليوم لدي القول ، لأن ما ينفي بها الحال إذا دخلت على الفعل المضارع ، يقول القائل ماذا تفعل غدا ؟

Questions